تحولات الجيوبولتيك السوري وانعكاسه على السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط

د. مجيد مطر/ لبنان
الملخص:
يتناول هذا البحث التحولات الجيوبولتيكية في سوريا في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، ويحلل انعكاساتها على السياسة الأميركية في الشرق الأوسط عقب تولي أحمد الشرع السلطة في سوريا، مركزاً على تراجع وانكماش الدورين الإيراني والروسي، مقابل تنامي الحضور العربي في المشهد السوري، ومبيّناً كيف أسهمت هذه التحولات في إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية والدولية.
تركز الدراسة على المحددات السياسة الأميركية التقليدية تجاه المنطقة، وتحلّل الأهداف الاستراتيجية التي اعتمدتها إدارة الرئيس دونالد ترامب، ولا سيما السعي إلى بناء تحالفات جديدة تعكس موازين قوى مستجدة، واحتواء التنافس التركي ــــ الإسرائيلي، والحد من الانخراط العسكري المباشر عبر تبني سياسة الردع والتهديد باستخدام القوة، فضلاً عن إعادة توظيف أدوات الدبلوماسية بأشكالها المختلفة، ومنع عودة النفوذ الإيراني إلى سوريا.
ويخلص البحث إلى أن سوريا تشكل محوراً استراتيجياً في المشرق العربي، وأن فهم الجيوبولتيك السوري يُعد مدخلاً ضرورياً لاستيعاب التوجهات الأميركية الراهنة والمستقبلية. كما يبين أن الاستقرار الإقليمي بات يقوم على توازنات جديدة فرضتها المتغيرات السورية، في ظل تفاعل المصالح وتنافس الفاعلين الإقليميين والدوليين.
الكلمات المفتاحية: سوريا، السياسة الأميركية، الشرق الأوسط، التحالفات الاقليمية، توازن القوى.
مقدمة:
تُعد منطقة الشرق الأوسط من أكثر المناطق حساسية في النظام الدولي، إذ تمثل مركزاً استراتيجياً تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية والسياسية والعسكرية للقوى الكبرى. وقد أثبتت التجربة أن الموقع الجغرافي المتميز للمنطقة، الغني بالموارد الطبيعية ولا سيما النفط والغاز، جعلها ساحة مستمرة للتنافس الدولي منذ القرن التاسع عشر.
وقد تزايد هذا الاهتمام مع التحولات العالمية الراهنة، خصوصاً في ظل صعود الصين ومحاولتها توسيع نفوذها عبر مبادرة “الحزام والطريق”، التي وضعت الشرق الأوسط في قلب استراتيجيتها للتجارة والطاقة وبناء الحضور الدولي المؤثر، ومن دون مواجهة مباشرة.
في هذا الإطار، أولت إدارة الرئيس الأميريكي دونالد ترامب المنطقة أهمية استثنائية مقارنة بالإدارات الديمقراطية السابقة، إذ تبنت رؤية واقعية تهدف إلى حماية المصالح الأمريكية، دون الانخراط العسكري المباشر عبر مبدأ “السلام بالقوة”، الذي أصبح أداة من أدوات السياسة الخارجية الأميركية في يومنا هذا. وقد أعاد الرئيس الأميركي ترتيب أولويات سياسته الخارجية على نحو يُركز فيه على احتواء النفوذ الصيني والروسي مع المحافظة على أمن الحلفاء، وفي مقدمتهم إسرائيل، وضمان استمرار تدفق الطاقة العالمية، والتحكم بالممرات البحرية والبرية.
وتبرز سوريا في هذا السياق كركن جيوبوليتكي أساسي في المنطقة، وقد شكل سقوط نظام بشار الأسد، لصالح قيادة جديدة برئاسة أحمد الشرع، نقطة تحول حاسمة في بنية الإقليم، حيث أعادت هذه التطورات تشكيل موازين القوى بين الفاعلين الاقليميين والدوليين، ومن منظور الدراسات الجيوبوليتكية، تمثل الحالة السورية، أداة تحليلية لفهم آليات التنافس الدولي على الشرق الأوسط بعد سقوط النظام السابق.
كما وتتيح دراسة سياسة إدارة ترامب، فرصة لتقييم مدى فعالية المقاربة الواقعية القائمة على المصلحة الاستراتيجية، بدلاً من التدخل المباشر. ينطلق هذا البحث من فرضية أن التحولات الجيوسياسية الراهنة في سوريا تعكس إعادة التموضع الأميركي في الشرق والأسط، في ظل المحاولات لتشكيل النظام الدولي، وتعدد مراكز القوة المؤثرة فيه. كما سيتم استخدام المنهج التحليلي لدراسة الأسباب والنتائج المترتبة على التحولات الجيوسياسية في سوريا، مع التركيز على تفسير تداعيتها وانعكاساتها على منطقة لشرق الأوسط ككل.
أهمية الدراسة:
تكمن أهمية هذه الدراسة من الناحية العلمية، في أنها تتناول السياسة الخارجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط، انطلاقاً من محورية الجيوبولتيك السوري كجزء أساسي من المشرق العربي، وذلك لتحليل تأثير وانعكاس التحولات الحاسمة، التي نتجت عن سقوط نظام الأسد الذي أعاد صياغة التوازنات الإقليمية في المنطقة.
كما لهذه الدراسة أهمية عملية من خلال المساهمة في التراكم المعرفي حيال منطقة الشرق الأوسط والسياسات الدولية المتنافسة للسيطرة عليه.
إشكالية االدراسة:
تنبع الإشكالية من الأهمية الجيوبوليتيكية المحورية التي تحتلها سوريا ضمن توازنات الإقليم والنظام الدولي، في ظل التحولات العميقة التي مست بنية السلطة والسياسة الداخلية عقب سقوط نظام بشار الأسد. إذ يشكل تحليل هذه التحولات مدخلاً أساسياً لفهم أنماط تفاعل القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، مع الأزمة السورية، ومدى انعكاس ذلك على استقرار المنطقة ومسارات النزاعات فيها. وعليه، تطرح الدراسة التساؤل المركزي التالي: إلى أي مدى أسهمت التحولات الجيوبوليتيكية في سوريا في إعادة تشكيل السياسة الأمريكية تجاهها وتجاه منطقة الشرق الأوسط عموما؟
تهدف الدراسة إلى :
-تحليل محورية الجيولولتيك السوري وتحولاته بعد سقوط الأسد، وتقييم تداعياتها على التوازنات الاقليمية.
-تحليل السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط في عهد الرئيس دونالد ترامب، انطلاقاً من الجغرافية السورية مع التركيز على السياسة الواقعية المستندة إلى المصالح الاستراتيجية.
-تحديد مؤشرات السياسة الأميركية تجاه الفاعلين الاقليميين وتأثيرها في مستقبل المنطقة.
التساؤلات الفرعية:
-ما أهمية الجيوبولتيك السوري بعد سقوط الأسد؟
-كيف أثرت تحولات ما بعد الأسد في الحسابات الإقليمية والدولية في الشرق الأوسط؟
-ما طبيعة السياسة التي اتبعتها الولايات المتحدة لتحقيق مصالحها في سوريا دون الانخراط المباشر في النزاعات؟
خطة الدراسة:
تنقسم هذه الدارسة إلى أربعة مباحث أساسية، يتناول المبحث الأول الجيوبولتيك السوري بين النظرية والتطبيق، ويركز المبحث الثاني على الجغرافية السورية في الإطار الجيوبولتيكي الأوسط، في حين يحدد المبحث الثالث ركائز السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، وأخيرا يتناول المبحث الرابع تحولات السياسة الأميركية تجاه سوريا بعد زيارة الشرع إلى واشنطن.
المبحث الأول: الجيوبولتيك السوري بين النظرية والتطبيق
تتجلى أهمية الجيوبولتيك كأداة تحليل ضرورية في الحالة السورية، حيث توفر سوريا نموذجاً لتفاعل الجغرافيا مع المعادلات السياسية والاستراتيجية. فموقعها في قلب المشرق العربي جعلها محوراً لتوازنات القوى في الشرق والغرب، ومجالاً استراتيجياً لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية على حد سواء. وفي هذا السياق يمكن استخدام الأبعاد الجيوبولتيكية لفهم مسارات الصراع والتحول في سوريا، ليس فقط من البعد الداخلي للدولة، بل ضمن إطار أوسع، يشمل ركائز العلاقات التي تربطها بمحيطها الجغرافي والاستراتيجي.
وهكذا يتيح الجيوبولتيك السوري تفسير كيف يمكن للجغرافيا أن تتحول إلى عنصر فاعل في عملية صنع القرار، وأن تبرز ديناميات القوة والاستقطاب والتحالفات في المشرق العربي بعد سقوط نظام بشار الأسد، وما تلاه من تحولات جذرية في بنية توازن القوى الإقليمية والدولية انطلاقاً من الساحة السورية.
أولاً: الجيوبولتيك: النشأة والتطور
برز الفكر الجيوبولتيكي بمفهومه الحديث في أواخر القرن التاسع عشر في أوروبا، حيث بدأت محاولات الربط بين الجغرافيا السياسية وإمكانات الدولة، ولا سيما العسكرية منها في مجال التفاعلات الدولية. فالجيوبولتيك يعد أحد فروع الجغرافيا البشرية[1]، إذ يهتم بدراسة تأثير العوامل الجغرافية في صياغة الرؤى والاستراتيجيات السياسية للدول، وفي إدراكها لإمكاناتها، وفعالية موقعها ضمن محيطها الإقليمي والدولي.
عملياً ينسب الفكر الجيوستراتيجي للبارون أنطوان هنري جوميني الذي أعطى أهمية كبيرة للسيطرة على البحر واعتبرها عاملاً مهمًا في حالات الغزو[2]. ويُنسب مصطلح الجيوبولتيك إلى العالم الجغرافي السويدي رودولف كيلين عام 1899، الذي عرّف الدولة بأنها “كائن حي يعيش في فضاء جغرافي”، بمعنى أن الجغرافيا لها أثر فعال في تشكيل سلوك الدول وسياساتها الخارجية.
وكان كيلين متأثراً بأفكار الجغرافي الألماني فريدريك راتزل، الذي نظر إلى الدولة بوصفها كائناً عضوياً بحاجة إلى التوسع من أجل البقاء، تماماً كما تحتاج الكائنات الحية للنمو والاستمرار. ففي الجغرافيا السياسية تعتبر وحدة الدراسة هي الدولة، كإنتاج بشري قابلة للنشأة والولادة والنمو الازدهار والاضمحلال والبقاء والزوال[3].
يعد الجيوبولتيك امتدادا للجغرافيا السياسية، وينظر إليه على أنه من مفاهيمها المباشرة، ويركز على تأثير الجغرافيا في السياسية[4]. فهو يهتم بدراسة الظواهر السياسية في المكان، أي التأثير المتبادل بين الظاهرة السياسية والمكان بخصائصه الطبيعية والبشرية والاقتصادية، وتعد الدولة من أهم الظواهر السياسية المكانية[5] .
أما مفهوم الجيوبولتيك، فيشير إلى العلاقة بين الأرض والسياسة، بخلاف الجغرافيا السياسية التي تركز على تأثير الخصائص الجغرافية في السياسة[6]. وقد اختصر هوسهوفر الفرق بقوله: “إن الجغرافيا السياسية تبحث في الدولة من وجهة نظر المجال، بينما الجيوبولتيك تبحث في المجال من وجهة نظر الدولة[7].
أ- المدرسة الألمانية في الجيوبولتيك:
انطلاقًا من وعي الألمان بأهمية المكان وإمكاناتهم، تطور مفهوم الجيوبولتيك في المدرسة الألمانية ليبلغ ذروته مع فريدريك راتزل، الذي أسس مفهوم “المجال الحيوي”، وهو الفضاء الجغرافي الذي تتوسع فيه الدولة وتنمو بوصفها كائناً حياً[8]. وقد برز في هذا السياق المفكر كارل هاوسهوفر المستشار الخاص لهتلر في الشؤون الخارجية، الذي أسس مجلة خاصة بالجيوبولتيك وأصبح أول رئيس تحرير لها، فحولها إلى منبر فكري يعكس الرؤية الجيوبولتيكية الألمانية.
ومع هاوسهوفر، أصبح الجيوبولتيك حقلاً معرفياً يدرس العلاقة بين الجغرافيا بوصفها محدداً للقوة السياسية للدولة ومجالها الحيوي، وقد أثّرت هذه النظرية فيما بعد في الفكر النازي، لتصبح أحد الأسس الأيديولوجية لحروب هتلر التوسعية[9].
ب- المدرسة الأنغلوساكسونية في الجيوبولتيك:
في بريطانيا، وسّع المفكر والجغرافي هالفورد ماكندر مفهوم الجغرافيا السياسية عبر نظريته الشهيرة “قلب العالم”، والتي أبرزت أهمية السيطرة على أوراسيا كمدخل للسيطرة على العالم. أصبحت هذه النظرية من الركائز البنيوية للفكر الاستراتيجي البريطاني والأمريكي[10] ،حيث اعتُبر الجيوبولتيك أداة لفهم التنافس بين القوى الكبرى، إذ أن ماكندر كان يعتقد بأن الخرائط عرضة للتغيير، وأن خريطة العالم عرضة للتبدل بفعل السياسة الامبريالية. [11]
ومع هذا لا بد من التأكيد على أن الجغرافيا تبقى العنصر الأكثر ثباتاً في التحولات الدولية، فتغيير الحدود لا يقلل من أهمية العنصر الجغرافي، بل يزيد من محوريته، فلو لم تكن الجغرافية مؤثرة لما لجأ الاستعمار إلى التلاعب بحدود الدول وخرائطها.
ج- نيكولاس سبايكمان والمدرسة الأميركية:
تُعد نظرية الحافة امتداداً لنظرية قلب العالم، لكنها قدمت تعديلًا مهماً انطلاقاً من النظرية نفسها، إذ يرى سبايكمان أن السيطرة تبدأ من الحافة الساحلية لأوراسيا وليس من قلبها. وهي نظرية “حافة الأرض”، التي تطوق كتلة اليابسة الرئيسية في شرق أوروبا عبر الشرق الأوسط باتجاه الشرق الأقصى. وقد أظهرت هذه النظرية أن القوة البحرية قادرة على احتواء القوى البرية العظمى، ما مكن الولايات المتحدة من احتواء الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة[12].
د- نقد الجيوبولتيك الكلاسيكي:
رغم أهمية النظريات الكلاسيكية، فقد وُجهت إليها انتقادات لاعتبارها أن الجغرافيا محدد أساسي لسلوك الدول، متجاهلة عوامل أخرى مثل الديمغرافيا والاقتصاد والمجتمع، ولاحقًا التكنولوجيا. وقد استند النقد إلى النظرية التي تقول بأن تطور الأسلحة الصاروخية العابرة للقارات، قد أدى إلى تقليص أهمية الجغرافيا كعامل محدد للقوة والنفوذ[13].
ولا يمكن أن يفوتنا في هذا المجال الحديث عن الفكر الجيوبولتيكي الروسي، الذي يعتبر أن المكان والسيطرة عليه، يشكل أمراً حيوياً في تحقيق الأمن القومي. فالأمن الروسي لا يتحقق إلا عبر السيطرة على المجال الحيوي، والمكانة الدولية لروسيا ترتبط مباشرة بقدرتها على إدارة هذا المجال والحفاظ عليه.
ولهذا ظل الجيوبولتيك الروسي ليس مجرد تحليل علمي ، بل مكوناً ثقافياً وهوياتياً أثر في سياسيات روسيا الخارجية عبر الزمن، ثم صناعة القرار وتصور الروس لذاتهم ودورهم. بهذا يمكن اعتبار المؤرخين في روسيا من مؤسسي الجيوبولتيك الروسي. ففي كتاباتهم تناولوا مسالة موقع روسيا في العالم، حتى من الجانب المكاني، لذا ينبغي التركيز على أعمال المؤرخ السلافي لامانسكي الذي قال إن روسيا ينبغي أن تكون دولة عالمية تهيمن على معظم أوروبا، واثنين من أصل خمسة أجزاء من آسيا، وستحدد حدودها الغربية بخط يصل بين موانئ غدانسك وترييستي، وأن الامبراطورية الروسية ستمتد من فيينا إلى بكين[14].
وقد صرح فلاديمير بوتين بأن الحدث التاريخي الأبرز الذي كان يتمنى لو أمكن تغييره أو الحيلولة دون وقوعه هو سقوط سقوط الاتحاد السوفياتي، معتبراً إياه أكبر كارثة جيوسياسية شهدها القرن العشرون[15].
إزاء هذه التحولات، ذهب العديد من المنظرين إلى الحديث ليس فقط عن «نهاية التاريخ»، بل عن «موت الجغرافيا»، ولا سيما عقب إعلان الولايات المتحدة انتصارها في الحرب الباردة، وما ترتّب عليه من قيام نظام دولي أحادي القطبية تقوده واشنطن.
وقد تجلّى هذا الاختلال في موازين القوى من خلال سلسلة من الحروب والتدخلات الأميركية، بدءاً من حرب الخليج الثانية عام 1990، مروراً بتفكيك يوغسلافيا والحرب الأهلية التي شهدتها عام 1992، ثم إطلاق مسار مدريد عام 1991 في إطار محاولة إنهاء الصراع العربي–الإسرائيلي، فضلًا عن توسّع حلف شمال الأطلسي، ومحاولات تهميش روسيا وإضعافها خلال عهد بوريس يلتسين، بما في ذلك الحربين الشيشانيتين الأولى والثانية.
وتواصل هذا المسار مع مرحلة «الحرب على الإرهاب»، التي شملت غزو أفغانستان عام 2001، ثم حرب العراق عام 2003، على الرغم من عدم ثبوت صلة العراق بالإرهاب، إضافة إلى ما عُرف بالثورات الملونة وغيرها من الأحداث الجيوبوليتيكية التي أسهمت في تكريس الهيمنة الأميركية.
وقد دفعت هذه التطورات موسكو إلى إعادة النظر في استراتيجيتها الدولية عقب وصول الرئيس فلاديمير بوتين إلى السلطة، حيث تجلّى ذلك في التدخل الروسي في جورجيا عام 2008، بعد محاولة الأخيرة إخضاع أوسيتيا الجنوبية بالقوة، الأمر الذي أثار ردّ فعل روسيًا سريعًا تمثّل في تدخل عسكري مباشر انتهى بسيطرة الجيش الروسي على أوسيتيا الجنوبية وإعلان استقلال كل من أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية.
وفي سياق الرد الروسي الأوسع، بادرت موسكو إلى تأسيس مجموعة «بريكس» والانخراط في مبادرات دولية، إلى جانب قوى صاعدة أخرى، بهدف الدفع نحو إنشاء نظام دولي متعدد الأقطاب. ومع هذه التطورات، عاد الحديث مجددًا عن صعود الجيوبوليتيك بقوة، باعتبار أن الجغرافيا لا تزال تمثل العنصر الأهم الذي تدور حوله السياسات الدولية[16].
وقد قدم هذا البحث تعريفاً اجرائياً: الجيوبولتيك يعبر عن مجموع العناصر الجغرافية والسياسية للدولة، كالموقع الجغرافي، السكان الموارد الطبيعية والقوة العسكرية والاقتصادية، التي تساعد في فهم وتحليل السياسات الدولية وتحولاتها من خلال النفوذ والمكانة.
المبحث الثاني: الجغرافيا السورية في الاطار الجيوبتيكي الأوسع
بهدف فهم الجغرافية السورية، لا بد من أخذ الإطار الجيوبولتيكي الأوسع بعين الاعتبار، كتواجدها في الشرق الأوسط من جهة، وكونها قلب المشرق العربي من جهة ثانية. فالمشرق العربي يصنف ضمن المناطق التي تتمتع بمقومات القوة والمكانة الاستراتيجية، يؤكد ذلك تنافس القوى الكبرى الاقليمية والدولية حولها.[17]
أولاً- الجيوبولتيك السوري انطلاقاً من أهمية المشرق العربي
يعتبر المشرق العربي الإطار الإقليمي الأوسع، وفهم مكانته في السياسات الدولية يساعد على إدراك موقع سوريا وأهميتها في التاريخ والسياسة المعاصرة. وقد اختلفت الآراء حول “التحديد الجغرافي لمنطقة المشرق العربي الذي يشير إلى الجزء الشرقي من الوطن العربي مقابل المغرب العربي.
أي المنطقة الممتدة من الحدود الشرقية للوطن العربي شرقاً إلى البحر المتوسط، ومن حدود العراق وسوريا مع تركيا شمالاً إلى حدود العراق والأردن مع السعودية جنوباً، وبذلك فإن المشرق العربي يتكون من الدول التي تعرف بــ “الهلال الخصيب” أو ” الشرق الادنى” وهي تسميات سياسية تكمن خلفها مطامع استعمارية”. يضم المشرق العربي سوريا ولبنان والعراق والأردن وفلسطين، ويتمتع بأهمية جيوسياسية قصوى. يشكل موقعه حلقة وصل بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، فضلاً عن كونه ممراً طبيعياً للتجارة والهجرة منذ القدم. كما يحتوي على ممرات حيوية وموارد للطاقة، وموانئ بحرية تطل على المتوسط والبحر الأحمر والخليج العربي[18].
من الناحية التاريخية، للمشرق العربي جذور حضارية عميقة، فهو مهد الديانات والحضارات، ما يجعله بوتقة تفاعل ديني وعرقي وثقافي تتجاوز حدوده الجغرافية. أما من الناحية السياسية، فهو قلب الشرق الأوسط وساحة الصراعات والحروب التاريخية، ويُعد الصراع العربي–الإسرائيلي من أبرز الصراعات الطويلة الأمد التي لا تزال تجلب التدخلات الخارجية[19] .
ثانياً- سوريا في قلب المشرق العربي
تشكل سوريا أحد المحاور الجغرافية المهمة في المشرق العربي، وتاريخها يكاد يختصر المنطقة بأسرها نظراً لما شهدته من حروب وتقلبات، بما في ذلك قيام ممالك وزوال أخرى، ما جعلها عقدة وصل استراتيجية. يقع موقع سوريا عند تقاطع ثلاث قارات، وقد أهلها موقعها الجغرافي لأن تكون ممرا للقوافل التجارية، فضلاً عن قيامها بالتبادل التجاري، وأن نهر الفرات الذي يصل بين الأناضول من جهة، وسوريا والعراق من جهة أخرى جعل من شمال سوريا مركز الشرق بإتجاه الغرب، أي هي المعبر الأساسي بين البحر المتوسط والخليج، وبين الأناضول والجزيرة العربية، ما يفسر التنافس حولها منذ 2011 إلى الوقت الراهن[20].
تمتلك سوريا موارد طبيعية وطرق إقليمية تربطها مباشرة بتركيا والعراق والأردن ولبنان وفلسطين المحتلة، وتشكل ممراً حيوياً لخطوط الغاز والنفط من الخليج إلى أوروبا، ويشكل مينائي طرطوس واللاذقية منافذ استراتيجية على المتوسط.[21] يتجلى البعد التاريخي لسوريا من خلال دور دمشق عبر العصور[22]، وصولًا إلى النزاعات الأيديولوجية التي أثرت في الحياة السياسية، خصوصًا في حقبة الحرب الباردة، حيث ساهمت النخبة السورية المثقفة في تأسيس الفكر القومي
وحزب البعث العربي الاشتراكي، الذي انتشر لاحقًا في دول المشرق العربي، ما يؤكد أن السيطرة على سوريا تعطي القدرة على التأثير السياسي والأمني والثقافي والاقتصادي في المنطقة.
ثالثاً- الجغرافية السورية في النظريات الجيوبولتيكية
تبرز أهمية الجغرافية السياسية لسوريا في ضوء النظريات الجيوبولتيكية مثل نظرية قلب العالم لماكندر، ونظرية الحافة (ريملاند) لنيكولاس سبايكمان. وفق ماكندر، من يسيطر على قلب العالم يتحكم في النظام الدولي، بينما يرى سبايكمان أن السيطرة على المواقع الساحلية للقارات هي مفتاح القوة.
تنطبق هذه النظريات جزئياً على المشرق العربي وسوريا، إذ تقع سوريا على تخوم الريملاند بين البحر المتوسط واليابسة الآسيوية. بالنسبة لسبايكمان، تمثل سوريا المنطقة الوسطى في الريملاند الممتدة من هولندا حتى جزيرة كامتشاتكا، ومن يسيطر على هذه المنطقة يسيطر على العالم، ما يعطي سوريا أهمية كبيرة.
أما بالنسبة لماكندر، تمثل سوريا منتصف الجسر بين القلب الكبير في وسط آسيا وشرق أوروبا، والقلب الصغير في وسط أفريقيا الممتد إلى مصر مروراً ببلاد الشام والقوقاز[23]. يمكن ربط الجيوبولتيك السوري أيضاً بمفهوم المنطقة المحورية في الجيوبولتيك المعاصر، إذ تعد سوريا مجالاً جغرافياً مستهدفاً لتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتنافس فيه مشاريع النفوذ الإقليمي. تسعى القوى المتنازعة إلى توظيف الموقع السوري لتحقيق أهداف جيوستراتيجية متعددة:[24]
- تعد سوريا بالنسبة لروسيا نافذة لها على البحر المتوسط ونقطة ارتكاز لتوسيع نفوذها في الشرق الأوسط.
- الولايات المتحدة تنظر إليها كمنطقة لإدارة صراع احتواء النفوذ الروسي والإيراني، وضمان أمن إسرائيل.
- إيران استخدمت العمق السوري لتعزيز حضورها الجيوسياسي.
- تركيا ترى سوريا كحديقة خلفية ومجالاً حيوياً لنفوذها وضبط طموح الأكراد.
- إسرائيل تعتبر سوريا حدوداً أمنية معقدة، خاصةً في الجولان، وسعت لمنع قيام دولة سورية مركزية قوية.
وكان سقوط النظام السوري مفاجئاً ومربكاً للعقل الأمني الاسرائيلي، خصوصاً أنه قد جاء لصالح إدارة جديدة، اسلامية الطابع، يصعب حصر التوقعات لناحية سلوكها السياسي، ما يسبب ضبابية في المشهد السوري، فضلاً عن الدعم التركي الواضح في ظل انفتاح عربي لافت حيال الرئيس الجديد أحمد الشرع، وهذا ما يزيد القلق الاسرائيلي[25].
- الدول العربية، وفي مقدمها السعودية، ترى في سوريا عنصر استقرار ضروري لتوازن المشرق ومواجهة مشاريع النفوذ غير العربي. وبالتالي، يمثل الجيوبولتيك السوري نموذجاً لتفاعل الموقع والمصلحة، باعتباره نقطة توازن محورية في المشرق العربي.
رابعاً: الأهمية الجيوبولتيكية لسوريا بعد سقوط النظام السابق
يعد سقوط بشار الأسد حدثاً سياسياً واستراتيجياً أعاد رسم خرائط النفوذ الإقليمي والدولي، فازدادت الأهمية الجيوبولتيكية لسوريا وأصبحت مدخلاً لإعادة تشكيل الشرق الأوسط ومفتاحاً لفهم كيف يمكن لأنظمة أن تلعب دوراً بارزاً من خلال الموقع الجغرافي للدولة.
فقد مثل سقوطه نهاية مرحلة طويلة من صراع داخلي بامتداد إقليمي ودولي من 2011 حتى تاريخ سقوطه في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وقد أعطى سقوطه فرصة استراتيجية لإعادة تشكيل المشهد الجيوبولتيكي لمنطقة المشرق العربي. فهذا الحدث لم يكن مجرد انتقال عادي للسلطة داخل الدولة السورية، بل يمكن وضعه في خانة التحولات البنيوية المؤثرة في حسابات القوى الإقليمية والدولية، ولا سيما الولايات المتحدة[26].
وفي قراءة أولية لهذا التحول يتبدى أننا بصدد إعادة تعريف لمعطيات النفوذ والتفاعل الإقليمي، فبقدر ما شكل سقوط الأسد نكسة استراتيجية لروسيا وإيران، خصوصاً الأخيرة التي فقدت الجسر الحيوي الذي يربط طهران ببيروت، كما ووضع روسيا في موقع دفاعي للحفاظ على تواجدها في سوريا من خلال قاعدتي طرطوس وحميميم، وإن لم تسلك إدارة أحمد الشرع موقفاً عدائياً تجاه الوجود الروسي في سوريا.
إنما يبدو أنه من الناحية الاستراتيجية لا يمكن لروسيا اعتبار النظام الجديد حليفاً موثوقاً. فحالة اللايقين الروسي تجاه سوريا الجديدة متحكمة في نظرة موسكو إلى مستقبل العلاقة مع الإدارة السورية الجديدة، وذلك بالرغم من الحديث عن عدم تحرك روسيا لحماية نظام الأسد ومنع سقوطه.[27] فما هي أبرز تداعيات التحول السوري؟. تتجلى أبرز تداعيات التحول السوري فيما يلي:
عودة تركيا للعب دور مركز الثقل بعد سقوط النظام، مستفيدة من علاقاتها مع المعارضة السورية. بروز الدور العربي، إذ أعاد رحيل الأسد الحضور العربي، بعد هيمنة إيران على قلب المشرق، حيث تباهت بالسيطرة على أربع عواصم عربية وفق تصريحات مسؤوليها.
في الخلاصة يعتبر سقوط النظام حدثاً زلزالياً بالغ الأهمية قلب موازين الشرق الأوسط وأوجد تحولات في بنية المشرق العربي، إذ تمثل سوريا عقدة جغرافية مركزية تربط العراق ولبنان والأردن وفلسطين، ما يعيد أهمية الممرات بين المدن الكبرى ويستعيد دورها الاستراتيجي في النقل والطاقة[28].
خامساً- الجغرافية السورية: المقومات والأهمية
الجغرافيا عامل جوهري في التاريخ[29]. ولفهم واقع الدولة وسلوكها وفعالية سياساتها، لابد من دراسة تاريخها وجغرافيتها لتقييم سياستها بشكل موضوعي. وباعتبار الجغرافيا عنصراً ثابتاً في السياسة، تصبح دراستها ضرورية لتحليل السياسات الدولية، فصناع القرار غالباً ما يسترشدون بالاعتبارات الجغرافية في رسم سياساتهم الخارجية[30] .فوفقاً للمفكر الفرنسي جيرار شاليان، هناك ضرورة للجمع بين الاستراتيجية والجيوبولتيك لضمان عدم الإنحراف أو الشطط عند اتخاذ القرارات المصيرية[31].”ربما تكون الجغرافيا صماء أحياناً، ولكن ما أكثر ما كان التاريخ لسانها، ولقد قيل بحق إن التاريخ طل الإنسان على الأرض بمثل ما أن الجغرافيا ظل الأرض على الزمان”.
بهذه الكلمات المفتاحية العميقة عبر المفكر المصري الراحل جمال حمدان عن أثر الجغرافيا في صناعة أحداث التاريخ، ويُنسب للقائد العسكري الفرنسي نابليون بونابرت أنه قال: “الجغرافيا قدر الأمم”، وتلك حقائق متكررة، فلطالما حددت الجغرافيا مصائر أمم وشعوب.[32]
تعطي الدراسات الجغرافية والاستراتيجية أهمية لموقع الدولة وحدودها وتضاريسها، وينطبق ذلك على سوريا التي تقع في العروض المعتدلة وسطاً بين خط الاستواء والدائرة القطبية وما ينتج عنه من نتائج متعددة مهمة، كالموازنة الحرارية، والمناخ المناسب للزراعة واعتداله وعدم تطرفه ووقوعه بين حضارات الشمال والجنوب والشرق والغرب[33]، وتشكل عقدة استراتيجية بين ثلاث قارات ونقطة وصل بين المشرق العربي والبحر المتوسط. وبناءً على ذلك، ينبغي لكل دولة مستقلة مثل سوريا أن تعمل وفق معطيات جغرافيتها السياسية لحماية أمنها القومي ورفاهية شعبها.
في المحصلة تثبت الحالة السورية أن الجيوبولتيك لا يمكن فهمه من خلال نظرية واحدة، بل عبر استعراض جميع النظريات الكلاسيكية والمعاصرة مع التركيز على موقع سوريا، الذي يمثل عقدة استراتيجية بين الشرق والغرب، البر والبحر، الشمال والجنوب، كما تشمل التحولات الجيوبوتيكية توزيع القوة داخل الدولة وتأثيرها المتبادل مع المحيط الاقليمي والدولي، فقد ظهر في سقوط بشار الاسد تراجع النفوذ الايراني وصعود النفوذ التركي والعربي، وما يترتب على ذلك من من انعكاسات على السياسة الأميركية.
المبحث الثالث: ركائز السياسة الأميركية في الشرق الأوسط
يطلق مصطلح الشرق الأوسط على مجموعة الدول الواقعة بين غرب آسيا وشمال أفريقيا، وتشمل السعودية وسوريا والعراق وإيران وتركيا والأردن ولبنان ودول الخليج. وتتميز هذه المنطقة بتركيبتها البشرية المتنوعة دينياً وعرقياً، وبموقع جغرافي استراتيجي يربط بين ثلاث قارات، فضلاً عن امتلاكها أهم احتياطات النفط والغاز في العالم، واحتضانها ممرات مائية حيوية مثل قناة السويس ومضيق هرمز وباب المندب.
ويحتل الشرق الأوسط مكانة مركزية في الدراسات الجيوسياسية نتيجة موارده الطبيعية الغنية وقيمته الحضارية والدينية. وقد أسهمت هذه العوامل في جعله موضع اهتمام القوى الدولية عبر العصور. ومع بروز النظام العالمي الجديد عام 1990، ودخول العالم مرحلة الأحادية القطبية، تزايدت أهمية المنطقة، وازدادت حدتها بعد أحداث 11 سبتمبر وبدايات الربيع العربي، ثم مع عودة روسيا إلى ساحة الصراع في سوريا، ما أدى إلى إعادة تشكيل ميزان القوى داخلها وفي الإقليم عموماً. كما ساهمت طموحات القوى الإقليمية، خصوصاً إيران وإسرائيل، في تعقيد المشهد السياسي والأمني[34].
“يشير بعض دارسي العلاقات الدولية إلى أن منطقة الشرق الأوسط هي احدى أبرز الساحات التي تمارس فيها الولايات المتحدة سياستها الخارجية بهدف الحفاظ على جملة من المصالح المرتبطة على وجه التحديد والتي تشكل أيضا ساحة اختبار لنظرتها إلى علاقاتها مع باقي الدول الكبرى والإقليمية”[35] .
وقد أدرك الاستراتيجيون الأميركيون إمكانية صعود لمختلف القوى المتصارعة عالمياً، فشعروا بضرورة السيطرة على منطقة الشرق الأوسط الممتدة بين المحيط الأطلسي وحدود صحراء شينجيانغ في غرب الصين، كما رأوا أن الولايات المتحدة بحاجة إلى عرقلة بروز روسيا، أوروبا، والصين من خلال فرض هيمنتها على الشرق الأوسط يمكن لأميركا منع تكوين الكتلة الأوراسية التي يمكن أن تسعى إلى تهميش دور الولايات المتحدة، وعرقلة خططها لتكون القوى الأكبر في العالم.
وأعطى مستشار الأمن القومي الأميركي السابق زبينغيو بريجنسكي أهمية خاصة للشرق الأوسط لأنه يفصل أوروبا عن افريقيا، ويخلق شرخاً بين روسيا وأوروبا، وهذا من شأنه خلق حاجز يمنع روسيا من الوصول إلى الخليج والمحيط الهندي، وفي الوقت نفسه منع الصين من الوصول إلى إفريقيا[36].
تستمد المنطقة أهميتها من اعتبارات أمنية واقتصادية واستراتيجية، وقد تعمقت هذه الأهمية بعد سقوط بشار الأسد لما ترتب على ذلك من إعادة ترتيب للتوازن الإقليمي، ولما خلفه انهيار الأجهزة الأمنية السورية من فرص لتمدد تنظيم “داعش”. كما تضع واشنطن حماية أمن إسرائيل في مقدمة أولوياتها، إذ أن التحولات في سوريا ولبنان تنعكس مباشرة على بيئتها الأمنية. وتُعد سوريا بالنسبة للولايات المتحدة ممراً حيوياً، يحمل فرصاً ومخاطر تتعلق بالأمن الإقليمي والدولي، وهو ما توليه إدارة الرئيس دونالد ترامب اهتماماً كبيراً.
إن الأهمية الجيوسياسية للشرق الأوسط تضعه في قلب التنافس الدولي، في ظل سعي واشنطن إلى إعادة صياغة للتوازنات الإقليمية. كما أن احتمال استغلال الجماعات المتطرفة لحالة الفراغ الأمني دفع الولايات المتحدة إلى متابعة التطورات السورية عن قرب لحماية مصالحها الاستراتيجية.
ويمكن وصف السياسة الأمريكية الراهنة بالواقعية، باعتبارها سلوك ثابت لدى صانع القرار الأميركي، إذ تركز على المكاسب الأمنية والاقتصادية بدلاً من الشعارات الأيديولوجية المرتبطة بنشر الديمقراطية، بما ينسجم مع مبادئ الواقعية الجديدة في السياسة الخارجية. وجاءت تصريحات الرئيس ترامب خلال زياراته للإمارات والسعودية وقطر لتؤكد توجهه نحو بناء تحالفات استراتيجية وتعزيز التعاون الأمني والاقتصادي[37].
وعلى المستوى العسكري، تحافظ الولايات المتحدة على وجودها لضمان أمن الطرق التجارية البحرية والبرية، وقد ظهر ذلك في استهدافها للحوثيين رداً على الهجمات في البحر الأحمر. كما تعتمد إدارة ترامب سياسة “الغموض البناء”، التي تجمع بين التهديد باستخدام القوة تجاه إيران أو خصوم آخرين وبين إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة، ما يمنح واشنطن هامشاً واسعاً للمناورة[38].
وفي سياق الحرب الإسرائيلية على غزة، سعت واشنطن إلى تحقيق وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى، وطرحت مقترحات ذات بعد اقتصادي لإعادة رسم المشهد في القطاع، رغم الانتقادات الإقليمية والدولية. كما يمثل صعود الصين عاملاً إضافياً في تعزيز الحضور الأمريكي في الشرق الأوسط، خاصة بعد نجاح بكين في رعاية المصالحة بين السعودية وإيران، الأمر الذي دفع واشنطن إلى إعادة تقييم استراتيجيتها لاحتواء النفوذ الصيني[39].
ومن المؤكد أن التحولات السورية تعكس تعقيدات التنافس الدولي نتيجة تداخل المصالح الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية، وتسارع تداعياتها الإقليمية. ولتحليل السياسة الأمريكية بصورة علمية، تبرز الحاجة إلى دراسة الأطر النظرية التي تحكم السلوك الأمريكي وتطبيقها على الحالة السورية بعد سقوط نظام الأسد، خصوصاً في ضوء زيارة أحمد الشرع إلى واشنطن وما أحدثته من تحولات في السياسة الأمريكية.
أولاً: الركائز النظرية للسياسة الأمريكية
أ- البعد الواقعي:
ترسم الدول سياستها الخارجية وفق مصالحها الأمنية والاقتصادية في ظل نظام دولي فوضوي تحكمه الصراعات. فالنظرية الواقعية ترفض التزام الدول في علاقاتها بالقواعد الأخلاقية وإداركها الخير والشر في السياسة الدولية، لكنها تسعى لتحقيق مصالحها المتمثلة بامتلاك القوة، بعيداً عن أي معطى أخلاقي[40].
بعد زيارة أحمد الشرع لواشنطن، أظهرت الولايات المتحدة برغماتية واضحة تعكس اهتمامها بالسلطة السورية الجديدة كممر لاحتواء سلوك إيران وروسيا، ومنع أي نفوذ يعوق الاستقرار السوري الذي بات يمثل مصلحة أمريكية ملحة. وتنظر واشنطن إلى النظام الجديد كأداة لضبط التوازن الاقليمي وقوة مضافة لها.
ب- الأمن القومي:
هناك أهداف للأمن القومي الأمركي في بيئته الخارجية ذات طبيعة جغرافية، وهي المناطق الاستراتيجية والحيوية في العالم مثل منطقة الخليج العربي التي تنتج 70 % من الطاقة الى الاسواق العالمية[41].
يعد الشرق الأوسط ركيزة المصالح الحيوية للولايات المتحدة، خاصة أمن الطاقة وحماية إسرائيل وضمان النفوذ الأمريكي[42]. وقد جاءت زيارة الشرع إلى واشنطن في هذا السياق، لتعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي بما يضمن منع أي توسع عسكري إيراني أو روسي في المناطق الحساسة. كما تم بحث دعم مكافحة الإرهاب والحد من انتشار الميليشيات المسلحة، وهي ملفات أساسية في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي. وقد أعلن عن انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد داعش، بعد إطلاق الحكومة السورية حملة أمنية لملاحقة خلايا التنظيم.[43]
ج- الهيمنة
تهدف الولايات المتحدة للحفاظ على مكانتها كقوة عظمى من خلال العودة إلى مبادئ سياسة الاحتواء المستخدمة خلال الحرب الباردة، مع محاولة الصين وروسيا كسر الأحادية الدولية[44]. أتاحت زيارة الشرع فرصة لتعزيز الهيمنة الأمريكية عبر التحالفات الإقليمية والضغط على الأطراف المنافسة للالتزام بالرؤية الأمريكية، دون الانخراط العسكري المباشر في النزاع السوري. ويقوم توجه الإدارة الأمريكية على مبدأ “تقاسم الأعباء”، بنقل مهمة الأمن للحلفاء مع إبقاء الإشراف الاستراتيجي بيد الولايات المتحدة[45].
ثانياً: الأدوات الأمريكية للتحكم في المنطقة
-العلاقات العسكرية:
تشير التقديرات إلى وجود نحو 46 ألف جندي أمريكي في الشرق الأوسط، مدعومين بأسطول كبير من السفن الحربية والطائرات المقاتلة. ورغم تأكيد البيت الأبيض أن هذا الوجود دفاعي، إلا أن الانتشار في أكثر من 19 موقعاً وثماني قواعد دائمة يمنح الولايات المتحدة قدرة ردعية واسعة.
تُعد قاعدة العديد في قطر الأكبر في المنطقة، وتضم نحو 11 ألف جندي وأكثر من 100 طائرة، وتُستخدم كمنصة رئيسية للعمليات الجوية ضد داعش وقريبة من إيران. أما في العراق، فتبرز قاعدة عين الأسد التي تضم نحو 2,500 جندي أمريكي وبريطاني وقد تعرضت لهجمات بطائرات مسيّرة.
تشمل القوة البحرية حاملتي الطائرات USS Nimitz و USS Carl Vinson بمجموعات قتالية كاملة، وتشارك في عمليات في الخليج وخليج عدن. كما تستخدم جزيرة دييغو غارسيا لاستضافة قاذفات B-2 النووية. أما معسكر عريفجان في الكويت فيشكل مركزاً لعمليات لوجستية ضخمة. وفي تركيا، تُخزن في قاعدة إنجرليك نحو 50 قنبلة نووية. هذا الانتشار يعكس قدرة الولايات المتحدة على تنفيذ عمليات سريعة وواسعة ومنع أي خلل في توازن القوى.[46]
-التحالفات السياسية:
تشكل التحالفات ركيزة أساسية في السياسة الأمريكية كأداة لفرض نفوذها، إذ أن الحفاظ على الهيمنة مكلف سياسياً وعسكرياً واقتصادياً. لذلك تعتمد واشنطن على إنشاء تحالفات لتعزيز استراتيجيتها، كما أكدت وثيقة مجلس الأمن القومي NSC-68 التي شددت على ضرورة خلق بيئة دولية توفر الاستقرار للنظام الأمريكي، عبر الجمع بين الدبلوماسية والقوة والعسكرية[47].
-الأدوات الاقتصادية:
تشمل المساعدات، والسيطرة على الأسواق العالمية للنفط والغاز باعتبارها أدوات ضغط فعالة تؤثر على سلوك الدول وتوجهاتها الإقليمية إنما تبقى العقوبات الاقتصادية الأداة الأبرز لدى الولايات المتحدة، ففي هذا السياق لم يتوصل الباحثون إلى اتفاق حول تعريف واحد للعقوبات الاقتصادية إذ تختلف تبعا للمنظور التحليلي لكل باحث. ويقدم دايفيد بلاديون للعقوبات بوصفها :” أداة من أداوت فن الحكم وهذا يعني أنها جزء من مجموعة أكبر من أدوات السياسة المتاحة لصانعي السياسات الخارجية”[48].
وقد أقرّ مجلس النواب الأميركي في 25 يوليو/تموز 2017 مشروع قانون بأغلبية ساحقة لفرض عقوبات جديدة على روسيا وإيران وكوريا الشمالية، مع تقييد صلاحيات الرئيس دونالد ترمب في تخفيف العقوبات عن موسكو دون موافقة الكونغرس. وقد استهدف القانون مسؤولين وقطاعات روسية عدة على خلفية ضم شبه جزيرة القرم والتدخل في الانتخابات الأميركية عام 2016، وشمل مجالات مثل الأمن السيبراني، والطاقة، والمؤسسات المالية، والفساد، وانتهاكات حقوق الإنسان، إضافة إلى نقل الأسلحة إلى سوريا.[49]
كما ويفرض مشروع القانون عقوبات على الحرس الثوري الإيراني بتهمة دعم الإرهاب، كما يستهدف 18 شخصًا وكياناً على صلة ببرنامج الصواريخ البالستية والأنشطة العسكرية الإيرانية. وتشمل العقوبات عددا من فروع مجموعة شاهد حامد الصناعية المتخصصة في تطوير وإنتاج الصواريخ العاملة بالوقود السائل، وهي شركة تخضع أصلًا لعقوبات أميركية وأوروبية وأممية[50].
المبحث الرابع: تحولات السياسة الأميركية تجاه سوريا بعد زيارة الشرع لواشنطن والسيناريوهات المحتملة
أ- أبرز تحولات السياسة الأميركية تجاه سوريا
لا يمكن فهم التحولات الكبرى في مجال العلاقات الدولية إلا من خلال مراقبة تأثيرها وانعكاساتها، ما جعل من مفهومي التأثير والانعكاس أداة من الأدوات التحليلية الأساسية في دراسة السياسات الدولية. إذ يفسر الأول العلاقة السببية التي توضح تأثير متغير في متغير آخر، كما في تأثير الحدث السوري في تراجع خيار التدخل الأميركي المباشر، بينما يشير الانعكاس إلى النتائج المباشرة وغير المباشرة لذلك الحدث.
وفي هذا السياق شكل التحول السوري المتمثل بسقوط نظام بشار الأسد ،عاملاً حاسماً في إعادة هيلكلة موازين القوى الاقليمي والدولي، وأسهم في إحداث تحولات بنيوية في السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، انتقلت من منطق التدخل المباشر المكلف مادياً وبشرياً إلى إدارة الأزمات وتوازن النفوذ. فما هي أبرز تحولات السياسة الأميركية بفعل الحدث السوري.
أولاً: تغيير الأولويات الاستراتيجية
قبل زيارة أحمد الشرع، اتسمت السياسة الأمريكية تجاه سوريا بالترقب وعدم اليقين نتيجة وجود العديد من الفصائل المسلحة المصنفة إرهابية، مع استمرار فرض العقوبات ومنع خصومها من استغلال أي فوضى محتملة بعد رحيل الأسد وتفكك مؤسسات الدولة.
وبعد سقوط النظام، رسمت الإدارة الأمريكية استراتيجية أكثر مرونة، متجاوزة مسألة تصنيف الرئيس السوري الحالي في خانة الأعداء. وقد استقبل ترامب أحمد الشرع في البيت الأبيض، ووُصِف اللقاء كبداية لمسار تفاوضي جديد يقوم على الانفتاح المشروط مقابل التزامات سورية تتعلق بالأمن القومي وتوازنات ما بعد وقد عكست التصريحات الرسمية هذا التوجّه، إذ عبّر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بوضوح عن الموقف الأميركي خلال زيارته الأخيرة إلى إسرائيل، حين أشار إلى أن سقوط نظام الأسد يُعد تطورًا مهمًا ومبشّرًا، لكنه شدّد في الوقت نفسه على أن استبدال قوة مزعزِعة للاستقرار بأخرى مشابهة لا يُعد تحولًا إيجابيًا بالنسبة للولايات المتحدة[51].
ثانياً: إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية
تنظر الولايات المتحدة إلى زيارة الشرع في إطار إعادة رسم خريطة المنطقة انطلاقًا من الجيوبولتيك السوري.
برزت أدوار إقليمية جديدة لكل من تركيا وإسرائيل والسعودية على حساب قوى أخرى والكل دخل في مرحلة اعادة تقييم التحالفات[52]، بهدف ضمان تموضع سوري جديد لا يهدد مصالح واشنطن وحلفائها.
ويسعى ترامب لتشكيل تحالفات تتوافق مع سياسة الهيمنة الأمريكية، بما يضمن أمن الطاقة والممرات الاستراتيجية في الشرق الأوسط. والرئيس دونالد ترامب يضع هذه التحالفات في اطار إعادة تشكيل الشرق الأوسط وكان الاعلان عن انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة الارهاب باكورة اعادة هيلكة المنطقة[53].
ثالثاً- المرونة الدبلوماسية مقابل العقوبات
بدأت واشنطن بفصل القضايا الإنسانية عن العقوبات السياسية والاقتصادية مع زيارة الشرع. وقد سبقت الزيارة قرارات تضمنت تخفيف بعض العقوبات المفروضة على النظام السابق.
ورغم فرض ترامب لقانون قيصر خلال ولايته الأولى، أصدر في يونيو 2025 أمراً تنفيذياً بتعليق العقوبات مؤقتاً لإعطاء السوريين فرصة جديدة، وتعليلقاً على هذا القرار وقد قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت إن هذه الخطوة صُممت لتعزيز ودعم مسار البلاد نحو الاستقرار والسلام[54].
يبقى مطلب الشرع بإلغاء قانون قيصر مرتبطاً بقرار الكونغرس، الذي يشترط خطوات سورية واضحة في حقوق الإنسان والتعددية الدينية وتحسين العلاقات مع إسرائيل.
رابعاً: التحليل العام للتحولات بعد زيارة الشرع
شكلت زيارة الشرع إلى واشنطن نقطة تحول في السياسة الأمريكية، إذ تحولت من العزلة والضغط إلى نهج يقوم على الواقعية الاستراتيجية مقروناً باعتبارات إنسانية. وتتعامل الولايات المتحدة مع الشرع بوصفه فاعلاً يمكن احتواؤه وتوظيفه لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية من دون تدخل عسكري مباشر، مستفيدة من دعمه للانضمام إلى التحالف الدولي ضد الإرهاب. كما تعكس مطالبة الشرع بإلغاء قانون قيصر سعيه لتحقيق توازن بين التعاون الأمني مع واشنطن وتخفيف الأعباء الاقتصادية عن السكان، بما ينسجم مع إطار الاعتماد المتبادل المعقد.[55]
خامساً: ضبط التنافس التركي–الإسرائيلي
يشكل التنافس التركي–الإسرائيلي أحد أبرز التحديات أمام سياسة ترامب تجاه سوريا. تسعى الولايات المتحدة لإدارة تناقضات الطرفين عبر دعم الشرع كشريك في الحرب على داعش، ومنعه من أن يصبح أداة بيد أنقرة أو أي محور إقليمي آخر. تعزز واشنطن التنسيق الأمني مع إسرائيل لضمان توازن الردع على جبهة الجولان، وفي الوقت نفسه تشجع تركيا على ضبط علاقاتها بفصائلها الحليفة في سوريا. وترى واشنطن أن تصاعد الخلاف بين تركيا وإسرائيل قد يهدد أهدافها في مواجهة النفوذ الروسي والإيراني ويقوض جهود بناء التحالفات الإقليمية.
بعد سقوط الأسد في ديسمبر 2024، سعت إسرائيل لإنشاء منطقة عازلة في الجنوب كما وقامت بقصف العاصمة السورية دمشق، بينما دعمت تركيا السلطة الجديدة لترسيخ نفوذها داخل سوريا.[56]
في الخلاصة، تتجلى مؤشرات السياسة الأمريكية تجاه الرئيس أحمد الشرع في مجموعة من المؤشرات التي تعكس مقاربة واشنطن الحذرة والبراغماتية في التعامل مع المرحلة السورية الجديدة. فقد منحت الولايات المتحدة الشرع دعماً سياسياً ودبلوماسياً محسوباً، تمثل في اعتراف شبه متحفظ به كحليف محتمل في الحرب على الإرهاب، بما بما يتيح له المشاركة في القرار الإقليمي والدولي ما يعني رفع مستوى التعاون الأمني.
كما سعت إلى ضبط تحركاته الإقليمية عبر تشجيعه على موازنة علاقاته مع كل من أنقرة وتل أبيب بما ينسجم مع أولوياتها الاستراتيجية. وإلى جانب ذلك، قدّمت الولايات المتحدة حوافز اقتصادية وسياسية مشروطة بقدرة الشرع على ضبط الفصائل المسلحة والالتزام بقواعد النظام الدولي. وتعتمد واشنطن في هذا الإطار نهجاً يقوم على المرونة التكتيكية، يتيح لها التكيف مع سياسات الشرع المتغيرة مع الحفاظ على قنوات تأثير مباشرة وغير مباشرة تضمن توافق توجهاته مع الأجندة الأمريكية[57].
ب- السيناريوهات المحتملة للسياسة الأميركية تجاه سوريا والشرق الأوسط
يقترح هذا البحث ثلاثة سيناريوهات محتملة للسياسة الأميركية تجاه سوريا والشرق الأوسط بعد التحولات الجيوبوليتيكية التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد. كما ويعتمد على تحليل مسارات السياسة الأميركية، ويهدف إلى فهم كيفية تعامل واشنطن مع السلطة الانتقالية الجديدة، والحلفاء الإقليميين، والخصوم، في ظل تعقيدات المشهد السوري المتشابك والصراعات المتعددة الأبعاد.
السيناريو الأول: الدعم الأميركي الاستراتيجي المباشر للسلطة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع
في هذا السيناريو، تسعى الولايات المتحدة إلى تقديم دعم استراتيجي مباشر للسلطة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع، انطلاقاً من قناعتها بأن أي فراغ أو حالة فوضى في الدولة السورية ستتيح لإيران وروسيا والتنظيمات الإرهابية مثل داعش إعادة توسيع نفوذها، مما يشكل تهديداً مباشراً للمصالح الأميركية في المنطقة.
ويشمل هذا الدعم تعزيز المؤسسات الأمنية والمدنية، وتقديم المساعدات الاقتصادية والدبلوماسية لضمان استقرار السلطة الجديدة ومنع عودة القوى المعادية لواشنطن. يتحقق هذا السيناريو عند تقديم اعتراف رسمي بالسلطة الانتقالية وتفعيل المؤسسات الأميركية المختلفة لدعمها، مما يؤدي إلى تعزيز استقرار الدولة، وتراجع نفوذ الخصوم، وإعادة إدماج سوريا تدريجياً في النظام الإقليمي والدولي. وترجح احتمالية تحقق هذا السيناريو بنسبة كبيرة (احتمال عال) في حال تبنّت الإدارة الأميركية سياسة الحفاظ على نفوذ مباشر في المنطقة.
السيناريو الثاني: الانخراط الأميركي غير المباشر عبر تعزيز دور الحلفاء الإقليميين
يعكس هذا السيناريو رغبة الإدارة الأميركية في تقليص التدخل المباشر في النزاعات الخارجية وفق شعار “أميركا أولاً”، والسعي لتحقيق مصالحها عبر الحلفاء الإقليميين، مثل السعودية وتركيا. وتسعى واشنطن من خلال هذا النهج إلى دعم إعادة الإعمار وبناء المؤسسات الوطنية في سوريا، بما يعزز استقرار السلطة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع، دون الحاجة إلى تدخل عسكري مباشر. في حوار مع الجزيرة نت، أشار البروفيسور ستيفن هايدمان إلى عدم اكتراث إدارة الرئيس ترامب بكيفية حكم سوريا، والإحجام عن التدخل لتعزيز الديمقراطية، وهو ما يتفق مع إيمان ترامب بخطأ سياسات بلاده في دفع الأنظمة للتغيير في العقود الأخيرة[58].
يتحقق هذا السيناريو عندما تتوافر قدرة الحلفاء على إدارة الملفات الاقتصادية والأمنية داخلياً، ويكون التنسيق بينهم وبين واشنطن واضحاً ومستداماً، ما يؤدي إلى تعزيز الاستقرار النسبي للسلطة الجديدة والحد من نفوذ الخصوم، مع بقاء الدور الأميركي مؤثراً لكنه غير ظاهر. ويرجح تحقق هذا السيناريو بنسبة مرتفعة إلى احتمال قوي، في ظل تزايد إرادة الإدارة الأميركية للحد من الإنخراط العسكري المباشر وتقليل الكلفة السياسية.
السيناريو الثالث: الأزمة المزدوجة بين الحلفاء والخصوم بعد سقوط بشار الأسد
في هذا السيناريو، تواجه الولايات المتحدة أزمة مزدوجة بعد سقوط النظام السوري، تتمثل في موازنة دعم الحلفاء والتعامل مع خصومها الإقليميين. فبينما تدعم تركيا السلطة الانتقالية، تتسم إسرائيل بالتحفظ والقلق إزاء سلوكها المستقبلي، مما قد يدفعها إلى التدخل جزئياً في إعادة رسم مناطق النفوذ السوري.
في الوقت نفسه، قد يسعى خصوم واشنطن إلى استغلال الفراغ عبر تحريك خلايا نائمة أو دعم مجموعات إرهابية بشكل غير مباشر. يتحقق هذا السيناريو مع استمرار الخلافات بين واشنطن وحلفائها، وظهور نشاط أمني غير مباشر للخصوم، مما يفرض على الولايات المتحدة موازنة دقيقة بين الخيارات الدبلوماسية والعسكرية والاستخباراتية لحماية مصالحها الإقليمية.
وقد تحدثت تقارير صحفية عن وجود خلاف أميركي إسرائيلي في الداخل السوري على اعتبار أن اسرائيل لا تريد دولة سورية فعلية تحصل على دعم عربي وغربي، بل تريد الحفاظ على نموذج الفوضى والشرذمة، وبالتالي الحفاظ على توازنات الشرق الأوسط، وفي هذا السياق لا تتفق الرؤية الاسرائيلية مع المشروع الأميركي في سوريا[59]. ونسبة تحقق هذا السيناريو تتأرجح بين احتمال ضعيف إلى مرجح، نظراً لتعدد المتغيرات وعدم استقرار مواقف الحلفاء والخصوم، ما يزيد من تعقيد المشهد السوري وإبطاء عملية بناء الدولة والاستقرار.
الخاتمة:
مثل سقوط نظام بشار الأسد عام 2024 تحولاً مفصلياً في الشرق الأوسط، إذ أعاد تشكيل البنية الجيوبولتيكية للمنطقة بشكل شامل، ووضع القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، أمام إعادة تقييم استراتيجياتها تجاه سوريا والمنطقة، آخذة في الاعتبار أهمية الجغرافية السورية في السياسة الاقليمية والدولية.
على المستوى الإقليمي، تراجع النفوذ الإيراني بعد فقدانها حليفها السوري، وفقدت روسيا جزءاً من نفوذها، تأثيرها السياسي رغم الحفاظ على وجود عسكري محدود في طرطوس وحميميم. أما الدول العربية، فقد برزت فرص جديدة لقيادة جهود الاستقرار وإعادة الإعمار، بينما أصبحت تركيا صاحبة مبادرة لإعادة ضبط استراتيجيتها تجاه سوريا، وأثارت إسرائيل مخاوفها حول شكل ومحتوى الإدارة الجديدة التي تربطها بتركيا والسعودية روابط قوية.
أما الولايات المتحدة، فقد دفعها سقوط نظام الأسد إلى إعادة صياغة أولوياتها في سوريا، لتتوازن بين منع الفوضى، تثبيت الاستقرار، احتواء النفوذ الإيراني، مراقبة التعقيدات في العلاقات التركيةــــ الكردية والعلاقات الاسرائيليةـــــ التركية، كما تقوم برصد السلوك الروسي، وضمان أمن إسرائيل والمنطقة عموماً للتركيز على الدور الصيني.
وبهذا، اتخذت السياسة الأميركية أبعادًا جديدة من مجرد إدارة الصراع، إلى محاولة تشكيل بيئة سياسية جديدة في سوريا تتوافق مع مصالحها بعيدة المدى. وتؤكد الاستراتيجية الأميركية الراهنة أن الجيوبولتيك السوري يعتبر بوابة السيطرة على مجمل الشرق الاوسط.
وقد خلصت هذه الدراسة أهم النتائج الآتية:
- إعادة توزيع النفوذ الاقليمي بين دول المنطقة، بما يتناسب مع المتغيرات السورية، في ظل متابعة خاصة للتنافس التركي الاسرائيلي لتجنب ازمات جديدة.
- تغيير المشهد السوري الداخلي ومجيء قيادة جديدة يمثلها أحمد الشرع، الذي يشكل عنصر جديد في التوازنات السياسية في المنطقة، بما يؤثر على الاستقرار داخل سوريا وفي عموم المشرق العربي.
- انتهاج سياسة أميركية أكثر مرونة وبراغماتية في التعامل مع الرئيس أحمد الشرع، ورسم التحالفات والدبلوماسية، بهدف دعم التعاون الاقليمي بين واشنطن وحلفائها، كل ذلك يأتي في تحقيق هدف استراتيجي أساسي يتمثل في احتواء خصوم واشنطن الاقليميين والدوليين.
- التركيز على التنمية والمشاريع الاقتصادية لدعم سوريا الجديدة واستقرارها، لتثبيت التوازنات بما يخدم المصالح الاميركية في الشرق الأوسط.
[1]– Colin Flint, Introduction to Geopolitics (London and New York: Routledge Taylor & Francis Group, 2006), 1.
[2] -جمال واكيم، أوراسيا والغرب والهيمنة على الشرق الأوسط، (لبنان: دار أبعاد، 2016)، ص 77–88.
[3]– محمد رياض، الأصول العامة في الجغرافيا السياسية والجيوبولتيك مع دراسة تطبيقية على الشرق الأوسط، (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2012)، ص 9–30.
[4] -شاهر الشاهر، الجغرافيا السياسية، ط. أولى (برلين: المركز العربي الديمقراطي، 2024)، 3.
[5] المرجع نفسه، ص 10.
[6] – Gearoid Tuathail et al., The Geopolitics Reader, 1st ed. (London: Routledge, 1998), 1.
[7] -عبد علي، كاظم المعموري ووسن إحسان عبد المنعم، “الصراع الروسي ـ الأميركي: أوراسيا مقابل الأطلسي”، مجلة شؤون الشرق الأوسط، العدد .154 ص، 139 .
[8]– شاهر الشاهر، مرجع سابق، ص 39.
[9] -المدرسة الألمانية للجيوبولتيك، أنظر في : https://almerja.com/more.php?idm=188440. تاريخ الدخول:( 25/11/2025)
[10] – آية رجب أبو إليزيد وآخرون، “جيوبولتيك القوى الإقليمية المعاصرة في الشرق الأوسط: إيران وإسرائيل نموذجاً”، المركز الديمقراطي العربي، أنظر في، https://democraticac.de/?p=100132. المركز الديمقراطي العربي. تاريخ الدخول: ( 17/11/2025)
[11] -عادل محمد علي بوغرسة، مقاربة (مفاهيمية ـــــ تاريخية ـــ تحليلية) للتنظير الجيوبولتيكي التقليدي، المركز الديمقراطي العربي، أنظر في: urlr.me/jrFkvS. . تاريخ الدخول: ( 17/11/2025)
[12]– جمال واكيم، مرجع سابق، ص 87- 88.
[13]– عادل محمد علي بو غرسة، مرجع سابق.
[14] -Robert Ištok, Dominika Plavčanová, Russian geopolitics and geopolitics of Russia – phenomenon of space, European Journal of Geopolitics, 1,2013, pp72-73.
[15]– بوتين لو استعطت لمنعت انهيار الاتحاد السوفياتي، أنظر في: urlr.me/kK52uJ تاريخ الدخول 28/12/2025،
[16]– ليلى نقولا، العلاقات الدولية من تأثير القوة إلى قوة التأثير: مقاربة لفهم مضامين العلاقات الدولية منذ وستفاليا لغاية اليوم، ط. أولى، (لبنان: مكتبة جوزيف عون الحقوقية، 2019)، ص 85–103.
[17] -نهى مثنى نجم الدين، محمد ياس خير، المكانة الجيوتسراتيجية لمنطقة المشرق العربي في الإدراك التركي، مجلة السياسة الدولية، العدد 54، ص 524.
[18]– المرجع نفسه، ص 526.
[19]– مأمون فندي، “من يستطيع تغيير خريطة الشرق الأوسط؟” الأوساط، تم الدخول في ٢٧ ديسمبر ٢٠٢٥، أنظر في: urlr.me/cgT4DA
[20] -حنان عيسى جاسم، موقع سوريا واهميته الإستراتيجية في الصراع الدولي قبل الاسلام، مجلة آداب الفراهيدي، المجلد 14، العدد 50، حزيران 2022، ص 69ــ72.
[21]– كل ما تحتاج لمعرفته عن الساحل السوري، عربي بوست، أنظر في : urlr.me/NUKD2Z تاريخ الدخول :(27/12/2025)
[22] -تبرز الأهمية الجغرافية لبلاد الشام من خلال سعي الدول الكبرى للسيطرة على المنطقة عبر التاريخ، فما أن دخلت الجيوش العربية الاسلامية بقيادة خالد بن الوليد أرض الشام والانتصار على الروم في معركة اليرموك حتى أثر ذلك في حضور قوتين كبيرتين كالروم والفرس، حيث كانتا تحكمان المنطقة على مدى قرون، وكان سقوطهما بتأثير مباشر من قوة الجيوبوتليك السوري بعد خسارته انذاك، بغض النظر عن التسمية لتلك البقعة الجغرافية المهمة.
[23] -ابراهيم أحمد سعيد، مرجع سابق، ص31 .
[24] -محمد إبراهيم حسن فرج، “سوريا بين توازن القوى وصراع النفوذ الإقليمي والدولي”، مجلة السياسة الدولية، 27 أكتوبر 2025، أنظر في: urlr.me/9eQRvd تاريخ الدخول: (22/11/2025).
[25] -مجيد مطر، الجغرافية السورية والحسابات الاسرائيلية المرتبكة، أنظر في: https://janoubia.com تاريخ الدخول:( 29/12/2025)
[26] -سيد أحمد رزوق، سقوط آل الأسد زلزال مذهل سيعيد تشكيل المنطقة. الجزيرة نت، قسم السياسة،أنظر في:
urlr.me/v3wbR8 تاريخ الدخول: ( 21 /11/ 2025)
[27] -اندريه كورتونوف، أندريه، نفوذ روسيا في المنطقة بعد سقوط الأسدالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية – النسخة العربية، أنظر في: urlr.me/JbUPnX
[28]– Marwan Kabalan, “Analysis: Al-Assad’s fall is Iran and Russia’s loss, but are there winners? Al Jazeera ، urlr.me/SG93NR.
[29] -جواد بولس، لبنان والبلدان المجاورة، ط2، (بيروت: مؤسسة أ. بدران وشركاه)، ص 15.
[30] -Francis P. Sempa, Geopolitics from Cold War to the 21st Century (London: Routledge, 2007), 4–5
[31]– نبيل خليفة، جيوبولتيك لبنان، الاستراتيجية اللبنانية، بحث جيو ــــــ سياسي في واقع لبنان ودوره ومستقبله ومصيره، ط1، (لبنان: مركز بيبلوس للدراسات، 2016)، ص 24.
[32] -حلقات النار.. ماذا سيفعل احمد الشرع ورفاقه أمام جغرافيا سوريا الملتهبة؟، أنظر في: urlr.me/g8twPe تاريخ دخول 2/1/2026،
[33] –ابراهيم أحمد سعيد، الجيوبولتيك السوري وقوة الجغرافية السياسية السورية، ط1، (دمشق: منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة، 2016)، ص 28.
[34] -آية رجب ابو اليزيد، مرجع سابق.
[35]– عبادة محمد التامر، سياسة الولايات المتحدة وإدارة الأزمات الدولية: إيران، العراق، سورية، لبنان أنموذجًا (الطبعة الأولى، قطر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،2015)، ص 95 ــ96.
[36] -جمال واكيم، مرجع سابق، ص89-90.
[37] -المرجع نفسه، ص 50.
[38] –استراتيجية ترامب الكبرى مرتبطة بالممرات البحرية الخمس،أنظر في: urlr.me/JkpWgS تاريخ الدخول: 25(/11/2025/)-.
[39]– دانة جبريل، الاتفاق بين إيران والسعودية: الصين تحقق في خلاف شائك منذ سنوات،BBC عربي، أنظر في: urlr.me/f2ck7U ، تاريخ الدخول: (25/11/2025)
[40] -عبد الرحيم حمد العرفان، خالد فوزي المحاسنة، النظرية الواقعية في العلاقات الدولية وأثرها على السياسة الخارجية الأميركية، مجلة اتجاهات سياسية، العدد 20، ص 22.
[41]-فوزي فوزي حسن حسين، التخطيط الاستراتيجي للسياسة الخارجية وبرامج الأمن القومي للدول: الولايات المتحدة نموذجاً، الطبعة الأولى (القاهرة: مكتبة مدبولي، 2013)، ص 321.
[42] -عبادة محمد التامر، مرجع سابق، ص 117ــ125.
[43]– سياسة واشنطن بسوريا: ” الدمج” لاحتواء النفوذ الايراني والروسيurlr.me/veyqX6 . تاريخ الدخول: (29/12/2025).
[44] -جمال واكيم، مرجع سابق، ص 69.
[45] -عمرو عبد العاطي، التحالفات الأمنية الجديدة في الشرق الأوسط: رؤية واشنطن، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، urlr.me/6EQJvh. تاريخ الدخول: (12/11/2025).
[46] -المركز الفلسطيني للدراسات الاسرائيلية، خارطة القواعد العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)، أنظر في: urlr.me/nVeAK9
[47] -ابراهيم حردان مطر، سارة ذكي غضبان، مرتكزات بناء التحالفات في السياسة الخارجية الأمركية، مجلة اتجاهات سياسية، العدد 26، ص 153.
[48] -انجي محمد مهدي، شيماء محمود كامل عبدالله، «العامل الاقتصادي كأداة من أدوات السياسة الخارجية الأميركية: العقوبات على روسيا والصين نموذجاً CAUS – مركز الموارد للدراسات الاستراتيجي، أنظر في: urlr.me/fRj6s9. تاريخ الدخول:( 25/11/2025).
[49] -أبرز العقوبات الأميركية على ايران وروسيا وكوريا الشمالية،أنظر في: https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2017/7/29/
[50] -المرجع نفسه.
[51] -باسل المحمد، ما أسباب الغموض الاميركي تجاه الإدارة السورية الجديدة؟ ، أنظر في: urlr.me/fygEPF تاريخ الدخول: (15/12/2025).
[52] -فاتح شعبان، إعادة التفكير في جغرافيا الشرق الاوسط السياسية بعد سقوط نظام الأسد،أنظر في: urlr.me/b23UHB .
[53]– Rabia Iclal Turan, “Sanctions to Stability: What Syrian President’s Visit Means for Ties with the USA,” accessed November 25, 2025, urlr.me/jP5wE6
[54]– Associated Press, “Trump Signs an Executive Order Ending US Sanctions on Syria,” accessed November 25, 2025, urlr.me/rgYjwB
[55]– The Guardian, “US Declares Partial Suspension of Sanctions on Syria after Historic Meeting,” November 10, 2025, accessed December 25, 2025, urlr.me/AKrPYs
[56] -Giorgio Cafiero, “Can Trump Cool Turkey–Israel Tension over Syria?,” Responsible Statecraft, accessed November 25, 2025, https://responsiblestatecraft.org/israel-turkey-syria/
[57]– ترامب يعمل على تحسين العلاقات مع سوريا بالتعاون مع اسرائيل، ودمشق تنضم للتحالف ضد تنظيم الدولة الاسلامية، أنظر في: https://www.bbc.com/arabic/articles/c93xerd434vo.
[58] -خبير أميركي يحدد خمسة أهداف لإدارة ترامب في سوريا، أنظر في: ww.aljazeera.net/news.
[59]– جاد فياض، علاقة اسرائيل بالتسخين داخل سوريا: اختلاف بين واشنطن وتل ابيب، جريدة النهار اللبنانية، الخميس 27، 11، 2025، ص 9.



