إقتصاد الإبادة: آليات دعم الشركات العابرة للجنسية لحكومة الكيان في حرب غزة

أ.د. عماد صلاح الشيخ دواد
جامعة النهرين / كلية العلوم السياسية
م.د. ظاهر عبدالله علوان
جامعة تكريت/ كلية العلوم السياسية
الملخص:
تبحث هذه الورقة البحثية في طبيعة الدعم الذي تقدمه الشركات العابرة للوطنية لحكومة نتنياهو، ودورها في ديناميكيات الصراع خلال الحرب الالأخيرة على غزة منذ أكتوبر 2023 ، لتضع في دائرة الضوء اأشكال الدعم المختلفة من خلال مبيعات الأسلحة، أو تمكين التكنولوجيا، والخدمات المالية، والدعم اللوجستي، التي كانت برمتها أداة أساسية في تمكين الحملة العسكرية واستمرارها. يزاد على ذلك تحليل الكيفية التي يشكل هذا الضلوع عبرها شكلاً من أشكال الدعم الاقتصادي للإبادة الجماعية، وكذلك نمط العلاقة بين الشركات موضوعة البحث (التي تضطلع بالعديد من الأدوار) وبين المشروع العسكري لحكومة نتنياهو وهو ما يفتح المجال أمام مقاربات جديدة في فهم العلاقة بين العنف والرأسمالية العابرة للحدود.
الكلمات المفتاحية: الشركات العابرة للوطنية، إقتصاد الإبادة، حكومة نتنياهو، الحرب، غزة.
المقدمة:
تمثل حرب غزة (2023–2025) لحظة فارقة في تاريخ الاقتصاد السياسي للحروب المعاصرة، إذ أظهرت ترابطا وثيقا بين الحروب وبين الاقتصاد العالمي برز خلالها نمطا جديدا يمكن تسميته “اقتصاد الإبادة”، حيث تتحول الحرب إلى منظومة استثمارية تديرها شركات عابرة للوطنية تتحرك ضمن منظومة نفعية تستفيد من التدمير واستمرار الصراع، وتُعيد إنتاج السيطرة عبر العديد من القنوات والأدوات (العسكرية، التكنولوجية، الاستثمارية، الإعلامية).
من هذا المنطلق، تهدف هذه الدراسة إلى فهم كيفية مساهمة الشركات في دعم اقتصاد حكومة نتنياهو خلال الحرب على غزة وتحليل الأبعاد الخاصة بهذا التواطئ والخروج ببعض التوصيات البسيطة كمساهمة متواضعة إلى من يعنيهم الأمر.
إشكالية الدراسة:
تسعى هذه الورقة إلى استكشاف الدور الذي تؤديه الشركات العابرة للوطنية في دعم حكومة نتنياهو اقتصاديا خلال هذه الحرب، من خلال تحليل طبيعة هذا الدعم وحدوده وانعكاساته. وتتمحور الإشكالية حول فهم آليات انخراط هذه الشركات في هذا السياق، سواء عبر علاقاتها بالدولة والجيش في دولة الاحتلال.
وبذلك، تطرح الدراسة إشكالية مركزية مفادها: إلى أي مدى تسهم الشركات العابرة للوطنية في تعزيز القدرات الاقتصادية لحكومة نتنياهو خلال الحرب، وما طبيعة الأدوار والآليات التي تعتمدها لتحقيق ذلك؟.
وتتفرع عن هذه الإشكالية أهم التساؤلات الفرعية الآتية: ماهي الشركات العابرة للوطنية والقطاعات الصناعية الأكثر دعما لحكومة نتنياهو، وما طبيعة علاقاتها بالدولة والجيش في دولة الاحتلال؟ ما هي القنوات التشغيلية الدقيقة لهذا الدعم؟ القنوات (العسكرية، المالية، التكنولوجيا، الإعلامية).
فرضية الدراسة:
انطلقت الورقة من فرضية أساسية مفادها أن” منظومة الربح، والتجريب، والتسليع للشركات العابرة للوطنية (المنظومة النفعية) المستفيدة من استمرار النزاع أسهمت في ادارة الحرب بمنطق اقتصادي (اقتصاد الإبادة) وإطالة أمدها عبر الدعم التقني، والمالي، واللوجستي، جنبا إلى جنب مع المنطق الأمني لحكومة نتنياهو”.
منهجية الدراسة:
تقتضي طبيعة الموضوع اعتماد المنهج الوصفي، من خلال دراسة الحالة، بهدف تحليل وتحديد طبيعة أدوار الشركات العابرة للوطنية (الاقتصادية، العسكرية، التكنولوجية، والإعلامية) في إدارة الحرب واستمرارها.
وللإحاطة بمختلف أبعاد الموضوع وتمفصلاته، تم الاستعانة كذلك بالمنهج الإحصائي، وذلك من خلال جمع وتحليل البيانات الكمية المتعلقة بتحويلات الأسلحة وحجم الاستثمارات المرتبطة بهذا السياق.
هيكلية الدراسة:
للإجابة عن إشكالية هذه الدراسة واختبار صحة فرضيتها، تم تقسيمها إلى محورين أساسيين:
يتناول المحور الأول الإطار المفاهيمي، من خلال توضيح مفاهيم اقتصاد الإبادة والشركات العابرة للوطنية، تحليل أدوارها في سياق الإبادة الجماعية.
أما المحور الثاني، فيركز على تحليل آليات وهندسة دعم الشركات العابرة للوطنية لحكومة نتنياهو خلال حرب غزة، من خلال استكشاف القنوات والأدوات التي يتم عبرها هذا الدعم.
المحور الأول الإطار المفاهيمي: اقتصاد الإبادة والشركات العابرة للوطنية
أولا: الإبادة الجماعية:
عرفت اتفاقية منع الإبادة الجماعية عام 1948 في المادة الثانية منها الإبادة الجماعية بأنها : “أفعال ترتكب بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو عنصرية أو عرقية او دينية”([1])، وتشمل: القتل والإيذاء الجسدي والعقلي ، فرض ظروف معيشية قاتلة، ومنع الولادات، وهذا كله ظهر جليا في حرب غزة.

تجدر الإشارة إلى أن تعريف الإبادة الجماعية الذي اعتمدته الاتفاقية كانت بداية صياغته من قبل (المحامي اليهودي) رافائيل ليمكين ؛ عندما دعى إلى جعله جريمة دولية، إلا أن الاتفاقية لا تغطي في معظمها ما يسمى بالابادة الثقافية، التي تعني التدمير التدريجي المدروس لمجموعة من خلال هجمات ضد هياكلها الاجتماعية أو الثقافية أو الاقتصادية و لا تنطوي على ضرر جسدي فوري ولكنها تنتهي بتقويض شروط إعادة إنتاجها كجماعة على المدى الطويل[2].
كما أن مفهوم الإبادة الجماعية (في بعده الاقتصادي السياسي) في البيئات الاستعمارية الاستيطانية ينظر عبره إلى السكان الأصليين وكأنهم “سكان فائضين” يشكلون تحديات مستمرة أمام المجتمعات الاستيطانية وسعيها لتوسعة مكانها ، وتطوير الصناعات الاستخراجية المختلفة، سواء كانت التعدين أو الزراعة الصناعية، لذا تنشأ ظروف الإبادة الجماعية، حيث يُنظر إلى “الفائضين من السكان” على أنهم “بلا فائدة” اقتصاديا وكعوائق أمام التوسع من قبل المؤسسات السياسية المهيمنة وهذا يولد حوافز إبادة جماعية [3].
يمكن لهذا الفهم السياسي والاقتصادي للإبادة الجماعية أن يساعد أيضًا في تفسير ما يحدث في غزة، فمنذ الانتفاضة الأولى، بذلت إسرائيل جهودًا متضافرة لاستبدال العمالة الفلسطينية بعمالة مهاجرة في قطاعات مثل البناء والزراعة، وإن هذه الاستراتيجية خلقت أيضًا ظروفًا سياسية واقتصادية مواتية للإبادة الجماعية[4].
أما اقتصاد الإبادة الذي نتناوله في هذه الدراسة، فيشير إلى البنية الاقتصادية التي تسخر أدوات السوق والربح لدعم عمليات الإبادة الجماعية عبر التمويل المباشر أو غير المباشر أو من خلال التواطئ في إنتاج أدوات القتل والدمار ، هذا المفهوم تطور من تحليل الاقتصاد الاستعماري إلى توصيف أكثر تعقيداً للعلاقات بالشركات العابرة للوطنية، إذ لا يقتصر على تقديم مساعدات مالية تقليدية بل هو اندماج رأس المال الخاص في هندسة التدمير المنهجي. وتتجلى أبرز آليات هذا الاقتصاد في ممارسات متعددة، من بينها: التدمير الممنهج للبنية التحتية، والاستيلاء على الموارد، وتوظيف سياسات الحصار، فضلا عن استخدام سلاح التجويع كأداة ضغط وإخضاع[5].
ثانيا: الشركات العابرة للوطنية وأدوارها في الإبادة الجماعية:
هنا لا بد من إعطاء تعريف للشركات العابرة للوطنية قبل التحدث عن أدوارها في الإبادة الجماعية فالشركات العابرة للوطنية هي مؤسسة اقتصادية تعمل في مجموعة من الدول وتخضع لمركز قرار واحد يستقر على دولة واحدة، فهي “مؤسسة أو مجموعة ذات حجم كبير، نشأت في دولة معينة وأقامت عدة ملاحق لها في دول عديدة أخرى، مع استراتيجية وتنظيم ذو بعد عالمي”، وتتلخص أهدافها بالربح والسيطرة على مناطق المواد الخام والسعي لايجاد أسواق خارجية لمنتجاتها[6].
وتبرز أدوار هذه الشركات العابرة للوطنية في اقتصاد الإبادة من خلال مساهمتها المباشرة وغير المباشرة في الإبادة بالاستثمار في أدوات التدمير عبر بيع الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية وفي استغلال النزاع للاختبار (كاستخدام غزة كمنصة لإثبات فعالية الأسلحة الجديدة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي) .
التواطؤ المباشر للشركات في الإبادة الجماعية غالباً ما يتخذ شكل “التسهيل”، أي توفير التمويل، المواد، البنية التحتية، الموارد البشرية، القدرات، والمعلومات الاستخباراتية لمرتكب الإبادة، مما يؤدي إلى تمكينها أو مفاقمتها.
وعندما تعمل الشركات كمسهلين، فهي عملياً توفر الوسائل التي تُخاض بها الحروب.
ويظهر الشكل الآتي أشكال التواطؤ المذكور [7] :
وكذلك في الاستثمار في عمليات إعادة الإعمار والاستعداد لتقاسم عقودها الضخمة في المناطق ، التي دمرتها آليتها ذاتها (بمعنى أن الشركات التي تواطت في التدمير ؛جاءت لتأخذ عقودا لإعادة الإعمار)، وذلك كما فعل( دك تشيني) عبر شركة هاليبرتون في الثروات العراقية[8].
ووفقا لما ذُكر سابقا فإن “المصلحة الذاتية للشركات هي المحرك الرئيسي” للأعمال التجارية في جميع الحالات، بما في ذلك الإبادة الجماعية، وأن “الحرب، بشكل عام، هي عمل مدر للمال، لذا فإن دوافع الشركات للتورط المباشر في
الإبادة الجماعية يجب البحث عنها في مجال ضمان الربح ومنع الخسائر والحفاظ على ميزة تنافسية وحماية الإستثمارات وأمن الموارد.

المحور الثاني : هندسة دعم الشركات العابرة للوطنية لحكومة نتنياهو
يعد هذا المحور جوهر التقرير الذي أعدته السيدة فرانشيسكا ألبانيزي، الصادر عن مجلس حقوق الإنسان، والمتعلق بدور الشركات متعددة الجنسيات أو العابرة للحدود في حرب غزة.
لا يعد موضوع دور الشركات العابرة للوطنية في الاستفادة من الأزمات والحروب موضوعا جديدا؛ إذ سبق تناول هذه الأدوار السلبية في العديد من الدراسات. ومن بين هذه الأعمال، كتاب صدر عام 2020 عن الدار العربية للعلوم – ناشرون (بيروت)، بعنوان: “دور الشركات متعددة الجنسيات في التحول السياسي العربي[9]“، حيث سلط الضوء على التأثيرات الخطيرة لهذه الشركات، سواء في سياق الحرب على العراق واحتلاله عام 2003، أو من خلال أدوارها التي وُصفت بالخفية أو المؤثرة في أعقاب حالة الارتباك التي أعقبت ثورات الربيع العربي، لا سيما في الحالة الليبية. كما أبرزت الدراسة الكيفية التي أسهمت بها هذه الشركات في إضعاف الاقتصادات العربية والتأثير سلبًا في مساراتها التنموية.
يضاف إلى ذلك إلى أن الأدبيات تشير إلى أن هذه الشركات لعبت أدواراً سلبية في عدة سياقات تاريخية، منها:
- الحروب والاحتلالات العسكرية: حيث ساهمت بعض الشركات في توفير الدعم اللوجستي والاقتصادي الذي عزز من استمرار النزاعات.
- التحولات السياسية والاقتصادية: إذ تدخلت في اقتصادات الدول خلال فترات الاضطراب السياسي، مما أدى إلى إضعاف البنى الاقتصادية المحلية.
- التاريخ السياسي الدولي: حيث ارتبطت بعض الشركات بأحداث قلب أنظمة الحكم أو إضعاف الحكومات الوطنية في مناطق مختلفة من العالم.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الحرب في غزة باعتبارها امتداداً لدور هذه الشركات في استغلال الشعوب والهيمنة على مواردها، سواء عبر المشاركة المباشرة في النزاع أو عبر الاستفادة من عقود إعادة الإعمار لاحقاً.
إن فهم طبيعة أدوار الشركات العابرة للوطنية في دعمها لحكومة نتنياهو يكون من خلال فهم طبيعة علاقة دولة الاحتلال مع الولايات المتحدة إذ تم التمهيد لهذه الأدوار في اقتصاد الإبادة منذ ثمانينات القرن الماضي : حين تم دمج رأس المال( الإسرائيلي) مع نظيره الأمريكي، مما زاد من غموض التمييز بينهما، واتخذت هذه العملية أشكالًا متعددة[10]:
1- مُنحت ( إسرائيل ) وصولًا تفضيليًا إلى السوق الأمريكية من خلال اتفاقية تجارة حرة تدريجية.
2- شجعت كل من الولايات المتحدة (وإسرائيل ) المشاريع المشتركة، كان هذا إلى جانب أوسلو الأساس الاقتصادي لـ”عوائد السلام”، وكانت نتيجة هذه العمليات المتشابكة أنه بحلول مطلع الألفية، كان هناك بالفعل 110 شركات(إسرائيلية) مسجلة في نيويورك، بقيمة سوقية تعادل ضعف قيمة الشركات الـ 665 المسجلة في تل أبيب[11].
3- سمحت الولايات المتحدة (لإسرائيل) بخصخصة التكنولوجيا العسكرية الأمريكية وهي الدولة الوحيدة في العالم التي نالت هذا الحق اذ برزت مجموعة من رواد الأعمال الإسرائيليين الذين وضعوا حجر الأساس لما يُسمى دولة الشركات الناشئة في (إسرائيل) ، فمثلا نقلت شركة ماغنوم ريسيرش الأمريكية إنتاجها العسكري إلى ( إسرائيل)، كما أضافت برامج البحث الجامعي المشتركة طابعًا من الشرعية العلمية على تقنيات القمع حتى اصبحت شركة إلبيت سيستمز (شركة الصناعات العسكرية الإسرائيلية) أكبر شركة أسلحة في دولة الاحتلال ، والثامنة والعشرين من حيث حجم شركات الأسلحة في العالم بحلول عام 2019[12].
يُشار إلى أن التقرير المشار إليه آنفا، والصادر عن مجلس حقوق الإنسان في دورته التاسعة والخمسين المنعقدة خلال الفترة الممتدة من 16 يونيو إلى 11 يوليو 2025، والمتعلق بحالة حقوق الإنسان في فلسطين والأراضي المحتلة، يُبرز تحول اقتصاد الاحتلال إلى ما يمكن توصيفه بـ”اقتصاد إبادة”، تدعمه شبكة معقدة من الشركات والمستثمرين، الذين استفادوا بشكل ملحوظ من سياسات التهجير والإحلال.
وقد استند التقرير إلى قاعدة بيانات موسعة تضم نحو ألف كيان تجاري، جمعت معلوماتها من أكثر من 200 مساهمة واستطلاع، كاشفا عن شبكة المصالح التي تربط بين الحكومة الإسرائيلية من جهة، ومجموعة واسعة من الشركات المحلية والدولية من جهة أخرى، سواء عبر الدعم المباشر أو من خلال سلاسل الإمداد.
كما يبرز التقرير مسؤولية عدد من الشركات والمؤسسات العاملة في قطاعات رئيسية، من بينها: الصناعات العسكرية، والتكنولوجيا، والبناء والتشييد، والصناعات الاستخراجية والخدمية، إضافة إلى البنوك، وصناديق التقاعد، وشركات التأمين، والجامعات، والجمعيات الخيرية. وتسهم هذه الكيانات، بحسب التقرير، في تمكين انتهاكات هيكلية وجرائم جسيمة، مثل الفصل العنصري والإبادة الجماعية، فضلًا عن جرائم أخرى مرتبطة بها، كالتّمييز، والتهجير القسري، واستخدام التجويع كأداة[13].
ولتسليط الضوء على آليات التواطؤ والدعم الاقتصادي، تُبرز عدة قطاعات نماذج مختلفة لهذا الانخراط؛ ففي قطاع السياحة تبرز شركة Airbnb، وفي القطاع العقاري شركة Keller Williams، وفي مجال التجارة الإلكترونية شركة Amazon، حيث تثار إشكالات تتعلق بضعف الشفافية في سلاسل التوريد، بما في ذلك إخفاء منشأ بعض السلع بما يسهم في تسويق منتجات مرتبطة بالمستوطنات.
أما في قطاع الطاقة والموارد، فتُذكر شركة Chevron ضمن الفاعلين الذين ارتبطت أنشطتهم بتزويد الاحتلال بمصادر الطاقة (النفط والغاز)، في سياق العمليات المرتبطة بالحصار. وفي المجال المالي، استثمرت كل من BlackRock و Vanguard مليارات الدولارات في سندات الخزانة الإسرائيلية وشركات وشركات الأسلحة[14]. وفي قطاع التكنولوجيا والمراقبة، شاركت شركات مثل Microsoft وGoogle وAmazon في توفير بنى تحتية رقمية وخدمات سحابية وأنظمة قائمة على الذكاء الاصطناعي، تُستخدم في تحليل البيانات ودعم العمليات الأمنية. كما استخدمت سلطات الاحتلال معدات وآليات ثقيلة من إنتاج شركات مثل: Caterpillar و Volvoو Hyundaiفي عمليات هدم المنازل والبنى التحتية في غزة والضفة الغربية [15].
وفي قطاع الصناعات العسكرية، زودت شركات مثل Elbit Systems وLockheed Martin الاحتلال الإسرائيلي بأسلحة وصفت بأنها “مُختبرة ميدانيا” في غزة، بما في ذلك طائرات F-35 وأنواع مختلفة من الذخائر. وقد تم ذلك بدعم وتمويل من الإدارة الأمريكية، حيث قدمت ما لا يقل عن 21.7 مليار دولار كمساعدات عسكرية لإسرائيل منذ اندلاع الحرب في 7 أكتوبر 2023 بحسب تقرير مشروع تكاليف الحرب في ( Brown University ) وكذلك لدى ( Quincy Institute for Responsible Statecraft)
وقد جرى توزيع مبلغ 21.7 مليار دولار على عدة بنود رئيسية، تمثلت في: 8.1 مليار دولار في إطار التمويل العسكري ، الأجنبي، و725 مليون دولار للمشتريات الخارجية، و5 مليارات دولار لأنظمة الدفاع الصاروخي، و4.4 مليار دولار لتجديد المخزونات الأمريكية المستخدمة من قبل إسرائيل، إضافة إلى 801 مليون دولار لشراء الذخائر، و198 مليون دولار لتعزيز قدرات إنتاج الأسلحة داخل الولايات المتحدة[16].
كما تُشارك جامعات رائدة ومرموقة عالمياً مع مؤسسات ( إسرائيلية ) في إلحاق الضرر المباشر بالفلسطينيين ففي معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، تُجري المختبرات أبحاثًا في مجال الأسلحة والمراقبة بتمويل من وزارة الدفاع( الإسرائيلية)، وهي الجهة العسكرية الأجنبية الوحيدة التي تُمول أبحاث معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، إذ استثمرت ما يصل إلى 3.7 مليون دولار في المعهد كوسيلة لتمويل أبحاث مبادرات دفاعية مختلفة[17]، كما تتعاون الجامعة التقنية في ميونيخ مع شركة (IBM Israel) التي تدير سجل السكان التمييزي – في أنظمة السحابة والذكاء الاصطناعي، بعشرات ملايين الدولارات[18].
أما في قطاع الاستثمار الطاقوي والموارد الطبيعية، وبهدف دعم المجهود الحربي للكيان الصهيوني أسهمت العديد من الشركات ومنها شركة شيفرون في تشغيل حقل الغاز البحري الحقيقة الذي هو مثار تنازع بين دولة الاحتلال وبين الدول العربية [19].

كما تبين وفق دراسة لمشروع تكاليف الحرب في جامعة براون الأميركية، أنه بين فترة ( 2020 -2024)، تلقت خمس شركات كبرى عقود بقيمة 2.4 تريليون دولار من البنتاغون، وهو ما يمثل ما يقرب من 54% من إجمالي الإنفاق التقديري للوزارة البالغ 4.4 تريليونات دولار خلال تلك الفترة، إذ حصلت هذه الشركات الخمس مجتمعة – وهي لوكهيد مارتن، وبوينغ، وRTX المعروفة سابقا باسم (Raytheon)، وجنرال ديناميكس، وشركة نورثروب غرومان- على مبلغ 356 مليار دولار المخصص لميزانية الدبلوماسية والتنمية والمساعدات الإنسانية الأميركية (باستثناء المساعدات العسكرية) خلال نفس الفترة، ويُضاف إلى الشركات الخمس الكبرى عدد من شركات التكنولوجيا العسكرية الناشئة مثل Palantir، وSpaceX، وAnduril. تزعم هذه الشركات أنها تقدم “نسخة جديدة وأكثر فاعلية وأقل تكلفة وأكثر مرونة من المجمع الصناعي العسكري”[20].
وإذا ما سلطنا الضوء على أداور هذه الشركات في إبادة المدينة وفي إبادة شعب غزة، سنجد أن كل الدراسات تتفق ومن ضمنها تقرير فرانشيسكا حول أربع نقاط رئيسية:
- التهجير: أسهمت الأسلحة والتقنيات العسكرية في دفع الفلسطينيين نحو التهجير القسري، من خلال انخراط القطاع العسكري في منظومات القتال والمراقبة والاعتقال وتحديد الأهداف والأماكن. ويكشف ذلك عن جانب مهم من دور الشركات، بما في ذلك الشركات الناشئة، في توظيف التقنيات ذات الطابع المدني في خدمة سياسات التدمير والاستيطان.
- الإحتلال: حيث ساهمت الشركات في تدمير حياة الشعب الفلسطيني بتدشين وإنشاء ما يحل محل الأراضي والمدن الفلسطينية عبر بناء المستعمرات والبنى التحتية واستخراج المواد والطاقة والمنتجات الزراعية والاتجار بها بالإضافة إلى جعل المستعمرات وجهات سياحية على حساب حق الإنسان في السكن وفي الحياة الكريمة.
- الممكنات الدولية: يتبين أن هناك ممكنات دولية تسهم في ترسيخ ما يعرف بـ”اقتصاد الإبادة” الذي مارسته حكومة نتنياهو، ولا تقتصر هذه الممكنات على الشركات العابرة للوطنية فحسب، بل تمتد لتشمل مراكز أبحاث، ومؤسسات قانونية واستشارية، إلى جانب مؤسسات إعلامية وإعلانية، بما يسهم في دعم واستدامة بنية الاحتلال.
- الجامعات: تتعلق بدور الجامعات حيث هناك العديد من الجامعات في الغرب ساهمت في شرعنة الانتهاكات الصهيونية إزاء الشعب الفلسطيني، وقد ساهمت الكثير من كليات الحقوق وأاقسام الآثار ودراسات الشرق الأوسط في الدعم الإيديولوجي لنظام الفصل العنصري الصهيوني وتنمية الروايات المتوافقة مع ادعاءات دولة الاحتلال ومحو التاريخ الفلسطيني.
الخاتمة:
إنطلاقا مما تقدم يتضح جليا بأن، منظومة الربح، والتجريب، والتسليع للشركات العابرة للوطنية (المنظومة النفعية) المستفيدة من استمرار النزاع فقد أسهمت في إدارة الحرب بمنطق إقتصادي (إقتصاد الابادة) وإطالة أمده عبر الدعم التقني، والمالي، واللوجستي، جنبا إلىى جنب مع المنطق الأمني لحكومة نتنياهو”، كما تبلور على نحو واضح أن مصطلح “إقتصاد الإبادة” ليس مجرد مفهوم نظري مجرد، بل هو واقع تطبيقي يتجلى بأبشع صوره في الحرب على غزة، ولقد ساهمت هذه الشركات في “خصخصة الإبادة”، حيث وفرت الأدوات اللازمة لتدمير البنى كافة وتحويل السكان إلى “فائض بشري” يمكن التخلص منه بسهولة، وقد توصل البحث إلى مجموعة من الاستنتاجات منها:
- عسكرة التكنولوجيا والبيانات،” إذ لم تعد شركات التكنولوجيا العملاقة مجرد مزودين لخدمات مدنية، بل تحولت عبر مشروع “نيمبوس” وتقنيات الذكاء الاصطناعي إلى جزء لا يتجزأ من “سياسات الموت” وشريكا مباشراً في صناعة الإبادة الجماعية.
- اتخاذ غزة كحقل تجريبي ومختبري لتسويق منتجات الشركات العابرة للحدود: إذ أن شركات الصناعات العسكرية استفادت من الحرب لتحويل الأراضي الفلسطينية إلى أرض للتجربة ليتم تسويق هذه الأسلحة عالمياً تحت شعار “مُجربة في المعركة”.
- التكامل البنيوي بين “رأس المال” و”سياسات الموت” ذلك لأن استمرار الحرب لفترات طويلة ما كان ليتم لولا تمويل تلك الشركات العابرة للوطنية اذ ان هذا الدعم يعوض هشاشة الاقتصاد الإسرائيلي المحلي.
- تحول مراكز البحث والمؤسسات الأكاديمية من أدوات لبناء الانسان والمعرفة إلى أدوات مساهمة بشكل مباشر او غير مباشر في سياسات الموت.
- تماهي الحدود بين “المدني” و”العسكري” إذ أن الشركات ذات الطابع المدني بدعمها للابادة انتقلت إلى فاعل عسكري مباشر.
- أثبتت الحرب على غزة أن الإبادة “مربحة” لقطاعات واسعة من الرأسمالية العالمية إذ أن ارتفاع أسهم الشركات بجميع قطاعاتها، وعقود إعادة الإعمار المستقبلية، كلها تخلق حافزاً اقتصادياً لاستدامة النزاع وتجدده مستقبلا او فتح جبهات قتال أخرى.
- إن عدم توفر الكيان الواضح لتلك الشركات يجعله بوضع قانوني يشهل عليها الإفلات من العقاب، إذ تعمل هذه الشركات في منطقة رمادية قانونياً الأمر الذي يجعل محاسبتها أكثر تعقيداً.
توصيات الدراسة:
إستناداً إلى ماتقدم تقترح هذه الدراسة الآتي:
أولا: أهمية تفعيل المساءلة الدولية، وعزيز دور المحاكم الوطنية إزاء دور الأفراد والمدراء التنفيذيين لهذه الشركات بتهمة المساعدة والتحريض على جرائم الحرب والإبادة.
ثانيا: تشكيل حملات مقاطعة قوية وسحب الاستثمارات من الشركات المتورطة باعتباره ضغطاً اقتصادياً وأخلاقياً فعالاً.
ثالثا: تبني الدول العربية والإسلامية فرض عقوبات فورية ومستهدفة على الشركات التي تدرجها لجان حقوق الإنسان كشركات متواطئة بشكل مباشر في العمليات العسكرية.
رابعا: الزام صناديق الثروة السيادية وصناديق التقاعد بتطبيق قوائم سوداء تمنع الاستثمار في الشركات المنتفعة من الصراع ، خاصةً الاستثمار مع بلاك روك ، جراء مايؤديه ذلك المنع من تعريض لمصالح هذه الشركات إلى الخلل الاقتصادي.
خامسا: إنشاء مرصد عالمي دائم لتوثيق وتحليل سلاسل الإمداد والعقود العسكرية لتربط الشركات العابرة الجنسية بالصراع وتوفير البيانات للمساءلة القانونية.
[1] -وليم أشاباس، اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، مكتبة الأمم المتحدة، 2010، ص 3.
[2] -Ntina Tzouvala, Genocide and Political Economy: Reconstructing the Relationship, The Law and Political Economy (LPE), (Published 06.24.2024), urlr.me/CQGwp9 .
[3]– Michael Grewcock, Settler-Colonial Violence, Primitive Accumulation And Australia’s Genocide, State Crime Journal , Vol. 7, No. 2, State Crime and Colonialism (Autumn 2018), pp. 222-223.
[4] -Darryl Li, On Law and Racial Capitalism in Palestine, The Law and Political Economy (LPE), (Published 06.15.2021), urlr.me/CgR29p
[5] -فرانشيسكا ألبانيزي، تقرير “من اقتصاد الاحتلال الى اقتصاد الإبادة الجماعية”، الجمعية العامة للأمم المتحدة، مجلس حقوق الانسان، 16 حزيران – 11 تموز 2025، ص6.
[6] -بودربالة صلاح الدين، سيادة الدولة والشركات العابرة للحدود، مجلة التراث، جامعة زيان عاشور – الجلفة، العدد 1، 2013، ص 83-84.
[7]– Nora Stel, Business in Genocide – Understanding the how and why of corporate complicity in genocides, Maastricht School of Management and Centre for Conflict Studies, University of Utrecht, Working Paper No. 2014/28, p: 4-6.
[8] -أنظر في ذلك : عماد صلاح الشيخ داود : دور الشركات متعددة الجنسيات في التحول السياسي العربي، ( بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2020 ) ص ص 37-60 .
[9]– المصدر نفسه .
[10] -Sai Englert and Gargi Bhattacharyya, Capital’s Genocide: A Conversation on Racial Capitalism, Settler Colonialism, and Possible Worlds after Gaza, Journalof Holy Land and Palestine Studies 23.2 (2024), p:178.
[11] -urlr.me/PXVNzr
[12] -Shir Hever, From Domination to Extermination “Israel’s military industry and strategy since 1948”, Phenomenal World, August 29, 2025 (Analysis), urlr.me/2PYJDC .
[13] -فرانشيسكا ألبانيزي، مصدر سابق، ص 8-33.
[14] -صباح جلول، تقرير الأمم المتحدة: هذا اقتصاد إبادة جماعية، جريدة السفير العربي الالكترونية، 3/7/2025، ، متاح على الرابط: urlr.me/FDyXSm
[15]– Imogen Foulkes, UN expert calls for companies to stop doing business with Israel, BBC, 3 July 2025, urlr.me/sBF8P3
[16]– Mohammed Ibrahim, Deep Dive: The US Aid Fueling Israel’s Two-Year Gaza War, Inkstick Contributor, October 10, 2025, urlr.me/kXutNh
[17]– Lucas Ropek, MIT Shuts Down Database After Activists Use It to Uncover School’s Ties to Israeli Military, January 19, 2025,urlr.me/TksqGA
[18]-أيمن الزبير، جدل في ألمانيا بسبب تعاون جامعة ميونخ التقنية مع شركات إسرائيلية، مركز الجزيرة للدراسات، 10/11/2025، متاح على الرابط: urlr.me/J9SRaB
[19] -Federica Marsi, UN report lists companies complicit in Israel’s ‘genocide’: Who are they?, Al Jazeera Centre For Studies, 1 Jul 2025, urlr.me/gVZnb8
[20] -هشام جعفر، “اقتصاد الموت” وتسليع الإبادة الجماعية في غزة، مركز الجزيرة للدراسات (مقالات)، 6/8/2025، متاح على الرابط: urlr.me/eTPuwB



