أوراق و دراساتسياسية

التنافس الروسي – التركي وتأثيره على الأمن القومي الليبي

ماجدة محمد الفلاح

باحثة ليبية، تعد للحصول على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، جامعة محمد الخامس – سويسي، المغرب

الملخص:

إن موقع ليبيا الجيوسياسي جعلها أحد أهم مناطق التنافس في البحر المتوسط بعد 2011، حيث تحولت لساحة مفتوحة أمام التنافس الدولي والإقليمي، ونموذجاً لتقاطع المصالح وتوازن القوى في المنطقة، ومع وصول الرئيس رونالد ترامب للرئاسة في الفترة (2017-2021) واعتماده لمبدأ “أميركا أولاً” في سياسته الخارجية، أتاح لكل من روسيا وتركيا تعزيز نفوذهما السياسي والعسكري في ليبيا.

تهدف هذه الدراسة إلى تحليل ديناميكيات التنافس الروسي-التركي في ليبيا في ظل سياسة ترامب الخارجية ومبدأ “أميركا أولاً”، من خلال طرح إشكالية الدراسة وهي: كيف أثر التنافس الروسي-التركي على محددات الأمن القومي الليبي في ظل سياسة ترامب الخارجية والتحولات الإقليمية والدولية؟.

وتنطلق هذه الدراسة من فرضية ” أن التنافس الروسي التركي في ليبيا، في ظل الانكفاء النسبي لإدارة ترامب، أدى إلى إضعاف الأمن القومي الليبي وزيادة هشاشته، نتيجة تضارب المصالح وتعدد مراكز النفوذ الإقليمي والدولي داخل الدولة الليبية.

تعتمد الدراسة على منهج دراسة الحالة (Case study method)، لدراسة التنافس الدولي في ليبيا، والمنهج التحليل الجيوسياسي المقارن (Comparative Geopolitics Analysis)، لتحليل ومقارنة أدوات النفوذ لكل من روسيا وتركيا وأميركا وتأثيرها على الأمن القومي الليبي.

وتخلص أن فهم التنافس الروسي التركي والسياسة الأميركية في ليبيا يمثل مدخلاً لوضع مقاربة وطنية متوازنة لحماية المصالح الليبية العليا وتعزيز وحدتها واستقرارها السياسي والأمني.

الكلمات المفتاحية:

 الجيوسياسة، ليبيا، الولايات المتحدة، التدخل الدولي والإقليمي، البحر المتوسط.

المقدمة

إن موقع ليبيا الجغرافي على ضفاف المتوسط، وحدودها الجنوبية مع أفريقيا، جعلها جسراً استراتيجياً بين أوروبا وأفريقيا، وأكسبها أهمية جيوسياسية؛ بما تمتلكه من موارد طبيعية وطاقوية، وأصبحت محوراً للتنافس الدولي والإقليمي.

لقد بدأ التدخل الدولي والإقليمي في ليبيا مبكراً بعد اندلاع الثورة في 2011، وزاد بعد 2014 بسبب اندلاع الصراع الداخلي وبداية الانقسام، أما التنافس الروسي التركي فبدأ في 2019، لتصبح ليبيا ساحة تنافس بين قوى دولية وإقليمية تسعي لضمان مصالحها المتقاطعة من خلال دعم أحد الأطراف المحلية، وهذا ما زاد من حدة الاستقطاب بين الأطراف الداخلية المتصارعة وساعد في استمرار الأزمة الليبية.

وقد ظهر التنافس الروسي التركي في ليبيا مؤخراً بسبب تقاطع مصالحهما، فبينما تحرص موسكو على ضمان موطئ قدم لها في الموانئ النفطية بالشرق والجنوب الليبي، وطريق إلى المياه الدافئة، تسعي تركيا لترسيم حدودها البحرية مع الساحل الشرقي الليبي، وتأمين مصالحها الاقتصادية، مما جعل ليبيا مسرحاً لتوازنات قوى إقليمية ودولية وجزء من معادلات جيوسياسية خارج حدودها.

مع وصول دونالد ترامب إلى الحكم، واعتماد إدارته سياسة خارجية اتسمت بتقليص الانخراط السياسي والعسكري، وحصر الاهتمام في المصالح الاقتصادية تحت شعار “أميركا أولاً”، تراجع الدور الأميركي الفاعل في ليبيا، الأمر الذي أتاح لكل من روسيا وتركيا توسيع نطاق تنافسهما داخل الساحة الليبية، وهذا ما انعكس سلباً على استقرار الدولة ومحددات الأمن القومي الليبي.

أهمية الدراسة

تكمن أهمية الدراسة في الآتي:

– ابراز الأهمية الجيوسياسية لليبيا كجسر يربط بين مصالح إقليمية ودولية، وتحليل تفاعلاتها وتأثيرها على الأمن القومي الليبي، وعلى توازنات الجيوسياسية في منطقة البحر المتوسط وشمال أفريقيا.

– إدراك طبيعة التنافس بين القوى الفاعلة وفهم مسارات تأثيرها مما يتيح توظيفها لوضع سياسات واقعية تحقق المصلحة الوطنية الليبية بصورة مستقلة ومتوازنة.

الأهداف

تهدف الدراسة إلى تحليل طبيعة وأبعاد التنافس الروسي التركي في ليبيا، في ضوء التحولات الجيوسياسية التي شهدتها إدارة ترامب الأولى، تحديد تأثير التنافس الروسي التركي وانعكاساته على الأمن القومي الليبي، وتوضيح أثر سياسة ترامب الخارجية على التوازن الدولي على الساحة الليبية وتعاظم النفوذ الروسي التركي، استشراف تداعيات هذا التنافس على الاستقرار والأمن القومي في ليبيا والأمن الإقليمي في منطقة البحر المتوسط.

إشكالية الدراسة

السؤال الرئيسي لهذه الدراسة هو: كيف أثر التنافس الروسي-التركي على محددات الأمن القومي الليبي في ظل سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الخارجية والتحولات الإقليمية والدولية؟

فرضية الدراسة

إن التنافس الروسي التركي في ليبيا، في ظل الانكفاء النسبي لإدارة ترامب، أدى إلى إضعاف الأمن القومي الليبي وزيادة هشاشته، نتيجة تضارب المصالح وتعدد مراكز النفوذ الإقليمي والدولي داخل الدولة الليبية.

منهجية الدراسة

تعتمد الدراسة على منهج دراسة الحالة (Case study method)، لدراسة التنافس الدولي في ليبيا، ومنهج التحليل الجيوسياسي المقارن (Comparative Geopolitics Analysis) لتحليل ومقارنة أدوات النفوذ لكل من روسيا وتركيا وتأثيرها على الأمن القومي الليبي.

حدود الدراسة

الحدود المكانية: تركز الدراسة على الدولة الليبية كمسرح للتنافس الروسي التركي.

 الحدود الزمانية: تغطي الدراسة الفترة من عام 2017-2021 وهي فترة رئاسة دونالد ترامب الأولى.

الحدود الموضوعية: تتناول الدراسة التنافس الروسي التركي في ليبيا وتأثيره على أمنها القومي، وتأثير الدور الأميركي كعامل مؤثر في توازن القوى المتنافسة في ليبيا.

تقسيمات الدراسة

بناء على إشكالية وفرضية الدراسة تم تقسيم الدراسة إلى ثلاث مباحث: المبحث الأول: التنافس الدولي في ليبيا: الإطار الجيوسياسي ومحدداته، المبحث الثاني: التنافس الروسي التركي في ليبيا وتأثيره على الأمن القومي الليبي، المبحث الثالث: السياسة الأميركية وأثرها على التنافس الدولي في ليبيا  

المبحث الأول – التنافس الدولي في ليبيا: الإطار الجيوسياسي ومحدداته

تستمد الدول أهميتها الجيوسياسية على الخريطة من موقعها الجغرافي وما يرتبط به من أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية، الأمر الذي يجعلها محط اهتمام القوى الدولية والإقليمية. وفي هذا الإطار، تقوم العلاقات الدولية لاسيما بين الدول الكبرى، على منطق القوة وتوازن المصالح، خاصة في الحالات التي تتقاطع فيها مصالحها الاستراتيجية وتتنافس فيها دوائر نفوذها.

 ويقصد بمفهوم الجيوسياسي التفاعل المستمر والمتغير والمعقد بين الجغرافيا والسياسة، حيث يقدم هذا المفهوم إطاراً تحليلياً أكثر شمولية ودقة لفهم العلاقات الدولية والاستراتيجيات الكبرى للدول.

ويعود أصل مصطلح جيوسياسة إلى كلمتين: الجيو وتعني الأرض أو الجغرافيا، والسياسة يقصد بها التفاعل المعقد بين الجغرافيا والسياسة، أو ما تقوم به الدولة للحفاظ على مصالحها في كل المسارات السياسية والاقتصادية والعسكرية للوصول إلى الصورة الأمثل.

وربما يقودنا هذا إلى مفهوم آخر وهو المجال الحيوي للدول الذي يضمن تقدمها واستقرارها، أو كما كان يرى هاوسهوفر أنه استراتيجية للبقاء والنمو، ويرى أنصار المدرسة الواقعية أن علاقات الدول الكبرى تبنى على صراع دائم حول المحاور الاستراتيجية داخل النظام الدولي، بما يؤدي إلى تشكل جغرافيا سياسية قائمة على موازين القوة وتوزيع النفوذ والتأثير بين الفاعليين الدوليين[1].

المطلب الأول: الإطار المفاهيمي للتنافس الجيوسياسي

الإطار المفاهيمي للتنافس الدولي يشكل أساساً لفهم التفاعلات بين الدول في النظام الدولي، فهو وجه من أوجه العلاقات الدولية نتيجة لسعي الدول لتحقيق أهدافها ومصالحها وفقاً لإمكانياتها المتاحة، وقبل أن نتناول محددات التنافس الدولي في ليبيا نحدد ماهية التنافس الدولي.

ماهية التنافس الدولي:

إن التنافس حالة طبيعية نتيجة سعي الدول إلى تحقيق مصالحها بشكل سلمي، وقد ارتبط المفهوم بالمنافسة الاقتصادية في فترة ما بعد الحرب الباردة حيث أصبح الاقتصاد المحرك الأساس للسياسة الخارجية للدول[2]، إلا أن سعي الدول إلى تعظيم المصالح الوطنية التي قد تتعارض مع مصالح دول أخرى ينتج عنه حالة من التنافس، وقد يتحول التنافس إلى صراع إذا حاول أحد الأطراف المتنافسة منع الطرف الآخر من تحقيق أهدافه [3].

ويرجع مصطلح التنافس إلى اللغة اللاتينية curn-ludere وتعني اللعب معاً بالعربية، أما التنافس في اللغة العربية، فيعني التسابق والتزاحم لتحقيق التفوق وبلوغ الهدف وقد يكون بين الأفراد أو الدول[4].

أما اصطلاحاً فيعرف التنافس الدولي على أنه نشاط يسعي من خلاله طرفان أو أكثر إلى تحقيق نفس الهدف من خلال عملية تفاعلية مصاحبة لإعداد القرار السياسي[5].

كما يعرف التنافس الدولي بأنه حالة من الاختلاف (لا ترقي إلى صراع أو تسبقه) بين الدول تأخذ أبعاد سياسية أو اقتصادية لتحقيق مصالح وطنية والوصول إلى مكانه في الإطار الإقليمي أو الدولي [6]، ويتوقف هذا على الموارد المادية وغير المادية التي تمتلكها تلك القوى.

إلا أن الباحث الاجتماعي لويس كوسر يرى أن الصراع هو حالة تنافس بين الدول على القوة والموارد، يكون الهدف هو تحييد أو الأضرار أو تصفية بالخصم[7].  

ويأتي التنافس بين القوى الكبرى والإقليمية على النفوذ في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في إطار السعي لامتلاك القدرة والقوة على تشكيل الخرائط السياسية للعالم وفق مصالحها الحيوية، وليبيا من المناطق ذات القيمة الجيوسياسة وجيواقتصادية وجيواستراتيجية.

وهناك عدة أبعاد للتنافس بين الدول الإقليمية والدولية في ليبيا:

– البعد العسكري من خلال الدعم اللوجستي لتشكيلات المسلحة أو التواجد العسكري.

– البعد الاقتصادي من خلال الدخول بمساهمات وشركات استثمارية والطرق التجارية وخاصة في مجال الطاقة وعقود في البنى التحتية وإعادة الاعمار.

– البعد السياسي والدبلوماسي بدعم أطراف النزاع، لتحسين تموضعهم الجيوبوليتيكي، ومكاسبهم الجيواستراتيجية، لإنتاج مقاربات جديدة، وتقوية القوة التفاوضية لهم في ملفات أخرى.

– البعد الثقافي والاستثمار في القوة الناعمة من خلال المراكز الثقافية، والقنوات التلفزيونية، ومواقع التواصل الاجتماعي، والتعاون مع مراكز دراسات، وتقديم الدعم لمؤسسات المجتمع المدني لتغيير الرأي العام.  

– البعد التقني التكنولوجي من خلال استخدام صور التقنية المختلفة بما فيها الاعلام الرقمي والحرب الكترونية والتجسس.

المطلب الثاني: المحددات الجيوسياسية للتنافس الدولي في ليبيا

لفهم طبيعة التنافس الدولي في ليبيا فلابد من تحليل المحددات الجيوساسية التي تحكم سلوك القوى المتدخلة، وتمثل اطاراً تفسيرياً رئيسياً يوضح دوافع التدخل وأدوات النفوذ المستخدمة في ليبيا، وهذا المبحث يتناول أبرز المحددات الجيوسياسية للتنافس الدولي في ليبيا.

أولاً: المحدد التاريخي

 يعتبر من المحددات المهمة التي يجب تحليلها لدراسة التدخل الخارجي الذي تشهده ليبيا، فموقعها الجغرافي يشكل أهميتها الجيواستراتيجية على مر التاريخ، فهي بوابة تربط أوروبا بالعمق الأفريقي، وجسر يربط المشرق بالمغرب العربي، هذه الأهمية جعلت من ليبيا عرضه لتنافس القوى البرية والبحرية، وعندما امتلكت ليبيا القوتين البرية والبحرية في عهد الأسرة القرمانلية، تمكنت من السيطرة على حوض البحر المتوسط، وأرغمت القوات الأميركية على دفع الأتوة لتأمين حركتها في حوض المتوسط[8].

إن التنافس على موقع ليبيا الجيواستراتيجي استمر بسبب ما تملكه من موارد طبيعية، جعلها عرضه للغزو الخارجي المتكرر على مر التاريخ، ولكي نفهم ما تتعرض له ليبيا من تنافس إقليمي ودولي هذه الفترة، نحتاج فهم الخارطة السياسية التي حددت مصير ليبيا قديماً وربطها بما تمر به اليوم.

لقد كانت ليبيا ساحة للغزو الأجنبي بسبب صراع القوى الدولية حول البحر المتوسط؛ فمنطقة البحر المتوسط كانت منطقة صراع حضاري، فمنذ الحروب الفرعونية البابلية في القرن 17 قبل الميلاد، وحتى الاستعمار الإيطالي في القرن 20، مروراً بالصراع القرطاجي الروماني في القرن 3 و2 قبل الميلاد، والصراع الإسلامي الصليبي في القرن 7 للميلاد، والصراع العثماني الأوروبي في القرن 15 للميلاد، وحتى اليوم مازالت ليبيا ساحة للصراع الدولي والإقليمي[9].

لقد تعرضت ليبيا لنوعين من الاستعمار؛ استعمار استيطاني واستعمار استراتيجي وبعضه جمع بين الاستيطاني والاستراتيجي، فالاستعمار الاغريقي والروماني كانا استعماراً استيطانياً، بينما التواجد العثماني كان وجوداً استراتيجياً، أما الاستعمار الإيطالي فكان استعمار استيطاني واستراتيجي[10]. وربما انكشاف ليبيا الاستراتيجي أمام القوى البرية والبحرية قد يفسر بالفراغ السكاني، ووجودها بين كتلتين بشريتين، فهي كما يقول جمال حمدان ممراً للقوة وليست مقراً لها [11].

إن التواجد العثماني في ليبيا الذي استمر حوالي أربعة قرون من فترة استرجاع طرابلس من فرسان القديس يوحنا عام 1511 وحتى عام 1912 أي بعد عام من الغزو الإيطالي وتوقيع معاهدة اوشي لوان مع ايطاليا[12]، كان تواجداً استراتيجياً في زمن كانت الإمبراطورية العثمانية تخوض صراعاً بحرياً ضد الأسبان في منطقة البحر المتوسط، وموقع ليبيا مثل أهمية جيواستراتيجية في هذا الصراع، وأحدث توازن للقوى في المتوسط[13].

بعد هزيمة تحالف المحور في الحرب العالمية الثانية، الذي ضم كل من إيطاليا، وألمانيا، واليابان، عادت ليبيا لتكون ساحة لتنافس القوى الكبرى حيث استطاعت بريطانيا أن تفرض إدارتها على كل من برقة وطرابلس، فيما سيطرت فرنسا على فزان، وفشل الاتحاد السوفيتي في الوصاية على طرابلس، وبسبب التوازنات الجيوسياسية بين الاتحاد السوفيتي والغرب تم منح ليبيا استقلالها للوقوف ضد رغبة الاتحاد السوفيتي في الوصول لحوض البحر المتوسط، كما قال جمال حمدان “اختلف الاستعماريون فاستقلت المستعمرة” [14].

حصلت ليبيا على استقلالها في 1951 بنظام فيدرالي اتحادي، مع استمرار الرعاية الأوربية من خلال تأجير قواعد عسكرية على الساحل الليبي لكل من بريطانيا وأميركا في شرق البلاد وغربها، لما يمثله الساحل الليبي على البحر المتوسط من أهمية استراتيجية.

إن المحدد التاريخي يمثل الخلفية العميقة التي توجه الدول وتحدد رؤيتها لمجالها الحيوي، ويشكل أساساً للتحالف أو الصراع أو التعاون، ويعيد تجديدها في مراحل زمنية، وهذا ما نشهده في ليبيا من عودة للتنافس الجيوسياسي بين كل من روسيا وتركيا، لهذا يعتبر المحدد التاريخي اطارا مرجعيا يفسر سلوك ودوافع بعض الفاعليين الدوليين والاقليميين في ليبيا.

ثانياً: المحدد الجغرافي

الجغرافيا بشقيها؛ الطبيعية والبشرية لا تقل أهمية على المحدد التاريخي في تحديد الأهمية الجيوسياسية للدول، وموقع ليبيا الجغرافي، في منتصف الساحل الجنوبي للبحر المتوسط، جعلها عرضه لصراع إقليمي ودولي على مر التاريخ، فالبحر المتوسط كان ومازال ساحة لتوازن القوى.

 فليبيا جغرافياً تحتل مساحة شاسعة من الأرض، تصل إلى أكثر من 1.7 مليون كيلو متر مربع، أي ثالث أكبر دولة في أفريقيا بعد الجزائر والكونغو، والمسافة من الشمال للجنوب حوالي 1560كم، ومن الشرق للغرب حوالي 1600 كم [15]، ولها حدود ممتدة تربطها بست دول هي؛ تشاد والنيجر جنوباً، ومصر والسودان من الشرق وتونس والجزائر من الغرب، بحدود يبغ طولها حوالي 4،384 كم، بينما يبلغ طول الساحل الشمالي المطل على البحر المتوسط 1770 كم[16].

هذا الموقع جعل ليبيا تقع بين خمس دوائر لها أهمية جيواستراتيجية؛ الدائرة الأورومتوسطية، والدائرة الأناضولية [17]، والدائرة الأفريقية، والدائرة المشرقية والمغاربية.

وتشكل الصحراء حوالي 85٪ من مساحة ليبيا، وكثافتها السكانية لا تتجاوز 7 مليون نسمة، مما أدى إلى حالة من الضعف الجيوبوليتيكي، حيث أدي تمركز معظم السكان في 10٪ من المساحة الجغرافية في القسم الشمالي الساحلي، مقابل فراغ ديمغرافي واسع في الجنوب، رغم وفرة الموارد الطبيعية في هذه المنطقة (حيث تركز 10٪ من السكان في 90٪ من المساحة) [18] وهذا نتج عنه فراغاً استراتيجياً، شكل مصدراً مباشراً لتهديدات الأمن القومي الليبي.

إن الخلل في التوازن بين المحددين الجغرافي والديموغرافي في ليبيا، في ظل غياب بنية تحتية وشبكة للمواصلات تربط أطراف البلاد بالمركز، أدى إلى ضعف علاقة الأقاليم بعضها ببعض وسهولة تقسيمها، وتوطيد علاقة الأطراف بالدول المجاورة، وتعزيز الهجرة الداخلية من الجنوب إلى الشمال، وتعرض الدولة تاريخياً لأكثر من غزو، وهذا ما وصفه جمال حمدان بالثنائية الإقليمية.

ثالثًا: المحدد الاقتصادي

 تتميز ليبيا بامتلاكها أكبر احتياطات النفط في القارة الأفريقية والتاسع عالمياً ، فمخزونها النفطي يصل إلى 48.4 مليار برميل، حيث تمتلك 3 أحواض كبرى من النفط الصخري والغاز وهي؛ حوض سرت وحوض مرزق وغدامس، إلى جانب حوض الكفرة، ويبلغ احتياطي النفط الصخري  حوالي 613 مليار برميل أما القابل للاستخراج فيصل إلى 26 مليار برميل كخامس أكبر احتياطي في العالم، وهذا رفع العمر الافتراضي لاحتياط النفط إلى 122 عام بدل 70 عام، كما تمتلك ليبيا احتياط غاز يصل إلى 942 ترليون قدم مكعب من احتياط الغاز الصخري، إضافة للنفط والغاز تتمتع ليبيا بموارد طبيعية ومعادن مثل الذهب واليورانيوم والحديد والطاقات النظيفة والمتجددة [19].

ويشكل النفط المورد الاقتصادي الرئيس للدولة، الذي منحها وزناً اقتصادياً واستراتيجياً فاعلاً في حسابات القوى الدولية، فهو أحد أهم محركات التنافس الدولي في ليبيا، حيث ارتبطت مصالح الفاعليين الخارجيين بالسعي للتحكم في مناطق الإنتاج وموانئ التصدير والبنية التحتية للطاقة.

رابعًا: المحدد السياسي

 تعتبر ليبيا ساحة تقاطع مصالح دولية كانت تربطها بليبيا علاقات تاريخية واقتصادية وعسكرية، فتركيا ربطتها علاقة تاريخية امتدت لأكثر من أربع قرون، وعلاقة تجارية واقتصادية مع النظام السابق[20]، أما روسيا فربطتها علاقات تاريخية وعسكرية، وترى في ليبيا ساحة لأحداث توازن مع الغرب في المتوسط، من خلال الوصول إلى المياه الدافئة خاصة بعد سقوط سوريا[21]. كما أن حالة الانقسام السياسي التي تعيشها ليبيا سمحت بالتدخل الخارجي في ظل الانكفاء النسبي للولايات المتحدة الأميركية.

خامساً: المحدد الأمني

تعتبر ليبيا ممراً رئيسياً للتجارةفي الماضي بين أوروبا وأفريقيا، واليوم أصبحت ممراً لعبور الهجرة غير النظامية لأوروبا، كما أن حدودها مع أفريقيا أصبحت ممراً لتجارة غير مشروعة ولعمليات التهريب وتحرك للمجموعات المسلحة عبر للحدود والجماعات الإرهابية، مما زاد من أهميتها كمحدد أمني لأوروبا ولحلف الناتو، كما أن غياب الاستقرار والفوضى الأمنية التي تعيشها ليبيا أصبحت تشكل تهديداً للأمن الإقليمي، وهذا ما سمح للدول الإقليمية وروسيا بالتدخل في ظل الانكفاء النسبي لإدارة الأميركية [22].

المبحث الثاني: التنافس الروسي التركي في ليبيا والأمن القومي الليبي

تعتبر روسيا وتركيا من أبرز اللاعبين في الساحة الليبية، حيث تتنافس كل منهما على النفوذ في ليبيا لتعزيز وجودهما في المنطقة، وذلك من خلال دعم أطراف الصراع في ليبيا، ويأتي هذا الصراع للأهمية الجيوسياسية لليبيا، ولتحقيق مصالحهما فيها.

 المطلب الأول: الدوافع الجيوسياسية وأدوات النفوذ الروسي في ليبيا

يعد الوجود الروسي على الأراضي الليبية أحد أبرز مظاهر التنافس الجيوسياسي الدولي، حيث سعت موسكو إلى استثمار حالة الانقسام المؤسسي والسيولة السياسية في ليبيا، لتعيد تموضعها كفاعل دولي مؤثر في منطقة شمال أفريقيا وشرق المتوسط. ودوافع موسكو في ليبيا تنطلق من مصلحتها الوطنية وسياستها الواقعية، فليبيا هي ساحة نفوذ فقدتها روسيا بعد 2011، تعمل على استرجاع مصالحها فيها من خلال توظيف عدة أدوات.

ويهدف هذا المطلب إلى تحليل الدوافع الجيوسياسية وراء السلوك الروسي وتحديد الأدوات التي تعتمد عليها موسكو في توسيع نفوذها في ليبيا.

أولاً: الدوافع الجيواستراتيجية الروسية في ليبيا

إن المقاربة الروسية تجاه ليبيا تنطلق من عدة دوافع جيواستراتيجية تتجاوز الأزمة الليبية الحالية، فهي ترتبط بسعي موسكو في إعادة تموضعها كقوة دولية فاعلة في مناطق نفوذ أوربية، خاصة في منطقة شمال أفريقيا وشرق البحر المتوسط، وهذا يوفر لها فرصة لإعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية والدولية.

ويعد موقع ليبيا الجغرافي أحد أبرز محددات الاهتمام الروسي بليبيا، فلطالما سعت موسكو للحصول على منفذ لها على البحر المتوسط، إذ تعود جذور الاهتمام الروسي بليبيا إلى مرحلة ما بعد هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية من خلال مطالبتها بالوصاية على اقليم طرابلس، غير أن الموقف البريطاني والأميركي أسهم في إفشال المشروع السوفيتي في ذلك الوقت ودفعا باتجاه دعم استقلال ليبيا[23].

  وترى روسيا في ليبيا نقطة انطلاق استراتيجية نحو العمق الأفريقي، لحماية مصالحها هناك، كما يسمح لها توسيع نطاق حضورها السياسي والأمني والاقتصادي داخل القارة الأفريقية، فيمكنها من التأثير في مسارات الهجرة غير النظامية المتجهة إلى أوروبا، وتوظيف هذا الملف كورقة ضغط جيوسياسية في تفاعلاتها مع القوى الأوروبية[24].

كما يمثل العامل الاقتصادي دافعاً مركزياً في السلوك الروسي تجاه ليبيا، إذ يمكنها من مكاسب استراتيجية في مجال الطاقة، فيعزز قدرتها على التأثير في معادلات أمن الطاقة، ويخلق لها عنصر ضغط استراتيجي على الغرب[25].

أما العامل الأمني فهو أحد الدوافع المركزية في المقاربة الروسية تجاه ليبيا، حيث ترى موسكو أن الساحة الليبية وما تشهده من هشاشة أمنية لها تأثير مباشر على الأمن الدولي والإقليمي لتبرير حضورها السياسي والعسكري أمام المجتمع الدولي، وتوظيفه ضمن استراتيجية تهدف للحد من التنظيمات المتطرفة، ومن أجل كسر العزلة الدولية المفروضة عليها، فوجودها على الأراضي الليبية يجعلها وسيط ولاعب رئيسي في أي تسوية سياسية للملف الليبي مع الدول الغربية، كما يسمح لها توظيف هذا الملف في معادلات سياسية أخرى مع الغرب والولايات المتحدة الأميركية، وخصوصا في ملف الحرب الأوكرانية والملف السوري[26].

ثانياً: أدوات النفوذ الجيوسياسي الروسي في ليبيا

وظفت روسيا حزمة من الأدوات لإدارة نفوذها في ليبيا، وقد اتسمت المقاربة الروسية بالبرغماتية وتنويع أدوات التأثير والجمع بين الوسائل الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية، بما يسمح لها بهامش من المناورة ويحقق لها مصالحها، في بيئة تتسم بتعدد الفاعلين وتقاطع المصالح.

وسوف نتناول أهم الأدوات الروسية لتوسيع النفوذ في ليبيا لتحليل انعكاساتها على التوازنات الجيوسياسية وعلى الأمن القومي الليبي.

1- الأداة السياسية والدبلوماسية للنفوذ الروسي في ليبيا

اعتمدت موسكو على الأداة السياسية والدبلوماسية في إدارة نفوذها الجيوسياسي في ليبيا، فمدت جسور التواصل مع كل الأطراف في ليبيا شرقاً وغرباً، مستندة لمقاربة براغماتية تقوم على الانفتاح مع الجميع وتجنب الانحياز العلني، وذلك بتبني سياسة إدارة التوازنات، لتعزيز قدرتها على المناورة في ظل الانقسام الذي تشهده ليبيا.

وقد شاركت موسكو في كل المؤتمرات المتعلقة بالأزمة الليبية من خلال دعمها لمسارات التسوية، ومنها مؤتمر برلين 2020، وباركت مخرجات جنيف، وفوز حكومة الوحدة الوطنية المنبثقة عن مؤتمر جنيف، ووظفت خطاب احترام سيادة الدول والشرعية الدولية، وهذا مكنها من فرض وجودها كطرف سياسي فاعل في الملف الليبي وكقوة دولية قادرة على التأثير في إدارة النزاعات الإقليمية[27].

وبرغم الدعم العسكري واللوجستي الكبير الذي قدمته لخليفة حفتر في هجومه على طرابلس، فقد حاولت لعب دور الوسيط السياسي لتقريب بين أطرف النزاع في ليبيا من خلال استضافتهم لمحادثات مباشرة في موسكو في وجود تركيا، بعد فشل الحملة العسكرية على طرابلس، حضر فيها كل من رئيس حكومة الوفاق الوطني وخليفة حفتر لموسكو في 2020، ولم يسفر هذا اللقاء على أي تقدم. ومازالت موسكو تدعم رموز النظام السابق وعلى رأسهم سيف الإسلام القذافي في العودة لتولي السلطة من خلال دعمه في التقدم للانتخابات الرئاسية.

 ولم تغفل موسكو على توظيف الأدوات الناعمة في توسيع نفوذها في ليبيا، فعملت على دعم شبكتي تلفزيون محلي وصحيفة مطبوعة، كما وظفت إذاعة RT الناطقة بالعربية، ومواقع للتواصل الاجتماعي، والتعاون مع بعض المراكز البحثية لتشجيع الدراسات البحثية حول عمق العلاقات التاريخية بين كل من طرابلس وموسكو[28].

لقد شكلت الأداة السياسية والدبلوماسية إطاراً ناظماً وغطاءً سياسياً لنفوذ الروسي في ليبيا، وأسهمت في تفعيل باقية الأدوات الاقتصادية والعسكرية وترسيخ الوجود الروسي كفاعل مؤثر في معادلة التنافس الجيوسياسي.

2- الأداة الاقتصادية والطاقة للنفوذ الروسي في ليبيا

مثلت الأداة الاقتصادية أحد الأدوات الأساسية التي اعتمدت عليها موسكو في تعزيز نفوذها الجيوسياسي في ليبيا، وخاصة قطاع الطاقة لما له من أهمية في تشكيل موازين القوة والنفوذ داخل ليبيا، وهذا يتيح لها التأثير في معادلات سوق الطاقة الإقليمية والدولية وفي تفاعلاتها مع القوى الأوربية [29].

 لهذا تسعي روسيا لإحياء الاتفاقيات السابقة مع النظام السابق، ولتعزيز حضورها في سوق الطاقة الليبية من خلال شركاتها الكبرى مثل “روسنفت” و “تاتنفت” و”غازبروم”، في منطقة الشرق الليبي تحت سيطرة حليفها خليفة حفتر[30]، كما تعمل على الحصول على عقود استثمارية في مشاريع إعادة الاعمار في المنطقة الشرقية، وهذا ما دفعها على تقديم الدعم المادي لخليفة حفتر من خلال طباعة ما يقارب 10 مليار دينار ليبي من غير موافقة مصرف ليبيا المركزي [31].

إن تركيز موسكو على ملف أمن الطاقة في ليبيا يسهم في تعزيز نفوذها الجيوسياسي ويمنحها القدرة على مسارات الصراع والتسوية وهذا ينعكس على الأمن القومي الليبي.

3- الأداة العسكرية للنفوذ الروسي في ليبيا

تبحث موسكو على قواعد عسكرية كنقاط تمركز لها خارج البحر الأسود لمواجهة حلف الناتو، ووجودها في ليبيا يعطيها فرصة التموضع في الحدود الجنوبية لحلف الناتو، مستخدمة القواعد الليبية في إحداث توازن استراتيجي، لتحمي مصالحها وتوسع دائرة نفوذها في شمال أفريقيا ومنطقة البحر المتوسط، ومنصة لمراقبة ورصد التحركات الإقليمية والدولية، والتحكم في ملفين استراتيجيين وآمينين بالنسبة لأوروبا؛ هما ملف الهجرة غير النظامية وملف أمن الطاقة. كما ان موسكو جعلت من ليبيا ساحة لاختبار التقنيات العسكرية المتقدمة والطائرات المسيرة والأسلحة السيبرانية[32].

لقد وجدت روسيا في حالة الفوضى وعدم الاستقرار التي حدث في ليبيا بعد 2014 فرصة لها لإيجاد موضع قدم لها في المنطقة، فلجأت لتوظيف الشركة الخاصة لمجموعة فاغنر القريبة من الحكومة الروسية، في تقديم الدعم اللوجستي والعسكري لخليفة حفتر في محاولته العسكرية للسيطرة على طرابلس من خلال مده بقوات من مجموعة فاغنر، وصيانة الأسلحة الروسية ، كما عملت على تقديم استشارات عسكرية[33].

 لقد وظفت موسكو أداة غير نظامية في نفوذها الجيوسياسي في ليبيا من خلال استخدام شركة عسكرية خاصة، مما سمح لها توسيع نفوذها في مناطق جيواستراتيجية مثل مناطق الحقول النفطية والمرتبطة بالموانئ، كما أن الأداة العسكرية مثلت ورقة ضغط لتقوية دورها السياسي والدبلوماسي وقدرتها التفاوضية، ووسيلة لتعظيم نفوذها الجيوسياسي والتأثير في مسارات التسوية وهذا يضعف الأمن القومي الليبي.

أي أن روسيا قد اعتمدت على مقاربة متعددة الأدوات ومتكاملة، لتعظيم نفوذها في ليبيا، فالأداة الدبلوماسية رسخت من خلالها حضورها السياسي، بينما وفرت الأداة الاقتصادية والاستثمار في قطاع الطاقة والإعمار لعلاقات طويلة الأمد لتحقيق مصالحها وتعزيز نفوذها، أما الأداة العسكرية فقد مثلت وسيلة مكنت موسكو من التأثير في موازين القوى دون الانخراط في تدخل عسكري مباشر، إن النفوذ الروسي في ليبيا يمثل تحدي مباشر للأمن القومي الليبي خاصة في ظل تقاطع المصالح الخارجية على الأراضي الليبية.

المطلب الثاني: الدوافع الجيوسياسية وأدوات النفوذ التركي في ليبيا

إن العلاقات الليبية التركية تمتد في عمق التاريخ، في علاقة استمرت لأكثر من أربعة قرون، استطاعت فيها الدولة العثمانية أن تخلص طرابلس من سيطرة الفرسان قديس يوحنا وتتولي ادارة الدولة. إلا أن لكل دولة مصالحها الوطنية التي تسعي لتحقيقها في علاقاتها الخارجية، وتستند المقاربة التركية تجاه ليبيا إلى جملة من الدوافع الجيوسياسية ترتبط بمشروعها في التموضع الإقليمي في شرق البحر المتوسط.

أولاً: الدوافع الجيواستراتيجية التركية في ليبيا

تمثل ليبيا أهمية جيوسياسية لتركيا في سياستها البحرية، وتموضعها على ضفاف شرق البحر المتوسط، حيث تمثل ليبيا بعداً محورياً في أمنها البحري، وأداة لتوسيع نفوذها في المتوسط، وتأمين طريقها للوصول إلى غاز شرق المتوسط، وهذا يعزز نفوذها في معادلات أمن الطاقة الإقليمي، وتأثيرها على موازين القوى الإقليمية خاصة في علاقتها مع مصر واليونان، حيث ربطت تدخلها في ليبيا بفكرة “الوطن الأزرق” الذي يعتبر امتداد للإقليم البري التركي[34].

فالساحل الشرقي للبحر المتوسط يمثل أهمية اقتصادية وسياسية لتركيا، وترسيم الحدود البحرية مع ليبيا يمنحها القدرة على التنقيب على النفط والغاز في المنطقة، كما أن استثناء تركيا من منتدى غاز شرق المتوسط[35]، يعد أحد الأسباب المهمة التي دفعت أنقرة لتدخل في ليبيا[36]، لهذا تعتبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منطقة ذات أهمية جيواستراتيجية لها، ويمكنها من أن تحافظ على وجودها في أي تسوية سياسية للأزمة الليبية، ويعزز موقعها الدبلوماسي والسياسي إقليميا ودولياً، ويمنحها تأثير في المنطقة مستقبلاً.

كما تمثل ليبيا ساحة مهمة لتحقيق مصالحها الاقتصادية خاصة في مجالات البنية التحتية وإعادة الإعمار والاستثمار، ويوفر فرص استثمارية للشركات التركية ويعزز النفوذ الجيوسياسي طويل الأمد في ليبيا.

ومن الدوافع الجيوسياسية للنفوذ التركي في ليبيا هو تنافسها مع روسيا، وارتباط الملف الليبي بالملف السوري، وصراعها مع اليونان على ملف استغلال غاز شرق المتوسط[37]

ثانياً: أدوات النفوذ الجيوسياسي التركي في ليبيا

لقد اعتمدت تركيا في توسيع نفوذها في ليبيا جملة من الأدوات اتسمت بالوضوح والفاعلية مما منحها قدر عال من التأثير في معادلات الصراع والتسوية الليبية. لقد وظفت أنقرة أدوات دبلوماسية واقتصادية وعسكرية بشكل متزامن ومترابط بما يخدم هدفها الاستراتيجي في الوصول إلى غاز شرق المتوسط.

1- الأداة السياسية والدبلوماسية للنفوذ الجيوسياسي التركي في ليبيا

شكلت الأداة الدبلوماسية ركيزة مهمة في توطيد العلاقة مع الأطراف الليبية المعترف بها دولياً، وبناء شراكات من خلال توظيف الشرعية القانونية لحماية مصالحها وتعزيز حضورها السياسي، وموقعها التفاوضي في أي ترتيبات لتسوية سياسية، فنجحت في توقيع مذكرتي تفاهم مع حكومة الوفاق الوطني في نوفمبر 2019؛ أحدهما تخص التعاون الأمني والعسكري، والأخرى لترسيم الحدود البحرية، والتي ضمنت لتركيا الوصول إلى غاز المتوسط بعد أن تم استثناءها من منتدى غاز شرق المتوسط[38].

لقد استطعت تركيا من ترسيخ نفوذها الجيوسياسي في ليبيا ضمن إطار مؤسسي وقانوني جعل منها فاعل مؤثر في معادلة التنافس الدولي، ومكنها من المشاركة في كل اللقاءات التي تخص الملف الليبي على المستوى الإقليمي والدولي.

2- الأداة الاقتصادية للنفوذ الجيوسياسي التركي في ليبيا

كانت تركيا من أهم شركاء ليبيا التجاريين في ليبيا في 2010 حيث بلغ التبادل التجاري بينهما حوالي 10 مليار دولار، واستقبلت تركيا ما يقارب 50 ألف سائح ليبي، بينما استقبلت ليبيا 25 ألف عامل تركي، وهذا ما جعل تركيا تتأخر في اتخاذ موقف من الثورة الليبية[39].

وقد نجحت أنقرة في إبرام مذكرات تعاون في مجال الإعمار والإنشاءات والطاقة ومشاريع بنية تحتية مع حكومة الوحدة الوطنية، واستعادت مشاريع تركية متوقفة وإعادة بناء مطار طرابلس الدولي[40]

ومؤخراً بعد إعادة التواصل الدبلوماسي والسياسي مع المنطقة الشرقية تعمل انقرة على الحصول على عقود استثمارية وبنية تحتية من صندوق الاعمار في درنة وبنغازي.

إن الأداة الاقتصادية للنفوذ الجيوسياسي التركي في ليبيا شكل أداة فعالة لتأثير والنفوذ بما ينعكس على طبيعة التنافس الجيوسياسي مع قوي إقليمية ودولية وفي مقدمتها روسيا. 

3- الأداة العسكرية للنفوذ الجيوسياسي التركي في ليبيا

لقد اتسمت الأداة العسكرية بالفاعلية والتدخل المباشر من خلال إطار سياسي وقانوني، مكن تركيا من لعب دور ميداني حاسم في إعادة تشكيل موازين القوة، وأتاح لها التأثر في معادلات الصراع والتسوية المحلية والإقليمية، وتعتبر تركيا أن قرارها في التدخل العسكري في ليبيا هو عمل استراتيجي استباقي لحماية مصالحها[41].

كما إن التواجد العسكري التركي في ليبيا قوى من تأثيرها السياسي والدبلوماسي في الملف الليبي، وقد قال الرئيس التركي أردوغان “لا يمكنك أن تكون على الطاولة إلا إذا كنت في الميدان”[42]، وقد مكنها من إحداث توازن للقوى على الأرض، لقد سمح لها توقيعها لمذكرتي التفاهم مع حكومة الوفاق الوطني، التواجد العسكري في قاعدتي الوطية ومعتيقة، وتنظيم مناورات عسكرية مشتركة[43].

الخلاصة أن أنقرة استخدمت مقاربة شاملة، اعتمدت فيها على الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية، ووظفت الأداة الدبلوماسية لوضع إطار قانوني وشرعي لتدخلها في ليبيا، من خلال توقيع اتفاقيات مع الأطراف المعترف بها دولياً، عززت من قدرتها على إدارة التنافس الجيوسياسي محلياً وإقليمياً، وفرض معادلات توازن للقوة الداخلية، وفي تنافسها مع روسيا، وهذا جعل من تركيا فاعل مؤثر لا يمكن تجاهله في أي مقاربة للتسوية والاستقرار في ليبيا

المطلب الثالث: انعكاسات التنافس الروسي التركي على الأمن القومي الليبي.

إن التنافس الروسي التركي في ليبيا على مصالحهما الاستراتيجية يعكس تعارض تلك المصالح، ويعكس الصراع الإقليمي الدولي على النفوذ في ليبيا، مما يضعف الأمن القومي الليبي ويعزز حالة عدم الاستقرار فيها.

أولاً: أوجه التنافس الروسي التركي في ليبيا

إند التنافس الروسي- التركي في ليبيا لا يقتصر على تضارب المصالح وإنما يتعدها إلى اختلاف طبيعة المقاربتين، ولإيضاح أوجه هذا التنافس على النفوذ في ليبيا سنقارن بينهما من خلال الجدول رقم (1) الذي يوضح أهم محاور التنافس بين كل من موسكو وأنقرة.

الجدول رقم (1): أوجه التنافس الروسي التركي على النفوذ في ليبيا (من إعداد الباحثة)

ثانياً: أثر التنافس الروسي التركي على توازنات الأمن القومي الليبي

إن التنافس الروسي التركي ساهم في اضعاف الأمن القومي الليبي، نظراً لتأثيره المباشر على المنظومة الأمنية، والاستقرار السياسي والمؤسسي، ووحدة البلاد وسيادتها ومسارات التسوية، والأمن الإقليمي والتوازنات الدولية، ومن خلال الجدول أعلاه يمكن أن نحدد أثر التنافس الروسي التركي على توازنات الأمن القومي الليبي في الآتي:

(1) التأثير على سيادة الدولة ووحدتها: أسهم التنافس الروسي التركي على موازين القوة في ليبيا وأثر على قدرة الدولة على فرض سيادتها على كامل ترابها، فالدعم العسكري المباشر للأطراف الليبية المتصارعة عمق الانقسام، وقوض سيادة الدولة ووحدتها، فالجانب الروسي قدم الدعم العسكري غير المباشر لخليفة حفتر في هجومه على طرابلس، عن طريق شركة الفاغنر الخاصة المرتبطة بالكرملين، بينما أنقرة دعمت حكومة الوفاق الوطني، الطرف الشرعي المعترف به دولياً، وتقديم دعم عسكري مباشر بناء على اتفاقية تعاون تم توقيعها في 2019، لصد العدوان على طرابلس[44].

(2) التأثير على المنظومة الأمنية والعسكرية، إن تقديم الدعم العسكري المباشر وغير المباشر لأطراف الليبية أسهم في تسليح الأطراف وتقويتها وهذا انعكس على الوضع الأمني مما زاد من هشاشة الوضع الأمني وتعقيد المشهد، وعدم قدرة الأطراف الشرعية ومؤسسات الدولة من السيطرة على المنظومة الأمنية والعسكرية وتوحيدها[45]. إن التنافس الروسي التركي على النفوذ تسبب في تهديد الأمن القومي الليبي، بسبب تزايد أعداد المرتزقة والقوات الأجنبية، كما أن تواجد هذه القوات بالقواعد العسكرية الليبية هو انتهاك للسيادة الوطنية، وتعريض ليبيا لاندلاع صراع مسلح محتمل على النفوذ[46].

(3) التأثير على أمن الطاقة، فوجود مرتزقة في مناطق حقول النفط والموانئ يعرض أمن الطاقة واقتصاد البلاد للخطر.

(4) التأثير على الاستقرار السياسي ومسارات التسوية، فعلي الصعيد السياسي ساهم هذا التنافس في عرقلة التسوية السياسية، من خلال دعم الأطراف المتنازعة وتقويتها، وهذا عزز وعمق الانقسام وأدى إلى اضعاف الشرعية المركزية، رغم التصريحات المتكررة بدعم مسارات التسوية التي تراعاها الأمم المتحدة.

(5) التأثير على الأمن والإقليمي والتوازنات الدولية، فعلى الصعيد الإقليمي والدولي، أصبحت أزمة ليبيا تدخل في حسابات ومقايضات القوى الإقليمية والدولية في ملفات أخري، فتنامي النفوذ الروسي في المنطقة الشرقية والنفوذ التركي في المنطقة الغربية، جعل الملف الليبي ورقة للمساومة في ملفات أخرى، كملف سوريا وأوكرانيا[47]، وملف غاز المتوسط، وبدل أن تكون ليبيا فاعلاً في الأمن الإقليمي أصبحت مفعولاً بها في توازنات خارجية وتخضع لتبعية استراتيجية لقوى أخرى

المبحث الثالث: السياسة الأميركية وأثرها على التنافس الدولي في ليبيا

لا شك أن الدور الأميركي أحد العوامل الحاكمة في تشكيل ديناميات التنافس الدولي، بحكم مكانة الولايات المتحدة وقيادتها للقوة في النظام العالمي، وليبيا ليست استثناءً، ولا يمكن فهم طبيعة التنافس الروسي التركي بمعزل عن السياسة الأميركية تجاه ليبيا.

هذا المبحث يحلل السياسة الأميركية تجاه ليبيا خلال فترة إدارة دونالد ترامب الأولي، سماتها، وانعكاساتها على تنافس القوى الدولية داخل ليبيا، وتأثير ذلك على الأمن القومي الليبي، كما يسعي المبحث إلى استشراف الآثار المستقبلية للسياسة الأميركية على الاستقرار في ليبيا في ظل استمرار حالة التنافس الدولي في ليبيا. 

المطلب الأول: سمات السياسة الأميركية تجاه ليبيا في فترة إدارة دونالد ترامب الأولي

اتسمت السياسة الأميركية تجاه ليبيا خلال فترة إدارة دونالد ترامب الأولي بدور أقرب للمراقبة، فقامت بتأييد الطرف التركي الذي يوازن الطرف الروسي المتصاعد[48]، فليبيا لم تكن ضمن أولويات السياسة الأميركية إلا في ملفات محدودة لها علاقة بمكافحة الإرهاب، وحماية أمن الطاقة، وقد اتسمت السياسة الأميركية تجاه ليبيا في فترة إدارة دونالد ترامب الأولي بالآتي:

1- غياب استراتيجية واضحة تجاه ليبيا، فلم يكن ملف الأزمة الليبية من أولويات واشنطن، بل لم يكن شمال أفريقيا من أولوياتها فقد كانت الصين، وإيران وإسرائيل تتصدر أولوياتها[49]. وقد صرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أبريل 2017 بقوله “لا أري أي دور للولايات المتحدة الأميركية في ليبيا” رغم اشارته لأولوية التخلص من تنظيم “الدولة الإسلامية، داعش”[50]

2- تعاملت واشنطن مع الملف الليبي بمقاربة واقعية، وهي إدارة الأزمة من الخلف، مع منع انزلاقها لحالة الفوضى التي تسمح برجوع الجماعات الإرهابية لنشاطها والسيطرة على مدن ليبية.

3- تركز واشنطن على ملف الإرهاب، وجماعة “داعش” في اداراتها للأزمة الليبية، وتولي اهتمام لهذا الملف لما يمثله من تهديد لأمن الطاقة، ولمصالحها في أفريقيا ولحلف الناتو، وهذا ما دفعها لاستخدام قوات أفريكوم لضرب أهداف للجماعات المتطرفة.

4- أظهرت واشنطن تأييد ضمني للتدخل التركي في ليبيا، وعملت على التنسيق مع انقرة وتوظيفها “كعامل وسيط” لوقف التمدد الروسي.

5- عملت إدارة ترامب على منع أي طرف من السيطرة على الموانئ النفطية ومنع التصدير، وقد تدخل ترامب لإنهاء قفل الموانئ النفطية في 2018.

6- استخدمت واشنطن الدبلوماسية في إدارة الملف الليبي، حيث دعمت حكومة الوفاق الوطني، ومسار الأمم المتحدة وجهود المبعوثين لدعم في ليبيا، مع تجنب دعم أي طرف محلي من أطراف الصراع، رغم تواصل ترامب من خلال مكالمة تليفونية اجراها مع حفتر في 2019 فهم منها دعمه له في محاربته للإرهاب كما يزعم، وفهم على أنه الضوء الأخضر الأميركي لهجوم خليفة حفتر على طرابلس[51].

نخلص أن السياسة الأميركية تجاه ليبيا في ظل إدارة ترامب، اتسمت بالبراغماتية وعدم الانخراط المباشر، أو الانعزالية الجزئية تجاه الملف الليبي، فلم تقدم أي دعم لأي طرف، باستثناء ما قام به ترامب من مكالمة تليفونية، قيل إنها دعم أميركي لمحاربة الإرهاب، وسعت إلى إدارة التوازنات الدولية من الخلف.

المطلب الثاني: انعكاسات السياسة الأميركية على تنافس القوى الدولية في ليبيا وأمنها القومي

أثرتالسياسة الأميركية تجاه ليبيا في ظل إدارة ترامب الأولى بصورة مباشرة في طبيعة التنافس الدولي، خاصة التنافس الروسي التركي، إذا ساعد غياب الدور الأميركي الفاعل في ليبيا في خلق فراغ استراتيجي وظفته كل من روسيا وتركيا في توسيع نفوذهما على الأراضي الليبي.

إن مكالمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الهاتفية لخليفة حفتر في 2019، والتي أشاد فيها بدور الأخير في محاربة الإرهاب وفي تأمين الموارد النفطية، والتي اعتبرت دعم لحملته العسكرية على العاصمة،  أتاحت لروسيا توسيع نفوذها من خلال تقديم الدعم العسكري المباشر الذي قدمته لحفتر،  في صورة مرتزقة شاركوا في العمليات أو أسلحة متقدمة زودته بها، مما أتاح لتركيا التدخل بشكل مباشر مستندة لأساس قانوني، لدعم حكومة الوفاق الوطني في 2020 وحماية مصالحها في ليبيا، نتج عنه افشال الحملة ووقف التمدد الروسي وقوات حفتر من التمدد باتجاه الغرب وتغيير موازين القوة.

هذا التنافس بين روسيا وتركيا، في ظل غياب الدور الأميركي الضابط، انعكس سلباً على مسارات التسوية وكرس حالة الانقسام المؤسسي، وزاد من هشاشة الوضع الأمني الذي يهدد الأمن القومي.

إن استمرار المقاربة الأميركية في إدارة الملف الليبي من الخلف وزيادة الاعتماد على الدور التركي، نتج عنه تراجع التأثير الأوروبي المباشر، وتصاعد التأثير الروسي، لتصبح ليبيا ساحة تنافس بين نفوذ روسي في شرق البلاد وجنوبها ونفوذ تركي في غرب البلاد [52].

 إن الانسحاب الأميركي والتنافس الجيوسياسي بين القوى الروسية والتركية أدي إلى:

1- انتهاك للسيادة الوطنية في ظل وجود المرتزقة الروس والقوات التركية على الأرض الليبية وفي قواعدها العسكرية، وهذا قيد ورهن القرار السياسي الليبي.

2- دعم كل من موسكو وأنقرة للأطراف المحلية المتنازعة، زاد من حدة الانقسام وتعميق الأزمة، واستمرار لحالة الانقسام المؤسسي، وزاد من استنزاف مقدرات الدولة ومقدراتها خارج نطاق إدارة الدولة المركزية وبعيداً عن توظيفها لتوفير احتياجات المواطن.

3- إطالة أمد الصراع الليبي بسبب وجود لاعبين فاعلين اقليميين ودوليين متنفذين، رهن أي اتفاق ليبي بتفاهمات بين كل من موسكو وانقرة بما يخدم مصالحهما، مما ساهم في عرقلة الوصول لحل ينهي الانقسام ويوحد البلاد ويسترجع السيادة ويحقق الامن القومي الليبي.

4- تراجع الضمانات الدولية للحل في ليبيا وغياب التوازن الايجابي في غياب الدور الأميركي[53].

المطلب الثالث: استشراف آثار السياسة الأميركية على الأمن القومي الليبي

1- من المرجح ألا تختلف سياسة ترامب تجاه ليبيا في ظل ولايته الثانية، واستمراره في سياسة واقعية براغماتية، مع السعي لتحجيم النفوذ الروسي فيها، وجعل الملف الليبي جزء من توازنات أوسع في منطقة البحر المتوسط والشرق الأوسط.

2- إن ادارة ترامب تعمل على تحقيق مصالح الولايات المتحدة الأميركية الاستراتيجية، وما يهمها في الملف الليبي هو الملف الاقتصادي والملف العسكري، للحفاظ على أمن الطاقة ومحاربة الإرهاب، والتركيز على توحيد المؤسسات المالية والعسكرية لمنع أي تدهور في الحالة الأمنية وضمان تدفق النفط، وهذا يدفعها إلى الانخراط الحذر والضغط الموجه نحو أطراف إقليمية للحفاظ على التوازن بين روسيا وتركيا. وقد تستعمل الضغط الدبلوماسي والعسكري لضغط على الأطراف المتصارعة لمنع أي تصعيد عسكري والوصول إلى حل دبلوماسي[54].

3- ستستمر الإدارة الأميركية في إدارة الأزمة الليبية من الخلف باستمرار التحالف مع انقرة عبر تفاهمات حول النفوذ ودعم دورها في حفظ التوازن، مع استقلالية أكثر من المقاربة الأوربية.

هذه السياسة البراغماتية تنعكس سلباً على الأمن القومي الليبي، وتعرقل جهود توحيد المؤسسات، وفرض سيادة الدولة، وإخراج المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا. إن ما يهم واشنطن في الملف الليبي هو منع أي تمدد لقوات الروسية، وحفظ أمن الطاقة في المنطقة ومكافحة الإرهاب من خلال نشاط الأفريكوم العسكري والاستخباراتي.

إن الأمن القومي الليبي يتطلب إرادة سياسية من الأطراف الليبية لتوظيف العلاقات الإقليمية والدولية لحل الأزمة الليبية وإعادة سيادة الدولة وتوحيد مؤسساتها.

الخلاصة إن أي مقاربة وطنية لإعادة الاستقرار لليبيا وتوحيد المؤسسات لابد أن ترتكز على الآتي:

– بناء علاقات متوازنة مع جميع الأطراف المتنافسة وتغليب المصلحة الوطنية على المكاسب الأنية.

– إيجاد مقاربة توظيف تناقضات القوى الخارجية لصالح تحقيق الأمن القومي.

– تعظيم السيادة والتمسك بالمصلحة الوطنية في كل العلاقات الليبية الإقليمية والدولية.

– تحقيق التوازن في العلاقات الليبية مع الدول الكبرى دون الانحياز في القضايا الخلافية كملف أوكرانيا.

– الاستفادة من الإدارة الأميركية في إطار اهتمامها بما يحقق المصلحة الليبية في أمن الطاقة ومكافحة الإرهاب.

– توسيع مفهوم الأمن القومي ليشمل كل المسارات والعمل على توظيف التنافس الروسي التركي في توحيد المؤسسات وعودة الاستقرار والتنمية والاعمار.

 خاتمة

إن منطقة الشرق الأوسط تعاني من سيولة وحالة من عدم اليقين تتطلع فيها الدول الإقليمية والدولية للعب دور في هذه المنطقة، وليبيا ساحة ذات أهمية جيوسياسية، وتعاني من انقسام سياسي وفوضي أمنية سهلت التدخل الأجنبي، وفي ظل إدارة ترامب الأولي وسياسة الانكفاء الذاتي والإدارة من الخلف، استطعت كل من روسيا وتركيا ملء الفراغ للتنافس على الأراضي الليبية.

لقد اكتفت واشنطن بتقديم دعمها السياسي لبعثة الأمم المتحدة في ليبيا في إدارتها للأزمة، ومراقبة أمن الطاقة وملف الإرهاب، ومنع التمدد الروسي من خلال التغاضي على النفوذ التركي لضمان التوازن المطلوب.

إن تخلي واشنطن على دورها في المنطقة سيضعف من دورها في المنطقة لصالح قوى أخري يمكن أن تعيد تشكيل الخارطة في شمال أفريقيا والقارة بصفة عامة.

وفي ظل التنافس الروسي التركي، والانعزالية الأميركية تجاه الملف الليبي، تزداد هشاشة الأمن القومي واختراق السيادة الوطنية وارتهان القرار السياسي الليبي بما يخدم مصالح الدول الأخرى ويؤخر الوصول إلى حالة الاستقرار.

إن أي مقاربة لتحقيق الأمن القومي تتطلب توحيد المؤسسات، وتسوية سياسية بين الفرقاء الليبيين كأساس لمواجهة التدخلات الإقليمية والدولية، وتوظيفها لتعزيز السيادة الوطنية والوصول إلى حالة من الاستقرار، تساعد على إدارة التوازنات بين مصالح الدول والمصلحة الوطنية بعيداً عن أي هيمنة إقليمية كانت أو دولية، وإنما مصالح متبادلة تعزز الاستقرار والتنمية المستدامة.


[1] باسل الحجار، جيوبوليتيك الأنظمة الإقليمية بين حدود المشروعية وسطوة القوة، ط1  (بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 2025)، ص 21- 28.

[2] عبدالرزاق البوزيدي، الحدود المفاهيمية لمصطلح التنافس في العلاقات الدولية، الجزائر، مجلة العلوم الإنسانية، المجلد 21، العدد 2، (2021)، ص 322.

[3] حسين قادري، النزاعات الدولية: دراسة وتحليل، الجزائر، منشورات خير جليس، ط1، (2007)، ص 11.

[4] نسيمة الطويل، ظاهرة التنافس الدولي في العلاقات الدولية، الجزائر، المجلة الجزائرية للأمن والتنمية، العدد 10، (2017)، ص 30.

[5]  حسين قادري، مصدر سابق، ص 38.

[6]  منير محمود بدوي، مفهوم الصراع: دراسة في الأصول النظرية للأسباب والأنواع، مجلة الدراسات المستقبلية، مصر، جامعة أسيوط، العدد 3، (1997)، ص 36.

[7] دورتي جيمس، و بالتسغراف روبرت، النظريات المتضاربة في العلاقات الدولية، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، (1986)، ص 140.

[8]  جمال سالم النعاس، الفضاء الجيوسيبراني وتأثيره في الجغرافيا السياسية للدول، دراسة تطبيقية على ليبيا، ليبيا، البيضاء، جامعة عمر المختار، مجلة ليبيا للدراسات الجغرافية، العدد الرابع، يناير (2023)، ص 323.

[9] عبدالرزاق غراف، مختصر الأزمة في ليبيا بنية النزاع ومستقبل الأزمة، ط1 جدة: مركز الخليج للأبحاث، (2025)، ص 23-35.

[10]  جمال حمدان، الجمهورية العربية الليبية دراسة في الجغرافيا السياسية، ط1 (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1996)، ص 40.

[11]  محمد المختار الشنقيطي، رؤية جمال حمدان للجغرافيا السياسية الليبية ودلالاتها الاستراتيجية الباقية، الدوحة، لباب للدراسات الاستراتيجية والإعلامية، العدد 8، نوفمبر (2020)، ص 99.

[12] احميده فرج البي، التنافس الدولي على ليبيا (التركي-الفرنسي) أنموذجا، طرابلس، مجلة القرطاس، المجلد 6، العدد 26، مارس (2025)، ص 253.

[13] محمد المختار الشنقيطي، مصدر سابق، ص ص 96-97.

[14]  جمال حمدان، مصدر سابق، ص 78.

[15]  حسين أحمد الجرو، أحمد مفتاح الفلاق، الجغرافيا السياسية وتأثيرها على الاستقرار السياسي دراسة للحالة الليبية بعد ثورة 17 فبراير، ليبيا، المجلة الأفريقية للدراسات المتقدمة في العلوم الإنسانية والاجتماعية، المجلد 3، العدد 3، (2024)، ص 80.

[16] يوسف مسعود علي، الأهمية الاستراتيجية لمقع ليبيا الجغرافي دراسة في الجغرافيا السياسية، ليبيا، الجمعية الليبية لعلوم التربية، العدد 22، الجزء الثاني، مارس (2023)، ص 350.

[17] محمد المختار الشنقيطي، مصدر سابق، ص 106.

[18]  زينب عبدالعال سيد رمضان، أزمة الدولة في ليبيا ” دراسة في الجغرافيا السياسية”، بورسعيد، مجلة كلية الآداب جامعة بورسعيد، العدد 25، (2023)، ص 69.

[19]  عبدالرزاق غراف، مصدر سابق، ص ص 46-47.

[20] توفيق بوستي، التدخل التركي الدوافع والتداعيات، بريطانيا، مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية، (2024) ص8. https://h7.cl/1m4od تاريخ الاتصال 10.10.2025.

[21] ديميتري بريجع، ليبيا…ساحة مفتوحة لمصالح روسيا، مركز الدراسات العربية الأوراسية (CAES)، 27 مايو (2025)، تاريخ الاتصال 29.12.2025، https://h7.cl/1m4BC

[22] عبدالرزاق غراف، مصدر سابق، ص ص 252-257.

[23]  نزار ميلاد فورتاس، السياسة الروسية تجاه ليبيا بعد الربيع العربي، تركيا، رؤية تركية، (2018)، ص 128.

[24] رضوي الشريف، التحركات الروسية في ليبيا: الدوافع والأدوات، مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية، يناير (2024).

[25] فيصل غازي ناصر، الدور الروسي في ليبيا بعد عام 2011، العراق، جامعة النهرين، قضايا سياسية، العدد 79، (2024)، ص 431.

[26] Ethan Chorin, Russia’s Strategic waiting game in Libya, Coleccion Monografias Cidob, (2017), p 18-19 https://www.cidob.org/sites/default/files/2024-11/17-22_ETHAN%20CHORIN_ANG.pdf 

[27] قريد عيدة، التدخل الروسي في ليبيا، الجزائر، مجلة الفكر، المجلد 18، العدد 1، (2023)، ص 295.

[28] علي بن موسي، روسيا وتركيا: بين التنافس والتعاون في متاهة ليبيا، الدوحة، مركز الشرق الأوسط للشؤون الدولية، مايو (2025)، ص 4.

[29] عفاف ممدوح، التدخل الروسي في ليبيا والتأسيس لتواجد عسكري مستدام، المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، أكتوبر (2024).

[30] عبدالله فارس القزاز، مفترق طرق (3) “التغلغل الروسي في ليبيا: استراتيجية موسكو لبناء موطئ قدم دائم في شمال أفريقيا”، مركز الدراسات الاستراتيجية وتنمية القيم، أغسطس (2025).

[31]  نزار ميلاد فورتاس، مصدر السابق، ص 133.

[32]  ديميتري بريجع، دور روسيا في ليبيا، امتداد استراتيجي بين الماضي والحاضر، إسطنبول، مركز الدراسات العربية الأوراسية (CAES)، فبراير، (2025).

[33] علي بن موسي، مصدر سابق، ص 2.

[34] توفيق بوستي، مصدر سابق.

[35] منتدى شرق المتوسط، تأسس في 4/1/2019 ويضم كل من اليونان وإيطاليا وإسرائيل وقبرص اليونانية ومصر والأردن وفلسطين.

[36] أركان إبراهيم عدوان، مصطفي جابر فياض، محددات الدور التركي في ليبيا وتداعياته الدولية، العراق، جامعة الانبار، مجلة الانبار للعلوم القانونية والسياسية، المجلد 10، العدد 1، (2020)، ص ص 661-662.

[37] عبدالرزاق غراف، مصدر سابق، ص 233.

[38] مصطفي الصادق عواد، السياسة الخارجية التركية تجاه القضية الليبية بغد 2011، قضايا سياسية، جامعة النهرين، العدد 75، (2023)، ص 412-413.

[39]  عبدالرزاق غراف، مصدر سابق، ص 232.

[40] هاميس أشرف، التحول في الاستراتيجية التركية في ليبيا بعد عام 2020، أولوية النفوذ السياسي على العسكري، مركز ترو للدراسات والتدريب، نوفمبر (2025). https://h7.cl/1h8e9 

[41] احميده فرج البي، مصدر سابق، ص 259.

[42] بشير عبدالفتاح، محددات وركائز التحرك التركي حيال الأزمة الليبية، الملف المصري، القاهرة، مركز الاهرامات للدراسات السياسية والاستراتيجية، العدد 68، ابريل (2020)، ص 18.

[43] توفيق بوستي، مصر سابق، ص7.

[44] علي بن موسي، مصدر سابق، ص 2-3.

[45] قريد عيدة، مصدر سابق، ص 299.

[46] حنان دريسي، التدخل التركي في الأزمة الليبية: المحددات والتداعيات، مجلة الناقد للدراسات السياسية، المجلد 6، العدد 1، (2022)، ص 651-652.

[47] عبدالرزاق غراف، مصدر سابق، ص ص 244، 263.

 [48] عماد قدوره، السياسة البحرية التركية في المتوسط والتدخل العسكري في ليبيا، الدوحة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، (2020)، ص19.

[49] رضوي الشريف، الأزمة الليبية في عهد ترامب: بين حسابات النفوذ الدولي والمصالح الاستراتيجية، مركز شاف لتحلي الأزمات والدراسات المستقبلية، ديسمبر (2024)، https://h7.cl/1m4pH، تاريخ الاتصال: 15.10.2025

[50] بين فيشمان، ترامب يحيل مسألة سياسة ليبيا إلى أوروبا، Washington institute for Near East policy، (2017)، https://h7.cl/1m4ni ، تاريخ الاتصال، 30.12.2025

[51] عبدالرزاق غراف، مصدر سابق، ص 253.

[52] عبدالرزاق غرفة، مصدر سابق، 324.

[53] هاميس أشرف، مصدر سابق.

[54] رضوي الشريف، الأزمة الليبية في عهد ترامب: بين حسابات النفوذ الدولي والمصالح الاستراتيجية، مصدر سابق.

Admin

مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية: مؤسسة فكر وتخطيط استراتيجي تقوم على إعداد التقديرات وتقديم الاستشارات وإدارة المشروعات البحثية حول المتوسط وتفاعلاته الإقليمية والدولية. لا يتبنى المركز أية توجهات مؤسسية حول كل القضايا محل الاهتمام، والآراء المنشورة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى