سياسيةمقالات

نهاية الهيمنة الأميركية الناعمة: ترامب وتآكل النموذج القيمي في السياسة الخارجية

د. محمد علي عزالدين

الأكاديمية الليبية للدراسات العليا (الخمس)

الملخص :

يعالج هذا البحث التحول البنيوي في السياسة الخارجية الأميركية خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب، من مقاربة قِيَمية تستند إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية، إلى نهج معاملاتي براغماتي تحت شعار «أميركا أولاً»، وانعكاس ذلك على تراجع الهيمنة الناعمة الأميركية في الشرق الأوسط.

وتخلص الدراسة إلى أن هذا التحول مثّل إعادة تعريف لدور الولايات المتحدة العالمي، حيث تراجع الخطاب القيمي لصالح منطق الصفقات والمصالح الآنية، مما أضعف أسس الشرعية القائمة على الجاذبية والإقناع. وقد تجسد ذلك في سياسات ميدانية مثل الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، والانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، وتشديد العقوبات الاقتصادية. وأسهمت هذه السياسات في تآكل الثقة الإقليمية بالنموذج الأميركي، وإضعاف أدوات القوة الناعمة التقليدية، بما فتح المجال أمام قوى دولية منافسة لملء الفراغ. ويؤكد البحث أن هذا التراجع ذو طابع بنيوي طويل الأمد، مع بقاء النفوذ الأميركي مرهوناً بإعادة بناء الثقة في إطار نظام دولي متعدد الأقطاب.

الكلمات المفتاحية: السياسة الخارجية، الولايات المتحدة الأميركية، دونالد ترامب، القوة الناعمة، الشرق الأوسط.

المقدمة:

 تُعَد ظاهرة تآكل الهيمنة الأميركية الناعمة أحد أبرز التحولات البنيوية في النظام الدولي خلال العقدين الأخيرين، إذ مثلت القوة الناعمة- القائمة على الجاذبية الثقافية والقِيمية والقدرة على الإقناع- الركيزة التي مكنت واشنطن من الحفاظ على نفوذٍ عالمي واسع دون اعتمادٍمفرط على أدوات الإكراه العسكري أو الاقتصادي، غير أن وصول إدارة (دونالد ترامب) في الدورة السابقة (2017–2021) شكل نقطة انعطاف حادة في هذا المسار، حيث تراجعت القيم الليبرالية من مركز الخطاب السياسي الأميركي إلى هامشه، وحل محلَّها منطق المعاملات والمصالح الفورية تحت شعار «أميركا أولاً»، لقد كان هذا التحول أكثر من مجرد تعديل في أولويات السياسة الخارجية، بل مثل إعادة تعريف لدور الولايات المتحدة في النظام الدولي، وتحديا مباشراً للركائز الرمزية التي بُنيت عليها شرعيتها منذ نهاية الحرب الباردة.

 من الناحية النظرية، شكلت الهيمنة الناعمة في الفكر الأميركي- كما صاغها جوزيف ناي – قدرة الدولة على الحصول على ما تريده من الآخرين عبر الجاذبية بدلاً من الإكراه، وقد اعتمدت أو ارتكزت هذه القدرة على عناصر ثلاثة: الثقافة، والقيم السياسية، والسياسة الخارجية، عندما تُنظر إليها بوصفها مشروعة وأخلاقية، إلا أن السنوات الأخيرة كشفت عن هشاشة هذا البناء عندما تتناقض الممارسة مع الخطاب، إذ فقدت القوة الناعمة فعاليتها نتيجة التراجع في مصداقية «النموذج الأميركي» بوصفه حاملاً لقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.

 جاءت إدارة ترامب لتجعل من هذا التناقض سياسة رسمية، متبنية مبدأ “المصلحة أولاً” حتى على حساب التزاماتها الدولية، فانسحبت من الاتفاقيات المناخية، ومن اتفاق إيران النووي، وخفضت المساهمات في المنظمات الدولية، وأعادت تعريف التحالفات بوصفها صفقات مالية لا التزامات قيمية انعكست هذه النزعة الانعزالية المعامِلاتية بوضوح في الشرق الأوسط، الإقليم الأكثر اختباراً لخطاب أميركا القيمي منذ نهاية الحرب الباردة، فباسم مكافحة الإرهاب أو “تحقيق السلام”، دعمت واشنطن ترتيبات أمنية واقتصادية تتجاهل الأسس الحقوقية والسياسية للنزاعات، ما عمق التناقض بين الشعارات الليبرالية والممارسات الواقعية، أدى ذلك إلى تآكل الثقة الإقليمية في النموذج الأميركي، وتراجع جاذبيته لدى الرأي العام والنخب، وتزايد النزعات والتحالف البديل مع القوى الشرقية الصاعدة مثل: روسيا والصين وتركيا وإيران.

 كما ساهمت سياسات الحظر والعقوبات الاقتصادية والانسحاب من الاتفاقات في ترسيخ صورة الولايات المتحدة كقوة انتقائية تُكيف القيم وفق المصلحة، لا كحامل لمعايير عالمية ثابتة.

 وبينما سعت الإدارات السابقة إلى بناء النظام الدولي عبر المؤسسات والدبلوماسية المتعددة الأطراف، جاء ترامب ليعيد تعريف القيادة الأميركية على أنها «صفقة رابحة»، مما أدى إلى تفريغ خطاب «القيادة القائمة على القواعد» من مضمونه.

 هذا التحول لا يُقاس فقط بتغير اللغة الدبلوماسية أو بنبرة الخطاب، بل بآثاره البنيوية على أدوات النفوذ الأميركي: فقد تراجعت فعالية الدبلوماسية العامة وبرامج التبادل الثقافي والتعليم، وانخفض تأثير الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) في دعم الإصلاحات، كما تقلّص حضور واشنطن في المنظمات الدولية التي شكلت سابقا أذرعاً مؤسسية للقوة الناعمة.

إن دراسة هذا التحول تكتسب أهمية مضاعفة اليوم لسببين مترابطين:

1- إن الهيمنة الناعمة لم تكن مجرد واجهة أخلاقية للنفوذ الأميركي، بل كانت وسيلة استراتيجية لتقليل الاعتماد على القوة الصلبة، ولبناء شرعية تستند إلى القبول الطوعي. 2- أن تراجعها لا يقتصر على انحسار التأثير الأميركي فحسب، بل يفتح المجال أمام تعددية في مصادر الجاذبية والشرعية الدولية، ما يعيد تشكيل المشهد الإقليمي والعالمي على نحو ما، يهدّد بإضعاف القواعد الليبرالية للنظام الدولي.

 وعليه، تأتي هذه الدراسة لتحليل جدلية«نهاية الهيمنة الناعمة» في سياق السياسة الخارجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط، عبر تفكيك أبعاد التحول من الخطاب القيمي إلى الواقعية المعاملاتية، واستكشاف تداعيات ذلك على أدوات النفوذ، وعلى صورة الولايات المتحدة في المنطقة، وعلى إعادة توزيع الأدوار بين القوى الكبرى والإقليمية.

الإشكالية البحثية:

 يتمحور هذا البحث حول سؤال رئيسي جامع يُعبر عن جوهر التحول في السياسة الخارجية الأميركية خلال عهد دونالد ترامب، وعلاقته بتآكل الهيمنة الناعمة، وتراجع النموذج القيمي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وذلك على النحو الآتي:

إلى أيّ مدى أسهمت التحولات في الخطاب والسياسات الخارجية لإدارة دونالد ترامب في تقويض الهيمنة الأميركية الناعمة، وتآكل النموذج القيمي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وما انعكاسات ذلك على إعادة تشكيل المشهد الإقليمي وتوازنات القوى فيه؟، ويتفرّع عن هذا السؤال الرئيس عدد من الأسئلة التي تُحدد الأبعاد النظرية والتطبيقية للبحث، وتساعد على تفكيك الظاهرة من زوايا متعددة، وهي:

– ما الأسس النظرية التي قامت عليها فكرة«الهيمنة الناعمة» و«النموذج القيمي» في السياسة الخارجية الأميركية؟، وكيف تبلورت هذه المفاهيم عبر المراحل التاريخية السابقة وصولًا إلى إدارة ترامب؟.

– ما طبيعة التحول الذي أحدثه خطاب “أميركا أولاً” في مضمون القوة الناعمة الأميركية، وكيف تجسد هذا التحول في ممارسات وسياسات واقعية داخل الشرق الأوسط؟.

-كيف ساهمت القرارات والسياسات الأميركية (مثل: الاعتراف بالقدس، والانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، والعقوبات الاقتصادية، وسياسات الحظر والتطبيع) في إضعاف الجاذبية القيمية للولايات المتحدة؟.

-هل يمكن اعتبار هذا التراجع مؤقتا ومرتبطا بمرحلة ترامب، أم أنه يمثل تحولًا بنيويًا طويل المدى في بنية القيادة الأميركية العالمية؟.

فرضيات الدراسة:

ينطلق هذا البحث من مجموعة فرضيات أساسية مترابطة، تسعى إلى تفسير ظاهرة تآكل الهيمنة الأميركية الناعمة في عهد ترامب من خلال الربط بين التحول القِيَمي والسياسات العملية، وذلك على النحو الآتي:

الفرضية الرئيسة: إن التحول في الخطاب والسياسات الخارجية الأميركية خلال عهد دونالد ترامب من مقاربةٍ قيميةٍ تستند إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان إلى مقاربةٍ معاملاتيةٍ قائمة على المصلحة الفورية، أدى إلى تقويض مقومات الهيمنة الناعمة الأميركية في الشرق الأوسط، وتراجع جاذبية النموذج الليبرالي، ما أفسح المجال أمام صعود فاعلين منافسين وخلخلة التوازنات الإقليمية، وتتفرع عنها الفرضيات الفرعية التالية:

– التحول في الخطاب السياسي الأميركي من “نشر القيم” إلى “أولوية المصلحة” أضعف قدرة الولايات المتحدة على توظيف القوة الناعمة كأداة إستراتيجية للقيادة الدولية.

– السياسات الميدانية في الشرق الأوسط مثل الاعتراف بالقدس، الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، وسياسات الحظر والعقوبات، مثلت ترجمة عملية لتآكل الالتزام القيمي، وأدت إلى فقدان المصداقية الأخلاقية لواشنطن في المنطقة.

– تقويض الهيمنة الناعمة الأميركية فتح المجال أمام فاعلين دوليين وإقليميين (روسيا، الصين، تركيا، إيران) لملء الفراغ عبر تقديم نماذج بديلة للنفوذ تعتمد على المصالح والأمن والاقتصاد بدل القيم الليبرالية.

– التحول الذي بدأ في عهد ترامب لا يُعد مؤقتا أو ظرفيا، بل يمثل مؤشرًا على تراجع بنيوي طويل المدى في قدرة الولايات المتحدة على الجمع بين القوة المادية والرمزية كعنصرين متكاملين للهيمنة العالمية..

منهجية البحث:

 نظرا للطبيعة المركبة لموضوع الدراسة، الذي يجمع بين البعد النظري المفاهيمي المتعلق بفكرة الهيمنة الناعمة والنموذج القيمي، والبعد التطبيقي العملي المرتبط بسياسات إدارة ترامب تجاه الشرق الأوسط، فقد اعتمد البحث منهجا تكامليا يجمع بين عدد من المناهج العلمية المترابطة، على النحو الآتي:

1- المنهج المقارن (Comparative Approach):

تم توظيفه لمقارنة السياسة الخارجية الأميركية قبل عهد ترامب (خاصة إدارات كلينتون، بوش، وأوباما) مع سياساته، من حيث مضمون الخطاب، وأولويات الأجندة، وأدوات القوة الناعمة المستخدمة، كما شملت المقارنة تحليل كيفية تفاعل القوى الدولية الأخرى، كـ(روسيا، الصين، تركيا، إيران) مع هذا التحول وملء الفراغ.

2- المنهج البنيوي الوظيفي (Structural–Functional Method):

استخدم لتفسير العلاقة بين البنية الداخلية للسياسة الأميركية (الاقتصاد، مؤسسات صنع القرار، جماعات الضغط، الإعلام) ووظائف القوة الناعمة في الخارج، وسمح هذا المنهج بفهم كيفية تغيّر وظيفة القيم في السياسة الخارجية، من كونها أداة هيمنة إلى مجرد خطاب دعائي.

3-المنهج الاستقرائي التحليلي(Inductive–Analytical Method) :

اعتمد عليه في تحليل مؤشرات التراجع الميداني للهيمنة الأميركية الناعمة في الشرق الأوسط، من خلال تتبع سياسات محددة (القدس، الاتفاق النووي، العقوبات، التطبيع، الدبلوماسية العامة) واستخلاص أنماطٍ عامة توضّح علاقة السبب بالنتيجة بين التحوّل الخطابي وتراجع القدرة الرمزية.

وبالنتيجة، يجمع البحث بين المقاربة النظرية التحليلية لتفسير مفهوم الهيمنة الناعمة وتآكل النموذج القيمي، والمقاربة التطبيقية المقارنة لرصد التغير في أدوات النفوذ الأميركي وانعكاساته على البيئة الإقليمية.

 يهدف هذا الدمج المنهجي إلى بناء تحليل علمي شامل يُبرز التداخل بين القوّة الرمزية والسياسات الواقعية، ويقدّم فهماً معمقاً للتحول في موقع الولايات المتحدة داخل النظام الدولي الراهن.

المطلب الأول: الإطار المفاهيمي والنظري للهيمنة الناعمة والنموذج القيمي

يهدف هذا المطلب إلى توضيح الإطار المفاهيمي والنظري لمفهوم الهيمنة الناعمة، وبيان مرتكزاته ودوره في تحليل السياسة الخارجية الأميركية .

أولاً: القوة الناعمة والهيمنة الناعمة: المفاهيم والتمييز ومعايير القياس

تفهم القوة الناعمة في العلاقات الدولية بوصفها قدرة الدولة على الجذب والإقناع دون استعمال القوة والإكراه المادي عبر موارد رمزية مثل: الثقافة والقيم السياسية والمؤسسات، بينما تشير الهيمنة الناعمة إلى تراكم منظم لهذا الرصيد الرمزي يفضي إلى قبول واسع بشرعية القيادة.

 أما القوة الصلبة تختلف عن هذا المنطلق الذي يقوم على أدوات القسر المباشر كالقوة العسكرية والعقوبات والقوة الذكية التي تمزج بين الصلب والناعم وفق الهدف والسياق، ومن أجل ضبط المفهوم عمليا ينبغي التمييز بين مصادر القوة الناعمة والمتمثلة في الثقافة، والنموذج القيمي والإنجاز العلمي التعليمي، والمؤسسات الدولية، والسمعة، وبين أدوات تم توظيفها كـ(الدبلوماسية العامة التبادلات التعليمية والثقافية شبكات الإعلام والمعرفة برامج المنح) لأن المصدر قد يتحول إلى صلب إذا استخدم ابتزازيا بينما يغدو أداة جذب عندما يقدم كمنفعة عامة مشتركة [1].

 ومن أجل إجراء القياس لا تكفي مؤشرات الانطباع العام وحدها؛ إذ ينبغي ضم مؤشرات سلوكية تكشف قدرة الفاعل على تحويل الرأسمال الرمزي إلى نتائج عملية، وتشمل هذه المؤشرات كلفة الإقناع قياساً بكلفة الإكراه، وصلابة الائتلافات التي تقودها الدولة المعنية، أنماط التصويت في المحافل الدولية، قابلية الحلفاء لتبني المبادرات واستدامة الامتثال للبرامج كما يلزم التمييز بين قدرة الجذب وقابلية التوظيف فقد تمتلك دولة صورة جذابة لكنها تعجز عن ترجمتها إلى مكاسب تفاوضية أو مؤسسية فتتآكل هيمنتها الناعمة رغم ارتفاع التقييمات الانطباعية وتظهر أدبيات القوة الذكية أن المزج بين الأداة الصلبة والناعمة ليس وصفة جاهزة بل مقاربة توضع فيها الأداة المناسبة في الوقت والمجال المناسبين، بحيث تستخدم الموارد الرمزية لخفض كلفة القسر أو لتعظيم أثر الشبكات والمؤسسات، وعليه يصبح معيار الفعالية مرتبطا بمدى تغذية الأدوات الصلبة للرأسمال الرمزي بدل تقويضه، فكلما ساندت السياسات الأمنية خطابا قيميا متسقا زادت احتمالات الامتثال الطوعي والعكس صحيح [2].

ثانياً: النموذج القيمي في السياسة الخارجية الأميركية:

المضمون الليبرالي (حقوق الإنسان الديمقراطية سيادة القانون) وعلاقته بالشرعية الدولية والقيادة القائمة على القواعد. في السياسة الخارجية الأميركية يعد النموذج القيمي إطاراً مركزياً يربط بين الترويج لمبادئ الليبرالية (حقوق الإنسان الديمقراطية سيادة القانون ) وشرعية القيادة القائمة على القواعد الدولية.

يقوم هذا النموذج على فرضية أن تبني القيم الليبرالية يولد قبولاً عالمياً يسهم في تثبيت نفوذ غير قسري للولايات المتحدة عبر أدوات ناعمة: الدبلوماسية العامة وبرامج التبادل الأكاديمي ودعم المجتمع المدني، ورعاية مؤسسات الحكم الدولي وتعزز الإطار القانوني للسياسات الأميركية، وتشمل أدوات التوظيف أيضاً المعاهد الثقافية، المنح الدراسية، وسائل الإعلام الدولية، والشراكات البحثية التي تبني شبكة علاقات طويلة الأمد مع النخب وصانعي القرارات المحلية، لكنه أيضا ممارسة إسنادية ذات بعد استراتيجي إذ تتحول القيم في سياقات معينة إلى غطاء لمصالح جيوسياسية أو أدوات ضغط وهذا ما تبينه التحليلات المعاصرة حول تراكم التحولات في النظام الدولي الليبرالي، وانحسار قيادة الولايات المتحدة، حيث تصبح الحاجة إلى تكييف الرواية القيمية أداة للحفاظ على التأثير وسط تنافس قوى صاعدة [3]، ومن ثم لا يكفي القول بوجود مضمون قيمي رسمي فحسب بل يجب تمييز الوظائف المتعددة لهذا المضمون:

أ- وظيفة تشريعية، تمثل انسجام السياسات مع القواعد الدولية.

ب- وظيفة أداء تكتيكي، تستخدم لتبرير أو تيسير تدخلات أو ترتيبات إقليمية.

ج- وظيفة تقويمية، تقاس عبر قدرة واشنطن على إقناع شركائها بالتقيد بالممارسات الديمقراطية بمعايير قابلة للقياس.

 وتفرض هذه الرؤية أيضاً اختبار مصداقية مؤسسية يقيس مدى تطابق الخطاب مع الممارسات عبر متغيرات قابلة للقياس مثل: تصويت الدول في المحافل الدولية، واستمرارية البرامج التنموية، ومعدلات المشاركة المدنية، والتفاعل العملي للنخب المحلية مع مبادرات الحكم، وتشير الأدبيات الميدانية إلى أن الإشكال يكمن في الفجوة بين خطاب قيمي رنان، وفعالية عملية محدودة في تحقيق تحولات دائمة ما يستدعي إعادة نظر في أدوات الترويج القيمي، وقدرتها على تحقيق شرعية مستدامة تعتمد على ثقة متبادلة لا على ضغوط استراتيجية ولتجاوز الفجوة يجب أن ترتكز الاستراتيجيات على تقييم زمني ومقارنات إقليمية منظمة ومؤشرات أداء واضحة [4].

ثالثاً: خصوصية الشرق الأوسط وحدود الجاذبية القيمية في بيئة نزاعية

تتميز منطقة الشرق الأوسط بخصوصية تجعلها حقل اختبار حساس لفعالية النموذج القيمي الذي تسوقه السياسة الخارجية الأميركية، فالبنية السياسية الهشة في دول عديدة، وتعدد الفواعل(دول أحزاب ميليشيات فصائل)، وانقسام الهويات الطائفية، والقبلية، يضعف قدرة أي سرد قيمي على التغلغل بفعالية موحدة عبر المجتمعات المحلية؛ إذ ترتبط استجابة الجمهور للرسائل القيمية بمدى تلبيتها لمطالب الأمن والاقتصاد واستمرارية الخدمات إلى ذلك تخلق منظومة إعلامية محلية وإقليمية متحركة ومقسمة تشمل(الإعلام التقليدي، القنوات الفضائية والمنصات الرقمية وفضاء تنافسيا للمعاني) يجعل من الصعب فرض إطار قيمي أحادي، ويعزز سرديات مقاومة تجيد تشويه أو إعادة تفسير الرسائل الخارجية بما يتناسب مع الحسابات المحلية.

 ما يميز السياق كذلك هو وجود شبكات عابرة للحدود مثل اللاجئون والتنظيمات الاقتصادية والاجتماعية تلعب دورا مهما في تشكيل قيم مضادة أو بديلة، وبالتالي تتحول قوة الجذب القيمي إلى قدرة مشروطة بالنفوذ المؤسسي المحلي، فغياب مؤسسات مدنية مستقرة أو ضعف حكم القانون يحدان من إمكانية تحويل الجاذبية الثقافية إلى سياسات عملية، هذا الفارق بين جاذبية الرسالة وقدرة استثمارها يظهر بوضوح حين تمارس البرامج الثقافية والتعليمية بمعزل عن دعم اقتصادي أو إصلاح مؤسسي فتبقى تأثيراتها سطحية، وتتعرض للتآكل أمام روافد الصراع والمصالح الضيقة [5].

وبناء على ذلك تتطلب إستراتيجيات الترويج القيمي في بيئة نزاعية تعديل أدواتها: إشراك وسطاء محليين موثوق بهم، وربط المبادرات بنتائج حياة يومية ملموسة، وقياس الأثر عبر مؤشرات للسلوك لا الانطباعات فقط إذ لا يكفي رفع شعارات القيم إذا لم تقترن بآليات تجعل الالتزام السياسي المحلي مجدياً ومستداماً وإلا بقيت الجاذبية النظرية عاجزة أمام الواقع البنياني والإعلامي المتحول.

 ويضاف إلى ذلك أن التراث التاريخي من التدخلات الخارجية المتكررة وظهور حكومات قائمة على الدعم الخارجي يخلق شكوكاً بشأن النوايا فتتطلب إعادة بناء الثقة زمناً أطول وبرامج متسقة تتجاوز الدعاية القصيرة المدى، كما أن قياس الفاعلية يجب أن يشمل مؤشرات اقتصادية ومعيشية مرتبطة مباشرة ببرامج التبادل والتدريب المهني وإعادة الإعمار، وهذا يستدعي إيلاء أسبقية لملكية محلية حقيقية في تصميم البرامج واضحة حقيقية [6].

المطلب الثاني: ترامب والتحول المعاملاتي، وتآكل الرواية القيمية

 يتناول هذا المطلب طبيعة التحول البنيوي في السياسة الخارجية الأميركية خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب وأسبابه الداخلية والخارجية.

أولاً: الخطاب الأميركي “أميركا أولاً” وتراجع الرواية القيمية الحقوق والديمقراطية في التبرير الخارجي

 في عهد دونالد ترامب اقتحمت سياسة “أميركا أولاً” قلب المنظومة القيمية التي ارتبطت بسنوات طويلة بالقيادة الأميركية العالمية، فبدل أن يستند الخطاب الخارجي إلى الترويج للديمقراطية وحقوق الإنسان كأرضية للشرعية انتقلت إدارة ترامب إلى تسويق العلاقات من منطلق مصالح مادية مباشرة وأطر صفقة ثنائية مع تنازلات واضحة تجاه الالتزامات متعددة الأطراف، إذ غدت الرسالة بأن الولايات المتحدة لا تدفع كلفة بناء القيم من أجل الآخرين بل تطالب بأن يدفع الآخرون أولاً، أو تفرض عقوبات حوافز لتعديل السلوك، هذا التحول يعكس قطيعة خطابية إذ لم يعد التبرير القيمي يقف في صدارة خطاب القرار الأميركي تجاه الشرق الأوسط بل باتت المصلحة الأمنية الاقتصادية هي المحدد الأبرز [7].

 وبموازاة ذلك تراجعت المبادرات الأميركية التي تحمل شعار الديمقراطية أو الإصلاح السياسي خارجياً، وحلت محلها تفعيل أدوات الضغوط الاقتصادية والإنسحاب التدريجي من الاتفاقيات والقواعد الدولية التي سبق أن شكلت جزءاً من البنية الرمزية للهيمنة الأميركية الليبرالية، وعليه فهو ليس تحولاً شكلياً فحسب بل نقلة في آلية التكوين القيمي لشرعية القيادة الأميركية من أميركا كمنارة قيم إلى شكل مغاير أميركا كموظف مصالح، وفي خاتمة المطاف تبدو هذه القطيعة بمثابة اختتام لعصر قصة التوسع القيمي البارز إذ إن قدرة الولايات المتحدة على بناء تحالفات في المنطقة استناداً للرواية الليبرالية تراجعت بوضوح وأصبح المورد القيمي يحتفظ به كخيار ثانوي أو تبرير جانبي في التنفيذ الاستراتيجي [8].

ثانياً: السياسات المؤسسة للتآكل القيمي تجاه منطقة الشرق الأوسط (نماذج تطبيقية):

من بين أهم السياسات المؤسسة للتآكل القيمي تجاه منطقة الشرق الأوسط ، نجد الاعتراف بالقدس، والانسحاب من الاتفاق النووي، وسياسات الهجرة، وحظر السفر، والمقاربة الاقتصادية العقابية، واتفاقات التطبيع بوصفها ترتيبات أمنية، مصلحية منخفضة المحتوى الحقوقي.

 يعتبر قرار إدارة ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها في ديسمبر 2017 لحظة فارقة في الخطاب السياسي الأميركي، إذ انتقل من التبرير القيمي المستند إلى القانون الدولي إلى منطق الصفقة والمصلحة المباشرة، فالقرار لم يبرر بمرجعيات الشرعية الدولية أو التوازنات التاريخية بل قدم بوصفه تصحيحاً للواقع ووفاء بالتزامات داخلية انتخابية ما كشف عن انكماش واضح في الدور الأخلاقي للولايات المتحدة وتراجع في حضور سردية الحقوق والعدالة في تسويغ الفعل الخارجي، وبذلك تحولت القدس من رمز للنظام القانوني الدولي إلى دليل على تفوق حسابات التحالف السياسي والانتخابي على القيم العالمية، وهو ما اعتبره باحثون عرب تجسيداً للانقطاع عن الخطاب الليبرالي الذي لطالما رافق السياسة الأميركية في المنطقة [9].

على المسار ذاته شكل انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018، تأكيداً على تغليب المقاربة المصلحية على التزامات الدبلوماسية المتعددة الأطراف فقد أعادت الإدارة الأميركية تعريف الاتفاق لا باعتباره أداة للردع المتبادل وضبط الانتشار النووي، بل بوصفه صفقة سيئة قيدت قدرتها على المناورة ومن ثم سعت إلى تفكيكه واستبداله بسياسة الضغط الأقصى. هذا الانسحاب كشف عن تراجع الالتزام بالقواعد الدولية التي كانت جزءاً من رواية القيادة الأميركية، وحول أدوات القيم إلى أدوات ضغط وانتقاء ونتيجة لذلك أعيد إنتاج صورة واشنطن كقوة أحادية تتعامل بمعايير مزدوجة وتستبدل مفهوم الشرعية بمفهوم الهيمنة المصلحية [10].

 من جانب آخر، عكست سياسات الهجرة وحظر السفر في عهد ترامب، انتقالاً من الخطاب القيمي إلى مقاربة تغليب الأمن والهوية على مبدأي المساواة وعدم التمييز؛ فـالحظر صِيغ قانونياً كإجراء وقائي لكنه قُرِأ عربياً وإسلامياً بوصفه استبعاداً معيارياً، وهو ما أحدث فجوة بين سردية الديمقراطية الأميركية وتجربتها العملية، وأضعف القابلية لتلقي رسائل الولايات المتحدة الأخلاقية في المنطقة كما ولد سجالاً قضائياً وإعلامياً طويلاً كشف هشاشة شرعية التبرير القيمي أمام حسابات الداخل الانتخابي ومقتضيات الأمن القومي فراجت صورة أميركا كقوة تنظم حدودها على أساس أمني هوياتي أكثر من التزام بحقوق كونية[11].

 وعلى الموازاة رسخت المقاربة الاقتصادية العِقابية كأداة أولى للسياسة الخارجية تعظيم استخدام العقوبات المالية والقيود التجارية لتعديل السلوك والرهان على تكاليف العزل لإنتاج تنازلات تفاوضية، هنا يتحول مورد النفوذ من الجاذبية إلى الإكراه غير العسكري، فتغدو القيم ملحقاً خطابياً بينما تقود أدوات الضغط المشهد على مستوى الشرق الأوسط أعادت هذه المقاربة تعريف إدارة الأزمات والردع بعيداً عن التعددية والمؤسسات وزادت الاعتمادية على صفقات ثنائية ونظم امتثال مالية عابرة للحدود الأمر الذي يرفع كلفة الإقناع، ويقلص رصيد القوة الناعمة ويعمق الشكوك في مصداقية السردية الليبرالية الأميركية، وفوق ذلك ترتبت آثار اجتماعية وإنسانية مباشرة على طالبي التأشيرات والطلاب والباحثين وأسرهم وارتفعت كلفة الامتثال القانوني، والتنقل والدراسة ما غذى سرديات التحيز وأضعف برامج الدبلوماسية العامة في الإقليم أيضاً [12].

 تمثل اتفاقيات أبراهام التي وقعت عام 2020 بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، أنموذجا انتقالياً في مفهوم السلام من تسوية قائمة على قيم العدالة، وحق تقرير المصير إلى ترتيب أمني اقتصادي تحكمه اعتبارات المصلحة والتحالف الإقليمي. فالاتفاق لم يبنى على معالجة جذور الصراع بل على هندسة اصطفافات جديدة تضمن تبادل المنافع التقنية والعسكرية والاستثمارية مع تهميش شبه كامل للبعد الحقوقي للقضية الفلسطينية بذلك أصبحت التطبيع أداة لإعادة توزيع النفوذ في الإقليم أكثر من كونه مشروعاً للسلام القيمي وأنتج سردية السلام مقابل التعاون بدل السلام مقابل الأرض [13].

 ثالثاً: أثر التحول على القنوات الناعمة الدبلوماسية العامة المنظمات الدولية

تراجع الخطاب القيمي في عهد ترامب انعكس مباشرة على القنوات الناعمة الأميركية، فعلى مستوى الرأي العام تظهر بيانات الاستطلاع الذي أجرته مجلة سياسات عربية أنّ الصورة العامة للولايات المتحدة انفصلت عن تقييم سياساتها نظرة أقل سلبية للشعب الأميركي مقابل تقييم سلبي واضح للسياسة الخارجية مع فروقات قطرية وتدنّ ملحوظ في قبول نهج الإدارة داخل بلدان مثل: فلسطين، ولبنان وتونس، هذا النمط يكشف محدودية الدبلوماسية العامة حين تستخدم بمعزل عن التزامات قيمية ومؤسسية أوسع إذ لا تكفي رسائل الشراكة والإصلاح إذا اقترنت بسياسات تقرأ إقليمياَ بوصفها انتقائية أو مصلحية خالصة [14].

 وعلى مستوى المؤسسات والبرامج تفيد قراءات حديثة في أدبيات القوة الناعمة بأن القدرة الجاذبة تتآكل عندما تتباين الرسالة مع الممارسة، فالأولوية المعلنة للمصالح والأدوات العقابية تعيد تعريف موقع القيم في الاستراتيجية الأميركية وتضع الدبلوماسية العامة والمنظمات والبرامج الثقافية في وضع دفاعي، ينتج عن ذلك فجوة مصداقية تضعف شرعية القيادة القائمة على القواعد وتقلّص القدرة على التأثير في النخب والرأي العام ما لم ترفد القنوات الناعمة بسياسات منسقة تبرهن اتساق المقاصد مع الوسائل وتربط الرسائل بنتائج ملموسة في قضايا العدالة وسيادة القانون [15].

المطلب الثالث: التداعيات الاستراتيجية: تقويض الهيمنة الناعمة وإعادة تشكيل المشهد الإقليمي

يتناول هذا المطلب التداعيات الاستراتيجية المترتبة على تقويض الهيمنة الأميركية الناعمة في الشرق الأوسط، بوصفه نتيجة مباشرة للتحول من الخطاب القيمي إلى النهج المعاملاتي في السياسة الخارجية الأميركية. ويسعى إلى تحليل انعكاسات هذا التراجع على صورة الولايات المتحدة لدى الرأي العام والنخب، وعلى قدرتها على القيادة وبناء التحالفات.

 أولاً: تداعيات على تصوّرات المنطقة (الرأي العام والنخب وصورة أميركا)

 أدّى التحوّل الخطابي والعملي في عهد ترامب إلى إعادة صياغة تصوّر الرأي العربي العام والنخب لصورة الولايات المتحدة بوصفها قوّة عالمية، تشير نتائج المؤشر العربي التي حلّلتها (دانا الكرد) إلى أنّ نسبة الثقة في السياسات الأميركية تراجعت بوضوح بين عامي(2016 -2020)، خصوصاً في البلدان التي شهدت تدخلات عسكرية أو اقتصادية مباشرة، فقد باتت الولايات المتحدة ينظر إليها باعتبارها قوة براغماتية، تسعى وراء مصالحها الذاتية أكثر من كونها راعية للنظام الدولي القائم على القواعد، كما أظهرت الدراسة أنّ النخب العربية أصبحت أكثر انتقائية في التعاطي مع الخطاب الأميركي، إذ تفصل بين أميركا الشعب وأميركا السياسة، وهو ما يعكس تآكل شرعية القوة الناعمة لصالح مقاربة واقعية باردة تركز على المصالح في النتيجة، تقلصت قدرة واشنطن على تشكيل الرأي الإقليمي أو حشد التأييد لسياساتها، وانخفضت جاذبيتها كمرجع قيمي في قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان [16].

ثانياً: تداعيات على القدرة الاستراتيجية الأميركية ( القوة الناعمة كرافعة تمكين).

تراجع السردية القيمية في عهد ترامب انعكس على القدرة الاستراتيجية الأميركية، لأن القوة الناعمة كانت تعمل كرافعة تخفّض كلفة الإكراه وتزيد فاعلية الحشد، حين تقدّم المصالح الصلبة قبل الرسالة المعيارية تتكون فجوة مصداقية تضعف أدوات الدبلوماسية العامة وبرامج الثقافة والتعليم وتمويل الشراكات فتغدو أقل قدرة على تحويل التعاطف إلى التزام سياسي أو مؤسسي، تظهر قراءات حديثة أن فاعلية التأثير تعتمد على اتساق المقاصد مع الوسائل وأن غلبة الأدوات العقابية تقوي صورة معاملاتية يصعب معها الحفاظ على شبكات النفوذ، بينما يعيد الاتساق الاعتبار لقنوات الجذب (منظمات دولية مبادرات معرفية دبلوماسية إنسانية) باعتبارها مضاعفات للنفوذ لا مكملات شكلية [17].

 عملياً كلما ارتفعت كلفة الإقناع مقارنة بالإكراه تراجعت القدرة على تشكيل الأجندات أو بناء ائتلافات طويلة الأمد وازدادت هشاشة الالتزامات من الحلفاء. وتبين تحليلات إقليمية أن الولايات المتحدة في بيئة تنافسية مع قوى صاعدة تحتاج إلى مزيج دقيق يبقي الرصيد الرمزي مغذى بسياسات قابلة للرصد (حكم القانون شفافية نتائج اقتصادية واجتماعية)، وإلا تحول النفوذ إلى قدرة على التعطيل لا على القيادة بهذا المعنى يصبح السؤال الاستراتيجي: كيف تستعاد قابلية الإقناع بحيث تدعم الردع والقسر بدل أن تناهضهما وتعيد الثقة في القيادة القائمة على القواعد بعد أعوام من الرسائل المتضاربة [18].

ثالثاً: صعود فاعلين منافسين وملء الفراغ (روسيا، الصين، تركيا، إيران)

 صعود فاعلين منافسين للولايات المتحدة في الشرق الأوسط ارتبط مباشرة بتراجع الرصيد الرمزي الأميركي، فقد تحركت روسيا والصين لاستثمار فجوات القيادة القائمة على القواعد عبر مزيج من أدوات الطاقة والسلاح والبنى التحتية، وتقدم هاتان الدولتان سردية سيادية بديلة تهمش الاشتراطات الحقوقية، وتغري الشركاء بعوائد سريعة ومحددة، هذا التحول ظهر في انزياح جزء من الشراكات العربية نحو عقود تسليح وتمويل وموانئ وخطوط اتصالات، وفي تعاظم الحضور الإعلامي والثقافي المصاحب، ما يعكس انتقال مركز الثقل من الجذب القِيَمي إلى جاذبية المنفعة في بيئة تنافسية [19].

 وبالتوازي، ملأت تركيا وإيران جوانب أخرى من الفراغ عبر نفاذ شبكي يجمع أدوات أمنية واقتصادية وأيديولوجية، مستفيدة من هشاشة البنى المحلية، وحاجات الأمن الحدودي وملفات الطاقة والوساطات، فتكشف تحليلات مقارنة أن أنقرة وطهران تراوحتا بين التنافس والتساكن تبعاً للمسرح (سورية، العراق، الخليج العربي)، لكن القاسم المشترك هو استخدام أدوات قوة صلبة منخفضة الجرعة ومسارات نفوذ غير رسمية (فصائل، تجارة، بعثات دينية تعليمية) تنتج تأثيراً تراكمياً من دون كلفة مواجهة مباشرة مع واشنطن النتيجة البنيوية هي تعاظم استراتيجيات التنويع والتحوط لدى العواصم العربية، وتزايد قوة الترتيبات الثنائية الصغيرة القائمة على مقايضات أمنية-اقتصادية، بما يعيد تشكيل الخريطة الإقليمية بعيداً عن مركزية الهيمنة الناعمة الأميركية [20].

الخاتمة:

 لقد بينت الدراسة أن ما شهدته السياسة الخارجية الأميركية خلال عهد دونالد ترامب لم يكن مجرد تعديلٍ في الأولويات، أو تبدل في أساليب إدارة النفوذ، بل كان تحولاً بنيوياً في طبيعة القوة الأميركية نفسها، فقد أدى الانتقال من الخطاب القِيَمي إلى النهج المعامَلاتي إلى تآكل الركائز الرمزية التي قامت عليها الهيمنة الأميركية الناعمة منذ نهاية الحرب الباردة، حيث تراجعت مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية، لصالح منطق الصفقات والمصالح الضيقة، هذا التحول أصاب أحد أهم مصادر النفوذ الأميركي في العالم وهو القدرة على الإقناع والجذب بخلل عميق(النموذج القيمي)، انعكس بوضوح في صورة الولايات المتحدة لدى الشعوب والنخب، وفي تراجع ثقة الحلفاء بقدرتها على قيادة النظام الدولي القائم على القواعد.

أثبت التحليل أن إدارة ترامب، من خلال شعاراتها وسياساتها، لم تكتفِ بإضعاف أدوات القوة الناعمة التقليدية، بل قامت بإعادة تعريفها وفق منطقٍ مادي صرف. فالدبلوماسية العامة، التي كانت في السابق أداة لترويج النموذج الأميركي، تحولت إلى أداة تبريرية للمصالح الآنية كما تقلص دور المنظمات الدولية وبرامج الدعم الثقافي والإنساني، وانكمش حضور واشنطن في المبادرات متعددة الأطراف، ما أدى إلى تفريغ خطاب القيادة الأخلاقية من مضمونه.

وعلى المستوى الإقليمي، تبين أن الشرق الأوسط كان أكثر الساحات تأثراً بهذا التحول، لأنه شكل لعقود المسرح الرئيس لتجسيد السردية الأميركية عن الحرية والديمقراطية، فجاءت سياسات ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، فرض العقوبات الاقتصادية، وسياسات الحظر والتطبيع لتقلب المعادلة، وتجعل واشنطن في نظر الرأي العام العربي طرفا مصلحيا يتعامل بازدواجية، لا قوة مهيمنة تحمل مشروعاً قيميا وبهذا، تآكلت جاذبية النموذج الأميركي، وتحوّل ال خطاب الليبرالي إلى عنصر فقدان للثقة بدلاً من مصدر للإلهام.

 كما أظهرت الدراسة أن هذا التراجع لم يكن بلا ثمن استراتيجي إذ استغلت قوى أخرى الفراغ الناشئ لإعادة التموضع في الإقليم فقد تمكنت روسيا من تثبيت نفوذها العسكري والسياسي في سوريا وليبيا، بينما رسخت الصين حضورها الاقتصادي من خلال مبادرة الحزام والطريق واستثمرت تركيا وإيران أدوات نفوذ محلية وشبكية في الإقليم العربي لتعزيز مواقعها لقد أصبح المشهد الإقليمي متعدد الأقطاب، يُدار وفق توازنات مصلحية مرنة، لا وفق منظومة قيمية واحدة ونتيجة لذلك، تقلصت قدرة الولايات المتحدة على توجيه مسار الأحداث أو احتواء الأزمات بالوسائل الناعمة، بعد أن فقدت جزءاً كبيراً من رأسمالها الرمزي الذي كان يميزها عن القوى الأخرى.

خلصت الدراسة أيضا، إلى أن تآكل الهيمنة الناعمة لا يعني بالضرورة زوالها، بل تحولها إلى نمط جديد من النفوذ يعتمد على القوة الموجهة داخل دوائر محدودة، مع تركيز أكبر على الأدوات الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية، لا على القيم العالمية. إلا أن استمرار هذا الاتجاه يحمل مخاطر هيكلية على المدى الطويل، إذ يهدد شرعية القيادة الأميركية ويضعف تماسك التحالفات الغربية لذلك، فإن استعادة القوة الناعمة الأميركية تتطلب إعادة بناء الثقة من خلال اتساق القيم والممارسات، والعودة إلى صيغة القيادة بالشراكة لا القيادة بالإملاء.

 وتؤكد نتائج البحث أن نهاية الهيمنة الناعمة ليست نهاية النفوذ الأميركي، بل نهاية نموذج بعينه من القيادة القائمة على الجاذبية الأخلاقية والمشروعية الدولية. فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك عناصر قوة مادية هائلة، غير أنّ فعاليتها باتت مرهونة بقدرتها على إعادة إنتاج خطابٍ قيمي متماسك ومصداق يواكب التحولات في النظام الدولي، ويستجيب لمطالب المجتمعات الإقليمية بالعدالة والاحترام المتبادل. إنّ مستقبل الهيمنة الأميركية لن يُحسم في ميدان السلاح أو الاقتصاد فحسب، بل في ميدان المعنى: مدى قدرة واشنطن على إقناع العالم بأنها ما تزال تمثل نموذجا جديراً بالثقة، لا مجرّد قوة تبحث عن الربح والمصلحة.

النتائج:

– انهيار النموذج القيمي: تحول الولايات المتحدة من مصدر للقيم إلى وسيط مصالح تحت ترامب، جردها من شرعيتها الأخلاقية، وجعل سردياتها الديمقراطية تلقى تشكيكا عميقا في الرأي العام والنخب العربية.

– تآكل الأدوات الناعمة: أصبحت أدوات الدبلوماسية العامة والمنظمات الدولية وبرامج التبادل الثقافي غير قادرة على تعويض آثار السياسات العقابية والانتقائية (كحظر السفر والعقوبات الاقتصادية)، مما أفقدها القدرة على تحويل التعاطف إلى ولاء مؤسسي.

– ارتفاع كلفة القيادة: تراجع قابلية الإقناع الأميركية جعل تشكيل الائتلافات وصياغة الأجندات الإقليمية أكثر تكلفة وصعوبة، ودفع الحلفاء إلى تبني استراتيجيات تنويع وتحوط.

– صعود بدائل الهيمنة: نجحت روسيا والصين وتركيا وإيران في استغلال الفراغ في الشرق الأوسط عبر مقاربات تجمع بين القوة الصلبة منخفضة التكلفة (عقود سلاح، والبنى التحتية) وسرديات سيادية تهمش القيم الليبرالية، مما أعاد رسم خريطة التحالفات الإقليمية.

– خصوصية السياق الشرقي أوسطي: عوامل الهشاشة البنيوية وتعدد الفواعل والتراث التاريخي للتدخلات جعلت المنطقة بيئة طاردة للقوة الناعمة عندما تفتقر إلى الدعم المؤسسي والاقتصادي الملموس.

التوصيات:

(1) لصانعي السياسة الأميركية:

 -إعادة ربط الأدوات الصلبة (عسكرية، اقتصادية) برأس المال الرمزي عبر سياسات متسقة مع الخطاب القيمي، خاصة في القضايا الإنسانية.

 – تبني استراتيجيات دبلوماسية عامة ذكية تربط البرامج الثقافية والتعليمية بإصلاح مؤسسي ملموس وملكية محلية.

– تفعيل آليات مساءلة لضبط الفجوة بين الخطاب والممارسة عبر مؤشرات أداء قابلة للقياس (كفاءة المساعدات، شفافية الشراكات).

(2) للدول الإقليمية:

 – توظيف سياسات التنويع الاستراتيجي لتعظيم المكاسب من التنافس الدولي دون الانخراط في تبعية أحادية الجانب.

 – بناء روايات قيمية محلية بديلة تستند إلى الخصوصية الثقافية والحاجات التنموية، وتوازن بين التعاون الدولي والحفاظ على السيادة.

 – تعزيز التكامل الإقليمي المستقل لمواجهة اختراقات القوى الخارجية وتقليل كلفة التبعية.

3- للباحثين والمؤسسات الفكرية:

 – تطوير مؤشرات قياس جديدة للقوة الناعمة تركز على القابلية للتوظيف في السياقات النزاعية، لا الانطباعات العامة فقط.

 – دراسة نماذج الهيمنة البديلة (الصينية، الروسية) وتحليل استدامتها في المدى الطويل.

 – إنشاء مراصد لرصد تأثير التحولات القيمية في السياسة الخارجية على الاستقرار الإقليمي وحقوق الإنسان.


[1] – علي باكير، ” نحو إطار نظري في صناعة القوة الناعمة”، سياسات عربية، المجلد 9 ، العدد 53 ، نوفمبر/تشرين الثاني، ص 8–9 ، أنظر في الرابط: urlr.me/z8tMgp ، تاريخ الدخول:( 12/11/2025).

[2] – سيف الهرمزي، “مقتربات القوة الذكية كآلية من آليات التغيير الدولي: الولايات المتحدة الأميركية أنموذجا”، سياسات عربية، العدد 32، تموز/يوليو2018، ص 2–3، أنظر فيurlr.me/r2jK5 تاريخ الدخول:( 9/11/2025).

 [3]- عمرو عبد العاطي ، “تحوّلات القوّة وأزمات النظام الدولي الليبرالي”، إصدار مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار ، مجلس الوزراء ديسمبر 2024، ص2-5، تاريخ الدخول :(25/11/2025)urlr.me/PXq67G

[4] – أحمد سليم عبد الله، دور السياسة الأمريكية في التحولات الديمقراطية في المنطقة العربية (2001–2013) ،رسالة ماجستير قسم العلوم السياسية كلية الاداب جامعة الشرق الأوسط، الأردن، 2013/ 2014، ص 40–41. أنظر في: urlr.me/fTQmnGتاريخ الدخول:( 012/11/2025)

[5] – علي جلال عبد الله معوّض، “مراجعة مفهوم القوّة الناعمة: خصوصية السياق الشرق أوسطي”، ورقة مقدّمة إلى المؤتمر العربي-التركي الأول للعلوم الاجتماعية، القاهرة، 2012 ، ص 10–11، أنظر في الرابط: urlr.me/dGXfUA تاريخ الدخول: (12-11- 2025).

[6] – خيام محمد الزعبي، القوة الناعمة وأثرها في العلاقات الدولية، مجلة جامعة الفرات للأبحاث والدراسات العلمية، سوريا، العدد 65 ،2024، ص. 4–6، أنظر في الرابط: urlr.me/c7XCed تاريخ الدخول: ( 12/11/2025).

[7] – حسن أيوب، السياسة الخارجية الأميركية في عهد إدارة دونالد ترامب، مركز الأبحاث الفلسطيني، 2018، أنظر في الرابط: urlr.me/Zc9w5h تاريخ الدخول:( 12/11/2025).

[8] – عمرو عبدالعاطي، أمريكا أولاً: التوجهات الخارجية لإدارة ترامب الثانية، المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية، 10 أكتوبر ، أنظر في الرابط urlr.me/UBSQKd :تاريخ الدخول:( 05/11/2025 ).

[9] – عبد الحكيم ضو زامونة، الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل: مبرّراته وتبعاته، مجلة أبحاث، العدد 20، 2020، ص 302–305. أنظر في الرابط:: urlr.me/ZmWnza (تاريخ الدخول 05 / 11 / 2025 .

[10] – محجوب الزويري، الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي الإيراني: التداعيات والآفاق، مركز الجزيرة للدراسات مايو 2018. أنظر في الرابط : urlr.me/vJhR4d تاريخ الدخول:( 08 / 11 / 2025 ) .

[11] – بلومبرغ كل ما تحتاج معرفته عن حظر ترمب سفر مواطني 12 دولة إلى أميركا، الشرق بزنس، أنظر في الرابط: urlr.me/bznAcx تاريخ الدخول: (015/11/2025 ).

[12]– فايزة بن حمزة، العقوبات الاقتصادية في السياسة الخارجية الأميركية، مجلة جامعة الإخوة منتوري قسنطينة، (قسّطينة)، أنظر في الرابط: urlr.me/fcDz6R تاريخ الدخول: ( 13/11/2025)

[13]– عبد العليم محمد، إتفاقيات أبراهام والنموذج الجديد للتطبيع: قراءة تحليلية، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 140، (خريف 2024)، ص 100-102 . أنظر في الرابط: urlr.me/tAwWfX تاريخ الدخول: ( 13 / 11 / 2025 ).

[14] – محمد المصري، اتجاهات الرأي العام العربي نحو السياسات الأميركية خلال العام الأول من عهد ترامب 2017، مجلة سياسات عربية، العدد 28 (أيلول/سبتمبر 2017) ،ص 116–117. أنظر الرابط: urlr.me/Yya4zQ تاريخ الدخول:( 13/11/2025).

[15] – خالد حنفي علي (محرّر)، دور القوة الناعمة في السياسة الخارجية للقوى المتوسطة، أبوظبي، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة 2024، ص 8. أنظر في الرابط: urlr.me/7hY6TM تاريخ الدخول:( 05/11/2025 ).

[16] – دانا الكرد، تقييم الرأي العام العربي تجاه السياسة الخارجية الأميركية ، مجلة سياسات عربية، العدد 48 ، 2021، ص 113–116. أنظر في الرابط: urlr.me/gPNsdU تاريخ الدخول:( 05 / 11 / 2025).

[17] – خالد حنفي علي (محرّر)، دور القوة الناعمة في السياسة الخارجية للقوى المتوسطة، أبوظبي، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 2023، ص 8-9 ، أنظر في الرابط : urlr.me/W4aJ8v تاريخ الدخول: ( 05 / 12 / 2025).

[18] – حين يساء فهم واشنطن، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 6 أيار/مايو 2022. أنظر في الرابط: urlr.me/K93b2h تاريخ الدخول:( 12 /11/2025).

[19]– علاء عبدالحفيظ محمد، تأثير الصعود الروسي والصيني في هيكل النظام الدولي في إيطار نظرية تحول القوة، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد المزدوج، ص 47–48 ، الجمعية العربية للعلوم السياسية بالتعاون مع مركز دراسات الوحدة العربية، خريف 2015، ص 12–14. أنظر في الرابط : urlr.me/zenKd8 تاريخ الدخول:( 13/11/2025).

[20] – العلاقات التركية الإيرانية في شرق أوسط بات متغير، مؤسسة RAND (ترجمة عربية)، ، تقرير بحثي، 2019، ص 25–26. أنظر في الرابط: urlr.me/NRDCyw تاريخ الدخول:( 14/11/2025) .

Admin

مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية: مؤسسة فكر وتخطيط استراتيجي تقوم على إعداد التقديرات وتقديم الاستشارات وإدارة المشروعات البحثية حول المتوسط وتفاعلاته الإقليمية والدولية. لا يتبنى المركز أية توجهات مؤسسية حول كل القضايا محل الاهتمام، والآراء المنشورة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى