المتغير الأميركي والسياسات الأوروبية تجاه القضية الفلسطينية (2023 – 2025)

د. نوال السعدي
باحثة فلسطينية، دكتوراه العلوم السياسية والعلاقات الدولية، الجامعة الأميركية، فلوريدا
الملخص:
تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك وتحليل الطبيعة البنيوية للهيمنة الأميركية على السياسة الأوروبية، ضمن إطار دراسة الموقف الأوروبي من الإبادة على قطاع غزة بين عامي 2023 و2025. والتي مثلت أوج أزمة المصداقية الأخلاقية والمؤسسية للاتحاد الأوروبي. تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن التموضع الأميركي المنظم المركزي في القارة العجوز تجاوز مفهوم الضغوط السياسية الظرفية لتتحول لبنية من السيطرة المركبة متعددة المستويات من خلال الأمن، الاقتصاد، السياسة، الإعلام، وشبكات اللوبي.
في الاتجاه المقابل، تكشف الدراسة عن محدودية القدرة الأوروبية على تبنّي موقف سياسي مستقل إزاء الإبادة، وتُبرز بوضوح حدود ما يُسمّى بالاستقلال الاستراتيجي الأوروبي في سياق النظام الأطلسي. كما تُبيّن أن اعتراف عدد من الدول الأوروبية بالدولة الفلسطينية عام 2025 لا يمثّل تحوّلًا استراتيجيًا أو خروجًا فعليا عن أنماط الارتهان القائمة، بل يُقرأ بوصفه تصدعًا رمزيا داخل منظومة السيطرة الأميركية أكثر منه إعادة تموضع سياسي مستقل. وتعتمد الدراسة في مقاربتها إطارا نظريا مركبا يمزج بين مفاهيم الهيمنة عند غرامشي، والواقعية البنيوية، ونظرية الحقول ورأس المال الرمزي عند بيير بورديو، مدعومًا بأدوات تحليل المضمون والخطاب والممارسة الدبلوماسية والسرديات السياسية.
الكلمات المفتاحية: أوروبا، الولايات المتحدة، الهيمنة البنيوية، الإبادة على قطاع غزة.
مقدمة:
يُعدّ فهم الترابط البنيوي بين الولايات المتحدة وأوروبا شرطًا أساسيًا لتفسير تفاعل الطرفين مع القضية الفلسطينية خلال الفترة( 2023–2025)، إذ أن هذه الشراكة، في هذا السياق، لا تُمثل تحالفًا بالمعنى التقليدي، بقدر ما تُجسد علاقة غير متكافئة تُعاد من خلالها إنتاج أنماط الهيمنة البنيوية داخل النظام الدولي، هي سيطرة لا تفرض سطوتها عبر منطق الإملاءات الفوقية أو آليات الإكراه المباشر، وإنما تتغلغل عبر مصفوفة مركبة من الأدوات الأمنية والاقتصادية والمعرفية، التي تمتلك دينامية ذاتية قادرة على توليد نفوذها تلقائياً وإعادة إنتاج شروط التبعية بصورة مستدامة داخل الفضاء الأوروبي.
منذ نهاية النظام الدولي ثنائي القطبية، تجاوز الدور الأميركي في أوروبا حدود التحالف التقليدي ليغدو مركزا مُنظما للفضاء الأطلسي برمته، بما يترتب عليه من ضبطٍ لقواعد التفاعل وحدود الفعل السياسي. وضمن هذا الإطار، لا تتحرك أوروبا بوصفها فاعلًا مستقلًا في ساحة دولية محايدة، بل كطرف يعمل داخل بنية تُعيد إنتاج اختلالات القوة وفق منطق تقوده واشنطن. وهو ما يجعل المقاربة البنيوية أداة تحليلية ضرورية لتفسير أنماط السلوك الأوروبي، خصوصاً في الملفات التي تنطوي على رهانات أخلاقية واستراتيجية مرتفعة، كالقضية الفلسطينية.
وقد شهدت السنوات( 2023–2025 )إحدى أكثر اللحظات إرباكًا في مسار العلاقات الدولية، ليس فقط بفعل المشهد الدموي الحاصل على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، ولكن أيضًا في ضوء التحولات الكبرى الناجمة عن الحرب الروسية الأوكرانية، والتي أعادت تشكيل شبكة الاعتماد المتبادل بين الولايات المتحدة وأوروبا بصورة لا مثيل لها منذ أفول حقبة ثنائية القطبية.
وانطلاقا مما تقدم، فإن هذه الدراسة هي عبارة عن محاولة لتفكيك العلاقات البنيوية التي تُنتج هذا السلوك الأوروبي، من خلال تحليل الهيمنة الأميركية كمنظومة تتوزع عبر ثلاث طبقات:الهيمنة السياسية والدبلوماسية، الهيمنة الأمنية والعسكرية الناتو والاستخبارات، الهيمنة الاقتصادية والتكنولوجية والإعلامية.
ومع تتبّع هذه الطبقات، يصبح واضحًا أن الموقف الأوروبي من غزة ليس استثناءً، بل نتيجة طبيعية لبنية الهيمنة الأميركية، وأن الاعترافات الأوروبية بدولة فلسطين تمثل تصدّعًا في الشرعية الأخلاقية الأوروبية أكثر ممّا تمثل تعبيرًا عن استقلال سياسي فعلي. وبذلك لا يعود التساؤل مقتصرًا على طبيعة السلوك الأوروبي، بل يمتدّ إلى الشروط البنيوية التي تجعل انضباطه وتماهيه مع واشنطن يتكرران في كل محطة حاسمة.
تكمن أهمية هذه الورقة في تسليط الضوء على البنية المركبة لهيمنة واشنطن على الفضاء الأوروبي من خلال تحليل عدة محاور تجعل من مشروع الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي خطابا بلا رصيد واقعي.
إشكالية الدراسة
إلى أي مدى تشكل الولايات المتحدة إطارًا بنيويا محددا للموقف الأوروبي تجاه القضية الفلسطينية خلال الفترة الممتدة من عام و2023 ولغاية عام 2025، وكيف تتوزع آليات السطوة عبر المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية والإعلامية والدبلوماسية؟.
فرضية الدراسة
الموقف الأوروبي من القضية الفلسطينية بين عام 2023–2025 ليس نتاج خيار سياسي حر، بل هو مخرَج مباشر لبنية النفوذ الأميركي الذي يُنتج المجال السياسي الأوروبي ويعيد إنتاجه، بحيث يصبح الانسجام مع واشنطن شرطًا لبقاء أوروبا داخل النظام الأطلسي. أما الاعترافات الأوروبية بدولة فلسطين عام 2025 فهي ليست خروجًا من التموضع القيادي، بل تصدّعًا أخلاقيًا داخله.
هيكلية الدراسة
تتناول هذه الورقة الأبعاد المتداخلة والمتفاعلة للهيمنة الأميركية على القرار الأوروبي خلال الفترة محل الدراسة، عبر ثلاثة مباحث، الأول:البنية السياسية والدبلوماسية للهيمنة الأميركية على أوروبا، الثاني:السطوة الأمنية والعسكرية الناتو والاستخبارات، الثالث:التموضع الاقتصادي والتكنولوجي والإعلامي – بنية التبعية عبر الأطلسي.
المبحث الأول:بنية الهيمنة الأميركية على أوروبا( 2023_2025)
عند تفكيك أنماط السلوك السياسي والدبلوماسي للاتحاد الأوروبي خلال الحقبة المفصلية محل الدراسة، تتجلى علاقة اعتماد مُؤسسي تعلو على منطق التحالف التقليدي أو الضغط الظرفي. فحدود حركة الاتحاد لا تستقى حصريا من توازنات القوة الداخلية أو من آليات صنع القرار بين مؤسساته، بل تُعاد صياغتها باستمرار داخل المجال الأطلسي الذي تتحكم الولايات المتحدة بسلطة ضبط قواعده وتحدد معايير الممكن السياسي فيه. وبهذا المعنى فالحديث حول الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية لم يتعد بوابة الخطاب، وبقيت القرارات من ناحية فعلية ضمن إطار منطق الواقعية بهدف المحافظة على الوحدة الأطلسية. حيث يحدد توزيع القوة في النظام الدولي حدود الحركة الأوروبية، ويجعل أي انشقاق جدي عن الإرادة الأميركية مكلفًا بنيويًا، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي.
أولا:حدود النفوذ الأميركي
لا يمكن النظر للاستخدام الأميركي المتكرر لحق النقض(الفيتو) في مجلس الأمن خلال الإبادة ضمن نطاق الممارسة الإجرائية الروتينية، فقد اتخذ هذا السلوك طابعًا تنظيميًا صارمًا، قد أعاد ترسيخ البنية الهرمية الحاكمة للعلاقات الدولية، وذكر الفاعلين، ولا سيما الأوروبيين، بحدود مواقعهم داخل بنية التفاوت في المواقع.
ومن خلال التصريحات الأوروبية التي سبقت الجلسات الأممية، كشفت وثائق داخلية للاتحاد الأوروبي أن صياغات مشاريع القرارات كانت تعدل مسبقا لتجنب الاصطدام مع الجانب الأميركي، وهو ما يشير إلى أن الفعل الأوروبي السياسي لم يكن مستقلًا، بل كان يتحرك على نحو مدروس داخل فضاء مسموح به مسبقًا[1].
ويجدر القول إن نفوذ الولايات المتحدة لا يقتصر على توجيه المواقف السياسية الأوروبية، بل يمتدّ إلى إعادة تشكيل الخطاب السياسي الأوروبي ذاته. إذ يُلاحظ بين عامي 2023 و2024 تحوّلٌ دالّ في اللغة التي اعتمدها مسؤولو الاتحاد الأوروبي المتمثلة في تراجع استخدام مفردات ذات توصيف قانوني محدد مثل الاحتلال والاستيطان والمحاسبة، لصالح مفردات أكثر تعويمًا للواقع من قبيل العنف بين الجانبين، والحق في الدفاع عن النفس.
ولا يعكس هذا التحول اختيارًا تواصليًا محايدًا، أو مجرد تبدل أسلوبي، بل يكشف عن ممارسة نفوذ أميركي فعال على نظام المعاني داخل السياسة الأوروبية، بما يعيد ضبط حدود المقبول والمستثنى من التداول، ويُقوض إمكانية توصيف الصراع ضمن إطار قانوني يُحمل طرفا بعينه مسؤولية عن العنف القائم. ويعتبر أيضا إعادة هيكلة الادراك السياسي ذاته. وبذلك، تُكرس اللغة الأميركية كمرجعية معيارية تُحدِّد ما ينبغي قوله وما يجب استبعاده، بحيث يغدو استخدام مصطلحات قانونية واضحة، مثل جرائم حرب أو حصار، خروجًا عن الإجماع الأطلسي وانحرافًا عن قواعد الخطاب السائد.
وتؤكد مصادر دبلوماسية أوروبية أن بعثة الاتحاد الأوروبي في واشنطن تلقت عدة توصيات سياسية بضرورة الحفاظ على وحدة الخطاب الغربي في مواجهة الخصوم الإستراتيجيين[2]، وهو ما ينسجم مع فهم غرامشي للهيمنة بوصفها قدرة على جعل رؤية القوة المهيمنة للعالم تبدو وكأنها الرؤية الطبيعية أو الأكثر عقلانية [3].
ويتجلّى العمق البنيوي للهيمنة الأميركية في آلية أقل وضوحًا وأكثر تأثيرًا، فيما تعرفه الأدبيات المتخصصة بمفهوم الدبلوماسية التحذيرية القسرية أو الردع عبر القنوات الخلفية[4]، والتي تمثل شكلًا من أشكال الكبح الاستباقي تمرره الولايات المتحدة خارج القنوات الرسمية، مثل الاتصالات الأمنية، واللقاءات المغلقة، والملاحظات السياسية غير المدونة التي توجه للمبعوثين دون أن تتضمن تهديدا صريحا، لكنها تحمل مضمونا ردعيا واضحا[5].
وقد تضمنت هذه الرسائل تحذيرات من اتخاذ مواقف أوروبية أحادية، وعلى وجه الخصوص المتعلقة بالاعتراف بدولة فلسطينية أو دعم قرارات حازمة في مجلس الأمن، مما قد ينجم عنه تأثيرا على وحدة الغرب أو حتى يضعف الجبهة الاستراتيجية المشتركة في مواجهة روسيا، وقد يكون مصدرا لضرر ببعض قنوات التعاون الدفاعي.
وتستمد هذه الآلية فعاليتها من كونها لا تُمارَس بوصفها إكراها مباشرا أو معلنا، بل باعتبارها تذكيرًا بنيويًا بالموقع النسبي لأوروبا داخل المجال الأطلسي. وليس بعيدًا عن ذلك، يدرك صانعو القرار الأوروبيون أن منظومات الأمن والاستخبارات والردع الاستراتيجي التي يعتمدون عليها تظل في جوهرها خاضعة لمستويات مختلفة من السيطرة الأميركية. وبذلك تنال الرسائل التحذيرية قيمتها من خلال فعالياتها من جهة ومن البنية التي ترسل من داخلها من جهة أخرى، أي ليس من محتواها. بحيث يكفي تلميح بسيط لجعل أوروبا تعدل سلوكها قبل أي صدام محتمل.
ويكشف هذا الوضع عن مفارقة عميقة في الدور الأخلاقي والمعياري الذي يدعيه الاتحاد الأوروبي، إذ بينما تعجز مؤسساته عن بلورة موقف سياسي ذي أثر فعلي، يلجأ إلى توسيع نطاق الحضور الإنساني في انزياح واضح من السياسة إلى الإغاثة. بديلًا رمزيًا عن فعل سياسي تعذر ممارسته داخل القيود القائمة. وبالتالي لم يكن استكمالًا، بل بوصفه غطاء للعجز.
ويتجسد هذا الانزياح بوضوح من خلال ما قدمه الاتحاد خلال عامي الأزمة من حزمة كبيرة من المساعدات الإنسانية تقدر ب 1,58 مليار يورو، وتعتبر من أعلى مستويات التعبئة الإنسانية في تاريخ الاتحاد تجاه أزمة واحدة[6]، مع بقاء موقفه الدبلوماسي ضعيفاً، حيث تلجأ الدول للوسائل الأقل تكلفة بهدف الحفاظ على صورتها العامة الأخلاقية. وبهذا المعنى، لا يعمل الفعل الإنساني هنا كرافعة للفعل السياسي أو امتدادًا له، بل كبديل وظيفي عنه، يُستخدم لإدارة العجز لا لتجاوزه.
وهذا ما يفسر المفارقة التي أشار إليها عدد من المسؤولين الأوروبيين:”نستطيع إنقاذ الجرحى، لكننا لا نستطيع وقف القصف. فالحدود السياسية التي يرسمها الحقل الأطلسي لا يستطيع العمل الإغاثي تجاوزها”[7].
ثانيًا:موجة الاعترافات الأوروبية بدولة فلسطين عام 2025
تُشكّل موجة الاعترافات الأوروبية بدولة فلسطين عام 2025 لحظة مهمة، ليس لأنها تمثل انعطافًا استراتيجيًا في تموضع أوروبا داخل الفضاء الأطلسي، بل لأنها تكشف حدود هذا التموضع وآليات اشتغاله في لحظة أزمة أخلاقية غير مسبوقة.
وذهب البعض إلى توصيف هذه الاعترافات بوصفها خطوة رمزية، هدفت إلى احتواء الضغط الأخلاقي الداخلي المتصاعد في المجتمعات الأوروبية، أكثر من كونها تعبيرًا عن تحول فعلي في السياسة الخارجية أو إعادة تعريف لموقع أوروبا داخل النظام الأطلسي.
فالاعتراف لم يكن تعبيرًا عن انتقال حقيقي في موازين القرار أو خروجًا عن أنماط الانضباط القائمة، بل استجابة محسوبة لأزمة شرعية متفاقمة فرضتها الإبادة المستمرة على قطاع غزة، وما رافقها من تآكل متزايد في قدرة الاتحاد الأوروبي على التوفيق بين خطابه المعياري القائم على حقوق الإنسان والقانون الدولي، وممارساته السياسية الفعلية التي ظلت أسيرة القيود البنيوية للتحالف الأطلسي[8].
في هذا الإطار، جاء الاعتراف بوصفه أداة لإعادة تنظيم التناقض بين المسار القيمي والمسار العملي، لا بوصفه مدخلًا لإعادة تعريف السياسة الأوروبية تجاه الصراع. فقد سمح هذا الإقرار الدبلوماسي بإعادة إنتاج خطاب أخلاقي قابل للتسويق داخليا، دون أن يستتبع ذلك تعديلًا جوهريا في أنماط السلوك السياسي أو في شبكة الالتزامات القائمة.
وبذلك، لم يؤد الاعتراف إلى فتح مسار تصاعدي للفعل، بل شكل نقطة توازن مؤقتة هدفت إلى احتواء الضغط الرمزي المتزايد، مع الإبقاء على البنية المادية للعلاقات الاستراتيجية دون مساس. ويكشف الطابع المحدود لأثر هذه الاعترافات أن سقف الحركة الأوروبية ظل مضبوطا ضمن حدود لا تسمح بتحويل الإقرار الرمزي إلى سياسة ذات كلفة فعلية. إذ لم تُرفق الاعترافات بأي أدوات ضغط مؤسسية، ولم تُترجم إلى مراجعة للعلاقات القائمة أو إلى تفعيل لآليات المساءلة الدولية، الأمر الذي يؤكد أن الخطوة صُممت منذ البداية لتبقى ضمن نطاق الفعل منخفض المخاطر. فالاعتراف، في هذا السياق، لم يكن بداية لمسار تغييري، بل نهاية محسوبة لمسار رمزي، استُخدم لإدارة الأزمة لا لتفكيك أسبابها[9] .
وعليه، لا يمكن فهم الاعترافات الأوروبية لعام 2025 بوصفها خروجا عن القيود الحاكمة للفعل الأوروبي، بل باعتبارها تعبيرا عن نمط اشتغال يسمح بإعادة إنتاج الانضباط داخل الحقل السياسي عبر السماح بهامش محدود من التعبير القيمي، من دون توسيع فعلي لمجال الفعل السياسي الممكن. ومن هنا، فإن محدودية هذه الاعترافات لا تُفسَّر فقط على مستوى القرار الدبلوماسي، بل تفتح بالضرورة على تحليل أعمق للبنى والآليات التي تضبط سقف الفعل الأوروبي وتمنع تحوّل الرمزي إلى مادي، وهو ما يستدعي الانتقال إلى تفكيك محددات هذا الضبط داخل المؤسسات الأوروبية ذاتها.
ثالثًا: دور اللوبي الأميركي الإسرائيلي في أوروبا
تنبع أهمية تفكيك الدور المحوري الذي لعبه اللوبي الأميركي الإسرائيلي في أوروبا، باعتباره ليس مجرد جماعة ضغط خارجية، بل آلية ضبط بنيوية تعمل من داخل المؤسسات الأوروبية لتحديد سقف المسموح به سياسياً، وتعمل هذه الشبكة المعقدة من النفوذ عبر ثلاث آليات رئيسية ضامنة لاستمرار الهيمنة:
(1) الاحتواء البرلماني والتشريعي: عبر مأسسة مجموعات صداقة إسرائيل والاتحاد الأوروبي داخل البرلمانات الوطنية والأوروبية. وقد تجاوزت هذه المجموعات حدود الدعم الدبلوماسي التقليدي لتقوم بتوفير الدعم اللوجستي والسياسي للحملات الانتخابية، وصياغة مقترحات قرارات جاهزة للنواب، مما يخلق فيتو داخلي يعطل أي ترجمة تشريعية لقرارات الاعتراف الدبلوماسي بالدولة الفلسطينية أو إدانة الاستيطان.
(2) الهيمنة السردية: من خلال شبكة واسعة من مراكز الأبحاث والمنصات الإعلامية المشتركة وأبرزها شبكة القيادة الأوروبية، التي تعمل على هندسة الخطاب العام وتعزيز إنتاج سردية تربط أي انتقاد بنيوي للسياسات الإسرائيلية بـمعاداة السامية أو تهديد القيم الغربية المشتركة.
(3) الردع القانوني والأمني: يتمثل في الدفع المنهجي نحو اعتماد تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست لمعاداة السامية في القوانين المحلية، وهو التعريف الذي يصنف انتقاد الصهيونية بوصفه خطاباً عدائياً، مما أدى إلى مأسسة تجريم الأصوات المناصرة لفلسطين وملاحقتها داخل الجامعات والبرلمانات الأوروبية[10].
وقد أسفر تضافر هذه الآليات عن دمج اللوبي مع الحقل الأمني الأطلسي، مما حال دون تحول الاعتراف الدبلوماسي إلى إجراءات عقابية، ليتحول المشهد بذلك إلى تطبيق نموذجي لمفهوم غرامشي عن التفاوض داخل الهيمنة[11].
حيث سمح النظام الأطلسي للأطراف التابعة (أوروبا) بهامش مدروس من المناورة الرمزية لامتصاص الاحتقان الشعبي المتصاعد وتنفيس الغضب الأخلاقي، بوصفه صمام أمان يضمن استمرار البنية الاستراتيجية الصلبة للتحالف دون مساس، ويظهر ذلك جلياً في خلو الخطاب الأوروبي الرسمي الذي تلا الاعترافات من أي مفردات تشكك في شرعية المشروع الاستيطاني، وتأطير الاعتراف بوصفه دعماً لأمن إسرائيل عبر تثبيت حل الدولتين[12]
وتقود هذه العناصر مجتمعة إلى استنتاج إن الهيمنة السياسية والدبلوماسية الأميركية على أوروبا خلال الفترة (2023–2025 ) ليست نتاجاً لضغوط ظرفية، بل هي بنية مستمرة نجحت في تحويل خطوة الاعتراف إلى عملية تحديث لعقد التبعية، مؤكدة أن واشنطن لا تحدد فقط ما تستطيع أوروبا فعله، بل ترسم بصرامة حدود ما تستطيع أوروبا التفكير فيه.
المبحث الثاني: الهيمنة الأمنية والعسكرية الناتو والاستخبارات
إن المجال الأمني الأطلسي لا ينتظم كفضاء شراكة متكافئة، بل كبنية تراتبية شديدة الانضباط، يُعاد فيها توزيع القوة والسلطة على نحو غير متكافئ، بحيث تتركز أدوات الردع، ومفاتيح التمكين الاجرائي، ومراكز إنتاج المعرفة الأمنية في قطب القوة الأميركي. وضمن هذه البنية، لا يظهر الاعتماد الأمني الأوروبي بوصفه خيارًا سياساتيًا قابلًا للتعديل، بل كإطار تأسيسيًا يقيد مسبقًا نطاق الفعل الاستراتيجي الأوروبي.
أولاً: أطر التبعية
تتجاوز التبعية الأوروبية بعدها العسكري التقني لتطال مستوى القرار السياسي ذاته، إذ تصبح القدرة على الفعل أو الامتناع عنه مشروطة بعناصر تمكين تقع خارج السيطرة الأوروبية الذاتية. وحين تُحتكر قدرات الاستشعار المبكر، والاستخبارات الاستراتيجية، والقيادة والسيطرة، والقدرات عالية الكثافة من قبل فاعل خارجي، فإن الاستقلال لا يعود مسألة سيادة مُعلنة، بل مسألة قدرة فعلية على تحويل القرار إلى ممارسة. وفق هذا الفهم، لا يعكس غياب الاستقلال قصورًا في الإرادة الأوروبية، بقدر ما يعكس موقعًا بنيويًا داخل تراتبية أمنية تُقيّد خيارات الفعل قبل أن تُتخذ.
ولا تقتصر هذه الهيمنة على التحكم في أدوات القوة، بل تمتد إلى احتكار سلطة تعريف التهديد وترتيب الأولويات الاستراتيجية. فالمنظومة الأمنية الغربية تُنتج إطارًا إدراكيًا ومعياريًا يُعاد من خلاله تصنيف المخاطر، وتحديد ما يُعد تهديدًا وجوديًا وما يُنظر إليه كخطر قابل للإدارة أو التأجيل. وضمن هذا التحديد المفاهيمي يُعاد تشكيل الإدراك الأمني الأوروبي بما يتوافق مع خرائط الخطر التي يصوغها المركز الأميركي، بحيث يغدو التوافق الاستراتيجي نتيجة بنيوية للاعتماد، لا تعبيرًا عن تطابق موضوعي في المصالح.
ويُعاد تحويل اللامتكافئ في علاقات القوة إلى مبدأ ناظم تنتظم على أساسه آليات التشغيل والتخطيط والتحديث العسكري داخل الحقل الأمني الغربي، بحيث يغدو التفوق الأميركي قاعدة تنظيمية مستقرة لا مجرد امتياز عسكري ظرفي. فمن خلال هذه الآليات، لا يُعاد توزيع الأدوار على نحو أكثر توازنًا، ولا يُفتح أفق لبناء قدرة أوروبية مستقلة، بل تُرفع كلفة أي مسعى للانفكاك عن المسار السائد، ويُعاد إنتاج الاعتماد بوصفه الخيار الأكثر قابلية للاستمرار داخل المنظومة القائمة. وبهذا، لا تعمل هذه الترتيبات على تقاسم فعلي للسلطة أو للقدرات، بل تؤدي إلى تقنين التفاوت القائم وتحويله إلى شرط اشتغال دائم، يحدد مسبقًا مجال الفعل الاستراتيجي الأوروبي ويُبقيه محكوما بإطار لا يسمح بتجاوزه دون كلفة بنيوية عالية.
ولا تظهر الهيمنة الأمنية الأميركية كترتيب تحالفي قابل لإعادة التفاوض، بل كصيغة تنظيمية شاملة تُدير التراتب الاستراتيجي الغربي من موقع مركزي. فهي لا تكتفي بضبط توزيع القدرات، بل تمارس سلطة تعريفية على المعنى الأمني ذاته، بما يرسم حدود الممكن والمستحيل داخل الفضاء الأوروبي. ومن ثمّ يغدو استدعاء مفهوم الاستقلال الاستراتيجي تعبيرًا عن إدراك متأخر لاختلال الموقع داخل هذا الترتيب، أكثر مما يعكس قدرة فعلية على إعادة تشكيله أو تقويض شروط الاعتماد التي يستند إليه.
ويمكن مقاربة الحقل الأمني الأطلسي بوصفه فضاءً اجتماعيًا، واستراتيجيًا تتوزع داخله القوة وفق تراتبية صارمة، تُحدَّد فيها مواقع الفاعلين تبعًا لما يملكونه من رأس مال أمني قابل للتحويل إلى نفوذ فعلي داخل الحقل. وضمن هذا الفضاء، تستحوذ واشنطن على الكتلة الأعلى قيمة من هذا الرأس المال، بدءًا من الردع النووي والتفوق العسكري العالمي، مرورًا بالقدرة على القيادة العملياتية، وانتهاءً باحتكار منظومات القيادة والسيطرة والشبكات الاستخباراتية العابرة للأقاليم. هذا التراكم لا يمنح الولايات المتحدة تفوقًا ماديًا فحسب، بل يرسخ موقعها بوصفها الفاعل القادر على تحديد قواعد اللعبة وحدود الشرعية داخل الحقل الأمني الغربي.
وبما أن رأس المال الأمني الأميركي يتقدم بفارق بنيوي واسع على نظيره الأوروبي، فإن قدرة أوروبا على الفعل الاستراتيجي المستقل تظل مقيدة بمنطق الحقل ذاته، لا بحدود الإرادة السياسية وحدها.
وبذلك تكون العلاقة الأمنية عبر الأطلسي علاقة هيمنة رمزية ومادية في آن واحد، تُحول التفوق الأميركي في رأس المال الأمني إلى سلطة تعريفية وتنظيمية تُعيد إنتاج التراتبية داخل الحيز التفاعلي، وتُقيِّد إمكانات إعادة التموضع الأوروبي داخله. ومن ثمّ، يغدو الخطاب الأوروبي حول الاستقلال الاستراتيجي تعبيرًا عن توتر بين الطموح السياسي وموقع بنيوي لا يملك بعد رأس المال الكافي لتجاوزه أو إعادة تشكيل قواعده[13].
وعليه فإن الخيارات الأوروبية المتاحة داخل هذا الحقل تبقى محدودة، وتتحرك ضمن سياق لا تسمح بنيته بتجاوزه. وحتى الدول الأوروبية التي تمتلك قدرات نووية مستقلة مثل فرنسا، تبقى قدرتها الفعلية محدودة لأنها تفتقر إلى منظومات الردع الجماعي، وإلى القدرة على توفير حماية أمنية شاملة، والتحكم بعقد الشبكات العسكرية العالمية التي تديرها واشنطن.
وشكل اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية نقطة التحول الجوهرية التي عمّقت هذه التبعية إلى حد غير مسبوق. فقد اظهرت الحرب هشاشة البنية الدفاعية الأوروبية وعمق فجوتها في الجاهزية العملياتية، وحدود امكانياتها وقدراتها على تأمين حدودها الشرقية.
وتجلى بوضوح الإمكانيات الفعلية للقارة الأوروبية، وبالرغم من ثقلها الاقتصادي افتقارها لمنظومة ردع مستقلة. وقد اضطر الأوروبيون للعودة بلا تردد إلى المظلة الأميركية من حيث كونها الإطار الوحيد القادر على احتواء التهديد الروسي. وقد أدى هذا التحول إلى إعادة أطلسة القارة من جديد، وإلى توطيد القيادة الأميركية في كل ما يتعلق بالأمن من جهة، ومن جهة أخرى تراجع طموحات الاتحاد الأوروبي في بناء استقلالية استراتيجية حقيقية.[14]
وبهذا المفهوم، فإن حرب أوكرانيا أعادت توزيع رأس المال الأمني ضمن هذا الميدان، بحيث أصبح رأس المال الأميركي رأس مالًا مُحتكرا لا ينافسه فيه أحد، بينما تحول رأس المال الأمني الأوروبي إلى رأس مال ضعيف القيمة وغير قادر على إنتاج أثر مستقل. وهذا الانعطاف البنيوي أضفى على أوروبا الاستحالة العملية لتبني مواقف أمنية قوية أو مستقلة في ملفات أخرى، خصوصا في الشرق الأوسط، كون أي تباين سياسي تجاه إسرائيل يُنظر إليه مباشرة باعتباره تهديدًا محتملًا لوحدة الغرب في مواجهة روسيا. وهكذا أصبحت الأزمة الأوكرانية قيدًا يحد من هامش الحركة الأوروبية في قطاع غزة، ويجعل مواقفها المواقف الأوروبية مرتهنة لحسابات الأمن الجماعي الأطلسي الذي تقوده الولايات المتحدة.
ثانيًا: محورية الدور الأميركي في البنية الأمنية الأوروبية
تتضح المحورية التي تحتلها واشنطن في الحقل الأمني الأطلسي بصورة جلية في منظومة الاستخبارات. التي يحكمها منطق عدم التماثل، فالأجهزة الأمنية الأوروبية تعتمد اعتماداً شبه كلي على تدفقات المعلومات القادمة من وكالة الأمن القومي الأميركية، ومن تحالف العيون الخمس الذي تظل أوروبا مستبعدة من عضويته. ولا يقف هذا الاعتماد عند حدود التنسيق، بل يعكس فجوة تقنية عميقة في الاستخبارات الإشارية والبنية التحتية للرصد الفضائي، تُمارس واشنطن من خلالها ما يمكن وصفه بـسياسة الصندوق الأسود، حيث تشارك حلفاءها بـالمنتج الاستخباراتي النهائي مع حجب البيانات الخام، مما يجرّد الأجهزة الأوروبية من القدرة على التحقق المستقل.
وقد تعاظم هذا الارتهان بشكل غير مسبوق بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، حيث نجحت واشنطن عبر استراتيجية الإفصاح الاستباقي في كشف النوايا الروسية بدقة في وقت أخفقت فيه التقديرات الأوروبية، مما حوّل التقييمات الأميركية من مجرد معطيات مساعدة إلى إطار مرجعي حاكم، مكرساً بذلك حالة من الهيمنة المعرفية جعلت القراءة الأوروبية للصراعات ومصادر التهديد رهينةً كلياً للعدسة الأميركية[15].
ولذلك حين اندلعت الإبادة على قطاع غزة، كانت رواية واشنطن الأمنية التي قدمت العمليات الإسرائيلية بوصفها تدابير دفاعية ضرورية هي الرواية التي انتقلت تلقائيًا إلى المؤسسات الأمنية الأوروبية دون إعادة صياغة جوهرية. فالبنى الاستخباراتية الأوروبية فقدت جزءًا كبيرًا من استقلالها المعرفي، وأصبحت تعمل داخل المجال المعرفي الأميركي[16].
وعلى المنوال ذاته بقي الناتو البنية المؤسسية الأكثر بروزا لإعادة إنتاج التبعية الأمنية. فالحلف لا يعمل بوصفه شراكة متساوية، بل بنية تراتبية مؤسساتية تعطي واشنطن التحكم بمواقع القيادة العليا. وقد تدفع باتجاه تقوية الحلف بصورة غير مسبوقة بعد أوكرانيا، حيث رفعت القوى الأوروبية اعتمادها عليه، وزاد الوجود العسكري الأميركي في الجناح الشرقي، وتعمقت شبكات الدفاع السيبراني والعملياتي التي يديرها الأميركيون [17] .
وضمن هذا الإطار البيئي كانت أي محاولة أوروبية لإظهار قدر من الاستقلالية تجاه إسرائيل تُقرأ مباشرة باعتبارها خروجًا عن الاصطفاف الغربي في لحظة تواجه فيها أوروبا تهديدًا وجوديًا من روسيا. وبذلك لم تكن غزة حدثًا مستقلًا، بل جزءًا من بنية أوسع حددت حركة أوروبا وقيّدتها.
وتظهر عُمق هذه البنية مرة أخرى من خلال الدبلوماسية القسرية المستخدمة من قبل واشنطن عير ربط اتخاذ مواقف أوروبية مستقلة خلال الإبادة على قطاع غزة بانها تعقّد التنسيق العسكري في أوكرانيا، ومن جهة أخرى يقدم لروسيا تصورا بوجود تصدع داخل الجبهة الغربية، وقد يضعف الدعم العسكري الأميركي لكييف. وقد كانت هذه الايماءات كافية لفرض الانضباط الأوروبي كون اعتماد القارة هو اعتماد وجودي في أوكرانيا ولن تتمكن من تحمّل تكلفة أي خلاف في سياق بالغ التعقيد.
ومجمل ذلك يوضح أن الهيمنة الأمنية الأميركية على أوروبا ليست مجرد نتيجة لتراكم تاريخي، بل بنية متجددة أعيد تشكيلها بقوة بفعل الحرب الأوكرانية، وجاءت حرب غزة لتكشف عن آثارها لا لتخلقها. وفي ظل هذه البنية، لا يظهر الاصطفاف الأوروبي إلى جانب الولايات المتحدة كقرار سياسي قابل لإعادة النظر، بل كاستجابة بنيوية يفرضها غياب الاستقلال الأمني، وما ينتجه من انكماش حاد في فضاء المناورة الأوروبي على مستوى السياسة الخارجية. ولذلك، مهما عبّرت أوروبا عن قيمها أو التزاماتها الأخلاقية، لا تملك ضمن الحقل الأمني الحالي القدرة على ترجمة تلك القيم إلى سياسات مستقلة، طالما ظل رأس مالها الأمني محدودًا ورأس مال الفاعل المهيمن غير قابل للمنافسة.
المبحث الثالث: الهيمنة الاقتصادية والتكنولوجية والإعلامية
تعمل البنى الاقتصادية والتكنولوجية والإعلامية بوصفها آليات أكثر هدوءًا، لكنها أشد رسوخًا في إعادة إنتاج التبعية، حيث تعمل خارج نطاق القسر الصريح، وعبر شبكات الاعتماد المتبادل، والتحكم في التدفقات المالية والطاقية والرقمية، وهيمنة السرديات والمعرفة داخل الفضاء العام.
أولاً: الاندماج الاقتصادي والمالي عبر الأطلسي
إن تحليل التفاعلات الاقتصادية والتكنولوجية والإعلامية الناظمة للعلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة خلال الفترة المدروسة يبيّن أن هذه العلاقة لا تُختزل في شراكة تكاملية، بل تتأسس على بنية اعتماد متداخل وغير متناظر، تُعاد من خلالها مأسسة التفوق الأميركي في مجالات الإنتاج المعرفي، والتحكم التكنولوجي، والتأثير الرمزي.
ولا يمكن اختزالها في إطار شراكة استراتيجية أو تعاون تقني بين طرفين متكافئين. فالعلاقة تتجاوز منطق التنسيق السياسي الظرفي لتشكّل أحد الأعمدة البنيوية للهيمنة الأميركية داخل النظام الأطلسي، حيث يعمل الاقتصاد والتكنولوجيا والإعلام بوصفها مجالات مترابطة تُعيد إنتاج القوة والنفوذ ضمن منظومة واحدة.
وفي السياق الأوروبي، أفضت هذه البنية المركّبة إلى تقييد هامش الاستقلال السياسي في عدد من القضايا الجيوسياسية المفصلية، من بينها الموقف الأوروبي إزاء الإبادة على قطاع غزة. إذ لم تُصَغ السياسة الأوروبية في هذا الملف استنادًا إلى الاعتبارات الأمنية أو الالتزامات الأطلسية وحدها، بل خضعت كذلك لضغوط بنيوية أعمق ذات طابع اقتصادي ومالي وتكنولوجي، جعلت القرار السياسي الأوروبي مرتهنًا لشبكات مصالح عابرة للحدود تعمل ضمن منطق استمرارية النظام الأطلسي القائم، وتتجاوز نطاق الإرادة السياسية المباشرة.
وعلى المستوى الاقتصادي، لا يعكس حجم هذا النشاط عبر الأطلسي مجرد شراكة تبادلية، بل يظهر نمط من الاندماج المالي والاستثماري العميق بين واشنطن والاتحاد الأوروبي، ويفرض قيودا بنيوية على القرار الأوروبي. اذ تظهر تقارير The Transatlantic Economy إلى أن الاقتصاد الأطلسي المشترك بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ينتج ما يقارب 8.5–9 تريليون دولار، ويوفّر أكثر من 16 مليون فرصة عمل، فضلا عن تسجيله لأعلى رصيد متبادل للاستثمار الأجنبي المباشر في العالم، بما يجعل كل طرف المستثمر الأول في الطرف الآخر [18].
ويعكس هذا الحجم من التشابك المالي درجة عالية من الاندماج البنيوي، لا سيما في ظل استمرار تمركز النظام المالي العالمي حول واشنطن. وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن الدولار الأميركي لا يزال العملة الاحتياطية المهيمنة عالميًا، حيث يمثّل أكثر من نصف احتياطيات النقد الأجنبي العالمية المعلنة، وهو ما يمنح الولايات المتحدة قدرة غير متكافئة على التأثير في تدفّقات رؤوس الأموال العالمية، بما في ذلك التدفقات المتجهة نحو الاقتصادات الأوروبية [19].
ويترتب على هذا الموقع المتجذّر في منطق المنظومة إلى جعل الاقتصادات الأوروبية شديدة الحساسية للتحولات في السياسة النقدية والمالية الأميركية، إذ لا تُقاس كلفة أي توتر محتمل في العلاقات مع واشنطن فقط بالعقوبات أو بتراجع الاستثمارات المباشرة، بل بما قد ينجم عنه من اختلالات هيكلية في تدفق رؤوس الأموال، واضطرابات في استقرار العملة الأوروبية، وتقييد لقدرة المؤسسات المالية الأوروبية على العمل داخل نظام مالي عالمي غير متكافئ.
إن اندماج أوروبا العميق في النظام المالي القائم على الدولار والأسواق الأميركية جعلها أكثر هشاشة أمام الصدمات المالية والتحولات الصادرة عن المركز، بما يحدّ من قدرتها على تبنّي سياسات مستقلة في لحظات الأزمات الدولية الكبرى [20].
وفي هذا الإطار، تندرج العلاقة الأوروبية الأميركية ضمن نمط علاقات يقوم على تفاضل القوة داخل النظام الدولي. تُعاد فيها إنتاج التبعية السياسية عبر أدوات اقتصادية ومالية وتكنولوجية وإعلامية غير مباشرة، وهو ما يتوافق مع طرح روبرت كوكس الذي يرى أن النظام العالمي يعكس بنية تاريخية من الإنتاج والقوة تُقدَّم باعتبارها نظامًا طبيعيًا ومحايدًا، بينما تخدم في جوهرها مصالح القوى المهيمنة القادرة على إعادة إنتاج هذا النظام عبر المؤسسات والهياكل القائمة[21].
وعلى نحو أكثر تحديدًا، يتجلّى هذا التشابك البنيوي في درجة انكشاف النظام المالي الأوروبي على البنية التحتية المالية العالمية التي تتمركز بدرجة كبيرة في الولايات المتحدة، لا سيما في ما يتعلّق بتمويل الدولار، وأسواق رأس المال، وتسوية المعاملات العابرة للحدود. وتشير تقارير بنك التسويات الدولية إلى أن جزءًا معتبرًا من الأنشطة المالية العالمية، بما في ذلك عمليات تمويل وتداول تقوم بها مؤسسات أوروبية، يتم عبر أسواق ومراكز مالية تعتمد على الدولار وتخضع بشكل مباشر أو غير مباشر للإطار التنظيمي الأميركي، وهو ما يربط الاستقرار المالي في الاقتصادات المتقدمة، ومنها دول الاتحاد الأوروبي، بالتحولات في السياسة النقدية والمالية الأميركية[22].
ويتعزّز هذا الاعتماد من خلال الدور المحوري لوكالات التصنيف الائتماني الكبرى، التي تهيمن على سوق التصنيف الائتماني العالمي وتتخذ من الولايات المتحدة مقرًا رئيسيًا لها، في تقييم الجدارة الائتمانية السيادية والمؤسسية داخل أوروبا. وتشير تقارير البنك المركزي الأوروبي بشأن الاستقرار المالي إلى أن التصنيفات والتوقعات الائتمانية تمارس تأثيرًا بنيويًا في تسعير الديون السيادية، وفي توجيه قرارات المستثمرين داخل منطقة اليورو، الأمر الذي يجعل الاستقرار المالي الأوروبي مشروطًا بتقديرات مؤسسات تصنيف تنشط ضمن أطر تنظيمية ومعيارية خارج السيطرة الأوروبية المباشرة.[23].
وفي هذا السياق، لا تُقاس كلفة أي توتر محتمل في العلاقات الأوروبية الأميركية فقط بتراجع الاستثمارات أو بارتفاع علاوات المخاطر، بل بما قد يُحدثه ذلك من اضطرابات هيكلية في تدفّقات رؤوس الأموال العابرة للحدود، وانعكاسات على استقرار الأسواق المالية، وقدرة المؤسسات الأوروبية على العمل بفاعلية داخل نظام مالي دولي يتمحور حول الدولار الأميركي. ويؤكد صندوق النقد الدولي أن الاقتصادات ذات الاندماج العميق في النظام المالي العالمي القائم على الدولار تكون أكثر عرضة لتأثير الصدمات الصادرة عن المركز، وهو ما يحد من هامش المناورة المتاح أمام صانعي السياسات حتى في الاقتصادات المتقدمة[24] .
وتتعقّد هذه التبعية مع التحول الذي شهدته أوروبا عقب الحرب الأوكرانية، حين انتقلت من الاعتماد على الغاز الروسي إلى اعتماد شبه كامل على الغاز الطبيعي المسال الأميركي. فقد أصبح الغاز الأميركي خلال عام واحد فقط بمثابة العمود الفقري لأمن الطاقة الأوروبي[25]، وهو ما نقل جزءًا كبيرًا من القرار الاقتصادي الأوروبي إلى حسابات السوق الأميركية.
وحين بدأت الإبادة على قطاع غزة كان صانعو القرار في الاتحاد الأوروبي يدركون أن أي خطوة سياسية تجاه إسرائيل تُفسّر في واشنطن على أنها خروج عن التحالف قد تفتح الباب لإعادة ترتيب أسعار الطاقة وعقود الإمداد أو الأولويات الاستراتيجية، وهو أمر لا يمكن لأوروبا تحمله في ظلّ أزمة الطاقة المستمرة، وهو ما يفسر بدوره استمرار الموقف الأوروبي مقتصرًا على تصريحات شكلية وظل بعيدا عن ممارسة أي ضغوط حقيقة منها الاقتصادية القادرة على احداث أثر في مسار الإبادة.
ثانيًا: التبعية التكنولوجية والرقمية وإعادة إنتاج الهيمنة
تتجسّد هيمنة الولايات المتحدة على الفضاء الرقمي الأوروبي من خلال الاعتماد الواسع للاتحاد الأوروبي على الشركات الأميركية في البنى الأساسية للحوسبة السحابية، وأنظمة التشغيل، ومنصات التواصل الاجتماعي، وإدارة البيانات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. إذ يؤكد تقرير البرلمان الأوروبي الصادر عن دائرة الدراسات البرلمانية([26]) بأن السوق الأوروبية للحوسبة السحابية تهيمن عليها ثلاث شركات أميركية كبرى (Amazon /Microsoft /Google) بحصة تقارب ثلثي السوق، مقابل حضور محدود لمزوّدين أوروبيين، وهذا الاختلال لا يُعدّ مسألة تنافسية بحتة، بل يمثل قيدًا استراتيجيًا على قدرة الاتحاد على التحكم ببياناته وبنيته الرقمية، بما يحوّل الاعتماد التكنولوجي إلى عنصر من عناصر اختلال توزيع القوة في النظام الدولي الرقمي.
ويتحوّل هذا الاندماج غير المتكافئ في المنظومة الرقمية الأميركية إلى أداة لإعادة تشكيل الفضاء العام الأوروبي وبنيته المعرفية ومسارات تداول الأخبار والمعلومات. فالمنصات الرقمية الأميركية الكبرى لا تعمل فقط كبنى تكنولوجية، بل كفاعلين يملكون سلطة خوارزمية مؤثرة في تشكيل الرأي العام وترتيب المحتوى وتوجيه تدفقات المعلومات داخل المجتمعات الأوروبية، حيث ربط التقرير بين هيمنة الشركات الأميركية على المنصات الرقمية وبين تآكل قدرة أوروبا على إدارة مجالها العام الرقمي بصورة مستقلة.
ويتعمق هذا الاختلال بفعل خضوع هذه الشركات لإطارات قانونية أميركية عابرة للحدود، وفي مقدمتها قانون Clarifying Lawful Overseas Use of Data Act (CLOUD Act) الصادر عن الكونغرس الأميركي عام 2018 ([27])، والذي يمنح السلطات الأميركية صلاحيات الوصول إلى البيانات التي تديرها شركات أميركية حتى عندما تكون مخزنة داخل الأراضي الأوروبية، وهو ما دفع مؤسسات الاتحاد الأوروبي، إلى الربط الصريح بين مسألة السيادة الرقمية والاستقلال السياسي والاستراتيجي للاتحاد في البيئة الدولية المعاصرة[28].
يتجلّى بعد آخر من أبعاد الهيمنة الرقمية في حاجة أوروبا المتزايدة إلى الشركات الأميركية لإدارة أمنها السيبراني وبنيتها التحتية الرقمية الحساسة. فالدول الأوروبية تحتاج إلى شركات مثل مايكروسوفت وغوغل وأمازون في إدارة البيانات الحساسة، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة الحكومية.
وهذا الارتكاز يتيح لواشنطن موقعًا بنيويًا يصعب تخطيه كون أي توتر في المشهد السياسي قد يصبح ولو ضمنيًا مصدر تهديد لهذه البنية الحساسة، وهو ما يفضي إلى تعاظم تردد الأوروبيين في اتخاذ مواقف قد تؤثر على مصالح تلك الشركات. وبذلك يتقاطع البعد التكنولوجي مع البعد السياسي وتضعف القدرة على بلورة موقف مستقل.
ويتجاوز هذا النمط من الهيمنة حدود السيطرة التقنية ليطال آليات إنتاج المعرفة ذاتها، بما يجعل من الضروري مقاربة هذا الواقع من منظور يربط بين السلطة والمعرفة. فوفقًا لمنظور فوكو، لا يمكن فصل السلطة عن إنتاج المعرفة. فالشركات التي تتحكم في المنصات الإعلامية والتكنولوجية هي التي تهيمن على ما يبرز وما يطمس، وفي رسم حدود الحقيقة وتمييزها عن الاشاعة، وفي صياغة الوعي الجمعي الذي يمارس الضغط على الحكومات او يمنح سياستها الشرعية.
ثالثًا: الهيمنة الإعلامية
تجلى ذلك بشكل لافت خلال حرب الإبادة على غزة، حيث اعتمدت 73% من التغطيات الإعلامية الأوروبية على مصادر أميركية أو على تقارير صادرة عن مراكز بحث وإعلام أميركية في تغطية الأزمات الدولية والصراعات الاستراتيجية[29].
وبذلك غدت السردية الأميركية الإسرائيلية الإطار التفسيري الغالب في الخطاب الإعلامي الأوروبي، بما أسهم في تشكيل مفهوم الحقيقة داخل الفضاء العام. ولم تقتصر وظيفة القنوات الأوروبية على نقل الأحداث، بل اندرج أداؤها ضمن منظومة خطابية تعمل داخل بنية مفاهيمية محددة، جرى في إطارها تأطير الأحداث من خلال مفاهيم مثل العنف المتبادل وحق إسرائيل في الدفاع عن النفس، وهي مصطلحات لا تصف الواقع بقدر ما تعيد تنظيمه وتطبيعه رمزيًا، بما يؤدي إلى تهميش السرديات البديلة أو نزع الشرعية عنها[30].
تتقوى هذه الدينامية بفضل قدرة واشنطن على بسط التحكم في المنصات والتكنولوجيا التي تضبط حركة تدفق المعلومات. فالإجراءات التقييدية التي فُرضت على محتوى يتعلق بقطاع غزة على منصات مثل ميتا ويوتيوب وتويتر والتي تزامنت مع حذف حسابات أو تقليل وصولها تشكل جزءًا من بنية السلطة المعرفة التي تحدّث عنها فوكو:من يملك المنصة يملك القدرة على تشكيل إدراك الجمهور، وعلى ترتيب أولوياته، وعلى تحديد ما يبدو قضية عاجلة وما يبدو قضية هامشية.
وأسفر ذلك عن انخفاض قدرة الإعلام الأوروبي المستقل على تقديم سرديات مغايرة ذات حضور واسع داخل الفضاء العام، كما جعل منصات إعلامية بديلة فاعلين هامشيين نسبيًا، على الرغم من محاولاتهم المتكررة لاختراق الخطاب المهيمن. ولا يرتبط هذا التهميش بضعف المحتوى بقدر ما يعكس قيودًا بنيوية تحكم عمل الإعلام المستقل في السياق الأوروبي، في مقدمتها محدودية التمويل، وضعف الحماية القانونية، والاعتماد البنيوي على منصّات رقمية مملوكة لشركات تكنولوجية كبرى مقرّها الولايات المتحدة، تتحكم خوارزمياتها في قابلية الوصول والانتشار، وهذا النمط من الاعتماد يعيد إنتاج اختلالات القوة داخل الفضاء العام، ويحدّ من قدرة الفاعلين الإعلاميين غير المهيمنين على التأثير مقارنة بالسرديات السائدة[31]
ويمكن قراءة الخطاب الأوروبي خلال حرب الإبادة بوصفه خطابًا يتبنّى ما يمكن تسميته “الحياد الزائف”، فقد بدت أوروبا وكأنها تعتمد لغة حيادية كـالعنف بين الطرفين، ووقف التصعيد، والحاجة إلى حماية المدنيين، لكنها في الواقع تعكس توازنات القوة داخل الحقلين السياسي والإعلامي.
فالحياد هنا لا يُفهم بوصفه اختيارًا لغويًا مجردًا، بل بوصفه نتاج بنية معرفية تتجنّب الاعتراف بجوهر الصراع باعتباره علاقة غير متكافئة بين قوة استعمارية وشعب واقع تحت الاحتلال، لأن هذا الاعتراف يعني الخروج عن السردية الأميركية التي تُعيد تعريف الصراع ضمن إطار أمني مرتبط بالحرب على الإرهاب. وبهذا المعنى، يعمل الحياد الزائف كآلية لإخفاء اللامتكافئ البنيوي، عبر طمس الفارق بين القوي والضعيف، وتقديم المقاربة المتوازنة بوصفها عقلانية وموضوعية.
وتتصل الهيمنة الإعلامية أيضًا بالتحول في دور الاتحاد الأوروبي من الفعل السياسي إلى الفعل الإغاثي. فقد أصبح الخطاب الأوروبي أكثر ميلًا إلى التركيز على الكارثة الإنسانية بدلًا من التركيز على المسؤولية السياسية، وهو ما سمح للاتحاد باتخاذ موقف أخلاقي دون التعرض للمواجهة السياسية مع الولايات المتحدة، فحين تعجز القوى التابعة عن تغيير البنية، تلجأ إلى تحسين الجانب الأخلاقي داخل الهيمنة، دون المساس بأساسها. ولذلك ارتفعت المساعدات الأوروبية لغزة، فيما بقيت السياسة الأوروبية عاجزة عن كبح استمرار الحرب. فالأداة الإنسانية هنا لا تشكل بديلاً عن السياسة، بل تشكل غطاءً لعجزها.
ومن هنا يمكن القول إن الهيمنة الاقتصادية والتكنولوجية والإعلامية الأميركية لا تعمل كوحدات مستقلة، بل كمنظومة متشابكة تُعيد إنتاج التبعية الأوروبية وتمنع تشكّل أي استقلال فعلي، فاقتصاد أوروبا مرتبط بالأسواق الأميركية، وتكنولوجيتها تعتمد على الشركات الأميركية، وإعلامها يتشكل ضمن فضاء معرفي تحدده رواية أميركية.
ولذلك فإن قدرة أوروبا على بلورة موقف مستقل من حرب غزة لم تكن فقط محدودة سياسيًا أو أمنيًا، بل كانت أيضًا مقيدة بمعاملات السلطة التي تنتجها هذه البنى المتشابكة. وهكذا تصبح سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه فلسطين، خلال 2023–2025 نتاجًا لمصفوفة كاملة من التبعية، لا مجرد قرار سياسي ضعيف[32].
خاتمة
في ضوء السياسات الأوروبية ومعضلة السيادة المنقوصة وحدود الفاعل في ظل الهيمنة الأطلسية المركبة انتهت الدراسة إلى عدد من النتائج الأساسية:
1- أن القصور الاستراتيجي الذي وسم الموقف الأوروبي إزاء الإبادة على قطاع غزة (2023–2025) لم يكن عرضًا لتردد دبلوماسي عابر، أو نتاج تباينات إجرائية داخل أروقة الاتحاد، بل هو نتيجة لبنية هيمنة نسقية أعادت واشنطن هندستها لتطوق الحقول السياسية والأمنية والاقتصادية للقارة.
2- أن حدود الفعل الأوروبي ليست مرسوم بغياب الإرادة السياسية فحسب، بل بـانعدام الأهلية البنيوية اللازمة لبلورة بديل استراتيجي مستقل، في ظل منظومة أطلسية مصممة ديناميكيًا لإعادة إنتاج التراتبية وتأبيد التبعية.
3- عبر المزاوجة المنهجية بين أدوات السوسيولوجيا السياسية، ومقولات الواقعية البنيوية، تكشّف الدراسة أن الفاعل الأوروبي يتحرك ضمن حقل تتسم علاقات القوة فيه باللا تماثل المطلق، فالولايات المتحدة لا تحتكر فقط الرأس المال الأمني عبر مظلة الناتو، بل تسيطر بفاعلية على بنية التدفقات سواء كانت تدفقات مالية، أو طاقية، أو معلوماتية.
هذا الواقع يضع صانع القرار الأوروبي في تبعية كاملة؛ حيث أن أي محاولة للخروج عن السردية الأميركية لا تواجه بكلفة سياسية فحسب، بل تهدد استقرار البنى التحتية الرقمية والمالية التي تعتمد عليها الدولة الحديثة. وبذلك، فإن المواقف الأوروبية التي تذبذبت بين الحياد البلاغي والتحفظ الدبلوماسي لم تكن خيارات حرة، بل استجابات شرطية فرضتها مصفوفة القوة، متخذة من الحياد الزائف قناعًا لستر العجز عن التأثير.
4- في سياق اختبار مقولة الاستقلالية الاستراتيجية التي روجت لها النخب الأوروبية عقب الحرب الأوكرانية، أثبتت وقائع الإبادة أن هذا المفهوم بقي أسير الخطاب النظري ولم يجد سبيلاً للتطبيق المادي. إذ يظل الامتداد الجيوسياسي لأوروبا مكبلاً بالتبعية التكنولوجية لعمالقة وادي السيليكون، وبالارتهان لأسواق وول ستريت، وبالحاجة الماسة للغاز الأميركي.
وعليه، فإن السقف السياسي الأوروبي تجاه القضية الفلسطينية يظل محكومًا بالمتغير الأميركي، عاجزًا عن تجاوز الخطوط الحمراء التي يرسمها المركز لـلأطراف، مهما تفاقمت الكلفة الأخلاقية أو تعارضت مع القانون الدولي الإنساني الذي تدعي أوروبا حمايته.
5- مثّل التركيز المفرط على المساعدات الإغاثية آلية تسامٍ سياسي، سمحت للاتحاد الأوروبي بتصدير موقف أخلاقي دون الاصطدام بجوهر الصراع السياسي الذي تحتكره واشنطن، وفي هذا الإطار، يُمكن قراءة موجة الاعترافات الدبلوماسية بدولة فلسطين عام 2025، ليس كانقلاب استراتيجي على التحالف الأطلسي، بل كشكل من أشكال التعويض المعياري ومحاولة لامتصاص الغضب الداخلي، واستعادة شيء من الرأسمال الرمزي المتآكل، دون إحداث تغيير مادي في موازين القوى على الأرض. فهي، بهذا المعنى، مناورة تكتيكية داخل الهيمنة لضمان استمراريتها، وليست استراتيجية للخروج منها.
6- تخلص الدراسة إلى توصيف الهيمنة الأميركية على القرار الأوروبي بوصفها ثابتًا بنيويًا وليست متغيرًا ظرفيًا. وهي بنية مركبة تصوغ الإدراك، وتحدد الخيارات المتاحة سلفًا، وتفرض نظام الحقيقة السائد. وبناءً عليه، فإن أي رهان مستقبلي على دور أوروبي متمايز وفاعل في الشرق الأوسط سيظل رهانًا خاسرًا، ما لم تسبقه عملية تفكيك وإعادة بناء جذرية للمجالات السيادية الأوروبية (الأمن، التكنولوجيا، الاقتصاد) بما يضمن فكاكها من شبكات الاعتماد المتبادل غير المتكافئ، وهو شرط تاريخي لا تزال مقدماته الموضوعية غائبة عن المشهد الأوروبي في المدى المنظور.
[1] Hayat Kassioui, The EU’s Rhetoric-Reality Gap Towards Israel-Palestine,11.2024, visited 21/11/2025,link https://bit.ly/3M6wjOy
[2] Peter, Van Ham, Europe and the Transatlantic Relationship in the Shadow of Tomorrow. Marshall Center Papers, visited, 22/11/2025, link https://bit.ly/3Kn6byg
[3] فوزية الفرجاني، غرامشي والهيمنة والعلاقات الدولية، مجلة شؤون المتوسط، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة تونس، عدد 143 زيارة الموقع 21/11/2025، الرابط https://bit.ly/440qHeV
[4] David Johans, The power to coerce countering adversaries without going to war, visited 29/11/2025, link https://bit.ly/4404WMe
[5] Jana Puglierin, Jeremy Shapiro, The art of vassalisation: How Russia’s war on Ukraine has transformed transatlantic relations, European council on foreign relqtions Ecfr.eu,visited 29/11/2025,link https://trimli.me/s9BVQv
[6] EU Humanitarian Financial Assistance to Palestinians. Brussels, 2025, European council. Visited 29/11/2025, link consilium.europa.eu
[7] Alyssa Mcmurty, Eu top diplomat says israel will only stop dropping bombs if they donot have any, visited 28/11/2025,Anadol Agency, link https://trimli.me/mi7wUB
[8] Crisis groups. Can the World Make Recognition of Palestine’s Statehood Matter. Visited on 22/12/2025. Link urlr.me/7APaBf
[9] European parliament, plenary sessions news letter 20_23 oct 2025 Starsbourg, visited 22/11/2025, link https://trimli.me/qqgCAI
[10] David Croin, Sarah Marusck, The Israel loppy &EU, visited 29/11/2025, link https://trimli.me/FjFd1I
[11] Storey,J , Cultural theory and popular culture , visited 20/11/2025 link https://trimli.me/n66ZpD
[12] Vera spyrakou. Europe palestine and the mening of recognition. Visited on 22/12/2025. Link urlr.me/4NrC27
[13] Bourdieu p, practical reasons on the theory of action, stanford university, visited 20/11/2025, link https://trimli.me/D6q5iq
[14] Jana Puglierin, Jeremy Shapiro, The art of the vassalisation how russias war on ukraine has trasformed transtlantic realtions , European council of foreign relations, ecfr eu, visited 29/11/2025, link https://trimli.me/WGJjy2
[15] Neven Shaaban, Philip, Intelligence and the war in Ukraine part 1, visited 22/11/2025, link https://trimli.me/BaiDrE
[16] Stephen walt, the top 5 lessens from year one of ukrains war , havard kenndy school, visited 29/11/2025, link https://trimli.me/LSQvqg
[17] Alex Ferrara, Europe defence wake up call, why innovation cannot wait,visited 19/11/2025, link https://trimli.me/sPk3FT
[18] Daniel S. Hamilton & Joseph P. Quinlan, The Transatlantic Economy 2024, Washington, DC: Center for Transatlantic Relations, Johns Hopkins University, 2024.visited on 20/12/2025. Link urlr.me/fVKQZb
[19] International Monetary Fund, Currency Composition of Official Foreign Exchange Reserves (COFER); IMF, Global Financial Stability Report, Washington, DC, October 2023.visited 22/12/2025. Link urlr.me/eav3qB
[20] Adam Tooze, Crashed: How a Decade of Financial Crises Changed the World, London: Allen Lane, 2018, Introduction, visited on 19/12/2025. link urlr.me/eav3qB
[21] Robert W. Cox, Production, Power, and World Order: Social Forces in the Making of History, New York: Columbia University Press, 1987,
[22]Bank for International Settlements, Annual Economic Report, Basel: BIS, 2022؛ BIS, Triennial Central Bank Survey, 2022.
European Central Bank, Financial Stability Review, Frankfurt am Main: ECB, various editions.visited on 22.12.2025.link https://www.bis.org/publ/arpdf/ar2022e.pdf
European Central Bank, Financial Stability Review, Frankfurt am Main: ECB, various editions [23]
[24]International Monetary Fund, Global Financial Stability Report, Washington, DC, various editions. Visited on 19.12.2025. link https://trimli.me/s6c7jy
[25] International energy agancy, glopal gas security review 2023, paris, visited 29/11/2025,link https://trimli.me/RcmqZC
[26] Carla Hobbs, Europe’s digital sovereignty: From rulemaker to superpower in the age of US-China rivalry,European council of foreign relationas , link https://trimli.me/qE3e9Z ,visited 19/12/2025
[27] United States Congress, Washington D.C., 2018, visited on 21.12.2025. link https://trimli.me/CHgBv1
[28] Report on European technological sovereignty and digital infrastructure ,visited on 19.12.2025 ,link https://trimli.me/DTFXlY
[29] Oliver Boyd-Barrett, Western Mainstream Media and the Ukraine CrisisA Study in Conflict Propaganda, visited 10/11/2025, link https://trimli.me/GNSgO1
[30] Antonio Gramsci, Selections from the Prison Notebooks, edited and translated by Quintin Hoare and Geoffrey Nowell Smith, New York: International Publishers, 1971 .visited on 19.12.2025 . link https://trimli.me/wt0D9k
[31] van Dijck, Poell & de Waal, The Platform Society, Oxford University Press, 2018 viisted on 19.12.2025.link https://trimli.me/ymhFGc
[32] Daniel S. Hamilton and Joseph P. Quinlan, ibid




