سياسية

ما بعد الهيمنة الأميركية: الشرق الأوسط بين التراجع الأميركي وصعود القوى البديلة

د.الطاهر بكني

حاصل على شهادة الدكتوراه في الجغرافيا، يعمل كإطار عالٍ في مؤسسة عمومية بمدينة فاس المغرب.

الملخص:

يشهد الشرق الأوسط اليوم لحظة تحول جيواستراتيجي معقدة تتجاوز النموذج الأميركي الكلاسيكي دون أن تبلغ بعد عتبة نظام بديل مستقر. فالتراجع النسبي في الحضور الأميركي لا يعكس انسحابا كاملا بقدر ما يشير إلى إعادة تموضع داخل بنية هيمنية تعيد تعريف أدوات النفوذ أكثر مما تنهيها؛ إذ فقدت واشنطن قدرة التحكم الأحادي لكنها ما تزال تمتلك عناصر التفوق التي تمكنها من التأثير الحاسم عند الضرورة. وفي المقابل، يواصل صعود الفاعلين الدوليين والإقليميين إعادة هندسة توازنات القوة من دون أن ينتج بديلا بنيويا قادرا على ملء الفراغ الأميركي. وبهذا المعنى، لا يمكن الحديث عن دخول فعلي في مرحلة “ما بعد الهيمنة الأميركية”، بقدر ما نشهد طورا انتقاليا تتقاطع فيه محدودية القدرة الأميركية مع بدائل غير مكتملة، في مشهد يعيد تشكيل خرائط النفوذ دون حسم نهائي لمركز القوة الإقليمي.

الكلمات المفتاحية: الشرق الأوسط – الهيمنة الأميركية – إعادة التموضع الاستراتيجي – توازن القوى – المرحلة الانتقالية

مقدمة:

منذ نهاية الحرب الباردة، وما رافقها من تحول عميق في بنية القوة العالمية، ظل الشرق الأوسط يشكل المختبر الأكثر حساسية لاختبار حدود الهيمنة الأميركية، ومسرحا تتقاطع فيه مشاريع القوى الكبرى مع رهانات الفاعلين الإقليميين. فقد مثلت “اللحظة الأحادية”[1]التي نظّر لها تشارلز كروثامر ذروة التفوق الأميركي، حيث تصورت واشنطن نفسها قوة قادرة على إعادة هندسة الإقليم عسكريا وسياسيا.

غير أن هذا النموذج بدا مع مرور الزمن عاجزا عن احتواء التحولات البنيوية التي ضربت النظام الدولي، وفتحت الباب أمام صعود منافسين جدد من خارج المدار الغربي، الأمر الذي جعل الشرق الأوسط ينتقل تدريجيا من مجال نفوذ أميركي محض إلى فضاء متعدد القوى، تتداخل فيه استراتيجيات الموازنة، والاصطفاف المرن، وملء الفراغات الجيوسياسية.

وفي هذا السياق، أسهمت ثلاثة مسارات كبرى في إعادة تشكيل موازين القوة، أولها صعود الصين كفاعل اقتصادي–استراتيجي قادر على النفاذ إلى قلب المعادلات الإقليمية، كما تجسد ذلك بوضوح في وساطتها بين السعودية وإيران سنة 2023، وهي الخطوة التي وصفها هنري كيسنجر بأنها أول تحرك جيوسياسي عالمي لبكين. ثم إعادة تموضع روسيا عبر القوة الصلبة، ولا سيما منذ تدخلها العسكري في سوريا عام 2015، الذي منحها موطئ قدم استراتيجيا في شرق المتوسط وشراكات طاقية وعسكرية ممتدة من الخليج إلى شمال إفريقيا. وأخيراًصعود فاعلين إقليميين يمتلكون قدرة متزايدة على المناورة، مثل السعودية وتركيا والإمارات وإسرائيل، بما يعكس مرحلة “الاستقلالية الاستراتيجية النسبية” التي مكنت هذه الدول من استثمار تراجع الانخراط الأميركي دون أن تقطع روابطها الأمنية مع واشنطن.

وهكذا، لم يعد التنافس في الإقليم ثنائيا أو أحاديا، بل بات يتخذ شكل شبكة معقدة من التفاعلات بين قوى عالمية صاعدة وقوى إقليمية صاعدة وقوة أميركية لم تتراجع بقدر ما أعادت تموضعها ضمن هندسة أمنية أقل مركزية وأكثر اعتمادا على الردع الشبكي.

وانطلاقاًمن هذا التحول، تسعى هذه الدراسة إلى قراءة مآلات “ما بعد الهيمنة الأميركية” من خلال مقاربة تحليلية جيوسياسية تستند إلى منهج مركب يجمع بين تحليل السياسات الخارجية للقوى الكبرى، ودراسة ديناميات الأمن الإقليمي، وفحص استراتيجيات الفاعلين المحليين ضمن منظور المقارنة التاريخية لمسارات التحول الإمبراطوري. وتعتمد الدراسة إطاراًنظرياًمستلهماًمن أدبيات “الانتقال بين المراكز الكبرى للقوة”، ولا سيما أعمال بول كينيدي حول “فرط التوسع الإمبراطوري”[2]، وصمويل هنتنغتون حول “محدودية الهيمنة الأميركية”[3]، مع توظيف المقاربة البنائية لفهم كيفية إعادة إنتاج التفاعلات الإقليمية في لحظة التحول العالمية الراهنة.

تركزهذه الدراسة على إشكالية أساسية مفادها: هل يعكس تراجع النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط تحولا بنيويا نحو نظام دولي ما بعد أحادي، أم يمثل مجرد إعادة تموضع استراتيجي يعيد تشكيل أدوات الحضور الأميركي دون تقويض جوهره؟.

تتفرع عن هذه الاشكاليةأهم الأسئلة الفرعية الآتية: ما طبيعة التحول في أنماط القوة الأميركية من نموذج الهيمنة المباشرة إلى نموذج “الهيمنة المقيدة”؟،وإلى أي مدى تنتج هذه التحولات نهاية فعلية للهيمنة أم إعادة تعريف مرنة لها داخل بيئة دولية متعددة الأقطاب؟ وبذلك تسعى الدراسة إلى قراءة شاملة لديناميات إعادة توزيع القوة في الشرق الأوسط بوصفها مسارا مفتوحا على احتمالات متعددة لا تحسم فيها معادلة القوة بشكل نهائي.

أولا: حدود التراجع الأميركي في الشرق الأوسط: إعادة تموضع جيوستراتيجي أم تآكل في البنية الهيمنية؟:

1-إعادة التموضع الجيوستراتيجي الأميركي وتحول نمط الهيمنة:

أ-من الهيمنة الأحادية إلى البصمة الأميركية الخفيفة:لم يعد الحديث عن “انحسار” النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط يعكس تراجعا خطيا لسطوة القوة الأمريكية، بقدر ما يترجم تحولا عميقا في نمط الانخراط وآليات إدارة النفوذ. فالمشهد الراهن كما يقاربه ستيفن والت عبر مفهوم “إعادة التموضع الجيوإستراتيجي”[4]يكشف أن واشنطن لا تنسحب، بل تعيد توزيع أدواتها العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية، وفق أولويات تتقدمها مواجهة الصين في آسيا-المحيط الهادئ، من دون التخلي عن خطوطها الحمراء التقليدية في المنطقة.

هذا التحول تجسد بوضوح خلال ولاية ترامب الثانية[5]، التي أعادت تفعيل أدوات الردع في ملفات محورية مثل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي واحتواء إيران، مع تعزيز شبكات الانخراط غير المباشر مع الفواعل الإقليمية الصاعدة، في إطار ما يمكن تسميته بـبصمة أميركية خفيفة تحافظ على النفوذ دون تحمل أعباء السيطرة المباشرة.

ويتسق هذا التحول مع أطروحة تشارلز كروثامر حول “البارود الجاف”[6]، التي تؤكد ضرورة الحفاظ على احتياط إستراتيجي استعدادا لظهور منافسين نظاميين، ومع رؤية والت التي تشدد على مبدأ التعاون الوقائي وبناء ترتيبات أمن جماعي أقل كلفة وأكثر قدرة على الاستمرار.

وهكذا، لم تعد واشنطن تشتغل بمنطق الهيمنة الأحادية، بل كقوة مرجعية تضبط موازين الإقليم عبر شراكات متعددة المستويات وشبكات ردع مرنة، في زمن دولي يتجه نحو تعددية قطبية غير مكتملة.

ب-إعادة ترتيب الأولويات بين الإندو–باسيفيك والشرق الأوسط:

في ضوء هذه التحولات، تبدو سياسات ترامب في الشرق الأوسط امتدادا مباشرا لمبدأ “إعادة ترتيب الأولويات الإستراتيجية”، الذي بلورته إستراتيجية الأمن القومي الأميركية لعام 2022[7]، والتي تضع الإندو–باسيفيك في قلب الحسابات الأميركية لمواجهة الصين، مع إبقاء الشرق الأوسط كـ “مجال حيوي” لا يمكن السماح بتركه خارج السيطرة.

فواشنطن – رغم تصنيفها الإقليم أولوية ثانوية – تدرك أن أمن الطاقة، والتفوق العسكري الإسرائيلي، واحتواء إيران، ومنع التغلغل الصيني–الروسي، تشكل “ثوابت أمن قومي” تفرض استمرار الحضور الأميركي بقوة ردع متعددة الطبقات[8].

ويتغذى هذا المنحى من إرث فكري وسياسي ممتد داخل المؤسسة الأميركية، حيث استعاد المحافظون الجدد واليمين القومي المتشدد مقولات صامويل هنتنغتون حول “صراع الحضارات”، التي أعادت رسم الشرق الأوسط بوصفه فضاء للاحتكاك الهوياتي والمصلحي عالي المخاطر[9].

وفي موازاة ذلك، ورثت واشنطن جدلا إستراتيجيا سابقا بشأن كيفية التعامل مع الصين بين نهج “الاحتواء” الذي يدعو إلى مراكمة التحالفات وموازنة القوة الصاعدة، ونهج “الإشراك” الذي يراهن على دمج بكين في البنية الدولية[10]. وقد انعكس هذا الانقسام بوضوح على قدرة الولايات المتحدة في توزيع مواردها بين آسيا والشرق الأوسط، وسط مخاوف من الوقوع في فخ التشتت الإستراتيجي.

ج-من التدخل الإمبراطوري إلى هندسة النظام الإقليمي:يعكس المسار الأميركي في الشرق الأوسط اليوم انتقالا من نموذج التدخل الإمبراطوري المباشر إلى نمط أكثر براغماتية يستند إلى إدارة النفوذ عبر “هندسة النظام الإقليمي” بدل السيطرة عليه، انسجاماًمع ما دعا إليه هنري كيسنجر منذ خطابه حول “عام أوروبا” سنة 1973[11]، حين شدد على أن دور الولايات المتحدة يجب أن يبنى على ضبط الإطار العالمي لا تفاصيل كل ساحة إقليمية.

وقد أسهم الإرهاق الإستراتيجي الذي خلفته حربي أفغانستان والعراق في تعميق هذا التحول، وهو ما كان قد أكده بول كينيدي أن فرط الالتزامات مقارنة بالقدرات الاقتصادية يقود القوى العظمى تاريخيا نحو الانحدار[12]. ومن هنا، تراجع الانخراط العسكري التقليدي للولايات المتحدة، سواء فُسّر كاستجابة تهديدية وفق مدرسة الأمن، أو كنتيجة لمأزق الليبرالية التدخلية[13]، أدى إلى انكماش في شرعية القوة الأميركية، وإلى اعتماد واشنطن على مقاربات منخفضة التكلفة قوامها الاحتواء المرن وإدارة الأزمات بدل صناعتها.وفي المقابل، تكشف أطروحات ستيفن والت أن هوس واشنطن باستعادة الأحادية يدفعها إلى محاولة خنق الصعود الصيني وردع روسيا، رغم أن تعددية الأقطاب التي يخشاها صناع القرار الأميركيون قد تخدم مصالح الولايات المتحدة أكثر عبر تخفيف أعباء الهيمنة المباشرة وتوسيع نطاق تقاسم المسؤوليات[14].

2-حدود الهيمنة الأميركية في بيئة دولية متعددة الأقطاب:

أ-مفارقة الشرق الأوسط بين الانكفاء النسبي والعودة القسرية:في سياق تزداد فيه الضغوط الجيوسياسية على القوة الأميركية، يكشف موقع الشرق الأوسط عن مفارقة استراتيجية عميقة: فهو من جهة إحدى أهم “جوائز الطاقة العالمية” التي اعتبرتها واشنطن منذ الأربعينيات مصدرا للقوة الصلبة والهيمنة الجيوسياسية، كما وصفته بريطانيا قبلها باعتباره “جائزة حيوية لأي قوة تسعى إلى السيطرة العالمية”[15].

ومن جهة أخرى، يشهد الإقليم اليوم عودة أميركية متجددة فرضتها التطورات المتسارعة، من الحرب الإسرائيلية على غزة إلى الاشتباك غير المباشر مع إيران، ما اضطر واشنطن إلى نشر حاملات الطائرات وتعزيز الردع البحري والجوي وإعادة ضخ الزخم الدبلوماسي في المنطقة.

غير أن هذه العودة لا تلغي حقيقة أن تركيز الولايات المتحدة الاستراتيجي ينزاح نحو الإندو–باسيفيك، حيث تعمل على إعادة هيكلة وجودها العسكري وفق مقاربات “الانتشار الموزع” و“التموضع السريع” لتعزيز الردع في مواجهة الصين[16]، بالتوازي مع توثيق تحالفاتها مع اليابان والفلبين.

هذا التداخل بين مساري الانكفاء النسبي والعودة القسرية يسلّط الضوء على حدود القدرة الأميركية على تنفيذ استراتيجيات كبرى متماسكة؛ فالانخراط المُكلف في الشرق الأوسط يستنزف الموارد الضرورية لاحتواء الصين، بينما أدى توسع الناتو في أوروبا إلى تفاقم التوتر مع روسيا، في حين لم تنجح محاولة إدماج الصين اقتصاديا في تغيير بنيتها السياسية.

ونتيجة ذلك، تبدو واشنطن عالقة بين ضرورات الحفاظ على نفوذها التقليدي في الشرق الأوسط ومقتضيات التحول نحو منافستها الكبرى في آسيا، ما يجعل هيمنتها أقرب إلى إدارة أزمات متكررة ضمن نظام دولي يتجه تدريجيا نحو تعددية أكثر صلابة[17]، ويكشف في الوقت ذاته التحديات البنيوية التي تواجهها القوة الأميركية في الحفاظ على موقعها الأحادي.

ب-تآكل شرعية النفوذ الأميركي وصعود الاستقلالية الإقليمية:تدرك الولايات المتحدة اليوم أن جل دول الشرق الأوسط تسعى إلى تقليص ما تعتبره «تبعية استراتيجية غير مريحة»[18]لواشنطن، وهو مسار ليس جديدا تماما؛ فحتى أيزنهاور عبّر في خمسينيات القرن الماضي عن قلقه من «موجة عداء» متنامية للولايات المتحدة في العالم العربي، لا على مستوى الحكومات فحسب بل في وعي الشعوب أيضا[19].

وقد أكد تحليل لمجلس الأمن القومي الأميركي في تلك الفترة أن جذور هذا العداء لا تعود إلى دعاية مضادة، بل إلى شعور راسخ بأن واشنطن تدعم الأنظمة السلطوية وتعرقل مسارات الديمقراطية والتنمية. وفي هذا السياق، ظل مفهوم «الاستقرار» -كما تستخدمه الاستراتيجيات الأميركية- مجرد شيفرة جيواستراتيجية تعني في جوهرها ضمان انصياع بنية الإقليم لمنطق الهيمنة الأميركية[20]، أكثر مما تعني بناء منظومات استقرار فعلي.

ومع تصاعد مظاهر التراجع النسبي للقوة الأميركية، يتزايد القلق داخل النخبة الأميركية من فقدان موقع الصدارة في النظام الدولي، بالتوازي مع الاعتراف بعودة منافسة القوى الكبرى، وخاصة الصعود الاقتصادي–الاستراتيجي للصين. ويعبّر ستيفن والت عن هذا التحول بأن إعلان الولايات المتحدة حاجتها إلى «ترميم البيت من الداخل» وإعادة ترتيب أولوياتها الخارجية، يعكس أزماتها السياسية الراهنة، والتي هي نتاج عقيدة «الهيمنة الليبرالية» التي دفعتها إلى التدخل المفرط ومحاولة إعادة تشكيل العالم على صورتها الليبرالية، وهي مقاربة ثبت أنها غير فعّالة، لأن «النوايا الحسنة لا تصنع سياسة خارجية ناجحة”[21].

ج-الهيمنة المرنة كبديل عن السيطرة المباشرة: وفي ضوء هذه التحولات، يتجلى أن السلوك الجيوستراتيجي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط لا يعكس انهيارا في الهيمنة بقدر ما يعبر عن إعادة تكييف مدروس لأدوات النفوذ بما يتوافق مع بنية دولية تميل نحو التعددية القطبية.

فالإرهاق الاستراتيجي الناتج عن حربي أفغانستان والعراق، وتزايد التشتت بين الأقاليم نتيجة الانخراط في أوروبا ضد روسيا وفي آسيا لاحتواء الصين، جعل واشنطن أكثر اعتمادا على الهيمنة المرنة بدل السيطرة المباشرة، مرتكزة على الشراكات الأمنية، وردع منخفض التكلفة، وتموضع عسكري قابل لإعادة الانتشار السريع، إضافة إلى توظيف شبكات النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي[22].

وتتقاطع هذه الدينامية مع تآكل القدرة على فرض الإملاءات، كما يظهر في استقلالية القرار الخليجي تجاه النفط عام 2022، وتنامي الانفتاح على الصين وروسيا، واتساع فضاء الخيارات المتاحة لدول المنطقة من خلال الانضمام إلى ترتيبات بديلة مثل البريكس ومنظمة شنغهاي. وبهذا المعنى، لا تعيش الولايات المتحدة انهيارا إمبراطوريا بالمعنى الكلاسيكي، ولكنها تواجه حدودًا بنيوية للهيمنة الليبرالية يدعو مفكرون مثل ستيفن والت إلى تجاوزها عبر تبني مقاربة أكثر تواضعا وواقعية. فما يحدث في الشرق الأوسط هو إعادة توزيع للنفوذ الأميركي لا نهايته. تراجع في القدرة الإكراهية، مقابل إعادة تعريف للحضور الأميركي وفق منطق إدارة النفوذ لا احتكاره، داخل بيئة إقليمية متشابكة ومتعددة الأقطاب.

ثانياً: ديناميات بروز الفاعلين الجدد وإعادة هندسة التوازنات:

1-القوى الكبرى غير الغربية وإعادة تشكيل ميزان النفوذ في الشرق الأوسط:

أ-منطق الموازنة التاريخية وصعود الصين كفاعل جيوسياسي جديد:تُظهر تجارب التاريخ السياسي أن أي تفوق مفرط في ميزان القوى يطلق تلقائيا ديناميات موازنة تهدف إلى كبحه وإعادة ضبط النظام الدولي، وهي قاعدة كرستها التحالفات الكبرى التي تشكلت ضد نابليون في مطلع القرن التاسع عشر، ثم ضد ألمانيا خلال الحربين العالميتين.

وفي المشهد الدولي الراهن، يبدو الشرق الأوسط ساحة متجددة لهذه الديناميات؛ إذ تتفاعل القوى الإقليمية والدولية مع التراجع النسبي للهيمنة الأميركية عبر بناء اصطفافات وشراكات جديدة، أبرزها صعود الصين كلاعب جيوسياسي ذي ثقل متنام.

فقد مثّلت الوساطة الصينية بين الرياض وطهران سنة 2023 نقطة تحول لافتة، اعتبرها هنري كيسنجر أول دخول استراتيجي حقيقي لبكين إلى هندسة الأمن الإقليمي خارج آسيا[23]، وانتقالها من قوة اقتصادية–تجارية إلى فاعل قادر على صياغة ترتيبات أمنية. هذا التحول أعاد تشكيل موقع الصين في الشرق الأوسط، وأشار إلى بداية مرحلة تتداخل فيها أدوات الجيواقتصاد، والقوة الناعمة، والدبلوماسية الأمنية لإعادة رسم هرم النفوذ الدولي.

ب-روسيا وملء الفراغات الاستراتيجية عبر القوة الصلبة والطاقة:وعلى الضفة الأخرى لصعود الصين، تعمل روسيا على تثبيت موقعها الجيوسياسي عبر استراتيجية قائمة على توظيف القوة الصلبة وتمديد حضورها العسكري والسياسي في المنطقة، في مسار يتقاطع مع الرؤية الأوراسية التي يروّج لها ألكسندر دوغين بشأن “عودة روسيا إلى قلب التفاعلات الكونية من الشرق الأوسط”[24].

فمنذ تدخلها في سوريا عام 2015، استطاعت موسكو تحويل وجودها العسكري إلى قاعدة ارتكاز دائمة تمنحها قدرة مباشرة على التأثير في موازين القوى وفرض مسارات سياسية ملائمة لمصالحها. كما عززت موقعها في شرق المتوسط من خلال قواعدها البحرية والجوية، وربطت نفوذها بممرات الطاقة وبشبكات إنتاج الغاز، إلى جانب توسيع شراكاتها ضمن إطار «أوبك+» واستعمال قوتها الطاقية لتعميق حضورها الجيو–اقتصادي.

وفي هذا السياق، تستمر «أوبك» في العمل ككارتل[25]منسق قادر على إدارة مستويات الإنتاج والتحكم في أسعار النفط العالمية، مما جعلها محوراًدائما للقلق في الإدارات الأميركية المتعاقبة من فورد إلى ترامب، بالنظر إلى قدرتها على التأثير في الاقتصاد الأميركي وتوجيه بوصلة الأسواق الدولية.

ورغم زيادة إنتاج الولايات المتحدة وتنامي مصادر الطاقة البديلة، لا تزال «أوبك» تمتلك وزناًبنيوياًيسمح لها بالحفاظ على دور حاسم في الاقتصاد السياسي العالمي. ويمتد هذا النفوذ عبر تعاون واسع مع دول محورية مثل السعودية، مصر، والجزائر، من خلال مشاريع الطاقة والنووي وصفقات السلاح، بما يعكس العمل الروسي على ملء الفراغات الاستراتيجية التي تخلفها واشنطن في الإقليم دون أن تنسحب فعلياًمنه.

وتُعد صادرات السلاح الروسية إلى إيران وسوريا ومصر امتدادا لمنطق بناء شبكات تحالف صلبة تعزز قدرة موسكو على المناورة داخل الإقليم. هذه الديناميكيات تكتسب أهمية أكبر في ظل التقدم الروسي داخل فضاء الطاقة الإقليمي وتكامل مصالح موسكو مع قوى نفطية كبرى.ما يعكس إعادة تشكيل هرم القوة في الشرق الأوسط، ضمن معادلة “ملء الفراغات الاستراتيجية” التي تتبناها روسيا منذ 2014، وخاصة في المناطق التي تتراجع فيها الولايات المتحدة دون أن تنسحب فعليا، مما يجعل الدور الروسي اليوم أحد أبرز محددات التحول الجيوسياسي في مرحلة ما بعد الهيمنة الأميركية.

2-التعددية الوظيفية وصعود الفاعلين الإقليميين في بيئة ما بعد الأحادية:

أ-حدود البدائل الدولية وبروز التعددية الوظيفية للنفوذ:تكشف هذه التحولات أن التقارب الصيني–الروسي يشكل اليوم إحدى ركائز إعادة تشكيل التوازنات العالمية، وإن كان دون القدرة على إنتاج بديل استراتيجي كامل للهيمنة الأميركية[26]. فالصين، رغم مكانتها المتعاظمة في الاقتصاد العالمي وقدراتها التكنولوجية الصاعدة، تعزز أدوات “القوة الجيواقتصادية” التي توظفها بكين في آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا. ومع ذلك، لا تزال متحفظة في الانخراط الأمني ولا تتحمل كلفة القيادة العسكرية ما يحد من قابليتها لملء الفراغ الاستراتيجي الأميركي بصورة شاملة[27].

وفي المقابل، تمتلك روسيا فائضاًمن القوة الصلبة دون قاعدة اقتصادية تمكنها من لعب دور مهيمن على المدى البعيد، ما يجعل حضورها فعالاًعلى المستوى التكتيكي أكثر منه على مستوى إعادة صياغة النظام الدولي. ومن ثم، فإن التراجع النسبي للدور الأميركي لا يعود فقط إلى صعود منافسين جدد، بل إلى اهتزازات داخلية بنيوية في واشنطن نفسها كالانقسام السياسي، وتعقد توزيع الموارد بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط، وتضخم الالتزامات الأمنية العالمية.

وفي ضوء ذلك، يتجه الشرق الأوسط نحو نمط «التعددية الوظيفية للنفوذ»، حيث تتعايش المظلة الأمنية الأميركية مع النفوذ الاقتصادي–التكنولوجي الصيني والدور العسكري–السياسي الروسي في بنية إقليمية هجينة تتسم بالتنافس والتعاون في الآن نفسه. ويقود هذا التشابك المعقد إلى بلورة نموذج عالمي متعدد الأقطاب وظيفيا لا يلغي القيادة الأميركية، ولا يمنح بكين أو موسكو قدرة بديلة على الهيمنة، بل يعيد توزيع عناصر القوة بطريقة أكثر تشتتا وديناميكية، بما يعكس تعقيد المرحلة الانتقالية في النظام الدولي الراهن[28].

باستراتيجيات الفاعلين الإقليميين بين التحوط والموازنة المتعددة:

في هذا السياق، تعتمد المملكة العربية السعودية مقاربة جيواستراتيجية تقوم على موازنة دقيقة بين الولايات المتحدة والصين[29]، مستثمرة تنافس القوتين لتوسيع هامش قرارها السيادي وتعزيز أمنها الوطني دون التفريط في شراكاتها التاريخية مع واشنطن أو إيقاف التدفقات الاستثمارية والتكنولوجية من بكين. وبمنطق مشابه، تمارس تركيا سياسة تحوط مرنة تجمع بين التعاون التكتيكي مع روسيا والحضور البراغماتي في منظومات الحلف الأطلسي، مع توسيع نفوذها في ليبيا وجنوب القوقاز والبلقان.

أما إسرائيل، فتعمق دورها كفاعل أمني–تكنولوجي محوري ضمن شبكة تحالفات تتراوح بين واشنطن والإمارات، معتمدة على أدوات القوة السيبرانية والعسكرية لتثبيت موقعها في أي هندسة أمنية قادمة. وتبرز الإمارات باعتبارها نموذجا متقدما لـ«التوازن الثلاثي»، حيث تجمع بين المظلة الأمنية الأميركية، والانفتاح الاقتصادي على الصين، والشراكات التكنولوجية مع إسرائيل، ما يمنحها موقعا تنافسيا في ملفات الطاقة والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي.

ثالثا: هل دخل الشرق الأوسط مرحلة ما بعد الهيمنة الأمريكية؟:

1-البنية الجيوسياسية للهيمنة الأميركية وإعادة إنتاجها في الشرق الأوسط

أ-الشرق الأوسط كاستثناء جيوسياسي: حدود التحول الديمقراطي وبنية الصراعات الكبرى:يُنظر إلى الشرق الأوسط، في التحليل الجيوسياسي المقارن، بوصفه إحدى أكثر المناطق استعصاء على موجات التحول الديمقراطي التي طالت أجزاء واسعة من العالم منذ نهاية الحرب الباردة[30].

غير أن هذا “الاستثناء السياسي” ليس تعبيرا عن خلل داخلي صرف بقدر ما هو انعكاس لبنية إقليمية مشحونة بصراعات القوى الكبرى وبالرهانات الجيوطاقية التي جعلت المنطقة مجالا حيويا لإدارة التوازنات الدولية، وبالتالي فضاء أقل قابلية لاستيراد نماذج التحول السياسي مقارنة بالمناطق الأخرى. فقد أدى تشابك المصالح الخارجية مع صلابة البنى السلطوية وغياب بيئة أمنية مستقرة إلى إعادة إنتاج منظومات حكم متماسكة مدعومة خارجيا، ما جعل انتقال السلطة أكثر ارتباطا بمعادلات القوة العالمية منه بمسارات تطور مؤسساتي داخلي[31].

ب-إعادة تشكيل العقيدة الأمنية الأميركية بعد الحرب الباردة: من العدو البديل إلى الحروب الوقائية:

وفي قراءة لمسار السياسة الأميركية تجاه المنطقة، يتضح أن لحظة ما بعد الحرب الباردة لم تُنتج فراغا جيوسياسيا بقدر ما أطلقت دينامية جديدة لإعادة تشكيل “العقيدة الأمنية الأميركية”. فقد كان هنتنغتون محقا عندما أكد أن الأمم، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، تحتاج دائما إلى “عدو بديل” يعيد صياغة مبررات القوة ويوفر غطاء لإعادة التموضع الجيوسياسي[32]. هذا المنطق الذي دفع واشنطن إلى البحث عن خصوم جدد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، تجلى في إنتاج صور مثل “الدول المارقة” و”محور الشر” وإضافة كيانات ككوريا الشمالية وليبيا وسوريا، قبل أن ترتفع مكانة الصين تدريجيا كتهديد استراتيجي محتمل[33].

وفي هذا السياق، كان الشرق الأوسط–وتحديدا العراق–أحد أهم مسارح إعادة تشكيل العقيدة الأميركية، إذ شكلت عملية “ثعلب الصحراء” سنة 1998 نقطة انعطاف في إعادة توجيه واشنطن لتموضعها العسكري والسياسي في المنطقة.تلتها موجة من الخطابات الرسمية التي غذت سردية الخطر والخصومة، والتي ستبلغ ذروتها بعد أحداث 11 شتنبر الذي وجدت الولايات المتحدة نفسها بعدها أمام لحظة مفصلية أعادت من خلالها تعريف استراتيجيتها الكبرى في الشرق الأوسط، مستندة إلى مزيج من الثأر وإعادة الهندسة الجيوسياسية للبيئة الإقليمية[34].

فقد تبنت إدارة جورج دبليو بوش–مدفوعة برؤية المحافظين الجدد–مبدأ يقوم على ضرورة توسيع نطاق الرد ليشمل تفكيك البُنى الأيديولوجية والسياسية التي اعتُبرت حاضنة لنشوء “الراديكالية الإسلامية”، وليس فقط استهداف الفاعلين المتورطين مباشرة في الهجمات.

وهكذا انتقلت واشنطن نحو عقيدة الحروب الوقائية التي شرعت الباب أمام غزو أفغانستان في أقصى أطراف الشرق الأوسط، ثم التوجه نحو العراق بوصفه مركز الثقل الجيوسياسي للعالم العربي؛ وفي هذا الإطار، جاءت مبادرة كوندوليزا رايس حول “تشجيع الديمقراطية والحرية في الشرق الأوسط”، التي وُضعت ضمن تصور أوسع لما سمته–بتضخيم مقصود–”الشرق الأوسط الكبير”[35]، لتكون الغطاء الخطابي لمشروع إعادة تشكيل الفضاءين السياسي والأمني للمنطقة وفق رؤية أمريكية تتجاوز مجرد إدارة الأزمات إلى إعادة صياغة البنية الجيوسياسية لما بعد الحرب الباردة. وبهذه المقاربة، أعادت الولايات المتحدة إنتاج حضورها عبر مشروع هندسة إقليمية جديدة، حاولت من خلاله تثبيت قيادتها للنظام الدولي، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام توترات بنيوية ستقود لاحقا إلى اهتزاز هيمنتها التقليدية في الشرق الأوسط.

ج-الليبرالية التدخلية الأميركية بين خطاب الإصلاح ومسارات السيطرة :بهذا المعنى، يمكن النظر إلى المقاربة الأميركية لما بعد أحداث11 شتنبر باعتبارها إعادة إنتاج حديثة للنمط نفسه الذي اتبعته القوى الأوروبية في [36]لحظة «التنظيمات» العثمانية، حين اقترنت الدعوة إلى التحديث والمساواة بتوسع جيوسياسي مباشر في الولايات العربية والبلقانية[37].

فقد قدمت واشنطن خطابا قائما على الديمقراطية والإصلاح، لكنها في الواقع أعادت هندسة خرائط القوة من خلال الغزو العسكري والتدخل في العمق السياسي لدول المنطقة.

ويفسر هنتنغتون جانبا من العداء الشعبي تجاه الولايات المتحدة بارتباطه بالعقيدة الجيوسياسية الأميركية نفسها؛ فهي، من جهة، منحازة استراتيجيا لإسرائيل بما يجعل واشنطن تُرى كفاعل معاد لمصالح العالم الإسلامي، ومن جهة أخرى، تُجسد نموذجا ثقافيا يقوم على العلمانية والرؤية الليبرالية للقيم، ما يعمق الهوة الحضارية بينها وبين المجتمعات العربية الإسلامية[38].

وبهذا المعنى، فإن المرحلة الأميركية “الليبرالية–التدخلية” في الشرق الأوسط، شأنها شأن لحظة التنظيمات، جسدت توازيا بين خطاب الإصلاح ومسارات السيطرة الفعلية، مساهمة بذلك في ترسيخ موجات الرفض التي ستتفاعل لاحقا مع تراجع الهيمنة الأميركية وصعود قوى منافسة في النظام الدولي.

2-من التآكل النسقي للهيمنة إلى تشكّل مرحلة انتقالية مفتوحة:

أ-استثمار الانكفاء الأميركي: صعود الصين وعودة روسيا في ظل حروب الاستنزاف:بينما كانت الولايات المتحدة غارقة في حروب الاستنزاف الطويلة في أفغانستان والعراق، ومنشغلة بتفكيك شبكات الإرهاب وإعادة هندسة الشرق الأوسط وفق مقاربتها الأمنية–الوقائية[39].كانت كل من الصين وروسيا تستثمران لحظة الانكفاء الأميركي لإعادة هيكلة قدراتهما الاقتصادية والعسكرية والمؤسساتية في هدوء استراتيجي مدروس، ما سمح لهما بالعودة إلى مركز التفاعلات الكبرى في أقل من عقدين.

فالصين، التي لطالما حسبت في الوعي الجيوسياسي العالمي ضمن خانة «القوى العظمى الكامنة» حتى في فترات ضعفها، بدأت ترى نفسها منذ نهاية الحرب الباردة في وضع أمني أكثر استقرارا يمكنها من التحرر من منطق التحالفات الصلبة مع إحدى القوتين العظميين ضد الأخرى، والانطلاق نحو بناء نفوذ مستقل قائم على الاقتصاد المتسارع والتكنولوجيا والبنى التحتية العابرة للقارات[40].

إن هذا التحول البنيوي، الذي تزامن مع انهماك واشنطن في الميدانين الأفغاني والعراقي، منح بكين للمرة الأولى فرصة صياغة استراتيجية خارجية ذات طابع عالمي بعيدا عن الضغوط العسكرية التقليدية، الأمر الذي ترافق مع عودة روسية صاعدة تستثمر بدورها تراجع التركيز الأميركي لإعادة تموضعها كفاعل مركزي في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، ما رسخ تدريجيا بيئة دولية تتجاوز أحادية القوة الأميركية نحو مشهد تنافسي متعدد الأقطاب[41].

ب-المرحلة الانتقالية الراهنة: من الانسحاب النسبي إلى العودة القسرية بعد 7 أكتوبر:

ومع تراكم هذه التحولات، بدأ الشرق الأوسط يدخل تدريجياًمرحلة انتقالية تتراجع فيها الهيمنة الأميركية النسقية دون أن تستبدل بقوة أحادية بديلة. فقد أتاح الانشغال الأميركي بالمسرحين الأوكراني والصيني، ثم الانسحاب من أفغانستان عام 2021، مساحة أوسع لصعود قوى إقليمية متوسطة مثل تركيا والسعودية والإمارات، التي باتت تعتمد استراتيجيات موازنة وتحوط مرنة تستفيد من تنافس القوى الكبرى دون القطيعة مع المظلة الأمنية الأميركية.

ثم جاءت أحداث السابع من أكتوبر لتعيد رسم خرائط التوازنات في ظرف سريع وغير مسبوق. فقد أدت الحرب الإسرائيلية–الفلسطينية إلى عودة أميركية عسكرية وسياسية قوية، بلغت ذروتها في دعم واشنطن لإسرائيل في حربها المباشرة مع إيران وقصف المنشآت النووية الإيرانية[42].

وقد شكل ذلك التحول انقلاباً على مسار الانسحاب النسبي الذي ميز السياسة الأميركية في السنوات الأخيرة. وبالتوازي، شهد «محور المقاومة» تراجعا جوهريا، وظهرت مؤشرات على انكماش القدرة الإيرانية على المناورة الإقليمية، فيما انهار النظام السوري السابق ودخلت دمشق الجديدة في مسار تفاوضي مع إدارة ترامب.

ومع ذلك، احتفظت روسيا بقاعدتها الاستراتيجية في الساحل السوري، ما مكنها من الحفاظ على موقع جيوسياسي متقدم رغم تغير بنية السلطة في دمشق. أما تركيا فقد استعادت موقعها المركزي عبر الساحة السورية، في حين مثل القصف الإسرائيلي للدوحة نقطة تحول أفضت إلى اتفاق أميركي–قطري يمنح الدوحة وضع «حليف خارج الناتو»[43]، في خطوة تعكس إعادة ترتيب واسعة لشبكات الأمن الإقليمي. وبلغت هذه الهندسة ذروتها بإصرار إدارة ترامب على اتفاق شرم الشيخ الخاص بغزة بحضور دولي واسع، ما يعكس رغبة واشنطن في تكريس إطار إقليمي جديد لإدارة الأمن والحدود والتسويات السياسية.

الخاتمة:

تكشف التحولات الجارية في الشرق الأوسط أن المنطقة تقف عند عتبة مرحلة انتقالية معقدة لا يمكن اختزالها في سردية “تراجع الهيمنة الأميركية” ولا في فرضية صعود بديل أحادي جديد. فالتحليل المقارن لمسارات القوة خلال العقدين الأخيرين يبرز أن ما نشهده ليس تفككا لبنية النفوذ الأميركي، بل إعادة تشكيل تدريجية لموقعه ضمن منظومة دولية تتجه نحو تعددية قطبية غير مستقرة.

ومع أن واشنطن لم تعد تمتلك القدرة المطلقة على ضبط قواعد النظام الإقليمي كما فعلت خلال “اللحظة الأحادية”، فإنها لا تزال الفاعل الأكثر تأثيرا وقدرة على ترجيح كفة التوازنات، خصوصا في الملفات ذات الحساسية الاستراتيجية العالية.

في المقابل، يبين صعود الصين وعودة روسيا وتنامي أدوار القوى الإقليمية –من تركيا والسعودية إلى إيران– أن الهيكل الأمني للمنطقة بات أكثر تشظيا وتشابكا، وأنه يقوم اليوم على شبكات متداخلة من الموازنة والاصطفاف المرن بدل التحالفات الصلبة.

هذه البيئة الجديدة، التي يغلب عليها طابع “السيولة الاستراتيجية”، تجعل الشرق الأوسط فضاء لإعادة توزيع القوة أكثر منه مجالا لهيمنة بديلة، حيث تتقاطع أدوات القوة الصلبة والناعمة والرقمية ضمن صراع متعدد المستويات.وبناء على ذلك، يمكن القول إن المنطقة تدخل طورا جيواستراتيجيا انتقاليا يتميز بعدم اليقين وصعوبة التنبؤ، بحيث تتراجع فيه القدرة الأميركية على فرض نمط أحادي للحكم الدولي، دون أن يبرز في المقابل مشروع بديل قادر على ملء الفراغ.

فما يتشكل اليوم هو نظام هجين متعدد المراكز، يعكس التحول الأكبر في بنية النظام العالمي ما بعد الأحادية، ويجعل الشرق الأوسط ليس مجرد ساحة للصراع بين القوى الكبرى، بل مختبرا مفتوحا لفهم ديناميات التحول الدولي في لحظة مفصلية من التاريخ المعاصر.


[1] – تشارلز كروثامر، “بعد أن بلغتْ أوْج مجدها: أمريكا تواجه ضغو طاً!!“، معهد بحوث السياسة الخارجية، ترجمة: مركز الكاشف للمتابعة والدراسات الإستراتيجية، آذار 2007.

[2] -مايكل أي براون وآخرون، “صعود الصين”، ترجمة مصطفى قاس، مراجعة السيد ياسين، المركز القومي للترجمة، ط:1، القاهرة، 2020، ص:15.

[3] صمويل ب. هنتغتون، “من نحن؟ المناظرة الكبرى حول أمريكا”، ترجمة احمد مختار الجمال، مراجعة وتقديم:السيد أمين شلبي، المركز القومي للترجمة، ط:1، القاهرة، 2009، ص:473.

[4]“ستيفن والت… من رأى نهاية أميركا بمنظار الواقع”، اندبندنت عربية، 9 يوليو 2025، https://tinyurl.com/5n8fswhe (تم الاطلاع عليه في 06/11/25).

[5]“الأسباب وراء إعادة التموضع الإستراتيجي الأمريكي في الشرق الأوسط”، شبكة يافا الإخبارية، 2025-10-04، https://yaffaps.com/ar/page-49774.html (تم الاطلاع عليه في 02/11/25)

[6] -تشارلز كروثامر، “بعد أن بلغتْ أوْج مجدها:أمريكا تواجه ضغو طاً“، مرجع سابق.

[7] -أنس القصاص، استراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2022.. آفاق الاستجابة لانعطافات النظام الدولي في “عقد حاسم“، مركز ستراتيجيكس، 13/12/2022، https://tinyurl.com/35fhn6d5 (تم الاطلاع عليه في 30/10/25)

[8] -محمد برهومة، جدّية الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط وجولة الصراع في القدس وغزة، مركز كارنيجي، 2 يونيو 2021، الرابط: https://tinyurl.com/yv9twee2 (تم الاطلاع عليه في 05/11/25)

[9] -جورج قرم، “تاريخالشرق الأوسط من الأزمنة القديمة إلى اليوم”، ترجمة انطوان باسيل، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ط:1، بيروت، 2010، ص:174

[10] -مايكل أي براون وآخرون، ، مرجع سابق، ص:26.

[11] -نعوم تشومسكي، “الهيمنة أم البقاء السعي الأمريكي إلى السيطرة على العالم”، ترجمه سامي الكعكي، دار الكتاب العربي، بيروت، 2004، ص:176.

[12] -مايكل أي براون وآخرون، مرجع سابق، ص:16.

[13] Joseph Stieb, WhyDid the United States Invade Iraq? The Debate at 20 Years, Vol 6, Iss 3 Summer 2023, 11-28, https://tinyurl.com/338z79hf )date de visite : 10/11/25(

[14] -مقال بفورين بوليسي: أميركا خائفة للغاية من عالم متعدد الأقطاب، الجزيرة نت، 8/3/2023،  https://tinyurl.com/mcdzwekh (تم الاطلاع عليه في 25/10/25)

[15] -نعوم تشومسكي، مرجع سابق، ص: 176.

[16] -أ. لوسيانا باسم، “استراتيجية واشنطن الجديدة لردع بكين في المحيط الهادئ: إحياء القواعد العسكرية الأمريكية للحرب العالمية الثانية”، 03/04/2025، https://truestudies.org/1424/ (تم الاطلاع عليه في 01/11/25).

[17] -سامي العريان، “أفول الهيمنة الأميركية.. صعود الصين والمأزق في الشرق العربي والإسلامي”، الجزيرة نت، 19/7/2025، https://tinyurl.com/yydbvc2r (تم الاطلاع عليه في 01/11/25).

[18] -نعوم تشومسكي، الهيمنة أم البقاء السعي الأمريكي إلى السيطرة على العالم”،مرجع سابق،  ص: 180.

[19] -نعوم تشومسكي، “من يمتلك العالم”، ترجمة وإعداد: اسعد الحسين، دار نينوى للدراسات والنشر، دمشق، 2014، ص: 12.

[20]-المرجع نفسه، ص:12

[21] -المفكر السياسي الأمريكي ستيفن والت لـ «الأهرام»: «النوايا الحسنة» لا تصنع سياسة خارجية جديدة، جريدة الأهرام، 31-10-2020 https://gate.ahram.org.eg/News/2521990.aspx ، (تم الاطلاع عليه في 05/11/25).

[22] -China and Russia in the Gulf: A Cacophony of Influence and Interest, October 17, 2024, https://tinyurl.com/5n96rwxm) date de visite : 10/11/25(

[23]– إبراهيم درويش، واشنطن بوست: كيسنجر يرى الوساطة الصينية في الشرق الأوسط بداية لعبة جديدة بمخاطر مختلفة”، 17 مارس 2023، https://tinyurl.com/m9y9djmc (تم الاطلاع عليه في 05/11/25).

Zouhour[24] Mechergui، روسيا وملف الشرق الأوسط بين طموح بوتين واستراتيجية دوغين، المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية الأمنية و العسكرية، فبراير 28, 2024، https://tinyurl.com/3dcm53np (تم الاطلاع عليه في 01/11/25).

[25]Anshu Siripurapu and Andrew Chatzky,OPEC in a Changing World,  March 9, 2022, https://tinyurl.com/mrxjb5ta  )date de visite : 10/11/25 (

[26] -د. خالد وليد محمود، القوة والنفوذ في آسيا: من سيفرض هيمنته؟”، الجزيرة نت، 2/7/2024، https://tinyurl.com/54uae84x (تم الاطلاع عليه في 01/11/25).

[27] -شربل بركات، من ألاسكا إلى تيانجين… بكين تعيد هندسة “مثلث كيسنجر” ضد واشنطن، 1 سبتمبر 2025، https://tinyurl.com/y6nec4a9 (تم الاطلاع عليه في 07/11/25)

[28] -جون آيكينبري، نهاية النظام الدولي الليبرالي، مجلة العلاقات الدولية، أغسطس 11, 2023،   https://tinyurl.com/48yazr3h  (تم الاطلاع عليه في 02/11/25)

[29] إبراهيم درويش، واشنطن بوست: كيسنجر يرى الوساطة الصينية في الشرق الأوسط بداية لعبة جديدة بمخاطر مختلفة“، مصدر سابق.

[30] -جورج قرم، “تاريخ الشرق الأوسط من الأزمنة القديمة إلى اليوم”، مرجع سابق،ص:173.

[31] -Jon B. Alterman, A U.S. Pivot Awayfrom the Middle East: Fact or Fiction? May 23, 2023, Center for Strategic and International Studies, https://tinyurl.com/5ybbjn4m  )date de visite : 10/11/25(

[32] -صمويل ب. هنتغتون، “من نحن؟ المناظرة الكبرى حول أمريكا”،مرجع سابق، ص: 15.

[33]Rush Doshi, The long game, China’s grand strategy to displace American order, August 2 2021, https://tinyurl.com/azpj9smv )date de visite : 12/11/25(

[34] تشارلز كروثامر، بعد أن بلغتْ أوْج مجدها: أمريكا تواجه ضغو طاً، مرجع سابق.

[35] جورج قرم، “تاريخ الشرق الأوسط من الأزمنة القديمة إلى اليوم”،  مرجع سابق،ص: 175.

[36]

[37] المرجع نفسه،  ص: 177.

[38] -صمويل ب. هنتغتون، “من نحن؟ المناظرة الكبرى حول أمريكا”، مرجع سابق ، ص: 17.

[39] – Joseph Stieb, WhyDid the United States Invade Iraq? The Debate at 20 Years, Vol 6, Iss 3 Summer 2023, 11-28, https://tinyurl.com/338z79hf )date de visite : 10/11/25(

[40]مايكل أي براون وآخرون، “صعود الصين”، مرجع سابق، ص:28.

[41] محمد برهومة، جدّية الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط وجولة الصراع في القدس وغزة، مصدر سابق.

[42]– Aftertwo years, Israel’s Gaza war has reshaped the Middle East, October 8, 2025, www.washingtonpost.com, https://tinyurl.com/2f83nnzy (date de visite : 12/11/25).

[43]Barak Ravid, Trump gives Qatar unprecedented security guarantee after Israeli attack, Oct 1, 2025, https://www.axios.com, https://tinyurl.com/4cd75c7p (date de visite : 15/11/25).

Admin

مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية: مؤسسة فكر وتخطيط استراتيجي تقوم على إعداد التقديرات وتقديم الاستشارات وإدارة المشروعات البحثية حول المتوسط وتفاعلاته الإقليمية والدولية. لا يتبنى المركز أية توجهات مؤسسية حول كل القضايا محل الاهتمام، والآراء المنشورة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى