أمنيةتحليلات و تقديراتترجماتسياسيةمختاراتمقالات

رؤية تركية: الغارة الإسرائيلية على مطار أبو الظهور السوري

د. مروان شحادة

باحث سياسي، متخصص في الحركات الإسلامية والدبلوماسية الإنسانية

الضربة الإسرائيلية على مطار أبو الظهور لا تبدو عملية منفصلة أو تكتيكية فقط، بل جزءاً من سياسة أوسع تسعى من خلالها إسرائيل إلى فرض سقف لقدرات الدولة السورية الجديدة قبل أن تستعيد بنيتها العسكرية، وبالتوازي منع تركيا من تحويل نفوذها السياسي والعسكري في سوريا إلى بنية قواعد دائمة يمكن أن تقلص مستقبلاً حرية الحركة الجوية الإسرائيلية.

وتكتسب الضربة أهمية إضافية لأن إسرائيل أقرت بأن هدفها كان منع تمركز تركي محتمل في القاعدة، بينما قالت دمشق إن الموقع كان يجري تأهيله لصالح القوات الجوية السورية وليس لإنشاء قاعدة تركية. كما أكدت رويترز أن مسؤولين سوريين وإسرائيليين ناقشوا فعلاً مسألة الانتشار التركي قبل الضربة، ما يعني أن العملية جاءت بعد اتصالات وتحذيرات سياسية وأمنية، لا نتيجة سوء تقدير ميداني عابر. والنتيجة الأهم هي أن إسرائيل ترسم عملياً قاعدة جديدة في سوريا: أي منشأة عسكرية يمكن أن تنتج مستقبلاً قدرة سورية أو تركية ترى تل أبيب أنها تقيد تفوقها الجوي قد تصبح هدفاً قبل دخولها الخدمة.

لماذا أبو الظهور تحديداً؟

يختلف أبو الظهور عن غالبية الأهداف الإسرائيلية الأخيرة في سوريا من حيث الموقع والدلالة، فهو في شمال غرب البلاد، على مسافة بعيدة من الجولان والمنطقة الجنوبية التي تركز فيها إسرائيل عادة عملياتها البرية والجوية. كما أن الغارة جاءت بعد زيارة وفد تركي للمطار، وقد ذكرت الاسوشيتد برس أن الضربة وقعت بعد ساعات من مغادرة الوفد، فيما قالت أكسيوس إن إسرائيل استهدفت المدارج والحظائر لمنع تمركز تركي محتمل، هذا التوقيت يجعل الرسالة موجهة إلى ثلاثة أطراف في آن واحد.

إلى دمشق: إعادة بناء الجيش السوري ليست عملية سيادية داخلية خالصة من وجهة النظر الإسرائيلية، بل تخضع عملياً لرقابة إسرائيلية بالقوة.

إلى أنقرة: الدعم العسكري التركي لسوريا له حدود ترسمها إسرائيل، خصوصاً عندما يتحول من التدريب والتسليح إلى قواعد أو منشآت جوية دائمة.

إلى واشنطن: إسرائيل مستعدة للعمل منفردة حتى عندما تكون الولايات المتحدة تحاول بناء تفاهم أمني إقليمي أوسع.

البعد التركي هو جوهر الضربة

من الخطأ في تقديري قراءة الغارة بوصفها استهدافاً لسوريا وحدها، هي أيضاً حلقة جديدة في التنافس التركي الإسرائيلي على شكل سوريا ما بعد الأسد، تركيا تنظر إلى استقرار الحكومة السورية الجديدة وإعادة بناء مؤسساتها العسكرية بوصفهما جزءاً من أمنها القومي. إسرائيل، في المقابل، لا تريد أن تتحول سوريا إلى مساحة نفوذ عسكري تركي متقدمة، وبصفة خاصة إذا امتلكت تركيا قواعد جوية أو أنظمة دفاع جوي أو طائرات مسيرة أو بنية تدريب وتسليح قادرة على تغيير ميزان القوى.

رويترز أفادت بأن الاتصالات السابقة للضربة تناولت تحديداً المخاوف الإسرائيلية من القوات التركية، ومبيعات السلاح والطائرات المسيّرة للجيش السوري، وهذا يعني أن الصراع لم يعد حول “هل توجد إيران في سوريا؟”، كما كان خلال المرحلة السابقة، بل أصبح السؤال الإسرائيلي الجديد: من سيملأ الفراغ العسكري والاستراتيجي الذي تركه انهيار النظام السابق؟ وتركيا هي المرشح الأكثر أهمية لذلك.

 لماذا لم تستهدف إسرائيل القوات التركية؟

هذه نقطة شديدة الأهمية، لأن استهداف المدارج والبنية التحتية، مع تجنب إيقاع قتلى أتراك، يعني أن إسرائيل تريد فرض الردع دون الوصول إلى حرب مع تركيا، بمعنى آخر، الرسالة الإسرائيلية هي: “لن نستهدفكم مباشرة الآن، لكننا لن نسمح بإنشاء البنية التي تمكنكم من التمركز”، وهذه سياسة وقائية تقوم على ضرب المنشأة في مرحلة مبكرة، حين تكون تكلفة العملية منخفضة، بدلاً من انتظار تمركز قوات تركية فيها، لأن أي ضربة لاحقة ستصبح أكثر خطورة سياسياً وعسكرياً وقد تؤدي إلى مواجهة مباشرة بين دولتين تملكان قدرات عسكرية كبيرة.

هل ستستمر الغارات الإسرائيلية؟

الجواب المرجح هو: نعم، لكن بصورة انتقائية ومحسوبة، فليس من المرجح أن تتوقف إسرائيل كلياً بسبب الاحتجاج الأميركي، لأن بنيامين نتنياهو أكد علناً أن الضربة جاءت رداً على ما اعتبرته إسرائيل محاولة للسماح بوجود تركي في القاعدة، بينما لم تنتج المحادثات السورية الإسرائيلية التي ترعاها واشنطن حتى الآن اتفاقاً أمنياً نهائياً، لكن طبيعة الأهداف ستتأثر بدرجة كبيرة بالسلوك التركي والسوري وبقوة التدخل الأميركي، الأهداف الأكثر عرضة للضرب مستقبلاً هي القواعد الجوية قيد التأهيل، منشآت الدفاع الجوي، مخازن الصواريخ والطائرات المسيّرة، منشآت التدريب ذات الدور التركي المباشر، وأي بنية يمكن أن تستخدم لتقييد حرية الطيران الإسرائيلي، وبالتالي فإن إسرائيل لا تحتاج إلى ضرب كل برنامج لإعادة بناء الجيش السوري؛ يكفي أن تقنع دمشق وأنقرة بأن أي قدرة نوعية يمكن أن تغير ميزان الردع ستواجه ضربة استباقية.

الضمانات الأميركية: هل تكفي؟

الولايات المتحدة لم تؤيد العملية. توم باراك وصف الغارات بأنها «تصعيد غير ضروري» وقال إن حكومة أحمد الشرع لم تعتمد سياسة عدوانية تجاه إسرائيل، وإن واشنطن ستواصل دفع الحوار بدلاً من العمل العسكري، لكن الأكثر أهمية أن واشنطن بدأت العمل على آلية منع احتكاك بين تركيا وإسرائيل وسوريا، لأن مسؤولين أميركيين أدركوا أن العملية كانت يمكن أن تنتج مواجهة تركية إسرائيلية إذا وُجد عسكريون أتراك في الموقع وقت الضربة، هذه الآلية قد تشمل تبادل معلومات حول مواقع القوات، الإبلاغ المسبق عن أنشطة عسكرية معينة، تحديد مناطق حساسة، وقنوات اتصال مباشرة في حالات الطوارئ، لكنها ليست ضمانة سيادية كاملة لسوريا، بمعنى أدق، واشنطن تستطيع تقليل خطر الاشتباك الخطأ بين تركيا وإسرائيل، لكنها لم تثبت حتى الآن قدرتها أو استعدادها لمنع إسرائيل من تنفيذ ضربة تعتبرها مرتبطة بأمنها القومي، وكون إسرائيل أبلغت البيت الأبيض مسبقاً بالعملية، بحسب أكسيوس، يوضح هذه الفجوة: واشنطن علمت، لكنها لم تمنعها.

ماذا تريد إسرائيل من سوريا الجديدة؟

يمكن استخلاص أربعة أهداف إسرائيلية استراتيجية؛ الأول هو إبقاء جنوب سوريا ضعيفاً عسكرياً، ومنع انتشار وحدات أو أسلحة ترى إسرائيل أنها تهدد الجولان، الثاني هو ضمان حرية العمليات الجوية الإسرائيلية في الأجواء السورية، الثالث هو منع عودة بنية صاروخية أو دفاع جوي قادرة على تحدي التفوق الإسرائيلي، والرابع، وهو الأحدث، هو منع تحول تركيا إلى قوة عسكرية ضامنة لسوريا بما يجعل أي عملية إسرائيلية مستقبلاً مشروطة بحساب رد الفعل التركي، ومن هنا تصبح أبو الظهور نموذجاً لما يمكن وصفه بـ سياسة منع التمكين العسكري السوري.

مأزق دمشق

الحكومة السورية الجديدة تجد نفسها أمام معادلة شديدة الصعوبة، فهي تحتاج إلى إعادة بناء مؤسسات الجيش لضبط البلاد، وتأمين الحدود، واحتواء المجموعات المسلحة، وحماية المجال الجوي. لكنها لا تمتلك بمفردها القدرات والموارد اللازمة لذلك، ولذلك تعتمد بدرجة كبيرة على تركيا، لكن كلما ازداد التعاون العسكري مع أنقرة، ازدادت مخاوف إسرائيل.

وهكذا تدخل دمشق في حلقة أمنية متناقضة: ضعف الجيش السوري يولد عدم استقرار داخلي، لكن: محاولة تقوية الجيش قد تستدعي ضربات إسرائيلية تمنعه من استعادة قدراته، وهذا هو أحد أخطر التناقضات الاستراتيجية في المرحلة الحالية.

الخيارات التركية

أمام أنقرة عملياً ثلاثة سيناريوهات:  1. الاحتواء والتفاوض، وهو الأكثر احتمالاً على المدى القصير. تستمر تركيا في تدريب الجيش السوري ولكن مع تجنب إنشاء قواعد واضحة في المواقع التي تعتبرها إسرائيل حساسة، وتستخدم القناة الأميركية لمنع التصعيد، 2. الاستمرار التدريجي في بناء القدرات السورية مع توزيع المنشآت وعدم تركيزها في قواعد كبيرة يمكن استهدافها بسهولة. هذا قد ينتج لعبة طويلة بين بناء البنية العسكرية واستهداف أجزاء منها، 3.  فرض واقع عسكري تركي مباشر من خلال نشر قوات ووسائط دفاع جوي في قاعدة معينة. هذا هو السيناريو الأخطر لأنه قد يحول أي ضربة إسرائيلية إلى اختبار مباشر للردع التركي الإسرائيلي، حتى الآن، الموقف التركي بعد الضربة يشير إلى رغبة في عدم الانزلاق نحو الخيار الثالث، رغم الإدانة السياسية الشديدة للعملية. رويترز نقلت عن أنقرة رفضها المبررات الإسرائيلية، مع استمرار تمسكها بالتعاون مع دمشق.

 عامل عدم الاستقرار السوري

عدم استقرار سوريا نفسه يشجع استمرار التدخلات الخارجية، لأن الدولة السورية الجديدة لم تستعد بعد احتكارها الكامل للقوة، والجيش في طور إعادة البناء، والسلطة المركزية ما زالت تتعامل مع قضايا أمنية وسياسية واقتصادية معقدة، في هذه البيئة، ترى إسرائيل أن تكلفة العمل العسكري منخفضة نسبياً، فلا توجد حتى الآن منظومة دفاع جوي سورية قادرة على خلق ردع فعال، ولا يوجد اتفاق أمني ملزم، ولا ترتيبات إقليمية تجعل الضربة على منشأة سورية مكلفة بما يكفي لردع إسرائيل، ولهذا فإن عدم استقرار سوريا ليس سبباً عرضياً للغارات؛ بل أحد الشروط التي تجعل استمرارها ممكناً.

السيناريو الأرجح خلال الأشهر المقبلة

السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس حرباً إسرائيلية تركية، ولا توقفاً كاملاً للغارات، إنما هو ظهور نموذج الاحتكاك المضبوط: تركيا تستمر في بناء الجيش السوري وتدريبه، وإسرائيل تراقب المشروعات العسكرية وتضرب بعض المنشآت عندما ترى أنها تجاوزت خطوطها الحمراء، أما واشنطن تتدخل بعد كل أزمة لرفع مستوى التنسيق ومنع سقوط قتلى أتراك أو انتقال التصعيد إلى مواجهة مباشرة، في حين فإن دمشق تستمر في الاحتجاج سياسياً مع تجنب الرد العسكري المباشر، وهذا النموذج قد يستمر إلى أن يتم التوصل إلى ترتيب أمني سوري إسرائيلي واضح بضمانة أميركية.

 ما الذي يمكن أن يوقف الغارات؟

ليس التصريح الأميركي وحده كافٍ لكي تنخفض العمليات فعلياً، تحتاج البيئة الأمنية إلى اتفاق أكثر وضوحاً يحدد ثلاث مسائل: حدود الانتشار العسكري السوري جنوباً، طبيعة الوجود التركي والقواعد التي يمكن أن يستخدمها، وحدود حرية العمل العسكري الإسرائيلي، ومن دون تفاهم حول هذه القضايا، ستظل عبارة «التهديد المحتمل» واسعة بما يكفي لتستخدمها إسرائيل لتبرير عمليات مستقبلية، والاتصالات بين دمشق وتل أبيب كانت قد أحرزت تقدماً نحو تفاهم أمني قبل أن تتراجع إسرائيل عن بعض الالتزامات، وفق وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني.

غارة أبو الظهور تؤشر إلى أن الساحة السورية تنتقل من صراع على النفوذ الإيراني إلى صراع على شكل الدولة السورية الجديدة وحدود القوة التركية فيها، إسرائيل لا تريد بالضرورة انهيار سوريا، لأن الفوضى الكاملة تحمل مخاطر أمنية عليها أيضاً، لكنها في الوقت ذاته لا تبدو مستعدة لقبول سوريا تستعيد قدراتها العسكرية التقليدية تحت رعاية تركية إذا كان ذلك سيقيد تفوقها وحريتها العملياتية، وتركيا، من جانبها، لا تستطيع بناء دولة سورية مستقرة من دون إعادة بناء مؤسساتها العسكرية، لكنها لا تريد أن تتحول سوريا إلى سبب لمواجهة مفتوحة مع إسرائيل، أما واشنطن، فهي الطرف الوحيد القادر نظرياً على إدارة هذا التناقض، لكنها حتى الآن تمارس دور مدير الاحتكاك أكثر من دور الضامن الذي يمنع استخدام القوة.

ومن هنا يمكن القول؛ إنه من المرجح استمرار الغارات الإسرائيلية على سوريا في المدى المنظور، لكن بصورة انتقائية تركز على القدرات النوعية والمنشآت المرتبطة بإعادة بناء القوة العسكرية السورية أو الحضور التركي. ولن تكون الضمانات الأميركية كافية لوقفها ما لم تتحول من ترتيبات منع احتكاك إلى اتفاق أمني واضح يحدد خطوطاً حمراء ملزمة لإسرائيل وتركيا وسوريا معاً.

والخطر الحقيقي ليس ضربة أبو الظهور ذاتها، بل أن تتحول هذه السياسة إلى قاعدة ثابتة تمنع الدولة السورية من إعادة بناء الحد الأدنى من قدراتها السيادية، لأن استمرار سوريا ضعيفة عسكرياً ولكن غير مستقرة أمنياً قد يبدو لإسرائيل مفيداً تكتيكياً، لكنه على المدى الاستراتيجي يمكن أن ينتج فراغاً وفوضى وتنافساً إقليمياً يصعب ضبطه.

____________

يُنشر بالتعاون مع معهد الأمن والاستراتيجية العالمي  (GSSI)، النمسا، (رابط النص باللغة الإنجليزية)

Admin

مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية: مؤسسة فكر وتخطيط استراتيجي تقوم على إعداد التقديرات وتقديم الاستشارات وإدارة المشروعات البحثية حول المتوسط وتفاعلاته الإقليمية والدولية. لا يتبنى المركز أية توجهات مؤسسية حول كل القضايا محل الاهتمام، والآراء المنشورة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى