
د. هشام ناصر
باحث في القانون العام والقضايا الاستراتيجية، جامعة مولاي اسماعيل- المغرب.
مقدمة :
تحتل منطقة الشرق الأوسط مكانة استراتيجية بارزة في الحسابات الأمريكية بسبب موقعها الجغرافي، واحتياطاتها الضخمة من الطاقة، حيث تمتلك المنطقة نحو 48% من احتياطيات النفط العالمية و40% من احتياطيات الغاز الطبيعي. هذه الثروات تجعل المنطقة حيوية للاقتصاد العالمي، وهو ما يؤثر على أمن الطاقة الأمريكي والعالمي. وبالإضافة إلى ذلك، تعد المنطقة مركزا للنقل البحري العالمي، مع مرور نحو 20% من التجارة النفطية عبر مضيق هرمز، ما يجعل أي اضطراب فيه يهدد الاستقرار الاقتصادي الدولي، دون إغفال أهمية دور المنطقة المحوري في القضايا الأمنية والاقتصادية العالمية، إذ تعد المنطقة مركزا للعديد من المصالح الحيوية للولايات المتحدة، بما في ذلك تأمين مصادر الطاقة، ومكافحة الإرهاب الدولي، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، والحفاظ على مكانتها الدولية كقائد للنظام الدولي. علاوة على ذلك، تلعب العلاقات مع دول الشرق الأوسط، وبالأخص دول الخليج العربي، دورا رئيسيا في التأثير على السياسة الأمريكية تجاه القضايا الدولية الكبرى؛ ما يجعل المنطقة عنصرا حاسما في رسم استراتيجيات واشنطن على الساحة العالمية.
وتشهد المنطقة تحولات وصراعات تمتد آثارها إلى الساحة العالمية، مثل التنافس بين القوى الإقليمية في المنطقة، وصعود قوى غير تقليدية مثل التنظيمات والميليشيات المسلحة؛ ما يدفع الولايات المتحدة للحفاظ على وجود عسكري قوي في المنطقة بهدف حماية مصالحها والحفاظ على الاستقرار، حيث تسعى الولايات المتحدة لموازنة النفوذ الإقليمي للقوى المنافسة مثل إيران وروسيا والصين، إذ تسعى إيران لبسط نفوذها في العراق وسوريا ولبنان، بينما تعمل روسيا على تعزيز وجودها العسكري والسياسي في سوريا وغيرها من دول المنطقة. كما يتنامى الدور الصيني، اقتصاديا وسياسيا وفي مرحلة لاحقة أمنيا، في الشرق الأوسط، ولاسيما في منطقة الخليج. وتجعل هذه التحركات الشرق الأوسط ساحةً تنافسية بين القوى العالمية؛ ما يزيد من أهمية المنطقة في الحسابات الأمريكية.
ويرتقب أن تحدث إدارة دونالد ترامب الثانية تأثيرا كبيرا على الشرق الأوسط، حيث يشير سجل رئاسته الأولى (2017-2021)، وتصريحاته خلال الحملة الانتخابية، وملامح كبار المسؤولين الذين عينوا لإدارته الجديدة،
بالإضافة إلى القرارات الأولى التي اتخذها يوم عودته إلى منصبه، إلى أنه سيتبنى نهج تدخلي لتنفيذ أجندته ” أمريكا أولا ” مما قد يُحدث تغييرا جذريا في المشهد الإقليمي، علما أن الشرق الأوسط الذي يرثه ترامب من إدارة بايدن يختلف اختلافًا كبيرًا عن الشرق الأوسط الذي تركه ترامب نفسه في أوائل عام 2021، في الوقت الذي تبدو فيه احتمالات تحقيق سلام واستقرار حقيقيين في الشرق الأوسط في ظل إدارته ضئيلة. ومن المتوقع أن تُعزز الإدارة وتكثف دعمها العسكري والسياسي لإسرائيل، مع الحفاظ على سياسة “الضغط الأقصى” تجاه إيران. في غضون ذلك، يرتقب أن تواصل الإدارة الجديدة الضغط من أجل تطبيع موسع مع قوى إقليمية مثل المملكة العربية السعودية حتى مع استمرار التوسع الإسرائيلي المتطرف الرافض لحل الدولتين، علما أن استمرار السياسة الأمريكية التي تهمش حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وحقه في إقامة دولة مستقلة قد يعرض المنطقة لدائرة صراع طويلة الأمد.
وبشكل عام، تعد إدارة ترامب الثانية على أهبة الاستعداد لتشكيل مستقبل الشرق الأوسط، وهي تقف أمام فرصة تاريخية للمساهمة في إدخال الشرق الأوسط إلى حقبة جديدة من الاستقرار وإعادة تشكيل معالم النظام الإقليمي الناشئ، عبر ملامسة قراراتها للتحديات الجوهرية التي تعيشها المنطقة، خصوصا منها المتعلقة بإيران وسوريا والعراق وفلسطين، والتي تحمل في طياتها إمكانية دفع كل منها في اتجاه إيجابي، ومع ذلك، فإن التحديات والتناقضات الكامنة في السياسة الأمنية للولايات المتحدة الأمريكية للشرق الأوسط قد تؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار وقد تعمق دورات الصراع والمواجهة في حالة فشلها في استثمار فرص السلام المتاحة .
وتكمن أهمية الموضوع في كونه يساعد على فهم كيفية توظيف الولايات المتحدة لقوتها العسكرية والسياسية والاقتصادية لتحقيق الهيمنة العالمية من جهة وضمان الاستقرار الدولي من جهة أخرى من خلال بناء المؤسسات كما يتيح تحليل أولويات الأمن القومي الأمريكي في مواجهة الصين وروسيا ورصد تأثير الاستراتيجية الأمنية الأمريكية على استقرار مناطق حساسة كمنطقة الشرق الأوسط، علما أن مقاربة واشنطن تجاه قضايا الإرهاب والنزاعات الإقليمية تمس مباشرة أمن واستقرار دول المنطقة مما قد يمكن من التنبؤ بمسار السياسة الأمنية المقبلة في المنطقة .
تهدف الدراسة إلى:
– فهم منطق التحول في المقاربة الأمريكية للأمن، من خلال تحليل الانتقال من المقاربة التدخلية التقليدية إلى سياسة تقوم على تقليص الانخراط العسكري المباشر من خلال الاعتماد على الحلفاء الإقليميين.
– تحليل محددات القرار الأمني في إدارة ترامب، وخاصة منها البعد البراغماتي والشخصي وتأثيره في صنع القرار، إلى جانب تأثير التيار المحافظ الجديد واللوبيات (السلاح، الطاقة، إسرائيل)، دون إغفال أولوية الأمن القومي الأمريكي على حساب الاعتبارات القيمية.
– دراسة مقاربة ترامب للأمن الإقليمي، ويشمل ذلك، ممارسة سياسة ” الضغط الأقصى ” تجاه إيران، تعزيز التحالفات الأمنية مع دول الخليج وتركيا، الدعم غير المشروط لإسرائيل .
– تقييم انعكاسات السياسة الأمنية لدونالد ترامب على توازنات الشرق الأوسط من خلال رصد أثر الانسحاب أو إعادة الانتشار العسكري الأمريكي، تحليل تصاعد أدوار قوى إقليمية (إيران، تركيا، السعودية). دراسة تأثير القرارات الأمريكية على النزاعات الإقليمية (سوريا، العراق، فلسطين).
من هذا المنطلق يمكن طرح الإشكالية الرئيسية التالية : إلى أي حد تتأرجح السياسة الأمنية لترامب في الشرق الأوسط بين اعتبارات الهيمنة ومتطلبات الاستقرار الإقليمي؟، تتفرع من هذه الإشكالية أهم التساؤلات الفرعية الآتية:
-ما المقصود بالهيمنة والاستقرار في أدبيات السياسة الأمنية والعلاقات الدولية ؟
-كيف تبرر المدرسة والواقعية هذا التأرجح في السياسة الأمنية الأمريكية في عهد دونالد ترامب ؟
-ماهي محددات السياسة الأمنية لترامب في الشرق الأوسط ؟
ما انعكاس صعود قوى دولية منافسة على اختيارات السياسة الأمنية لترامب في الشرق الأوسط ؟
-هل ستتجه السياسة الأمنية الأمريكية مستقبلا نحو مقاربة تعتمد على إدارة الأزمات بالتنسيق مع حلفائها في المنطقة واستبعاد التدخل العسكري المباشر ؟
فرضيات الدراسة :
الفرضية الرئيسية : السياسة الأمنية الأمريكية في الشرق الأوسط تتأرجح بين منطق الهيمنة ومنطق الاستقرار حسب طبيعة التهديدات للمصالح الأمريكية وموازين القوى، إذ أن الانحياز نحو أحد المنطقين ليس مطلقا وإنما مرتبط بالسياق الدولي .
الفرضيات الفرعية:
-كلما اختل ميزان القوى لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، تميل سياستها نحو تعزيز الهيمنة على حساب الاستقرار في الشرق الأوسط.
-تتجه السياسة الأمنية الأمريكية في الشرق الأوسط نحو ترسيخ الاستقرار عندما ترتفع كلفة التدخل العسكري المباشر أو تتزايد الضغوط الدولية والداخلية .
-صعود قوى دولية منافسة ( الصين، روسيا) يدفع الولايات المتحدة الأمريكية لإعادة ضبط سياساتها الأمنية، وهو ما يعزز مقاربة الاستقرار الانتقائي .
منهج الدراسة :
اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي– التحليلي باعتباره الإطار المنهجي الأساسي، وذلك من خلال وصف وتحليل ملامح السياسة الأمنية لإدارة دونالد ترامب في الشرق الأوسط، ورصد أهم قراراتها وتوجهاتها وانعكاساتها الإقليمية. كما تم توظيف المنهج المقارن لمقارنة السياسة الأمنية لإدارة ترامب بنظيراتها في الإدارات الأمريكية السابقة، بهدف إبراز عناصر الاستمرارية والقطيعة في المقاربة الأمنية الأمريكية تجاه المنطقة. واعتمدت الدراسة أيضاً على تحليل الخطاب السياسي، من خلال دراسة خطابات وتصريحات الرئيس ترامب ووثائق الأمن القومي الأمريكي لما للخطاب من دور مركزي في توجيه السياسة الأمنية الأمريكية وبناء المواقف والتصورات تجاه الحلفاء والخصوم.
حدود الدراسة الزمانية والمكانية :
الحدود الزمانية، تغطي الدراسة عهد إدارة ترامب الأولى ( 20 يناير 2017 إلى 20 يناير 2021 ) وتمتد لتشمل عهد إدارة ترامب الثانية لدراسة مدى استمرار أو تعديل السياسة الأمنية الأمريكية في الشرق الأوسط. الحدود المكانية : الشرق الوسط، باعتباره منطقة استراتيجية شهدت تدخلات أمريكية متعددة ومستويات مختلفة من الهيمنة ومحاولات ترسيخ الاستقرار
وبناء على ذلك، ومن أجل معالجة عناصر الدراسة وتحليلها بشمل منهجي، اعتمدنا على الخطة الآتية:
مقدمة :
المبحث الأول: اعتبارات الهيمنة في السياسة الأمنية الأمريكية
المطلب الأول: مفهوم الهيمنة في العلاقات الدولية
المطلب الثاني : مرتكزات السياسة الأمنية الأمريكية في الشرق الأوسط
المبحث الثاني : متطلبات الاستقرار وتحديات إعادة التوازن في الشرق الأوسط في ظل إدارة ترامب
المطلب الأول : متطلبات الاستقرار في الشرق الأوسط في ظل ولاية ترامب الرئاسية الثانية
المطلب الثاني : تحديات إعادة التوازن في الشرق الأوسط في ظل ولاية ترامب الرئاسية الثانية
الخاتمة
المبحث الأول : اعتبارات الهيمنة في السياسة الأمنية الأمريكية
تحتل منطقة الشرق الأوسط مكانة استراتيجية بارزة في الحسابات الأمريكية بسبب موقعها الجغرافي، واحتياطاتها الضخمة من الطاقة، ودورها المحوري في القضايا الأمنية والاقتصادية العالمية.
ترتبط الأهمية الجيو ستراتيجية للشرق الأوسط في الحسابات الأمريكية تاريخيًا وفي الوقت الراهن بالعديد من المتغيرات الحيوية التي تجعل المنطقة محورية للسياسات الأمريكية. تاريخيًا، كان الشرق الأوسط نقطة التقاء الحضارات، ومنطقة تنافس بين القوى العظمى بسبب موقعه الذي يربط بين القارات الثلاث (أوروبا وآسيا وأفريقيا)، وكونه ممرا للتجارة ومصدرا للطاقة، ولاسيما النفط والغاز، إلى الأسواق العالمية.
وتلعب الأوضاع الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط دورا كبيرا أيضا في الاهتمام الأمريكي؛ حيث تشهد المنطقة تحولات وصراعات تمتد آثارها إلى الساحة العالمية، مثل التنافس بين القوى الإقليمية في المنطقة، وصعود قوى غير تقليدية مثل التنظيمات والميليشيات المسلحة؛ ما يدفع الولايات المتحدة للحفاظ على وجود عسكري قوي في المنطقة بهدف حماية مصالحها والحفاظ على الاستقرار.
وسنتناول في هذا المبحث مفهوم الهيمنة في العلاقات الدولية ( مطلب أول ) قبل تسليط الضوء على مرتكزات السياسة الأمنية الأمريكية في الشرق الأوسط ( مطلب ثان) .
المطلب الأول : مفهوم الهيمنة في العلاقات الدولية
يعود مصطلح الهيمنة إلى الكلمة اليونانية Hegemonia، والتي تعني الحكم أو الأمر، ويشير مصطلح الهيمنة مبدئيا إلى السيطرة، وهو مصطلح معقد يفتقر الى تعريف متفق عليه. وقد ظهرت بدايات هذا المفهوم في كتابات ثيوسيديدس Thucydides عندما وصف الهيمنة الآثينية في الحرب البيلوبونزية إبان نسق الدولة المدينة، حيث فرق ثيوسيديدس بين الهيمنة على اعتبارها القيادة المشروعة والسيطرة السياسية [1].
فقد اعتبر تيوسيديس في إطار تفسيره للحرب بين إسبرطة وأثينا، وما أطلق عليه حروب الهيمنة، أن التغيرات الأساسية في النظام الدولي هي المحدد الأساسي للحروب، التي تؤثر على هيكل النظام الدولي ونمط توزيع القوة به لتجعله مستقرا أو غير مستقر . حيث يعد هيكل النظام الدولي مستقرا حال كان يشهد تغييرات لا تمثل تهديدا لمصالح القوة المسيطرة، ولا تؤدي إلى نشوب حرب. هنا يكون لدينا تسلسل هرمي على قمته قوة مهيمنة بلا منازع [2].
وقد أعاد المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي Antonio Gramsci (1891 – 1937) نحت مفهوم الهيمنة في القرن العشرين، حيث ذهب إلى أن التغييرات الأساسية في علاقات القوة الدولية أو النظام العالمي التي تعتبر تغييرات في التوازن الاستراتيجي – العسكري والجيو – سياسي يمكن أن ترد إلى التغييرات الأساسية في العلاقات الاجتماعية، وأشار بأن الدولة هي الميدان الذي يمكن فيه بناء هيمنة الطبقات الاجتماعية، وفي هذه الهيمنة الخاصة بالطبقات الاجتماعية تتحدد الخصائص المهمة للأمم بطرق فريدة وأصيلة، ويمكن لظهور كتل جديدة يقودها العمال في المستوى الوطني أن يؤدي إلى إعادة هيكلة أساسية للعلاقات الدولية . إن هذه الرؤية تضع جانبا الرؤية الضيقة والسطحية للدولة التي تختزلها في بيروقراطية السياسة الخارجية مثلاً أو في القدرات العسكرية للدولة [3] .
و الهيمنة في المستوى الدولي بحسب غرامشي ليست مجرد نظام بين الدول، بل هي نظام داخل اقتصاد عالمي ذي نمط إنتاج مهيمن يخترق كل البلدان ويرتبط بأنماط الإنتاج التابعة الأخرى .
تعرف كذلك بأنها مجموعة من العلاقات الاجتماعية الدولية التي تصل بين الطبقات الاجتماعية في البلدان المختلفة . ويمكن اعتبار الهيمنة العالمية بنية اجتماعية وبنية اقتصادية وبنية سياسية . والهيمنة العالمية، علاوة على ذلك متجسدة في المعايير الكونية والمؤسسات والآليات التي تضع القواعد العامة لسلوك الدول وسلوك قوى المجتمع المدني التي تعمل عبر الحدود الوطنية – وهي القواعد التي تدعم نمط الإنتاج المهيمن [4] .
أما المدرسة الواقعية ممثلة بكريستوفر لاينChristophe Layne الذي يعتبر واقعيا كلاسيكيا جديدا، فيرى بأن ” الهيمنة تتعلق بالتغيير الهيكلي، لأنه إذا حققت دولة ما الهيمنة فإن النظام يتوقف عن كونه فوضويا ويصبح هرميا. وتفترض أن الهيمنة تلزمها أربع سمات أساسية :
1- التفوق في الجانب العسكري والاقتصادي، فتوافر القوة الصلبة للدولة المهيمنة ضروري حتى تسيطر على أي حرب تخاض ضدها. أما التفوق الاقتصادي فيتحقق بالسيطرة على الموارد “.
2- تتعلق الهيمنة بطموحات القوة المهيمنة، أي أن ” تعمل الدولة المهيمنة وفق مصلحتها الذاتية، لإنشاء نظام دولي مستقر يحمي أمنها ومصالحها الاقتصادية والايديولوجية ” .
3- الهيمنة تعني التوزيع الهرمي، لأنه إذا كانت الهيمنة لدولة واحدة، فالنظام يعرف بأحادي القطبية .
4-” الهيمنة تتعلق بالإرادة ” فيؤكد لاين : ” لا يكفي امتلاك الدولة المهيمنة قوة ساحقة فحسب، بل عليها ممارستها بقصدية لفرض الانضباط في النظام الدولي ” [5].
وتعد نظرية استقرار الهيمنة من أهم النظريات التي تعالج المسألة مباشرة، وتفترض في أسسها أن استقرار النظام يقوم على وجود قوة واحدة مهيمنة، تؤدي دور الضامن للاستقرار الاقتصادي والسياسي الدولي، عبر وضع القواعد الدولية التي تسهل التبادل المنظم بين الدول ومعاقبة المخالفين . يقوم الادعاء المحوري لنظرية الاستقرار المهيمن على حتمية وجود قوة عظمى واحدة لإقامة نظام ليبرالي، والانفتاح في السياسة الدولية والاقتصاد والحفاظ عليه . ففي ظل الطبيعة الفوضوية للنظام الدولي، سيجعل غياب النظام الذي يضمنه المهيمن التعاون الاقتصادي مستحيلا [6].
ويعتقد “تشارلز كيندلبيرجر، Charles Kindleberger ” أن الدولة المهيمنة هي الوحيدة القادرة على تحمل مهمات الحفاظ على النظام الليبرالي في فترات الأزمات، وهذا عائد لامتلاكها القوة المطلقة لفعل ذلك . بحسب كيندلبيرجر، يقع على عاتق الدولة المهيمنة خمسة واجبات لترسيخ استقرار النظام الدولي وتتمثل في : الحفاظ على سوق مفتوحة للبضائع ، توفير قروض طويلة الأجل أثناء فترات الركود، بالإضافة إلى ضمان وجود نظام مستقر لأسعار الصرف، أداء دور المنسق للسياسات الاقتصادية الكلية، وأخيرا العمل على ضمان توافر السيولة، فتكون الملاذ الأخير للإقراض [7].
أما روبرت جلبنRobert Gilpin ، فقد طور نظريته في الاقتصاد السياسي الدولي باللجوء إلى مفهوم الهيمنة، وقد استقى جلبن مفهوم الهيمنة من المعنى اليوناني، الذي يعني قيادة دولة واحدة لسائر دول النظام .
ووفقا لجلبن، فقد عرف النظام الدولي ثلاثة أشكال من السيطرة وفقا لنمط توزيع القوة السائد فيه بين الدول : الشكل الأول، اتسم بكونه نظاما مهيمنا أو إمبرياليا، أي دولة واحدة قوية تسيطر أو تهمين على الدول الأقل قوة في النظام، أما الشكل الثاني الذي عرفه النظام الدولي هو ثنائي القطبية، حيث يحكم النظام دولتان قويتان تنظمان التفاعلات داخل وبين مناطق نفوذ كل منهما. أما الشكل الثالث لهيكل النظام الدولي هو توازن القوى، وفيه تسعى مجموعة من الدول للسيطرة على أفعال بعضها عبر المناورات الدبلوماسية وتشكيل التحالفات، ويمثل نموذج توازن القوى الأوروبي الذي استمر منذ صلح وستفاليا عام 1648 حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914 أشهر النماذج الكلاسيكية لتوازن القوى [8].
من جانب آخر، ركزت الواقعية الجديدة على القوة القسرية على المستوى الدولي، فحينما يكون توزيع القوة داخل النظام الدولي غير متكافئ تنشأ الهيمنة . فيجب أن تكون لدى الدولة قوة عسكرية للتأثير على قدراتها الاقتصادية والتأثير على منافسيها .
كما ركزت في إطار تحليلها لدوافع سعي الدول للقوة، بتأكيدها أن الهيمنة، هي الهدف النهائي للفاعلين الدوليين في ظل المعضلة الأمنية التي تواجه الدول واحتمالات اندلاع الحروب، وهو سعي كل دولة لامتلاك القوة لتحقيق أمنها، بل وتتعداه أحيانا لتحقيق الهيمنة والسيطرة على الدول الأخرى، ومن ثم صورت الهيمنة باعتبارها سيطرة على بقية وحدات النظام، بالتالي تقوم الهيمنة بشكل عام في ظل الواقعية على علاقات القوة وتفوق القدرات المادية [9].
وإضافة إلى عنصر القوة والسلطة والمكانة، اهتمت الواقعية بالتعامل من منظور وظيفي، أي وظائف الدولة المهيمنة في النظام الدولي . فتقدم الدولة المسيطرة أو المهيمنة منافع لتلك النخب والدول في شكل أمن أو استقرار أو منافع اقتصادية كتأسيس نظام اقتصادي ما، وذلك بهدف خلق مصلحة ومنفعة تدعمان استمرار الدول التابعة في قبول تلك السيطرة . مثلما حدث في أعقاب الحرب العالمية الثانية حينما قامت الولايات المتحدة بتنظيم العلاقات السياسية، بالنظر إلى مصالحها الأمنية و الاقتصادية.
بالمقابل، عرف روبرت كيوهان Robert O. Keohane المنتمي للمدرسة الليبرالية الهيمنة بأنها: “قدرة دولة واحدة قوية بما يكفي للحفاظ على القواعد الأساسية التي تنظم بين العلاقات بين الدول، ولديها الرغبة في القيام بذلك”
أي أنه استبعد الارتباط التلقائي بين توافر مصادر القوة وممارسة الهيمنة، فالهيمنة تعني حالة دولة قوية بما يكفي لحفظ القواعد التي تحكم العلاقات بين الدول بعضها بعضا، ولديها إرادة لممارسة هذا الدور.
وبالنسبة لكيوهان، فإن الهيمنة ظاهرة مرتبطة بالسيطرة الاقتصادية، أي التفوق والغلبة في الموارد الاقتصادية، وهي المواد الخام، ومصادر رأس المال، والأسواق، إضافة إلى إمتلاك قدرات ومزايا تنافسية خاصة في إنتاج مواد وبضائع لها قيمة عالية . كما يجب على الدولة المهيمنة أن تقنع الدول الأخرى بالتوافق مع رؤيتها للنظام العالمي والتجاوب مع قيادتها، انطلاقا من قناعتها بأنها مستفيدة منه [10] . وبالتالي، فإن تأثير الهيمنة لدى كيوهان اقتصادي، حيث تستطيع الدول المهيمنة معاقبة الآخرين عبر الوسائل سابقة الذكر، مما يجعلها أدوات للدبلوماسية الاقتصادية التي تتسم بالقسر والإكراه [11].
ويتفق أنصار الليبرالية مع الاتجاه الواقعي في أهمية الجوانب المعيارية والقيمية للدولة المهيمنة، فقد ظهر مصطلح ” القيادة المهيمنة ” أيضا لدى كيوهان، بما يعني اعتباره أن الهيمنة أو القيادة المهيمنة تتضمن في أحد جوانبها لعنصر الإكراه، إلا أنه مع ذلك اعتبر من الضروري توافر التوافق الإيديولوجي والقيمي بين الدولة المهيمنة والدول التابعة لها.
فقيادة الولايات المتحدة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية لشمال الأطلسي، وكذلك لليابان كانت في جزء منها ترجع إلى الإجماع بين جميع الأطراف على حماية الرأسمالية العالمية، في مقابل الإيديولوجية الاشتراكية التي تنبع من اقتناع النخب السياسية في الدول التابعة للمهيمن بتحقيق منفعتهم من بنية النظام القائم، لذا تسعى الدول المسيطرة أو المهيمنة لخلق نظام دولي يوفر منافع محددة لشركائها لتعزيز تلك التصورات المتكاملة مع أطرافها[12] .
في نفس السياق، تناول البعض الهيمنة من منظور الغرامشية الجديدة، انطلاقا من أفكار أنطونيو غرامشي Antonio Gramsci الذي تحدث عن الصراع الناتج عن طبقتي الرأسماليين والعمال المؤسس لشرعية المرافقة. وساهم روبرت كوكس Rober X. Cox في تطوير الغرامشية معتمدا أفكار غرامشي، فهي مزيج من الإكراه والموافقة، فلا تقتصر على عمليات الإلزام، وتمزج رضا الأطراف التابعة لتشكيل رؤية جديدة للعالم. وبناء عليه قدم كوكس وصفا جامعا لمفهوم الهيمنة بكونه بنية اجتماعية اقتصادية وسياسية، تتجلى في المعايير والمؤسسات والآليات العالمية، التي تضع القواعد العامة لسلوك الدول وقوى المجتمع المدني الممتد عملها عبارة للحدود الوطنية، والقواعد التي تدعم النمط السائد للإنتاج .
فالهيمنة الغرامشي ليست مبنية على أساس الاستخدام القسري للقوة فحسب، ولكنها تبنى على: “الموافقة المكتسبة من خلال عملية القيادة الفكرية والأخلاقية. وهكذا يرى الغرامشيون الجدد بضرورة الجمع بين استخدام القوتين المادية والثقافية لتحقيق الهيمنة” [13].
المطلب الثاني : مرتكزات السياسة الأمنية الأمريكية في الشرق الأوسط
ارتبطت الأهمية الجيو ستراتيجية للشرق الأوسط في الحسابات الأمريكية تاريخيا، وفي الوقت الراهن بالعديد من المتغيرات الحيوية التي تجعل المنطقة محورية للسياسات الأمريكية. تاريخيًا، كان الشرق الأوسط نقطة التقاء الحضارات، ومنطقة تنافس بين القوى العظمى بسبب موقعه الذي يربط بين القارات الثلاث (أوروبا وآسيا وإفريقيا)، وكونه ممرا للتجارة ومصدرا للطاقة، ولاسيما النفط والغاز، إلى الأسواق العالمية [14] .
وفي فترة الحرب الباردة، كان الشرق الأوسط مسرحاً للتنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، حيث سعت كل قوة إلى توسيع نفوذها عبر تحالفات واصطفافات إقليمية متعددة. فمن ناحيتها، ركزت الولايات المتحدة على القوى التقليدية مثل تركيا ومصر ودول الخليج العربية وإيران في عهد الشاه، نظرًا لمواقعها الجيو ستراتيجية وتأثيرها الإقليمي. وشهدت دول مثل العراق وسوريا ولبنان حروبا بالوكالة وصراعات نفوذ بين القوتين العظميين. وكان هذا التنافس جزءا من معادلة القوى التي شكلت السياسات الأمريكية تجاه المنطقة، كما أن قلب نظام التحالفات الإقليمية، مثل إعادة توجيه السياسة المصرية وإعادة هيكلة السياسة الإيرانية في السبعينيات (من القرن العشرين) من الاتحاد السوفياتي إلى الولايات المتحدة كان علامة فارقة[15].
وتلعب الأوضاع الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط دورا كبيرا في الاهتمام الأمريكي؛ حيث تشهد المنطقة تحولات وصراعات تمتد آثارها إلى الساحة العالمية، مثل التنافس بين القوى الإقليمية في المنطقة، وصعود قوى غير تقليدية مثل التنظيمات والميليشيات المسلحة؛ ما يدفع الولايات المتحدة للحفاظ على وجود عسكري قوي في المنطقة بهدف حماية مصالحها في المنطقة، والحفاظ على الاستقرار، بالإضافة إلى كون منطقة الشرق الأوسط تعد نقطة تقاطع الأدوار بين المحاور الجيو سياسية المتمثلة في الدول صاحبة الدور الإقليمي في المنطقة، وبين القوى الجيوستراتيجية، وهنا يبرز دور الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة النفوذ الأكبر في المنطقة وروسيا الساعية إلى استعادة مكانتها على الساحة الدولية والصين المرشحة لكي يكون لها دور مستقبلي ذا أبعاد متعددة ، وتحديدا في منطقة الشرق الأوسط، ما يزيد من أهمية المنطقة في الحسابات الأمريكية [16].
وتُعد الولايات المتحدة من أكبر مصدري الأسلحة إلى المنطقة. ففي السنوات الأخيرة، شهدت بعض الدول، مثل السعودية والإمارات وقطر، زيادة كبيرة في مشترياتها من الأسلحة الأمريكية، خاصة في مجالات الدفاع الجوي والطيران الحربي. فعلى سبيل المثال، بلغت صادرات الأسلحة الأمريكية إلى الشرق الأوسط حوالي 20 مليار دولار في عام 2020 [17].
تشير عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة الأمريكية والديناميكيات الإقليمية منذ هجوم “حماس” على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023 إلى سيناريو غير موات، وتدخلي، وشديد التقلب. ومع ذلك، يواجه الرئيس الجمهوري شرق أوسط مختلفا بشكل ملحوظ عن الذي واجهه في ولايته السابقة. السؤال الرئيسي هو كيف ستتفاعل طهران مع انهيار تحالفها الاستراتيجي مع محور المقاومة. فبقاء النظام نفسه أصبح على المحك أكثر من أي وقت مضى منذ صعود الجمهورية الإسلامية عام 1979.
إن سقوط الرئيس السوري بشار الأسد، الذي كان في السابق الحليف العربي الرئيسي لطهران، يفتح الباب أمام زلزال سياسي سيُشعر به في جميع أنحاء المنطقة وخارجها. وبينما تُصحح سوريا ولبنان موازين قوتهما بعيدًا عن النفوذ الإيراني، تواصل دول الخليج العربية إحراز تقدم في تماسكها الداخلي، مع إعادة هيكلة ديناميكيات نفورها من الغرب وتقاربها مع دول الجنوب، وهو ما تفاقم بفعل حرب غزة[18].
عند دراسة السياسة الأمنية لإدارة ترامب في الشرق الأوسط، لابد من التوقف عند ثلاثة قرارات تحمل في طياتها أكبر الأثر على المنطقة: (1) الضربات الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية، (2) رفع العقوبات عن سوريا وتطبيع العلاقات مع الحكومة الانتقالية، و(3) الدعم الواسع لسياسات حكومة نتنياهو في غزة. هذه القرارات إما تمس الصراعين الرئيسيين في المنطقة – إيران وغزة – أو تؤثر على مسار التحول في سوريا، المحور الإقليمي، بما تحمله من رهانات جيوستراتيجية هائلة للمنطقة. وستلعب هذه القرارات مجتمعةً دورًا حاسمًا في رسم معالم النظام الناشئ في الشرق الأوسط، للأفضل أو للأسوأ [19].
في 22 يونيو 2025 ، نفذت الولايات المتحدة عملية “مطرقة منتصف الليل”، مستهدفة المنشآت النووية الإيرانية في ” فوردو ونطنز وأصفهان “. و تعد الضربات الأمريكية جزءا من صراع أوسع نطاق استمر 12 يوما بين إسرائيل وإيران، وبدأ في 13 يونيو 2025، عندما شنت إسرائيل ضربات على مواقع نووية وصاروخية إيرانية، بالإضافة إلى قياداتها العسكرية. وشنت إيران ضربات مضادة على أهداف عديدة في جميع أنحاء إسرائيل، على الرغم من اعتراض الدفاعات الصاروخية الإسرائيلية لمعظم الضربات الإيرانية. كما ردت إيران على الولايات المتحدة بضربة مُخطط لها بعناية على قاعدة العديد الجوية في قطر. لم تقع إصابات، وتوسطت قطر بسرعة في وقف إطلاق النار [20].
تباينت تقييمات الأضرار منذ الهجمات، لكن التقييمات الأمريكية الأخيرة تُشير إلى أن منشأة فوردو النووية قد تضررت بشدة. ومع ذلك، لا يزال مكان مخزون إيران البالغ 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب غير واضح، مما يثير احتمال أن تواصل طهران طموحاتها النووية.
مثلت الضربات الأمريكية على فوردو – التي طال التفكير فيها ولكن لم تُنفذ حتى يونيو 2025 – تصعيدا كبيرا وأول ضربات أمريكية واسعة النطاق على أهداف إيرانية منذ ما يقرب من 40 عاما. قد يُمهد هذا القرار الطريق لاستئناف المفاوضات – واتفاق محتمل، نظرا لضعف موقف إيران – أو قد تُقرر طهران الاندفاع نحو جهاز نووي بدائي، مما يستفز إسرائيل، وربما الولايات المتحدة لشن ضربات عسكرية جديدة . في الحالة الأولى، قد يحرك قرار ترامب المنطقة إلى الأمام بشكل كبير على طريق خفض التصعيد. وفي الحالة الثانية، قد يسهم القرار في انزلاق المنطقة إلى حرب أعمق [21].
بعد إعلان ترامب المفاجئ في ماي 2025 تعهده برفع العقوبات عن سوريا، وقع في 30 يونيو 2025 أمرا تنفيذيا يرفع العقوبات، ووجه وزير الخارجية لتقييم تعليق عقوبات قانون قيصر التي أقرها الكونغرس. وقد دفع قرار ترامب برفع العقوبات الاتحاد الأوروبي إلى أن يحذو حذوه. والأهم من ذلك، أن القرار الأمريكي مهد الطريق أمام دول الخليج لبدء الاستثمار في سوريا، بعد أن كانت تخشى سابقا من مخالفة العقوبات الدولية. في أواخر ماي 2025 ، أعلن تحالف بقيادة قطر عن استثمار بقيمة 7 مليارات دولار في قطاع الطاقة السوري. كما أعلنت المملكة العربية السعودية وقطر أنهما ستمولان رواتب موظفي الدولة السورية بشكل مشترك. ووقعت الإمارات العربية المتحدة اتفاقية بقيمة 800 مليون دولار لتطوير ميناء طرطوس السوري. كما يجري العمل على صفقات خليجية إضافية لإعادة بناء قطاع النقل والبنية التحتية. أثناء وجوده في الرياض، التقى الرئيس ترامب بأحمد الشرع، الرئيس الانتقالي السوري. وقد لاقى لقاء ترامب التاريخي صدى واسعا في المنطقة، باعتباره إشارة قوية على دعم الولايات المتحدة للشرع، على الرغم من ماضيه الجهادي[22] ، دون إغفال ما أوردته التقارير عن استعداد الولايات المتحدة الأمريكية لتأسيس وجود عسكري لها في قاعدة جوية بدمشق، وذلك للمساعدة في إتاحة تنفيذ اتفاق أمني تتوسط فيه واشنطن بين سوريا وإسرائيل، والتي تعد مؤشرا على إعادة سوريا ترتيب العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة بعد سقوط حليف إيران بشار الأسد [23].
قد يكون لدعم إدارة ترامب لعملية الانتقال في سوريا تأثيرٌ هائل. فبحكم موقعها في قلب الشرق الأوسط، ستُمارس عملية الانتقال في سوريا تأثيرا هائلا على مسار المنطقة. ومن خلال تحفيز الاستثمارات الخليجية في الاقتصاد السوري المُحاصر، سهلت الخطوة الأمريكية بالفعل عملية الانتقال في البلاد. وفي حين أن البلاد بعيدة كل البعد عن الاستقرار وشهدت حلقات مُقلقة من العنف الطائفي، ولذلك كان من الصعب على الدولة السورية، وهي تعيش مخاض مرحلتها الانتقالية تحمل العقوبات الأمريكية. إن استمرار اهتمام الولايات المتحدة بسوريا، بما في ذلك تشجيع الشرع على توسيع المشاركة في حكم سوريا، سيكون حاسما لتجنب انزلاق البلاد مرة أخرى إلى الصراع [24].
ليس هناك يقين بشأن السياسات التي سيتبعها الرئيس الأمريكي السابع والأربعون، الذي يصعب التنبؤ بتصرفاته، وما ستترتب عليها من عواقب. ومع ذلك، فإن سجل رئاسته الأولى (2017-2021)، وتصريحاته خلال الحملة الانتخابية، وخبرة مستشاريه ومبعوثيه إلى المنطقة، بالإضافة إلى القرارات الأولى التي اتخذها يوم عودته إلى منصبه، تشير إلى أنه سيتبنى نهجا تدخليا لتنفيذ أجندته القائمة على شعار : ” أمريكا أولاً “، و هو ما قد يحدث تغييرا جذريا في المشهد الإقليمي إلا أن الشرق الأوسط الذي يرثه ترامب من إدارة بايدن يختلف اختلافا كبيرا عن الشرق الأوسط الذي تركه ترامب نفسه في أوائل عام 2021 [25].
شهدت السنوات الأربع الماضية تحولات جذرية في المنطقة، وتجاوزًا للعديد من الخطوط الحمراء : هاجمت إيران وإسرائيل بعضهما البعض من أراضيهما، ووجهت إسرائيل ضربات عسكرية موجعة لحماس وحزب الله، وانهار نظام الأسد السوري، الذي كان في السابق أهم حليف لإيران في العالم العربي. لكن دول مجلس التعاون الخليجي الست (المملكة العربية السعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة والكويت وعمان وقطر) أصبحت أكثر اتحادًا مما كانت عليه في عام 2017 ونوعت علاقاتها الخارجية، ولا سيما من خلال تعزيز العلاقات مع القوى الآسيوية (وخاصة الصين)، كما سجل رد فعلها الفاتر على الحرب بين روسيا وأوكرانيا. كما أن دول الخليج العربي على علاقة أفضل مع إيران المجاورة مما كانت عليه قبل أربع سنوات .
من ناحية أخرى، سيجد ترامب أن صورة الولايات المتحدة لدى الغالبية العظمى من شعوب الشرق الأوسط قد عانت من تدهور خطير ، بسبب ما يُنظر إليه على أنه تواطؤ في جرائم الحرب والإبادة الجماعية، التي يعتقد الكثيرون أن إسرائيل ارتكبتها في غزة. تشير جميع الدلائل إلى أن الرئيس ترامب سيحافظ على الدعم الأمريكي القوي للغاية لسياسات الحكومة الإسرائيلية، كما فعل في الماضي .
ومع ذلك، فقد أثبت ترامب أنه يمكن أن يكون عمليا ويستمع إلى أصوات أخرى في المنطقة . تُوجت ولاية دونالد ترامب الأولى بتوقيع ما يُسمى بـ”اتفاقيات أبراهام”، التي بموجبها طبَّعت الدول العربية الأربع المذكورة علاقاتها مع دولة إسرائيل، مقابل مزايا في المجالات الدبلوماسية والاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية. استندت ” اتفاقيات أبراهام ” إلى فرضية أن القضية الفلسطينية لم تعد محورية في الأجندات الإقليمية، ويمكن حلها بشروط تضعها إسرائيل بمجرد تطبيع علاقاتها مع الدول العربية الرئيسية. وقد تعطل هذا المسلسل في 7 أكتوبر 2023 ، بسبب هجوم حماس على إسرائيل، وامتداد الصراع إلى أجزاء أخرى من الشرق الأوسط، مما كان له عواقب وخيمة على النظام الدولي[26].
سيسعى ترامب بالتأكيد إلى تحقيق نسب نجاح أفضل في إبرام هذه الصفقة. ومع ذلك، سيجد ولي العهد السعودي الحالي ، محمد بن سلمان، صعوبة في تبرير مثل هذه الصفقة للسعوديين والعرب والمسلمين، إذا لم تكن مصحوبة بتقدم ملموس نحو تقرير المصير للشعب الفلسطيني. وقد كرر القادة السعوديون أن التطبيع مع إسرائيل غير وارد طالما لا يوجد أفق واضح لإقامة دولة فلسطينية. علاوة على ذلك، أبدت الرياض اهتمامها بالتوصل إلى اتفاقية أمنية مع الولايات المتحدة مقابل تطبيع العلاقات مع إسرائيل. هذه قد تدفع هذه العناصر من التسوية المحتملة ترامب إلى تقديم نسخة مُحدثة مما يُسمى “صفقة القرن” لإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بشروط أكثر ملاءمة للسعوديين من تلك التي عُرضت في خطته لعام 2020 [27].
إن تأثير الدمار في غزة على الرأي العام وخطر اندلاع حرب إقليمية مفتوحة قد يدفعان ترامب إلى إجبار القادة الإسرائيليين على تقديم تنازلات أكثر مما يرغبون لإتمام الصفقة المنشودة. يعتقد البعض أن ترامب يريد أن يُخلّد في التاريخ باعتباره من جلب السلام إلى الشرق الأوسط [28].
وفيما يتعلق بإيران، لازال الغموض سيد الموقف بشأن السياسة التي ستتبعها الإدارة الأمريكية سواءً فيما يتعلق ببرنامجها النووي أو بنفوذها وطموحاتها الإقليمية. هناك أسباب وجيهة للاعتقاد بأن إدارة ترامب الثانية ستعيد تطبيق سياسة “الضغط الأقصى” على طهران، من خلال فرض عقوبات اقتصادية أشد صرامة، إضافة إلى بذل جهود لعزل إيران دوليًا، وإجراءات لإضعاف النظام من الداخل[29].
وبناء عليه، يبدو من الواضح أن ترامب يستخدم الخيار العسكري كأداة ضغط على إيران لدفعها إلى العودة الى طاولة المفاوضات والقبول بشروطه، فهو لا يريد إسقاط النظام فيها، بل يريد ضمه إلى المعسكر الأمريكي، بعد التخلص من احتمال التسلح النووي. لكنه في الوقت ذاته يتحسب من احتمال أن تورطه إسرائيل في مواجهة عسكرية لا يريدها مع إيران . وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة سمحت بهذه الحرب ودعمتها، فإن من الخطأ الاستنتاج أن ترامب يستخدم إسرائيل. فالأخيرة تستخدمه أيضا، ونتنياهو يستغل الفرصة المتاحة لتوسيع نطاق الحرب بما يخدم تحقيق أهدافه، لا أهداف ترامب [30] .
ويرى عدد من الخبراء أنه وفي حال اندلاع صراع مسلح ضد إيران، فقد تكون العواقب وخيمة على الشرق الأوسط والنظام الدولي بأسره. على الرغم من الانتكاسات التي منيت بها خلال الحرب الأخيرة ضد إسرائيل، لا تزال طهران تحتفظ بقدرات عسكرية كبيرة. إذا شعر النظام الإيراني بتهديد وجودي، فمن المرجح أن يرد عسكريًا ضد المصالح الأمريكية والغربية، بما في ذلك المنشآت العسكرية في دول الخليج العربي. قد يؤدي ذلك أيضا إلى منع دخول وخروج السفن وناقلات النفط عبر مضيق هرمز، الذي تُعد أهميته بالغة الأهمية لسوق الطاقة العالمي.[31].
المبحث الثاني : متطلبات الاستقرار وتحديات إعادة التوازن في الشرق الأوسط في ظل إدارة ترامب
يتوقع أن تستمر إدارة ترامب الثانية في نفس السياسة المتبعة في الشرق الأوسط بناء على الاستراتيجيات التي سنت خلال الفترة السابقة، وهو ما تبرزه بوضوح وثيقة “مشروع 2025.
وفيما يتعلق بالسياسة الأمنية للولايات المتحدة في المنطقة، فإنه من المرجح أن يواصل ترامب تقليص التواجد العسكري الأمريكي، إلا ذا تطلب الأمر حماية مصالح استراتيجية، حينها قد يلجأ إلى الدعم الأمني للقوات الحليفة في المنطقة بدلا من التدخل المباشر.
وعموما، فقد تتيح ولاية ترامب الثانية الفرصة لإعادة صياغة السياسة الأمنية الأمريكية في الشرق الوسط، إذ قد يتجه نحو تقليـل التدخـل العسـكري المباشـر، مـع التركيز على الدبلوماسية والضغط الاقتصادي لتحقيق أهـداف السياسـة الخارجيـة، وهو نهج سيؤدي إلى تقليص كلفة التدخلات العسكرية الطويلة، لكنـه يتطلـب اسـتراتيجية متوازنـة تضمـن الحفـاظ علـى المصالـح الأمريكية دون التضحيـة باسـتقرار المنطقـة..
من أجل تحليل هذا العنصر، ارتأينا إلى تناول متطلبات الاستقرار في الشرق الأوسط في ظل ولاية ترامب الرئاسية الثانية أولاً، ثم التطرق إلى تحديات إعادة التوازن في الشرق الوسط ثانيا.
المطلب الأول : متطلبات الاستقرار في الشرق الأوسط في ظل ولاية ترامب الرئاسية الثانية
منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 وضعت إدارة ” بوش ” تصورات حول أولويات الأمن القومي تتمحور حول مسؤوليات الولايات المتحدة باعتبارها القوة الأعظم في العالم . وبالتالي، فإن جغرافية الولايات المتحدة الأمريكية التي كان يتم تعريفها من خلال الحدود مع الدول الأجنبية، أصبحت تشمل أي مكان في العالم، كما أن الفقر والأمراض المزمنة، والأخطار البيولوجية والوراثة والانحطاط البيئي والإرهاب جميعها تشكل تهديدات خطيرة للأمن القومي الأمريكي، والأمن القومي العالمي .
إن الوسائل العسكرية التي تستخدمها الولايات المتحدة تندرج ضمن القوة الصلبة في سبيل الحفاظ على أمنها القومي. وبعد أحداث 11 سبتمبر استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية القوة العسكرية في أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003 وشاركت مع حلف الناتو في شن هجمات على ليبيا للتخلص من نظام القذافي عام 2011، إلى جانب قيادة حملة للقضاء على “داعش” عام 2014 [32].
يتوقع أن تستمر إدارة ترامب الثانية في نفس السياسة المتبعة في الشرق الأوسط بناء على الاستراتيجيات التي سنت خلال الفترة السابقة . تبرز وثيقة “مشروع 2025” أولويات السياسة الأساسية التي يحتمل أن تُوجه هذا المسار، بما في ذلك تكثيف الضغط على إيران، والدعم العسكري والسياسي الثابت لإسرائيل، وزيادة الضغط من أجل الوصول الى التطبيع السعودي الإسرائيلي في إطار صفقة القرن، وتوسيع المشاركة الاقتصادية بين إسرائيل ودول الخليج [33].
أ- تكثيف سياسة الضغط على إيران
ينتهج النظام الإيراني استراتيجية تهدف إلى ترسيخ هيمنته على المنطقة، وضمان بقائه، وتوسيع نفوذه في جميع أنحاء الشرق الأوسط الكبير. أولويته القصوى هي بقاء الجمهورية الإسلامية، التي يعتقد أنها مُهددة باستمرار، لا سيما من قبل جهات خارجية. ولتحقيق هدفه في الهيمنة الإقليمية، أرسى مبدأ “الدفاع الأمامي” حجر الزاوية في مكانته في المنطقة: ويشمل ذلك دعم الجماعات والميليشيات الشرق أوسطية التي تعمل نيابة عنه، لردع خصومه عن مهاجمته، وتوسيع نفوذه خارج حدوده، وإزالة أي بؤر صراع ساخنة محتملة من أراضيه. ومن خلال هذه المناورة غير المباشرة، وإن كانت عدوانية، يسعى النظام إلى زيادة نفوذه بين جيرانه، بما في ذلك دول جنوب القوقاز، من خلال إنشاء منطقة عازلة تحمي الجهات الفاعلة المتوافقة مع مواقفه والقادرة على صد التهديدات الخارجية المحتملة [34].
دوافع أنشطة النظام في المنطقة ثلاثة : الرغبة في مواجهة نفوذ الولايات المتحدة والدول الغربية عمومًا، والتنافس مع السعودية، ومعارضة وجود دولة إسرائيل. ترى إيران الولايات المتحدة العقبة الرئيسية أمام تحقيق طموحاتها، وتسعى إلى تقويض هيمنتها من خلال دعم القوى المعادية، وزعزعة استقرار الحكومات الموالية للولايات المتحدة. يرتبط هذا النهج ارتباطًا وثيقا بالتنافس بين طهران والرياض. ففي حروب الوكالة التي تخوضها في اليمن، في سوريا والعراق، على سبيل المثال، تستخدم إيران الميليشيات الشيعية وغيرها من الجماعات التابعة لها لتحدي المصالح السعودية وتوسيع نفوذها الاستراتيجي. وبالمثل، يظهر دعمها طويل الأمد لجماعات، مثل حزب الله وحماس التزامها بتحدي الوجود الإسرائيلي والحفاظ على الضغط على حدودها. ومع ذلك، فقد تضاءلت القدرة العملياتية لهذه الجماعات بشكل كبير خلال الصراع في غزة وجنوب لبنان [35] ، لذلك من المرجح أن تواصل إدارة ترامب الثانية تكثيف سياسة الضغط الأقصى على إيران، على غرار نهجها خلال ولايتها الأولى. قد تُغلق فعليا أي سبل للحوار حول إحياء الاتفاق النووي، بينما يتوقع أن تواصل إيران تخصيب اليورانيوم وسط تصاعد العقوبات الاقتصادية والضغط العسكري المكثف[36].
وبينما شهدت فترة ولاية بايدن استمرار العمليات الإسرائيلية ضد حزب الله، فقد تزيد إدارة ترامب من دعمها لمثل هذه الإجراءات. على الرغم من أن المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران تبدو غير مرجحة، إلا أن ترامب قد يشير إلى زيادة تأييده للعمليات البرية الإسرائيلية، منحرفًا عن موقف بايدن بشأن ضبط النفس. علاوة على ذلك، قد تشجع إدارة ترامب إسرائيل على اتخاذ تدابير أكثر حزماً تستهدف منشآت النفط الإيرانية والمواقع النووية، وهو احتمال ضعيف، لأنه قد يدفع إيران إلى رد فعل وانتقام أقوى[37] .
ب – نظرة ترامب للقضية الفلسطينية
دشن ترامب ولايته الثانية في بيئة دولية وإقليمية مختلفة، حيث شهدت منطقة الشرق الأوسط حروب بين إسرائيل ومحور إيران منذ السابع من أكتوبر 2023، على الرغم من العديد من التطورات التي تشير إلى تراجع حاد في قدرات إيران وأذرعها، خاصة بعد سقوط ” نظام بشار الأسد ” في سوريا. وفي الجانب الآخر تظل روسيا عاجزة عن إنهاء الحرب الدائرة منذ ثلاث سنوات مع أوكرانيا، كما تناور الصين بين اتخاذ مواقف متشددة تجاه السياسة الأمريكية في القارة الآسيوية، وبين الاستعداد لفتح مسار أكثر مرونة تجاه واشنطن لأسباب اقتصادية بحتة . وبقدر ما تفتح هذه التطورات فرصا لإدارة ترامب لكي تلعب دورا أكبر في إعادة الاستقرار في كثير من مناطق العالم، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، بقدر ما قد تتسبب في تزايد العنف والفوضى هناك، مما قد يضر بالمصالح الأمريكية أيضا بشكل كبير [38].
يبدو من خلال التركيبة الشخصية لترامب – الذي يؤمن بأن إضاعة الفرص يجب أن يكون لها ثمن، أنه قد يميل لمعاقبة الفلسطينيين على إفشالهم لصفقة القرن، وبالتالي فلن يحاول طرحها مجددا حتى ولو بتعديلات تقلل من حجم ما كان معروض عليهم في السابق. بالإضافة إلى ذلك ونظرا لقيامه بتعيين عدد كبير من المعادين للفلسطينيين في إدارته، مثل : مارك روبيو وزير الخارجية، ومايك هاكابي كسفير لواشنطن في إسرائيل، وبيت هيجسيث كوزير للدفاع، فليس من المحتمل أن يتم إحياء صفقة القرن، خاصة أن المجتمع الإسرائيلي بعد عملية ” طوفان الأقصى ” بات أكثر رفضا لإقامة السلام مع الفلسطينيين بأي صورة من الصور، ومن ثم لن يستطيع نتنياهو و لا أي رئيس حكومة مقبل في إسرائيل التعامل مع طروحات تسمح بإقامة دولة فلسطينية [39].
منذ توليه منصبه، عبر الرئيس ترامب عن تأييد صريح لسياسات حكومة نتنياهو تجاه غزة، بما في ذلك القيود التي فرضتها على المساعدات الإنسانية. وحتى بعد الغارة الإسرائيلية المثيرة للجدل على أهداف تابعة لحماس في الدوحة، سرعان ما تبع زيارة وزير الخارجية الأمريكي روبيو إلى إسرائيل تعبير ترامب عن قلقه إزاء الهجوم، مؤكدا دعمه القوي لسياسات إسرائيل تجاه غزة.
ورغم الضغوطات القوية التي مارسها ترامب على كل الأطراف من أجل إنهاء الصراع في غزة، فإن لمحات من رؤية ترامب تجاه غزة تشير إلى توافق مع المواقف الإسرائيلية الأكثر تطرفا بشأن المنطقة المتنازع عليها. خلال اجتماعه مع نتنياهو في الرابع من فبراير 2025 إقترح الرئيس ترامب تهجير الفلسطينيين من غزة وإنشاء “ريفييرا في الشرق الأوسط”. وتراجعا عن هذا الاقتراح، قدم الرئيس ترامب خطة من 20 نقطة لأمن غزة وحوكمتها بعد الصراع، والتي تتصور انسحاب إسرائيلي تدريجي، وقوة أمنية عربية إسلامية، وعناصر من الحكم الفلسطيني[40]، ورغم أن الخطة التي صدرت في 29 سبتمبر 2025، من شأنها تخفيف الأعباء على الشعب الفلسطيني، بما يساعده على البقاء في قطاع غزة، منهيا مسعى التهجير الكامل الذي قصدته الحكومة الإسرائيلية، ومع أنها فتحت الطريق من الناحية النظرية لإقامة “دولة فلسطينية “، فهي بمنزلة فرض وصاية على غزة، باستبعاد أهلها من الإدارة، وفصل القطاع عن الضفة الغربية، ومحاولة تجريد المقاومة من سلاحها دون ضمان ألا تعود إسرائيل إلى العدوان تحت أي ذرائع، كما أن الخطة في عمومها تسيطر عليها النزعة الأمنية، وليست النزعة السياسية والقانونية التي تربطها بتاريخ الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي من بدايته وحتى حرب “طوفان الأقصى”، وهي مسألة عبر عنها سفير الولايات المتحدة بالأمم المتحدة مايك والتز، حين قال: “الأمن هو الأكسجين الذي تحتاجه الحوكمة والتنمية للعيش والازدهار” [41].
وتعد تركيا والسعودية ومصر على رأس القوى التي قد يراهن عليها ترامب لدعم السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. فتركيا التي يأمل ترامب في أن تتعاون في تهدئة الأوضاع في سوريا واستخدام نفوذها على حركة حماس من أجل دعم مشروع الحكم الذاتي للفلسطينيين، عوضا عن إقامة دولة فلسطينية، ستطلب في المقابل تخلي الولايات المتحدة عن أكراد سوريا، وغض الطرف عن أطماعها في الأراضي السورية [42]، أما المملكة العربية السعودية، فهي تلتزم برؤيتها لحل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وفق حل الدولتين، وتعتبر أن السلام الدائم يجب أن يبنى على إنهاء الاحتلال وإقامة دول فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وقد أوضحت تلك الرؤية في مبادرة السلام التي أطلقها الملك عبد الله بن عبد العزيز في القمة العربية ببيروت عام 2002 ، والتي نالت تأييدا عربيا، فاعتبرت منذ ذلك الحين مبادرة السلام العربية ، ومازالت المملكة تعتبر المبادرة المطروحة هي الوسيلة المثلى لحل القضية الفلسطينية وإحلال السلام في المنطقة [43].
وفيما يتعلق بالموقف المصري، فقد ظهر نفي مصري واضح لإمكانية التنازل عن أجزاء من سيناء لصالح صفقة القرن. وتتالت التأكيدات العربية برفض التنازل عن شرقي القدس، وبالتمسك بالمبادرة العربية أساسا للتسوية السلمية، وهي تقوم على دولة فلسطينية كاملة السيادة على الأراضي المحتلة سنة 1967، وكان واضحا أن الإجماع الفلسطيني على رفض ما تسرب من مضمون صفقة القرن، والبيئة المتعاطفة مع غزة والمقاومة المعادية لإسرائيل، وكذلك البيئة المعادية للولايات المتحدة نتيجة نقل سفارتها للقدس[44].
دون إغفال تطورات الحرب في غزة، و ما عرفته من صدور مذكرتي اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، وتزايد عدد الدول المعترفة بفلسطين إلى 158 من أصل 193 دولة بالأمم المتحدة بعد حرب الإبادة في غزة والتي حظيت بالدعم الأمريكي منذ 7 أكتوبر 2023 [45].
وبشكل عام، فيبدو أن الأنظمة العربية، لم ترغب بمواجهة الجموح الأمريكي ولا رعونة ترامب، ففضلت أن تترك الأمر لحركة الأحداث، وأن يصطدم الجانب الأمريكي بنفسه بالحقائق على الأرض بدلا من أن يصب جام غضبه على الأنظمة التي أخبرها أنها مدينة ببقائها له، وأن عليها أن تدفع ثمن ذلك [46]، وقد ظهرت تصريحات لكوشنير وجيسون جرينبلات Jason Greenblatt، خصوصا منذ يونيو 2018 تعبر عن حالة إحباط للإدارة الأمريكية من عدم تجاوب الطرف الفلسطيني وبرود التفاعل العربي .
كما ظهرت تصريحات لترامب تتحدث عن إدراك متزايد لصعوبة التسوية، وضرورة أن تدفع إسرائيل ثمنا كبيرا لها، وضمنها تصريحه بتاريخ 26 سبتمبر 2018 على هامش لقائه بنتنياهو في نيويورك، أنه يفضل “حل الدولتين ” ، غير أن هذا لا يمنع من الإشارة إلى أن الإدارة الأمريكية لم تتوقف عن المحاولة في ظل إدارة ترامب الثانية، وما زالت تسعى لاستخدام نفوذها للوصول إلى ما تراه مقاربة معقولة [47].
ج – النهج المتوقع لإدارة ترامب الثانية إزاء سوريا ولبنان والعراق
تشكل الاتفاقات السياسية والعسكرية بين الفاعلين المحليين نقطة تحول رئيسية في تحديد ملامح مستقبل الدول الخارجة من الأزمات، لذلك يعد الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الحالة السورية أحد أبرز التحولات التي قد تعيد رسم الخارطة السياسية والأمنية فيها، في هذا الإطار نشر مكتب وزير الدفاع في الولايات المتحدة الأمريكية الميزانية المقترحة للوزارة لعام 2026، و التي تضمنت تخصيص 130 مليون دولار لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) والجماعات التابعة لها شمال شرق سوريا، ومخصص لجيش سوريا الحرة جنوب شرق سوريا المتمركز قرب قاعدة النتف، وهو أول مخصص لهذه القوات بعد سقوط النظام السوري السابق في 8 ديسمبر 2024، ومن جانب آخر يعد أقل ميزانية يتم تخصيصها لقسد عبر “صندوق تدريب وتجهيز مكافحة داعش” منذ أن بدأت تحالفها مع وزارة الدفاع الأمريكية لمكافحة الإرهاب في سوريا [48].
ويشير حجم تمويل قسد وعدد عناصر الذي لم يعد يتعدى 19 ألف إلى كونها فقدت أهميتها القتالية في مكافحة “داعش” بعد عام 2019، بعد أن تفككت بنية داعش التنظيمية، وتركزت أهميتها في منع “داعش” من إعادة تنظيم صفوفها، وفي حراسة سجون عناصر داعش، ومخيمات عائلاتهم، وقد لا يتجاوز عدد العناصر الممولين من برنامج وزارة الدفاع الأمريكية 15 ألف عنصر عام 2026، بعدما كان 65 ألف عنصر عام 2017 [49].
من ناحية أخرى، يشير تقلص حجم تمويل العتاد والذخيرة إلى أنه لم تعد هناك مهام قتالية كبيرة بمناطق ” قسد “، فنصف ميزانية عام 2026 مخصصة للرواتب التي تبلغ وفق المقترح 65 مليون دولار، فيما سيخصص النصف الثاني لما قال عنه المقترح إنه يعكس بيئة تشغيلية متغيرة، تستلزم إعادة تنظيم طفيفة للأولويات بين الأسلحة والذخيرة الصغيرة والخفيفة الفتاكة وغير الفتاكة، والتي تزيد مجمل مخصصاتها عن 11 مليون دولار، فيما يخصص قرابة ال 24 مليون دولار المتبقية لمركبات النقل، ومعدات الاتصالات، والمساعدات الملاحية، والمعدات الطبية، والمعدات الفردية مثل الملابس وغيرها [50] .
في نفس السياق، تشير طبيعة عناصر ” قسد” الممولين من البرنامج إلى إنهاء علاقة الولايات المتحدة مع عناصر قوى الأمن الداخلي (الأسايش) ، وهو ما يعني عدم اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بالمشروع السياسي لـ ” قوات سوريا الديمقراطية ” المتعلق بإنشاء الإدارة الذاتية التابعة لها في شمال وشرق سوريا، وأن مرحلة قتال “داعش” التي كانت تستلزم وجودهم لحفظ أمن المدنيين قد انتهت، ولم يعد هناك داع لاستمرارهم وهو ما جرى تأكيده مرات عديدة من الجانب الأمريكي، علما أن الشراكة مع قسد تقتصر على مكافحة “داعش “، وأن الجانب الأمريكي يدعم وحدة سوريا وسلامة أراضيها، وحق الشعب السوري في تقرير مصيره ونظامه السياسي دون أي تدخل خارجي [51] .
وتشير زيادة الاعتماد على جيش سوريا الحرة إلى احتمال توصل التحالف الدولي لمكافحة “داعش ” بقيادة الولايات المتحدة مستقبلا إلى اتفاق مع الحكومة السورية، يقضي بالإبقاء على قاعدة النتف، وتوكيل مهمة تأمين محيطها إلى جيش سوريا الحرة، الذي بات أساسا ضمن مرتبات وزارة الدفاع السورية، لكن دون تسميته في أي من الفرق المشكلة حديثا، وهو اتفاق يمكن أن يتم بخلاف مالو تم طرح توكيل هذه المهمة إلى قسد الذي سترفض الحكومة السورية إبرامه [52].
ويشير تنفيذ اتفاق 10 مارس 2025 الموقع بين الرئيس أحمد الشرع وبين قائد قسد مظلوم عبدي إلى بسط الحكومة السورية سلطتها على منطقة شمال وشرق سوريا، وتوليها مهمة حراسة سجون عناصر “داعش”، ومخيمات عائلاتهم، ويعني اندماج “قسد” في هيكل القوات السورية، وعدم استمرارها في هيكلها الحالي، وقف تمويلها المباشر من طرف الولايات المتحدة، مع إمكانية تحويل هذا التمويل إلى الحكومة السورية، كما هو واقع فعلا مع الحكومتين العراقية واللبنانية [53].
ويواجه الاتفاق مجموعة من التحديات التي قد تعوق تنفيذه أو تؤثر في استقراره على المدى الطويل، حيث إنه لا تزال العديد من التفاصيل المتعلقة بالاتفاق وآليات تطبيقه والإشراف عليه غير واضحة، وسط تضارب في تفسير بنوده بين الأطراف المختلفة، لا سيما ما يخص الحقوق الكردية، والإعلان الدستوري المؤقت الصادر في 13 مارس 2025 الذي أثار انتقادات من مجلس سوريا الديمقراطية، مما يطرح تساؤلات حول مدى توافق الاتفاق مع تطلعات المكون الكردي ودوره المستقبلي في سورية [54].
ويمثل الاندماج الكامل لعناصر قسد ضمن الهيكل العسكري الجديد تحديا رئيسيا، إذ إن بعض الفصائل قد ترفض تسليم سلاحها، إذ من المحتمل أن لا تقبل العناصر المتشددة من المنتمين لحزب العمال الكردستاني بخيار حل قسد، أو اندماجها في هيكل الدولة السورية، وأن تماطل في ذلك أطول فترة ممكنة على أمل أن يتغير الرئيس الأمريكي الجمهوري ويصل رئيس ديمقراطي إلى الحكم، أو أن يتغير المزاج الأمريكي من الحكومة السورية، ما قد يؤدي إلى توترات داخل ” قسد ” نفسها أو مع فصائل المعارضة الأخرى[55].
ويبقى مصير المقاتلين الأجانب داخل قسد غير محسوم حتى الآن، حيث يضم التنظيم متطوعين غربيين يساريين، قاتلوا ضد “داعش”، إضافة إلى عناصر من حزب العمال الكردستاني PKK وأكراد إيرانيين من حزب الحياة الحرة الكردستاني PJAK، فضلًا عن مقاتلين عراقيين وعناصر أخرى. قد يُسمح لبعض هؤلاء بالمغادرة، بينما قد يواجه آخرون الاعتقال أو الترحيل، لا سيّما الأتراك الذين تعتبرهم أنقرة تهديدًا أمنيا لها[56].
إلى جانب مصير القواعد العسكرية الأجنبية، وخاصة الأميركية، في المنطقة الذي يظل موضع تساؤل، فهل سيتم تقليص وجودها أم ستظل قائمة لضمان الاستقرار؟. في هذا السياق، يبدو أن إسرائيل، التي لطالما دعمت قسد، قد تستمر في موقفها وحث الولايات المتحدة على عدم الانسحاب [57] .
تخفيض الميزانية المخصصة لمكافحة الإرهاب طال أيضا الميزانية المخصصة للحكومة العراقية، حيث انخفضت من 380 مليون دولار عام 2025 إلى 212 مليون دولار عام 2026 مخصصة لوزارة الدفاع، وقوات الأمن الداخلي، وجهاز مكافحة الإرهاب [58].
بالمقابل أظهرت موازنة وزارة الحرب الأميركية للعام 2026 تقدماً واضحاً في مجال المساعدات المالية المقدمة لقوات “البيشمركة” الكردية، حيث رصد لها مبلغ 61.014 مليون دولار لدعم وتجهيز قوات “البيشمركة” في عام 2026، بزيادة قدرها 4.7 مليون دولار عن موازنة عام 2025، في مؤشر ربما على تحول “بوصلة” اهتمام واشنطن وحساباتها العسكرية لصالح الإقليم على حساب الحكومة في بغداد، وليس بعيداً عن هذه التحول قيام واشنطن خلال الفترة الماضية بتحريك جزء من قواتها في قاعدتي “عين الأسد” و”فيكتوريا” العسكريتين في بغداد ومحافظة الأنبار غرب العراق، باتجاه قاعدة “حرير” ضمن حدود محافظة أربيل عاصمة إقليم كردستان وإنشاء الولايات المتحدة أكبر قنصلية لها في العالم في أربيل أيضا [59].
ويحتل البعد الجيوسياسي موقعا مركزيا في صياغة الموقف الأمريكي تجاه الأكراد، نظرا لتداخل الملفات الكردية مع أربع ساحات رئيسية في الشرق الأوسط، حيث ينظر إلى قوات “البيشمركة ” في العراق باعتبارها عنصرا رئيسيا في المعادلة الأمنية داخل إقليم كردستان، وركيزة لاستقرار شمال البلاد، خاصة بعد أن أثبتت قدرتها على مواجهة تنظيم ” داعش” في ظل انهيار جزئي للجيش العراقي عام 2014.
أما في سوريا، فقد برز الأكراد وتحديدا قوات سوريا الديمقراطية كأحد أهم الحلفاء المحليين لواشنطن في الحرب ضد “داعش”. ورغم أن هذا التحالف منح الولايات المتحدة ذراعا عسكرية فعالة، إلا أنه تسبب في توتر مع تركيا التي ترى في الصعود الكردي تهديدا مباشرا لأمنها القومي [60] .
أما إيران، فقد شكلت عاملًا في معادلة واشنطن مع الأكراد. فمن ناحية، تسعى الولايات المتحدة إلى تقليص النفوذ الإيراني في العراق وسوريا، ومن ناحية أخرى، ينظر إلى بعض الفصائل الكردية كأدوات محتملة لخلق توازن مع التمدد الإيراني[61].
كما يمثل البعد الأمني حجر الزاوية في السياسة الأمريكية تجاه الأكراد، إذ ارتبطت العلاقة العسكرية بين الطرفين أساسا بالحرب على الإرهاب. فقد كانت قوات ” البيشمركة ” في العراق، وقوات سوريا الديمقراطية في سوريا، الأساس في المواجهة الميدانية مع تنظيم “داعش”. عزز هذا الارتباط شرعية الدعم الأمريكي، سواء أمام الرأي العام الأمريكي أو الكونغرس، باعتباره جزءا من استراتيجية الدفاع عن الأمن القومي الأمريكي، حيث وفرت الشراكة مع ” البيشمركة ” نموذجا لما يُعرف في الأدبيات الدفاعية الأمريكية بالحرب بالوكالة أو outsourcing security.
غير أن هذا التوظيف الأمني يطرح إشكالية: هل ينتهي الدعم الأمريكي بمجرد انتهاء التهديد المباشر (داعش)، أم أنه يمثل التزاما طويل المدى يترتب عليه اعتراف بدور الأكراد السياسي في مستقبل المنطقة ؟ [62] .
وفيما يتعلق بلبنان، فقد شهدت ميزانية وزارة الحرب الأمريكية لعام 2026 لأول مرة تخصيص ميزانية للحكومة اللبنانية بمبلغ 15 مليون دولار، حيث ذكر المقترح أنها ستكون مخصصة لتعزيز قدرة الجيش اللبناني على مكافحة “داعش “، خاصة أن موارد الجيش اللبناني تركز على فرض وقف إطلاق النار في منطقة جنوب الليطاني، وأن التمويل المخصص لقوات مكافحة الإرهاب التابعة لوزارة الدفاع، وللمخابرات العسكرية يهدف إلى منع عودة ظهور “داعش ” بالتصدي لعمليات إعادة الإمداد بنقل الأفراد والمواد المهربة والمواد التجارية غير المشروعة عبر المنطقة الحدودية السورية اللبنانية التي يسهل اختراقها، كما يهدف أيضا إلى مواجهة عمليات التجنيد التي تعمل عليها “داعش ” في المجتمعات الفقيرة في جميع أنحاء البلاد[63].
المطلب الثاني : تحديات إعادة التوازن في الشرق الأوسط في ظل ولاية ترامب الثانية
اتجهت الولايات المتحدة منذ العقدين الثاني والثالث من القرن الحادي والعشرين إلى الانسحاب العسكري من الشرق الأوسط، حيث سجل انسحابها فعليا من كل من العراق وأفغانستان بطريقة منظمة إلى حد ما (يمكن للمرء أن يذكر المغادرة المستعجلة للجيش الأميركي بعد عودة طالبان إلى السلطة في كابول في غشت وشتنبر 2021)، مفضلة القيام بمنعطف استراتيجي نحو المحيط الهادئ، وعلاوة على ذلك توقيع اتفاقيات مع أعدائها في المنطقة، مثل اتفاق فيينا بشأن الطاقة النووية الإيرانية في عام 2015، والذي جعل من الممكن في ذلك الوقت رفع العقوبات المفروضة على طهران [64].
ويتوقع أن تكون سياسة ترامب في الشرق الأوسط خلال ولايته الثانية مشابهة لسياساته السابقة لكنها أكثر تركيز على تقليص النفوذ الصيني والروسي من خلال تقديم حوافز اقتصادية وعسكرية للدول التي تتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية أو محاولة الضغط لإضعاف الشراكات الاقتصادية لهذه الدول منها الصين وروسيا، إضافة إلى تعزيز التحالفات مع دول الخليج وإسرائيل لمواجهة التحديات الإقليمية[65].
وفيما يتعلق بالسياسة الأمنية للولايات المتحدة في المنطقة، فإنه من المرجح أن يواصل ترامب تقليص التواجد العسكري الأمريكي، إلا ذا تطلب الأمر حماية مصالح استراتيجية. قد يعتمد على القوات الحليفة في المنطقة بدلا من التدخل المباشر، متخذا دورا داعما من خلال التدريب والتعاون الأمني ومطالبا دول المنطقة بتحمل مسؤولية أكبر في عمليات الأمن [66].
ومن جملة التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة التحدي الذي يطرحه التنافس بين القوى العظمى، وبصورة خاصة توسع النفوذ الروسي والصيني في الشرق الأوسط، حيث تحول جميع حلفاء الولايات المتحدة تقريبا في المنطقة نحو موردين خارجيين آخرين، بما في ذلك نحو دول أوروبية فضلًا عن روسيا (وبدرجة أقل الصين)، وكثيرا ما يهددون بالإقدام على هذه الخطوة التي يستخدمونها كورقة ضغط على واشنطن أو للتعبير عن امتعاضهم من السياسات الأميركية [67].
ويمثل تزايـد النفـوذ الروسـي والصينـي في الشرق الأوسط تحديـا استراتيجيا لواشنطن، حيث تستغل موسكو وبكين تقليص الوجود الأمريكي في المنطقة لتعزيـز علاقاتهما السياسـية والاقتصادية مع دول المنطقة، ويمكـن أن يـؤدي ذلـك إلـى تـآكل النفـوذ الأمريكي التقليدي وإعـادة تشـكيل التوازنـات الإقليمية لصالـح خصوم الولايات المتحدة .
من الواضح أن جوهر الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط يبقى، قبل كل شيء، الحفاظ على مصالحها الاقتصادية في المنطقة، وهذا هو الحال منذ اتفاقية كوينسي المبرمة مع المملكة العربية السعودية عام 1945. لذا، يجب فهم المبادرات الأمريكية في هذا السياق: الحفاظ على إمدادات النفط، وتأمين طرق التجارة، وخاصة تلك التي تمر عبر البحر الأحمر، إضافة إلى الحفاظ على مجمعها الصناعي العسكري قائما من خلال عملاء رئيسيين، بما في ذلك المملكة العربية السعودية وإسرائيل، حليفيها التقليديين الرئيسيين [68]، ولذلك مـن المتوقـع أن يعـزز ترامـب العلاقات مـع دول الخليـج العربي، ولا سـيما السـعودية والإمارات، باعتبارهما شـريكين اسـتراتيجيين في مجالي الطاقة والأمن، وسـيعمل على تعميق التعاون لضمان اسـتقرار أسـواق النفط العالمية وحمايـة المصالـح الأمريكية فـي المنطقـة. كمـا أنـه مـن المرجـح أن يواصـل ترامـب تشـجيع دول الخليـج علـى شـراء المزيـد مـن الأسلحة الأمريكية المتطـورة، ممـا يدعم الصناعـات الدفاعيـة فـي الولايات المتحـدة، إلـى جانـب تشـجيع الاستثمارات الخليجيـة فـي الاقتصاد الأمريكي. وفي المقابل أظهـرت سياسـاته السـابقة تجاهل لقضايـا حقـوق الإنسان والإصلاحات السياسـية فـي المنطقـة، حيـث فضـل التركيز علـى العلاقات الاقتصادية والأمنية، وقـد يـؤدي هـذا التوجـه إلى توتـرات داخلية في دول الخليـج، مـع تصاعـد الضغـوط الدوليـة والمحليـة المطالبـة بتحسـين أوضـاع حقـوق الإنسان، وهـو مـا قـد يضعـف مـن اسـتقرار هـذه الأنظمة علـى المـدى الطويـل [69].
إلى جانب التحديات المذكورة، ينتصب معطى آخر ويتعلق بتكاثر الجهات الفاعلة في الشرقين الأدنى والأوسط، وإعادة التموضع الاستراتيجي للولايات المتحدة، يشيران إلى تراجع نفوذها على التوازنات الإقليمية، حيث يسجل التحرر الملحوظ لبعض القوى الإقليمية من هيمنة السياسة الأمنية الأمريكية وأبرزها تركيا بقيادة أردوغان، فعلى الرغم من كونها عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلا أنها تؤكد استقلالها الاستراتيجي ورغبتها في الحفاظ على علاقات اقتصادية ودبلوماسية مع منافسين استراتيجيين للولايات المتحدة مثل روسيا والصين. إن موقعها الاستراتيجي عند مفترق الطرق بين أوروبا وآسيا، بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود، يجعلها محورا جيوسياسيا إقليميا، بل وعالميا [70].
إيران هي الأخرى ترسخ مكانتها كقوة فاعلة هجومية في المنطقة، من خلال تطوير برنامجها النووي رغم العقوبات الغربية، ودعمها للمنظمات والأنظمة الإسلامية في الدول ذات الأغلبية الشيعية أو الأقلية الشيعية، المعروفة مجتمعة باسم “الهلال الشيعي”، والتي تضم لبنان واليمن وأذربيجان، وحتى وقت قريب سوريا، وقد تؤدي سياسة “الضغط الأقصى” على إيران إلى تصعيد عسكري غير محسوب، خاصـة إذا ردت إيـران علـى العقوبـات الاقتصادية باسـتهداف المصالـح الأمريكية أو حلفـاء أمريـكا فـي المنطقـة، ومثـل هـذه المواجهـات قـد تشـعل صراعـات جديـدة تهـدد الأمن الإقليمي، وقد تؤدي إلى زعزعة استقرار دول الخليج وتعطيل إمدادات الطاقة العالمية، كما أن سياسـة ” الضغـط الأقصى ” قد تؤدي إلى تعــزيز الموقــف المتشــدد داخــل القيــادة الإيرانية، مما يعقــد إمكانيــة الوصـول إلـى حـل دبلوماسـي طويـل الأمد[71].
وعموما، فقد تتيح ولاية ترامب الثانية الفرصة لإعادة صياغة السياسة الأمنية الأمريكية في الشرق الوسط، إذ قد يتجه نحو تقليـل التدخـل العسـكري المباشـر، مـع التركيز على الدبلوماسية والضغط الاقتصادي لتحقيق أهـداف السياسـة الخارجيـة، وهذا النهج قد يؤدي إلى التقليص من كلفة التكاليـف الباهظـة للتدخلات العسـكرية الطويلـة، لكنـه يتطلـب اسـتراتيجية متوازنـة تضمـن الحفـاظ علـى المصالـح الأمريكية دون التضحيـة باسـتقرار المنطقـة .
الخاتمة :
يتضح من خلال الدراسة أن واشنطن ظلت تتحرك في مساحة جد معقدة يحكمها هاجس الهيمنة للحفاظ على مصالحها في الشرق الأوسط ورغبة في ضمان حد أدنى من الاستقرار .
وتستند الولايات المتحدة الأمريكية على شبكة واسعة من الحلفاء بالمنطقة وعلى رأسهم إسرائيل وبلدان الخليج وتركيا، إلى جانب تحالفاتها العسكرية ووجودها العسكري المباشر الذي يسير نحو التقلص بسبب ارتفاع كلفة التدخل العسكري من أجل حماية مصادر الطاقة وتأمين طرق التجارة، مستندة على تفوقها الاستراتيجي . وتدرك واشنطن أن استمرار حالة اللا توازن في المنطقة يهدد مصالحها على المدى الطويل، مما يجعلها تبحث دائما عن ترتيبات لكل مرحلة وإدارة الأزمات بدل حلها جذريا، من أجل ضمان عدم بروز قوى مناوئة قد تقوض النفوذ الأمريكي.
ومع ذلك فإن واشنطن تواجه اليوم تحديات متزايدة، لعل أبرزها تزايد النفوذ الروسي والصيني، وتنامي أدوار الفاعلين غير الدولتيين، وتراجع الأدوات التقليدية للردع، وهي معطيات قد تدفع الإدارة الأمريكية إلى إعادة صياغة سياستها الأمنية في المنطقة، وربما الانتقال من منطق الهيمنة الصلبة إلى صيغ أخرى أكثر قبولا تدمج القوة الناعمة والدبلوماسية الحضارية، ذلك لأن التركيز المفرط على المقاربة الأمنية وتبني الإدارة الأمريكية لأسلوب إدارة الأزمات بدل حلها جذريا يضعف فرص بناء تسويات سياسية مستدامة للنزاعات الإقليمية .
وخلاصة القول، أن السياسة الأمنية الأمريكية في الشرق الأوسط ستظل رهينة التوتر رغم تقلص الحضور العسكري الأمريكي وستظل محكومة بهاجس الضرورات الاستراتيجية ومتطلبات الاستقرار في منطقة تزداد أوضاعها الأمنية تعقيدا بتنامي الطموح التوسعي الإسرائيلي نحو حلم “إسرائيل الكبرى “، الأمر الذي يجعل مستقبل المنطقة مرتبطا بقدرة الولايات المتحدة على تبني مقاربات أكثر مرونة وواقعية في التعاطي مع التحولات العميقة التي تشهدها المنطقة .
[1] -خليل مروة ، مفهوم الهيمنة في نظريات العلاقات الدولية، المجلة العلمية لكلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية، العد5، ( 2020 ) ، ص 79
[2] -هدي عبد الرؤوف عبد الرحمن، الهيمنة العالمية والهيمنة الإقليمية كأحد استراتيجيات السياسة الخارجية، مجلة كلية السياسة والاقتصاد – العدد 28 ،( 2025 ) ، ص 363 .
[3] -فوزية الفرجاني، غرامشي والهيمنة والعلاقات الدولية: مقالة في المنهج، مجلة شؤون الأوسط، العدد 162 ( 2020 ) ، ص 152 – 153 .
[4] -المرجع نفسه، ص 153 – 156 .
[5] -حبش لورد، الهيمنة في العلاقات الدولية : مراجعة للمفهوم في ضوء الحالة الأمريكية، سياسات عربية، العدد 48، ( 2021 ) ، ص 24 – 25
[6] -المرجع نفسه، ص 23 .
[7] -المرجع نفسه، ص 23 .
[8] -هدي عبد الرؤوف عبد الرحمن، المرجع نفسه، ص 364 .
[9] -المرجع نفسه، ص 365 – 366 .
[10] -عميري عبد الوهاب، المرجع نفسه، ص 1882 .
[11] -هدي عبد الرؤوف عبد الرحمن، المرجع نفسه، ص 370 .
[12] -المرجع نفسه، ص 371 .
[13] -عبد الوهاب عميري ، المرجع نفسه، ص 1883 .
[14] -تريند للبحوث والدراسات، المرجع نفسه
[15] -المرجع نفسه.
[16] – سارة زكي غضبان ، ” التنافس الدولي في منطقة الشرق الأوسط : الشرق الأوسط من منظور جيوستراتيجي ” في ” القوى الصاعدة تجاذبات المصالح في منطقة الشرق الأوسط “، تحرير : حورية قصعى، زكرياء حلوي ( المركز الديمقراطي العربي 2024 ) ص 35
[17] -تريند للبحوث والدراسات ، المرجع السابق.
[18] -The Spanish institute for strategic studies , Middle East facing reconfiguration projects in 2025 2025 ) , 2.
[19] -Victor Cha& Nicholas Szechenyi& Will Todman , Navigating Disruption Ally and Partner Responses to U.S. Foreign Policy (the CSIS Geopolitics and Foreign Policy Department 2025 ) , 37 .
[20]– Ibid, p , 37.
[21]– Ibid, p , 37
[22]– Ibid, p , 37
[23] -” قاعدة أمريكية بدمشق … ما علاقتها بإسرائيل ؟ “، موقع دويتشه فيله ( نوفمبر 2025 )، متاح على الرابط : https://shorturl.at/iNDJL ( 24 نوفمبر 2025 ).
[24] Victor Cha& Nicholas Szechenyi& Will Todman, op.cit , 37
[25] -The Spanish institute for strategic studies , op.cit, 14
[26] -Ibid, p, 15.
[27] -Ibid, p, 37.
[28] -Ibid, p, 37.
[29] -المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، الحرب الإسرائيلية على إيران والرد الإيراني : من الظل إلى الصدام المباشر، سلسلة : تقدير موقف ( 2025 )، ص 6.
[30] -المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات ، المرجع نفسه، ص 6
[31] -The Spanish institute for strategic studies , op.cit, 16.
[32] -منار مازن منصور كريشان وأيمن البراسنة، أهداف السياسة الخارجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط ، – مجلة اتحاد الجامعات العربية للبحوث في التعليم العالي ، العدد 2 ( 2024) ، ص 192 .
[33] -Burak Elmali ,Trump 2.0 Middle East Strategy: Continuity or Escalation? ( TRT WORLD RESEARCH CENTRE 2024) : 3 .
[34] -Uktu ÇAKIRÖZER , La Menace posée PAR L’Iran à la sécurité régionale et Euro- Atlantique (Assemblée parlementaire de l’Otan 2025 ) : 1- 2
[35]– Uktu ÇAKIRÖZER , op. cit , 1-2
[36] -Burak Elmali , op.cit, 4
[37] – Ibid, p 4 .
[38]– سعيد عكاشة ، هل تتغير نظرة ” ترامب ” للمشكلة الفلسطينية في ولايته الثانية ؟، آفاق مستقبلية – العدد 5 ( 2025 )، ص 210 .
[39] -Victor Cha& Nicholas Szechenyi& Will Todman , op.cit , 38
[40] – Ibid, p, 38.
[41] -عمار علي حسن، عقبات أمام تنفيذ الخطة الأميركية التي أقرها مجلس الأمن بشأن غزة “، موقع الجزيرة (نوفمبر )، أنظر في الرابط : https://tinyurl.com/enjwtt8h ( 28 نوفمبر 2025 )
[42] -سعيد عكاشة، المرجع نفسه، ص 212
[43] -يوسف كامل، موقف المملكة العربية السعودية من الحرب على غزة ، مركز الخليج للأبحاث ( 2025) ص 3 .
[44] -محسن محمد صالح ، المرجع نفسه، ص 9
[45] -من ومتى.. البلاد التي تعترف بدولة فلسطين ، موقع Andalou Agensi ( سبتمبر 2025 )، أنظر في الرابط: https://shorturl.at/3cMze ( 28 نوفمبر 2025 )
[46] -محسن محمد صالح ، المرجع نفسه، 10
[47] -المرجع نفسه ص08.
[48] -رياض الحسن، مصير قسد بعد خفض تمويلها من الولايات المتحدة ، جسور للدراسات ( 2025 ) ص 3.
[49] رياض الحسين، المرجع نفسه، ص 6
[50] جسور للدراسات، المرجع نفسه، ص 6
[51] كان يبلغ عددهم 35 ألف عنصر عام 2017
[52] رياض الحسن، المرجع نفسه، ص 6
[53] المرجع نفسه، ص 7
[54] -الاتفاق بين الحكومة السورية و(قسد).. تحديات التنفيذ وآفاق المستقبل – موقع المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة ( 2025) متاح على الرابط : https://shorturl.at/5p2oF ( 28 نوفمبر 2025 )
[55] -رياض الحسن ،المرجع نفسه، ص 7
[56] -المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، المرجع السابق الذكر.
[57] -المرجع نفسه.
[58] -جسور للدراسات، مصير قسد بعد خفض تمويلها من الولايات المتحدة، ، ص 4.
[59] -ميهربان رؤوف، الدعم الأميركي للقوات الأمنية في الشرق الأوسط: الأليات، الأهداف و التحديات، موقع مؤسسة درو الإعلامية متاح على الرابط : https://tinyurl.com/4ry94s54 ( 20 نوفمبر 2025)
[60] -يارا خالد ، قوات البيشمركة الكردية بين التحالفات المشروطة وإعادة التموضع الأمريكي: قراءة في السياسات الأمريكية، موقع مركز ترو للداسات ( أكتوبر 2025 ) – متاح على الرابط : https://truestudies.org/2852/ ( 27 نوفمبر 2025 )
[61] -يارا خالد ، المرجع نفسه
[62] المرجع نفسه.
[63] رياض الحسن ، مرجع سابق، ص 4
[64] Charles Rat ,Que font les Etats-Unis au Moyen-Orient ? – Sujet corrigé et commenté , site Mister Prepa ( Mars 2025 ) disponible sur le lien : https://misterprepa.net/sujet-etats-unis-moyen-orient ( 20 novembre 2025 )
[65] نور نبيه جميل ، المرجع نفسه، ص 3.
[66] -نفس المرجع، نفي الصفحة.
[67] -ميشيل دان وفريدريك ويريK من صفقات الأسلحة إلى المقاربة الشاملة: إعادة ضبط الانخراط الأمني الأميركي مع الدول العربية، موقع كارنيغي للشرق الأوسط ( يوليو 2021) ، أنظر في الرابط : https://shorturl.at/FmfVh ( 26 نوفمبر 2025 ) .
[68] Charles Rat , op.cit
[69] ناصر الهاجري، مستقبل التواجد الأمريكي في الشرق الأوسط في ظل ولاية ترامب الثانية – آفاق مستقبلية العدد 5 (2025 )، ص 43-44.
[70] -ناصر الهاجري ، المرجع نفسه، ص 42 – 44
[71] -نفس المرجع، نفس الصفحة.




