السياسات الصينية تجاه أفريقيا والشرق الأوسط: مبادرة الحزام والطريق نموذجًا
هالة يوسف محمد أحمد، باحثة في مجال العلاقات الدولية (السودان)
الملخص
تتبنى الصين سياسات قائمة على المصلحة المتبادلة، كما تلتزم نهج الحياد مع بناء سياسات خارجية متوازنة قائمة على احترام الآخر عبر العديد من القنوات والآليات سيما القنوات الدبلوماسية، حيث يتم توظيف تلك الآليات بخطط مدروسة وتخطيط استراتيجي معمق وذكي، واضعة في الاعتبار أمنها القومي ومصالحها الوطنية كأولوية مع الحرص على المنافسة الحرة وفقًا لنظرية (win- win) والمحافظة على الملكيات الفكرية في مجال التقنية والمعلوماتية والتصنيع والتكنولوجيا الذكية، حيث تمتاز التكنولوجيا الصينية بأنها تجمع ما بين الجودة وسهولة الوصول إليها وقدراتها التنافسية في السوق العالمي، وتمتاز السياسة الصينية الاقتصادية بالاحترافية والانضباطية، مع التمدد المدروس، بحيث لا تحصر مصالحها في دول محددة بل تتوسع وتتمدد وفقًا للفرص التي تناسب طموحها ومقدراتها، كما تلعب الثقافة الصينية دورًا هامًا في تحقيق الترابط المجتمع- دولي من خلال سياسة التقارب بين الصين والشعوب الأخرى.
تتناول هذه الورقة سياسة الصين تجاه أفريقيا والشرق الأوسط وما صاحبها من تغيرات بنيوية وانعكاساتها على النسق الدولي مستصحبة دور مبادارة الحزام والطريق كأداة من أدوات السياسة الصينية وموقع الصين في النظام العالمي كفاعل دولي صاعد يشغل بال السياسة الأميركية، ومن ثم استقراء مستقبل مبادرة الحزام والطريق في ظل التنافس الجيواستراتيجي في المنطقة والتحديات التي واجهتها بعد الحرب الأميركية الايرانية.
أثبتت الورقة أن هنالك تغيرات بنيوية طرأت على السياسة الصينية ومن المتوقع أن تساعد بنمط جيواستراتيجي في تغيير موازين القوى، مع تنامي دور الثقافة الصينية في كسب وربط الشعوب الأفريقية والشرق أوسطية بالصين، كذلك خرجت الورقة بالعديد من النتائج منها أن مبادرة الحزام والطريق تعتبر أحد أدوات توسيع النفوذ الجيوسياسي والاقتصادي للصين في ظل تصاعد الهيمنة الأميركية في المنطقة مع تراجع دورها في حفظ الأمن والسلم الدوليين. توصلت الورقة إلى أن سلوك السياسة الخارجية لدولة ما يمكن أن يسهم في تغيير النسق الدولي. أثبتت الورقة أن بمقدرة الصين قيادة مشروع مبادرة الحزام والطريق التنموي رغم استمرار الصراعات والحروب بالمنطقة.
الكلمات المفتاحية : الصين، أفريقيا، الشرق الأوسط، الحزام والطريق. السياسة الخارجية.
المقدمة
منذ انهيار الاتحاد السوفيتي في تسعينات القرن الماضي لم يطرأ تغيير على بنية النظام الدولي، حيث تميز بالثبات دون دينامية التحرك نحو التعددية أو الثنائية القطبية، في ظل تنامي الهيمنة الأميركية الذي صاحبه فراغ بنيوي غير موازي لهذه الهيمنة، الجدير بالذكر أن هذه الهيمنة قد بدات منذ اتفاقية بريتون وودز في العام 1944 والتي أسست لبداية الهيمنة الأميركية على النظام الاقتصادي العالمي.
تنبع أهمية هذه الورقة لظهور تغيرات جوهرية في بنية النظام الدولي في ظل التحولات الجيوسياسية والجيواستراتيجية، حيث تعتبر الصين أحد الفواعل الرئيسية في نشوء هذا النظام العالمي المتجدد، الذي بدأ متأرجحًا ما بين توازن وعدم ثبات، هذه الحالة ساعدت الصين للتحرك لمحاولة الصعود بقوة واختراق النظام الأحادي القطبية وفقًا لخطط مدروسة وتوظيف قوتها الاقتصادية ومكانتها الدولية ويظهر ذلك في سياسة الصين الخارجية التي تميزت بالتفاعل والإنخراط بقوة في إدارة النظام الدولي والسياسة الدولية وفقًا لمبادئ محددة وسلوك متزن، حيث ظهرت هذه المبادئ والسلوك المرن على سياسة الصين الخارجية، وبصورة عامة تسعى الدول العظمى من خلال سياستها الخارجية -وبفضل هيمنتها على النظام الدولي- إلى محاولة التحكم في النسق الدولي وتوظيفه لمصالحها وأمنها القومي ولا تضع في الاعتبار المحافظة على الأمن العالمي عكس جمهورية الصين، حيث تنتهج جمهورية الصين في سياستها الخارجية التخطيط الإستراتيجي الذي يتميز بالنهج العلمي والإستشرافي الواعي المخطط وفق تفكير إستراتيجي منظم ويهدف إلى ضبط وإدارة سلوكها تجاه البيئة الخارجية، وتوظيف المواقف الخارجية والموارد الداخلية بهدف تأمين وضعها المحلي والإقليمي والدولي واضعة في الاعتبار المحافظة على الأمن القومي والإنساني والأمن البيئي العالمي.
ومن المتوقع أن يؤدي سلوك السياسة الخارجية للصين إلى تغيير في النسق الدولي، من خلال النهج العلمي الذي يميز سياستها الخارجية والتي تجمع ما بين السعي نحو امتلاك عناصر القوة الشاملة، وحسن استغلال الفرص والمواقف الخارجية والموارد الداخلية وتوظيفها لتقوية مكانتها المحلية والإقليمية والدولية، وما بين المحافظة على الأمن القومي والإقليمي والأمن الإنساني والأمن البيئي العالمي، وهذا هو السلوك الحضاري والرشيد للسياسة الخارجية الذي ينبغي على كل دولة أن تنتهجه.
وقد تزامن إعداد هذه الورقة مع بداية التحولات الأمنية والصراعات في منطقة الشرق الأوسط إبان الحرب الأميركية الإيرانية، لذلك تم إضافة محور حول تأثير هذه الحرب على مستقبل مبادرة الحزام والطريق.
أولاً: البعد الاستراتيجي في سلوك السياسة الخارجية الصينية
اعتمدت الصين في سياستها الخارجية “مبدأ التعايش السلمي واتفاقيات الأمن والتعاون الثنائية، وهو المبدأ الذي يحكم علاقتها مع العديد من الدول المجاورة، أما على المستوى الاقتصادي فقد حققت الصين تقدمًا كبيرًا سمح لها في عام2001م أن تدخل في نطاق ثالث أكبر اقتصاد في العالم، لترتقي بعدها لمرتبة الاقتصاد الثاني في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية[1].
فالصين، التي عُرفت سابقًا بقوتها الاقتصادية، باتت تُوسع حضورها في قضايا الأمن الإقليمي، من خلال سياسات متدرجة تسعى إلى بناء شراكات طويلة الأجل، وتعزيز الاستقرار عبر أدوات دبلوماسية واقتصادية، حيث تتبنى الصين دبلوماسية الترابط والتنمية نهجًا قائمًا على تعزيز الترابط من خلال مشروعات البنية التحتية والنقل والطاقة وهي تسعى لتقديم نفسها كقوة تنموية تساهم في بناء اقتصادات مستقرة، وهو ما يُعتبر في نظرها أساسًا للسلام، تعتقد الصين أن النمو الاقتصادي والاندماج الإقليمي يخففان من حدة التوترات، وأن التنمية المستدامة قادرة على التمهيد لحلول سلمية طويلة الأمد فقد بدأت الصين تلعب أدوارًا دبلوماسية متوازنة بين الأطراف الإقليمية المتخاصمة، من خلال استضافة محادثات وتقريب وجهات النظر دون تبني مواقف متحيزة، مما يعزز من صورتها كوسيط محتمل في النزاعات المعقدة[2].
وتقوم استراتيجية السياسة الخارجية للصين على ثلاثة أُسس هي[3]: صعود سلمي (عوض فيما بعد بمفهوم التنمية السلمية) ديمقراطية العلاقات الدولية، وبناء مجتمع دولي منسجم، ساعد في ذلك أن الثقافة الصينية ثقافة غير توسعية وغير استعمارية.
وتميزت السياسة الخارجية للصين بأنها سياسة خارجية متوازنة وتنأى عن التدخل في شئون الدول ومتخذة من الحياد مبدأ أساسي، بالإضافة إلى انتهاجها نمط التغيير واحترام القانون الدولي مع الحرص على بناء علاقات اقتصادية متوازنة، حيث لم يعد للبعد الأيديولوجي دور أساسي يحكم علاقات الصين مع نظيراتها من الدول، بل تطور إلى أبعد من ذلك ليشمل الأبعاد التنموية والاقتصادية والثقافية والأمنية والتكنولوجية مستخدمة العديد من أدوات وآليات صنع السياسة الخارجية، ومنها الدبلوماسية، المساعدات، الآليات الاقتصادية ومن أهمها اتفاقيات التعاون المشترك.
ولعل مبادرة الحزام والطريق أحد أوجه هذا التعاون، وترى الباحثة أن هذا النهج الحديث في السياسة الخارجية للصين إنما هو رد فعل لمواجهة النظام الأحادي القطبية بطريقة مخططة ومدروسة،حيث تتبنى الصين نمط غير تقليدي في علاقاتها الخارجية يرتكز على مبدأ حسن التعايش واحترام الآخر والمنفعة المشتركة والمحافظة على الأمن والسلم الدوليين، كما ترتكز سياسة الصين الخارجية على نهج “البناء” أي بناء علاقات دولية راسخة وقائمة على أسس الشراكات الاستراتيجية الذكية ؛ إذًا كل هذه العوامل تتكامل لتصنع من الصين قوة صاعدة سياسيًا واقتصاديًا يساعد في ذلك وجود فراغ بنيوي ساهم في تكريس الهيمنة الأميركية آخذًا في التزايد مما يحتم وجود نظير له إما موازيًا له أو يمتلك مكانة دولية تمكنه من ضبط تلك الهيمنة حتى لا تتأثر المجتمعات الدولية منها سيما الفقيرة والنامية.
جدول رقم (1) يوضح مقارنة ما بين السياسة الخارجية الصينية والسياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط وأفريقيا وفقًا للمعطيات السابقة:
| السياسة الخارجية الصينية | السياسة الخارجية الأميركية |
| سياسة خارجية مرنة قائمة على المنفعة المتبادلة. | سياسة خارجية مهيمنة قائمة على المصالح الأميركية. |
| تركز على قضايا التنمية وتقديم المساعدات الإنمائية مع احترام حقوق الانسان. | تركز على تكرار شعارات حقوق الإنسان ومبادئ الديمقراطية دون تطبيقها. |
| احترام القانون وسيادة الدول وعدم التدخل في شئونها الداخلية. | التدخل المباشر في شئون الدول وعدم احترام سيادتها. |
| الاهتمام بالأمن والسلم الدوليين. | عدم الاهتمام بالأمن والسلم الدوليين وتأجيج الصراعات على مستوى العالم. |
| استغلال الموارد لمصلحة الجميع | الهيمنة على الموارد ومصادر الطاقة والاقتصاد. |
| توظيف القوة الناعمة والدبلوماسية لحل الخلافات. | استخدام القوة العسكرية والعقوبات كوسيلة ضغط. |
| صعود سلمي مع توظيف الاقتصاد العالمي لمصلحة الجميع. | هيمنة على الاقتصاد العالمي |
| ليس هنالك دور للبعد الأيدولوجي | سياسة ذات أبعاد أيدولوجية |
المصدر : من إعداد الباحثة 2026
من خلال قراءة الجدول أعلاه وإجراء مقارنة تحليلية ما بين السياسة الخارجية للصين وما بين السياسة الخارجية الأميركية نجدها تختلف جوهريًا في السلوك والمبادئ ؛ فبينما تنتهج الصين سياسة خارجية مرنة قائمة على المصالح المشتركة تسعى السياسة الخارجية الأميركية في سياستها إلى السيطرة والهيمنة على النظام الدولي بكل مكوناته الاقتصادية والسياسية والثقافية، يظهر ذلك في سياستها الاقتصادية بتبني نظام تجارة أُحادي أدى إلى أن تهيمن أميركا على الاقتصاد العالمي.
أيضًا ترتكز سياسة الصين على التعاون الاقصادي وحسن استغلال الموارد وتوظيفها للمنفعة المشتركة مع التركيز على قضايا التنمية والبيئة، بينما تتبنى السياسة الخارجية في سلوكها منهجين إما أن تستغل الموارد لمصالحها أو أن تلجأ إلى السيطرة الكاملة على الموارد مع محاولة افتعال الأزمات والصراعات في المناطق التي تزخر بالموارد الطبيعية ومصادر الطاقة الظاهرة والكامنة، أما على مستوى التدخل لحل النزاعات تلتزم الصين مبدأ عدم التدخل المباشر مع توظيف الدبلوماسية لحل النزاع واحترام قواعد القانون الدولي ومبادئ الأمم المتحدة، أما السياسة الأميركية تلجأ للتدخل مع فرض عقوبات اقتصادية أو عسكرية وهنا تتصادم السياسة الأميركية مع القانون الدولي ومبادئ الأمم المتحدة.
ثانيًا: الصين كقوة صاعدة :
يُقصد بالدولة “الصاعدة”؛ هو اتجاه تلك الدولة بشكل حثيث نحو استكمال عوامل القوة التي ترشحها لأن تكون قوة مؤثرة مستقبلًا على الصعيدين الإقليمي والدولي، من خلال الاستفادة من عوامل القوة الكامنة لديها (Latent power)كزيادة حجمها السكاني وحصتها من الثروة العالمية على نحو ما سعت إليه الصين في العقود الماضية، على إن “الصعود ليس مشروعًا اقتصاديًا يُقاس بنمو الصادرات أو بقوتها فقط، وإنما هو مشروع سياسي متكامل يقوم على تطوير التكنولوجيا، والقد رة على الوصول إلى الموارد الطبيعية، والهيمنة على المنظومة المالية العالمية وامتلاك أسلحة الدمار الشامل، والقدرة على التأثير من خلال المنظمات الإقليمية والدولية، والمحافظة على الهوية الثقافية الوطنية والتعريف بها، والقدرة على توظيف كل ذلك في سبيل تعزيز قوة ومكانة الدولة، فالدولة الصاعدة (Emerging Power) بأنها الدولة التي تشهد نموًا اقتصاديًا سريعًا يصاحبه تطورًا صناعيًا مما يؤهلها لزيادة نفوذها السياسي والاقتصادي على الساحة الدولية، وتغيير موازين القوى. [4]
وتتميز الدولة الصاعدة بقدرتها على التأثير في محيطها الخارجي وتهتم بالتنمية الدولية والإقليمية وقبل كل ذلك تهتم بالإنسان كمورد أساسي من أساسيات التنمية والتقدم، كذلك تمتلك الدولة الصاعدة حكومة راشدة يرسخ فيها حكم القانون وفقًا لمبادئ المساواة والشفافية والمساءلة والعدالة وتحرص على توفير الخدمات الأساسية لكل المواطنين وتحسن توظيف وإدارة الموارد لصالح شعوبها ثم تنتقل إلى خارج حدودها بالاهتمام بالمجتمع الدولي وتضع على عاتقها مسؤولية الأمن والسلام والتنمية والبيئة، أي أن هناك مجموعة من العناصر المتكاملة تمكن الدولة من الصعود كقوة فاعلة، منها المبادئ الحاكمة للنظام الحاكم، الموارد والقوة الاقتصادية، العوامل الديمغرافية، التحرك نحو الصعود[5].
وقد أصبحت التحديات الصعبة والملموسة تتسارع في عالم اليوم، بعد أن فشل نظام أحادي القطبية الذي ساد بعد إنتهاء الحرب الباردة، من الوفاء بإلتزاماته تجاه التعاون المشترك للحفاظ على الأمن والسلم الدوليين وتحقيق التنمية المستدامة، وإحترام سيادة الدول طبقًا لميثاق الأمم المتحدة والمعاهدات الدولية، التي تقتضي وجود ترتيبات وتدابير مشتركة، ومتكاملة في احتواء التهديدات الآنية، والتحديات المستقبلية التي يتعرض لها العالم.
فعلى سبيل المثال، تنامي ظاهرة الإرهاب الدولي، وتهديدات البيئة، مع مشاكل نقص الغذاء والأمن المائي لإشباع الحاجات المتنامية، في ظل انفجار سكاني مخيف، ناهيك عن انعكاسات غياب القدرة في أحكام السيطرة على انتشار أسلحة الدمار الشاملة، والتداعيات الاقتصادية، والأمنية، والاجتماعية، نتيجة إرتفاع نسب مديونية الدول الفقيرة والضعيفة والنامية، وتصدع الأمن المحلي والإقليمي في مناطق عديدة من العالم جراء انتشار ظواهر الطائفية السياسية، وانتهاكات حقوق الأقليات العرقية والدينية، والنزاعات الدولية على الحدود، والصراعات والحروب الإقليمية، والنزاع على مصادر المياه.
فكلها قضايا كانت وما زالت تهدد الأمن والسلم الدوليين في مستوياته الثلاثة المحلية والإقليمية والدولية، وأن أي محاولة للتغلب عليها في إطار إمكانات الحل من قبل دولة واحدة، أو مجموعة محدودة من الدول، لا يمكن أن يتحقق دون تعاون مشترك،وبناءًا على ذلك قامت الصين بتطوير السياسة الخارجية الخاصة بها تجاه الأخرين بهدف بناء نظام متعدد الأقطاب بعيدأ عن نظام أحادي القطبية، الذي تعتبره يهدد الأمن والسلم الدوليين، وخاصة مع تفاقم الأزمات والتحديات العالمية والإقليمية دون حل.
حيث تسعى الصين للإلتزام بمبادئ وميثاق الأمم المتحدة، بهدف مواصلة هيبة المنظومة الدولية والقانون الدولي بعيدًا عن الهيمنة ونظام أحادي النفوذ وتعزيز السيطرة على النظام الدولي، والسعي الجدي للحفاظ على سيادة وحقوق الدول، وتعزيز الإحترام المتبادل بينهما، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وتحقيق المنفعة والمصالح المشتركة للجميع دون إستثناء، وصولًا للمصير والفوز المشترك. [6]
إن الأزمات والنزاعات والمهددات الأمنية التي أصبحت تهدد المجتمع الدولي أصبحت خصمًا على مدى فاعلية ميثاق ومبادئ الأمم المتحدة في حفظ الأمن والسلم الدوليين، في ظل عدم مقدرة النظام الأحادي القطبية على إدارة هذه المهددات وتوفير فرص الأمن والسلام والتنمية المستدامة مع السيطرة على الأنظمة والمؤسسات القانونية والحقوقية العالمية، مما جعل العالم يرجع إلى حقبة ما قبل قيام عصبة الأمم والفوضى التي لازمت هذا العهد من حروب وصراعات هددت الأمن والسلم الدوليين. في ظل هذه المتغيرات البنيوية ظهرت الصين كقوة جديدة ساهمت في حل العديد من الأزمات على مستوى العالم مستخدمة أدوات وآليات مختلفة مع الحفاظ على سيادة تلك الدول.
ثالثًا: شراكات الصين الإستراتيجية :
بدأ توجه الصين نحو عقد شراكات إستراتيجية مع الدول الافريقية والشرق أوسطية يتبلور بقوة مع بداية الألفية الثانية من القرن العشرين، وذلك لسببين الأول أن الصين رأت أن من واجبها ان تساعد دول الجنوب التي خرجت من حقبة الاستعمار الغربي القاسية لأنها كانت من ضمن هذه الفئة أيضًا وعانت شعوبها من قسوة الاستعمار البريطاني وإذلاله لشعوبها.والثاني أن نهضتها الاقتصادية وتوسع العمل في بنيتها التحتية الداخلية اقتضى منها البحث عن البلدان التي لديها منتجات خام هي تحتاج إليها مثل النفط الخام والحديد وغيرها، فوجدت في الدول الافريقية الموارد التي كانت تبحث عنها مثل البترول في السودان وانجولا، والمعادن في الكونغو وغيرها.[7]
تحتل الصين المركز الأول عالميًا من حيث النمو ومن حيث الاحتياطي النقدي الأجنبي، والثانية من حيث الإنفاق العسكري بحسب أرقامها المعلنة ومن حيث جذب الاستثمارات وذلك بعد الولايات المتحدة، والثالثة في التجارة الدولية كما إنها من الدول التي لها برنامج فضاء متقدم، وقد ورد في المقولات المنسوبة إلى نابليون بونابرت «دع الصين نائمة فإذا استيقظ التنين اهتز العالم». ولا شك أن المارد الصيني قد استيقظ وأن العالم قد اهتز ولكن هذه الهزة هي هزة إيجابية، أو بالتعبير الديالكتيكي الصيني، إنها هزة حميدة لمصلحة الشعب الصيني، ولمصلحة شعوب العالم، ويكفي الإشارة إلى أربع حقائق ملموسة[8]:
الأولى: إن الصين تحولت لكي تكون مصنع العالم في إنتاج السلع المتنوعة من مختلف أنواع الجودة، ومختلف الأسعار، ولهذا تنافس السلع الصينية في أسواق البلاد النامية كما تنافس في أسواق البلاد المتقدمة.
الثانية: إنه مع انفجار الأزمة المالية العالمية تطلع العالم بأسره وخاصة الدول المتقدمة إلى الصين لكي تساهم في إنعاش الاقتصاد العالمي ومساعدته في الخروج من حالة الركود التي وصل إليها وبالفعل فإن خطة الإنعاش الصينية كان لها دورها على المستوى العالمي وحرص الصين على رفع قيمة عملتها وعدم تخفيضها كان قرارًا علميًا مدروسًا وحكيما واستجابة بروح المسؤولية لمتطلبات الاقتصاد العالمي.
الثالثة: حرص الصين على شطب نحو عشرة مليارات دولار من مديونية الدول النامية في إفريقيا وهو ما لم تقم به أية دولة غنية وفي نفس الوقت حرص الصين على استثمار مبالغ ضخمة من احتياطاتها في أذون الخزانة الأميركية. هذا الإحساس بالمسؤولية من الصين لا نجده من دول أخرى نامية أو متقدمة تجاه غيرها من الدول على الساحة الدولية، يكفي الإشارة إلى أن نسبة الواحد في المائة التي قررتها الأمم المتحدة منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي لكي تكون مساعدات رسمية من الدول المتقدمة للدول النامية لم تحققها أية دول من الدول المتقدمة.
الرابة: رفع مستوى معيشة الشعب الصيني حيث زاد حجم الطبقة المتوسطة، كما ارتفع مستوى الفقراء، وانخفض عدد الصينيين تحت خط الفقر، واستطاعت الصين رفع أكثر من 400 مليون مواطن من تحت خط الفقر خلال السنوات العشر الماضية. بعبارة أخرى إن الحكومة المسؤولة أمام شعبها تفي بوعودها وهذا بخلاف موقف حكومات أخرى في مختلف القارات وخاصة في البلاد النامية.
من خلال استقراء هذه المعطيات يمكن القول أن أساس العلاقات ما بين الصين وأفريقيا والشرق الأوسط علاقات قائمة على المصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة، ثم تطورت هذه العلاقات لتتخذ شكل الشراكات الاستراتيجية وتطورت كل أشكال التعاون هذه حتى الوصول لصيغة الحزام والطريق.
حيث تتمدد مصالح الصين في الخارج بعدة أشكال، ولكن الرؤية التي تقود هذا التمدد وتضبط إيقاعه في سياق إستراتيجي واحد، تعكسها “مبادرة الحزام والطريق”، فقد أطلقت الصين، عام 2013، مشروعًا جيو-اقتصاديًّا ضخمًا يربط شرق العالم بغربه عبر شبكة من الطرقات البرية والبحرية، وبنية تحية متطورة من الطرق السريعة وسكك الحديد وأنابيب الطاقة والمعابر الحدودية ومناطق التجارة الحرة، لتسهيل تنقل البضائع والأموال.
ومن خلال هذه المبادرة، التي تنطوي في بعض أبعادها، على رغبة في إحياء طريق الحرير القديم، تحدد الصين طبيعة دورها وحدود تأثيرها ونمط حضورها في العالم. فشبكة الحزام والطريق تربط الصين بأكثر من 150 دولة في شرق آسيا وغربها وفي أوروبا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، وتمر عبر المحيطين، الهادئ والهندي، إضافة إلى جنوب الأطلسي، وتشكِّل فيها منطقة الشرق الأوسط حلقة رئيسية. تغطي هذه الشبكة مساحة جغرافية تضم أكثر من ثلثي سكان المعمورة، ويتجاوز مجموع ناتجها المحلي الخام 40% من الناتج العالمي، وتستقطب نصف قيمة التجارة الخارجية للصين، ورغم القيمة الاقتصادية لمبادرة الحزام والطريق، فإن أهميتها الحقيقية تكمن في كونها تعبِّر عن رؤية الصين الشاملة لمستقبل العالم. عالم تكون فيه الصين قطبًا رئيسيًّا ومركزًا فاعلًا لا هامشًا تابعًا، وتحتل فيه موقعًا قياديًّا على جميع المستويات، وتشكل جزءًا ضروريًّا من نسيجه الاقتصادي والسياسي والأمني لا يمكن عزله أو الاستغناء عنه.
غير أن مبادرة الحزام والطريق، على أهميتها، ليست هي الحزام الوحيد الذي يدور حول الصين ويعزز من قوتها الاقتصادية وتأثيرها السياسي. فثمة أحزمة أخرى من المنظمات الإقليمية والدولية والتحالفات الإستراتيجية التي تشكل روافع متعددة لصعود الصين قوة عالمية ضاربة، مثل ذلك، منظمة شانغهاي للتعاون، ومجموعة البريكس، التي شهدت في العام 2024 توسعًا لافتًا، خاصة تجاه منطقة الشرق الأوسط.[9]
وتعتبر مبادرة الحزام والطريق استراتيجية تنموية تسعى لتحقيق أهداف الصين في فتح الاسواق أمام انتاجها الصناعي الضخم والوسيلة لذلك هي إنشاء وتحسين البنية التحتية في المواني والطرق والمخازن والطاقة في كل البلدان التي تنضوي ضمن المبادرة وذلك ضمن مبدأ كاسب/ كاسب، أي ان الصين تحقق توزيع انتاجها الضخم، والدول المنضوية تحت المبادرة تستفيد من خلال إنشاء البنيات التحتية بالقروض التفضيلية الصينية، كذلك سعت الصين لوضع أسس عادلة للتعاون الثنائي مع مختلف الدول، تعاون قائم على احترام خيارات الدول والشعوب وعدم فرض توجهات معينة او التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وقامت بتقديم القروض التفضيلية للعديد من الدول دون فرض شروط سياسية.[10]
ويمكن أن يستفيد العالم من مبادرة الحزام والطريق في “تسريع الجهود لتحقيق أهداف التنمية المستدامة” لأنها تعتمد على تنسيق السياسات بين الدول التي يمر بها الطريق، وتربط المرافق الخدمية التي تنشأ حولها، كما أنها تتيح التجارة دون عوائق، وتدعم التكامل المالي والتبادلات بين الناس، وعلى العالم أن يستفيد من مبادرة الحزام والطريق للمساعدة في سد فجوات التمويل الكبيرة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة – على وجه الخصوص، حوالي تريليون دولار لازمة في استثمارات البنية التحتية في البلدان النامية، خاصة في ظل تفاقم التحديات العالمية التي تلقي بظلالها على الآفاق الاقتصادية الناجمة عن تباطؤ التجارة العالمية والتقلبات المالية المتزايدة وارتفاع مستويات الديون، بالإضافة إلى “انعدام الثقة السياسية”، كما يمكن لمبادرة الحزام والطريق أن تنعكس فيها المبادئ الخضراء في العمل الأخضر للحفاظ على البيئة، ذلك أن “البلدان اليوم لا تحتاج فقط إلى الطرق المادية والجسور لربط الناس والأسواق” بل إلى مستقبل نظيف وصديق للبيئة منخفض الكربون”.[11]
أي أن المبادرة تُعتبر أداة استراتيجية تنموية سلمية لتوسيع نفوذ الصين الجيواستراتيجي، وهي أحد أدوات السياسة الخارجية للصين في وزنها وثقلها وتعبر عن إرادة دولة الصين في تغيير النظام العالمي نحو الأفضل للوصول إلى مجتمع دولي تحكمه المصالح المشتركة لا الفردية ويكون فيه الجميع كاسب، كذلك يمكن توصيف مبادرة الحزام والطريق بأنها ظاهرة اجتماعية واقتصادية حديثة في العلاقات الدولية ترتكز على مبدأ الترابط والتعاون بين المجتمعات يمكن أن نطلق عليه “الترابط المجتمع دولي”، وهو نمط بناء جديد في شكل بناء العلاقات قائم على الشراكات الاستراتيجية الذكية وهو ما يعطي المبادرة وزنها وثقلها حيث بدأت المبادرة من القواعد المجتمعية دولية ثم امتدت للحكومات ثم المجتمع الدولي. تتميز مبادرة الحزام والطريق بمبدأ المسؤولية الجماعية، وهذا ما يجعلها تبدو في تكوينها أقرب لنظام الأمن الجماعي، أويمكن القول بأنها نوع جديد من أشكال الأمن الجماعي في المجال الاقتصادي والتجاري والاجتماعي والسياسي والثقافي.
ثالثًا: أفريقيا كفاعل استراتيجي في مبادرة الحزام والطريق :
يُعد “الحزام والطريق” مشروعًا ضخمًا يربط 70 دولة عبر آسيا وأوروبا وأفريقيا، حيث تقوم الصين بما تعتبره أكبر مشروع في هذا القرن ببناء شبكة من خطوط السكك الحديدية وممرات الشحن التي تربطها مع 70 بلدًا في آسيا وأفريقيا وأوروبا. وتركز مبادرة “الحزام والطريق” -المعروف أيضًا باسم “حزام واحد، طريق واحد”- على البنية التحتية، والنقل، والطاقة.
ويعد “الحزام والطريق” مشروعًا ضخمًا للتجارة والبنية التحتية، والبلدان التي لم تنضم إلى الحزام والطريق استفادت أيضًا من المشروع الضخم من خلال الشركات المتعددة الجنسيات مثل جنرال إلكتريك وCaterpillar في الولايات المتحدة، وشركة DHL في ألمانيا، حيث وقعت جميعها اتفاقيات تجارية لبناء مشاريع الحزام والطريق. فقد قامت جنرال إلكتريك بتوريد معدات بقيمة 2.3 مليار دولار، حوالي 1.6 مليار جنيه استرليني، لمشاريع الحزام والطرق في عام 2020،وقد تجاوز حجم التبادل التجاري للصين من دول طريق الحرير خلال الأعوام الخمسة الماضية ال5.5 تريليون دولار، حيث تعتبر الصين شريكًا تجاريًّا رئيسيًّا لأفريقيا، حيث تجاوز التبادل التجاري مع الصين أكثر من 192 مليار دولار عام 2020. [12]
وتعكس مبادرة “الحزام والطريق” الاحتياجات الملحة من الدول النامية وتتفق مع المتطلبات الجديدة لتحقيق التنمية كما فى الدول المتقدمة. يقول المثل الصيني “على الرغم من أن الطريق بعيد إلا أنه يمكن الوصول اليه”. إن إفريقيا هي الامتداد التاريخي والطبيعي “للحزام والطريق”، فالصداقة التقليدية بين الصين وإفريقيا كانت ومازالت عميقة، وفي الماضي، كانت الصين وإفريقيا أصدقاء وحلفاء فى النضال جنبًا إلى جنب والآن أصبحا شريكان حميمان للتنمية المشتركة، فيصبح التعاون فى بناء “الحزام والطريق ” بمثابة الجسر الجديد بين الصين وإفريقيا،بالمفهوم الصحيح للأخلاقيات والمصالح تنفذ الصين بنشاط “خطة التعاون الرئيسية العاشرة” وتدفع ببناء “الحزام والطريق” وارتباط جدول الأعمال الى 2063 للاتحاد الأفريقي باستراتيجيات التنمية للدول الأفريقية من أجل تحقيق المنفعة المتبادلة والتنمية المشتركة للتعاون بين الصين وأفريقيا بجودة أعلى ومستوى أعلى.
كما تعبر الدول الأفريقية عن رغبتها القوية في المشاركة في التعاون الدولي “للحزام والطريق” وتتطلع إلى تحقيق الرؤية العظيمة المتمثلة في تنشيط الصين وأفريقيا في وقت مبكر. كان السودان من أوائل الدول التي استجابت بحماس لمبادرة “الحزام والطريق” ووقعت اتفاقية بناء “الحزام والطريق “مع الصين، وتاريخيًا يعد ميناء السودان على ساحل البحر الأحمر نقطة التجمع للقوافل الصينية القديمة المتجهة الى أفريقيا وهو الرابط بين الصين والدول العربية والأفريقية[13].
لقد ساهم تمويل نسبة كبيرة من الاستثمار الصيني في البنية التحتية الأفريقية من خلال قروض امتيازية من الحكومة الصينية والنبوك الصينية، فوصلت بذلك أفريقيا إلى ثاني أكبر سوق لديه عقود مع الصين منذ عام 2009م، ومن المنظور الإستراتيجي، يُمثل تواجد الصين في أفريقيا خطوة مهمة في اتجاه تعزيز نفوذها الجيوسياسي، ومن ثم تحدي الهيمنة التقليدية للقوى الغربية بزعامة الولايات المتحدة، إذ تسمح عملية إقامة الشراكات الإستراتيجية في أفريقيا للصين بتأمين الحصول على المواد الخام الأولية، والوصول للأسواق الأفريقية، فضلًا عن أن هذه الشراكة تساعد بكين في إنشاء القواعد العسكرية التي تحمي مصالحها في الخارج، وتعزز قدراتها كقوة عالمية صاعدة.
ويُعد تأسيس منتدى التعاون الصيني الأفريقي (FOCAC) عام 2000 ببكين واحدًا من أهم الأدوات التي استخدمتها الصين في تحقيق أهدافها الاقتصادية في القارة الأفريقية، وتُعد الصين متقدمة على الولايات المتحدة في إطار تنافسهما الإستراتيجي حول السيطرة والنفوذ العالمي، خاصة فيما يتعلق بالتواصل الاقتصادي مع قارة أفريقيا، وقد ظلت تعمل على تعزيز وبناء جسور التواصل مع الدول الأفريقية عبر منتدى التعاون الصيني الأفريقي لأكثر من عقدين من الزمان، في مقابل إستراتيجية أميركية لم تُعتمد بواسطة الكونغرس، الأمر الذي يجعل المبادرة الأميركية تفتقر للموارد المطلوبة للدفع بها إلى الأمام وتستفيد الصين من قدرتها على الحركة بمرونة لا تتقيد فيها بسجل حقوق الإنسان، أو إرساء قواعد الحكم الرشيد وتعزيز الديمقراطية كأحد أهم الاشتراطات التي تُقيد حركة الأميركيين في تعاملهم مع الدول الأفريقية.[14]
من خلال ما سبق يتضح أن أفريقيا تُعد أهم الشركاء الفاعلين في المبادرة نسبة لموقعها الإستراتيجي، بالإضافة إلى أنها تذخر بالعديد من الموارد الطبيعية والمعادن الثمينة غير المستغلة اقتصاديًا، وتنظر الصين إلى أفريقيا بأنها شريك استراتيجي مميز، حيث انضمت العديد من الدول الأفريقية للمبادرة وترتكز العلاقة ما بين الصين وأفريقيا على التعاون والمنفعة المشتركة من خلال المشاريع الاستثمارية والتنموية بالإضافة إلى دور أفريقيا الهام كرابط حيوي بطرق التجارة العالمية وكونها سوقًا عالميًا لتسويق التجارة الصينية.
ومن أهم الدول الأفريقية التي لها دور حيوي ومؤثر دولة السودان ؛ فهي تعتبر ذات ثقل اقتصادي واجتماعي وجيواستراتيجي في مبادرة الحزام والطريق، إذ يتميز السودان بموقع جيواستراتيجي يجعله ذات اهمية بالغة لكونه يقع في منطقة استراتيجية، بالإضافة إلى أن السودان يعتبر حلقة وصل ما بين القارة الأفريقية والشرق الأوسط، وكان السودان نقطة تجمع والتقاء للقوافل التجارية والاجتماعية القادمة من الصين إلى أفريقيا وهو ما يعطيه ميزة تفضيلية جيواستراتيجية.
كما يصنف السودان بأنه المصدر الأساسي للعديد من المواد الخام والموارد الطبيعية الأخرى التي تغذي مشاريع البنى التحتية ومشاريع التنمية المستدامة التي تقوم عليها المبادرة، بالإضافة إلى امتلاكه العديد من المخزونات الإستراتيجية المتنوعة والنادرة في مجالات الطاقة والمعادن والمياه والغذاء والصناعة، بالإضافة إلى أن السودان مؤهل -وفقًا للخبراء والتقارير الدولية والمعطيات الواقعية- بأن يكون سلة غذاء العالم، كل تلك المميزات تُكسب السودان أهمية للصين وأهمية استراتيجية متزايدة لنجاح مشاريع الحزام والطريق.
رابعًا: سياسة الصين تجاه الشرق الأوسط :
تبدي الصين اهتمامًا كبيرًا بقضايا الشرق الأوسط وذلك استنادًا إلى عدة اعتبارات[15]: العلاقات التاريخية والحاجة للمساندة المتبادلة في المحافل الدولية بالنسبة لقضية تايوان من ناحية وقضية فلسطين من ناحية أخرى، واعتماد الصين على استيراد الطاقة من الشرق الأوسط حيث تستورد حوالي 60% من احتياجاتها من الخارج، والعلاقات العسكرية الوثيقة مع إسرائيل بوجه خاص حيث نشأت تلك العلاقات قبل إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية عام 1992، وحصلت من خلالها الصين على تكنولوجيا وأسلحة متنوعة ومتقدمة من إسرائيل، فضلًا عن علاقات الصين الاقتصادية والتجارية والثقافية مع إسرائيل.
ومن ثم يمكن النظر للدور الصيني تجاه الشرق الأوسط نظرة متنوعة ومتعددة المستويات، من خلال مصلحة الصين وأمنها الوطني، وهو العنصر المحدد الرئيس لمواقف الصين. فمصلحة الصين فيما يتعلق بحصولها على المواد الأولية اللازمة للصناعة، وعلى وجود أسواق لتصريف المنتجات، وعلى توافر أموال لجذبها للاستثمار في الصين، وخاصة في المناطق الغربية يجعل علاقات الصين قوية بالدول العربية وخاصة دول الخليج العربي، أضف لذلك البعد التاريخي والمصلحي في علاقات صينية قوية مع دول الشمال الأفريقي وبخاصة مصر والسودان، وبدول المشرق العربي وبخاصة سوريا والعراق، وهنا تتداخل الاعتبارات السياسية والأبعاد التاريخية مع السعي للحصول على المواد الأولية، وبخاصة النفط في السودان والعراق.[16]
وتتركز السياسة الصينية تجاه المنطقة على عدة مبادئ، منها، عدم التدخل حيث تحرص الصين على ألا يُنظر إليها وكأنها تتدخل في الشؤون المحلية لدول الشرق الأوسط، أو أنها تتخذ موقفا واضحا بشأن بعض المسائل الإقليمية المثيرة للخلافات، ودعم استقرار البنية السياسية لدول الشرق الأوسط، كما لا تهتم الصين بطبيعة الأنظمة السياسية الحاكمة في المنطقة، وبترويج أيديولوجيتها في الخارج، وتتفق مع العديد من دول المنطقة في نظرتها إلى الدعوات الليبرالية والديمقراطية من حيث اعتبارها أدوات تخص الدول الغربية، وأخيرًا؛ فإن ما يهم الصين في المنطقة هو تأمين أكبر قدر من الاستقرار الأمني، كمتطلب رئيسي للتنمية الاقتصادية، بحيث تتمكن من إطلاق برامج الطرق وسكك الحديد والموانئ وأنظمة الاتصالات والمدن التجارية الحرة في ظل بيئة أمنية مستقرة، وقد قدمت الصين مساعدات اقتصادية لتطوير قدرات دول المنطقة على ضمان الاستقرار؛ بلغت قيمتها 300 مليون دولار أميركي؛ وفقًا للإعلان التنفيذي الصيني العربي الخاص بمبادرة الحزام والطريق لعام 2018[17].
سبق ذلك إصدار بكين لأول ورقة سياسة عربية في 13 يناير 2016، بعنوان “وثيقة سياسة الصين تجاه الدول العربية؛ والتي تلخّص رؤية الصين للمنطقة من خلال تشكيل معادلة التعاون (1+2+3)، إذ يمثل الرقم (1) الطاقة بوصفها مصلحة أساسية، ويمثل الرقم (2) البنية التحتية وكذلك التجارة والاستثمار، بينما يمثل الرقم (3) التعاون في مجالات الطاقة النووية، والأقمار الصناعية، ومصادر الطاقة الجديدة.[18]
ويحظى الشرق الأوسط بأهمية كبيرة في مبادرة الحزام والطريق، باعتباره أحد أهم مصادر الطاقة بالنسبة إلى الصين، أو واحدًا من الأسواق الاستهلاكية الهامة للبضائع الصينية وكذلك للاستثمارات، بالإضافة إلى موقعه الاستراتيجي كجسر على طريق المبادرة يوصلها إلى منتهاها في أوروبا، لكن ما يعاني منه الشرق الأوسط ودوله من أزمات وصراعات وانعدام للاستقرار يبقى أحد التحديات الكبيرة أمام المبادرة الصينية في ظل عزوف الصين عن الانخراط في لعب دور سياسي في قضايا المنطقة، كما تسعى الصين أيضًا إلى محاولة تغيير نمطية النظام الدولي الحالي، أو على الأقل في شقه الاقتصادي، من نظام تهيمن عليه الولايات المتحدة إلى نظام متعدد الأقطاب تكون الصين أحدها، وهذا ما لا يمكن أن تسلم به واشنطن بسهولة، خاصة مع تنامي دور القوى الشعبوية والحمائية في الاقتصادات الدولية لاسيما في الولايات المتحدة؛ حيث سيكون من الصعب على الصين إحداث اختراقات لعولمة الاقتصاد وفق رؤيتها الخاصة.[19]
ويُعّد التعاون التكنولوجي عنصرًا أساسيًا في العلاقات بين الصين ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وخاصة في إطار مبادرة الحزام والطريق، كما يشكلّ التعاون في مجال البنية التحتية جزءًا أساسيًا من هذه المبادرة، فمن خلال مبادرة الحزام والطريق استثمرت الصين في تطوير الموانئ والسكك الحديدية والطرق السريعة وخطوط الأنابيب والمدن الذكية في جميع أنحاء المنطقة.
ويشكل تبادل التكنولوجيا وتطوير البنية التحتية ركنين أساسيين في رؤى التنمية في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والصين وعلاوة على ذلك، تستند التطلعات نحو تعزيز جهود التنويع الاقتصادي التي تتشاركها الصين ودول المنطقة، إلى توفير البنى التحتية والتكنولوجيات الضرورية، وتتطلب أهمية هذا التعاون تحسين آليات التنسيق والتنظيم. [20]
وأمام هذه الاعتبارات تشهد العلاقات بين الصين ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تطّورًا ملحوظًا في ظل صعود نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب وفي الوقت الذي لا يبدو فيه دور الولايات المتحدة الأميركية واضحًا في الأمن الإقليمي، حيث بدأت دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بتحويل أنظارها تدريجيًا نحو آفاق جديدة، ومنذ إطلاق مبادرة الحزام والطريق (BRI)في العام 2013، نما التعاون الاقتصادي بين الصين ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل كبير في مختلف المجالات .[21]
وتلعب مراكز الفكر الصينية (Think Tanks) دورًا محوريًا في دعم التمدد الصيني الخارجي، من خلال العمل ك “جيش فكري” يُروج لمبادرة “الحزام والطريق”، ويبني شراكات استراتيجية، ويُعزز القوة الناعمة، ويقدم استشارات لصنّاع القرار، مما يسهل تبادل المعرفة ومعالجة التحديات الإقليمية والدولية، حيث تتبنى هذه المراكز دورًا في نشر الفكر الصيني الاستراتيجي العتيق والحديث، وتعزز التفاهم المُتبادل، وتسهل الحوار بين الصين ودول العالم، لا سيما في المنطقة العربية.بالإضافة لمراكز الفكر تُعد الثقافة محرك هام وركيزة أساسية في مبادرة الحزام والطريق، حيث تعمل كجسر لتعزيز “التواصل بين الشعوب” وتعميق التفاهم المتبادل، مما يدعم المشاريع الاقتصادية والسياسية الصينية.[22]
وعند مناقشة نجاحات مبادرة الحزام والطريق، يُنظر في المقام الأول إلى المجال الاقتصادي، ومع ذلك تشكل التبادلات الثقافية بين الصين ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا جانبًا هامًا من مبادرة الحزام والطريق، ويساهم الانفتاح الثقافي بين بكين وعواصم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تيسير التجارة ويوّسع أسواق المنطقتين، ولطالما أّدى طريق الحرير دورًا كبيرًا في تشكيل المشهد الثقافي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وبالمثل، تتيح مبادرة الحزام والطريق اليوم تبادلات أوسع بين منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والصين.
وفي حين يجري التركيز على الترابط الاقتصادي باعتباره علامة بارزة في مبادرة الحزام والطريق، من المهّم فهم الترابط الثقافي الذي تقوم عليه المبادرة، حيث تسهم التبادلات المتنوعة والتواصل عبر الجهات المستفيدة من مبادرة الحزام والطريق في إرساء أسس اجتماعية وثقافية قوية للاتصال الثابت، وبات التبادل الثقافي بين الأفراد يؤدي دورًا متزايد الأهمية في تحديد العلاقات بين الصين ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتستضيف بلدان مختلفة من المنطقة الآن معاهد كونفوشيوس التي تعكس توّسع أثر القوة الصينية الناعمة، كما أّن تركيز بكين عىل تعزيز الحوار بين الحضارات – من خلال مبادرة الحضارة العالمية للرئيس شي جين بينغ – يضع الترابط الثقافي في صميم الخطاب الدبلوماسي الصيني في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.[23]
خامسًا: مبادرة الطريق والحزام وتداعيات الحرب الأميركية الإيرانية:
تعود جذور الضغط الأميركي على إيران (عبر العقوبات الاقتصادية والحصار الدبلوماسي والعمل العسكري المباشر) إلى مراحل تاريخية سابقة بعضها مرتبط بطموحات طهران النووية وبعضها الآخر مرتبط بسياسة الهيمنة الأميركية على الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، غير أن هذا الضغط بات اليوم يتداخل مع حسابات جيوسياسية أكثر تعقيدًا، فقد مدت بكين جسور علاقاتها مع طهران بعناية فائقة، وعمقت انخراطها الاقتصادي مع إيران بما في ذلك توقيعها اتفاقية شراكة إستراتيجية لمدة 25 عاما في عام 2021.
وفي ضوء هذه الخلفية، فإن التضييق الأميركي على إيران لم يعد مجرد سياسة إقليمية، بل أصبح في جوهره وسيلة لقطع شرايين الطاقة عن بكين، وتعطيل شراكاتها الممتدة من الشرق الأوسط غربًا حتى الصين في أقصى الشرق، وحين شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتهما العسكرية على إيران في فبراير/ شباط 2026، كانت هذه المعادلة حاضرة بكامل ثقلها، فطهران في الحسابات الإستراتيجية الصينية ليست مجرد مورد طاقة، بل هي عقدة حيوية في الشبكة الأوراسية التي تشكل العمود الفقري لمبادرة “الحزام والطريق”، ومن ثم، فإن التحكم في نفط الشرق الأوسط لم يعد هدفًا إقليميًا مستقلًا، بل باتت واشنطن تنظر إليه من خلال معادلات المنافسة الكبرى مع الصين.[24]
بينما تبدو الحرب الدائرة على إيران في ظاهرها مواجهة عسكرية ذات أبعاد إقليمية، تمتدّ تداعياتها الفعلية أبعد من ساحات القتال، لتلامس واحدة من أكثر المسائل حساسية في الاقتصاد السياسي العالمي، وفي مقدمتها شبكة الممرات التي تبنيها الصين تحت عنوان “الحزام والطريق”، التي باتت تشمل عشرات البلدان حول العالم.
وفي الحسابات الصينية فإن إيران ليست مجرد شريك سياسي أو مورّد نفطي معاقَب، بل أيضًا عقدة جغرافية ومالية وتجارية تلتقي عندها مصالح الطاقة مع طرق العبور مع طموح بكين إلى تقليص اعتمادها على المنظومة الغربية.
في هذا السياق، لا تبدو الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران منفصلة عن نزاع أوسع على طرق التجارة العالمية، بل أقرب إلى استهداف غير مباشر لأحد المفاصل التي تحتاج إليها الصين في مشروعها العابر للقارات، وقد أخذت الشراكة الصينية – الإيرانية طابعًا شبه استراتيجي منذ توقيع اتفاقية التعاون الممتدة ل25 سنة في عام 2021، على الرغم من أنّ تنفيذ العديد من بنودها يبقى محدودًا حتى الآن، ويتمثل أهم عناصر العلاقة بين البلدين في مجال الطاقة؛ حيث تعد الصين المشتري الأكبر للنفط الإيراني (91% من صادرات إيران في 2024).
وتكمن أهمية ايران للصين في أنها تشكّل جزءًا من الممر البريّ الذي يصل غربي الصين بآسيا الوسطى ثم بغربي آسيا، قبل أن يتفرّع نحو تركيا وأوروبا أو نحو الخليج العربي وبحر العرب، هذا الموقع يمنح إيران قيمة مضاعفة، فهي ليست محطة عبور فحسب، بل منفذٌ لتجاوز اختناقات بحرية، من مضيق ملقا إلى قناة السويس، بالإضافة إلى الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمْس شحنات النفط والغاز العالمية، بمعنى أكثر مباشرة، تمثّل إيران في التصور الصيني خيارًا استراتيجيًا مهمًا وممرًا محتملًا بين الشرق والغرب لا يمكن تعويضه بسهولة. إنها تتيح ربط آسيا الوسطى بالمياه الدافئة جنوبًا، وربط التجارة البرية الصينية بموانئ الخليج، وتوفير مسار يخفّف الاعتماد على الطرق الخاضعة إلى توازنات بحرية معقدة، ومن هنا، ليس الحديث عن “مرور طريق الحرير عبر إيران” توصيفًا جغرافيًا فقط، بل هو تعبير عن وظيفة استراتيجية في شبكة الربط التي تسعى بكين إلى ترسيخها[25] .
وفي أبريل/ نيسان 2026، استضافت إسلام أباد الشريك الإستراتيجي الوثيق لبكين محادثات عالية المستوى بين طهران وواشنطن لوقف اطلاق النار، وفي هذا الاختيار دلالة عميقة، فاضطرار الولايات المتحدة للاستناد إلى حليف للصين لإدارة أزمة أشعلتها هي بنفسها يكشف بجلاء عن تراجع ومحدودية الهيمنة الأميركية في عالم جديد يتصاعد فيه النفوذ الصيني، وتأتي الزيارات الدبلوماسية لرؤساء الولايات المتحدة وروسيا للصين في ظل الحرب الأميركية على إيران، لتؤكد تعاظم المكانة المحورية للصين في صياغة النظام الدولي المعاصر، وأصبح الرئيس الصيني شي جين بينغ نقطة الارتكاز عند واشنطن وموسكو وإن اختلفت دوافعهما تجاه بكين.[26]
لقد أظهر الصراع الأميركي – الإيراني الدور الحيوي الجيواستراتيجي للشرق الأوسط بالنسبة للصين وللعالم، إذ أثرت الحرب على مصادر الطاقة وعلى حركة التجارة والتبادل التجاري بين الدول وارتفاع الأسعار، أضف إلى ذلك الأهمية الإستراتيجية لمضيق هرمز، إذ أثرت هذه الحرب على حركة التجارة البحرية والبرية كذلك، وربما تدفع كل هذه المهددات الصين إلى البحث عن وسائل للحفاظ على مصالحها وإيجاد طرق سلمية تساعدعلى تقوية ديمومة مبادرة الحزام والطريق بصيغة آمنة والتركيز على الفرص المتاحة والفرص البديلة التي تمكنها من تعزيز نفوذها.
لقد تسارعت استثمارات مبادرة الحزام والطريق مع ارتفاع أسعار النفط والغاز عقب الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران، في وقت تسابق فيه دول العالم لتعزيز البنية التحتية للكهرباء ومراكز البيانات لتلبية الطلب المتزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي وقد سجلت مبادرة الحزام والطريق، تمويلًا قياسيًا لمشروعات الطاقة الخضراء بلغ 20.1 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، مدفوعة بارتفاع الطلب على مصادر الطاقة المتجددة الأقل تكلفة في ظل الحرب الأميركية على إيران.
وأظهرت دراسة مشتركة لجامعة كوينزلاند الأسترالية ومركز التمويل والتنمية الخضراء في شنغهاي أن قيمة صفقات الطاقة الخضراء ضمن مبادرة الحزام والطريق خلال الأشهر الستة الأولى من العام تجاوزت إجمالي التمويل المسجل طوال عام 2025، وشملت 11.8 مليار دولار لمشروعات الإنشاءات و8.3 مليار دولار للاستثمارات،ارتفعت القيمة الإجمالية لصفقات مبادرة الحزام والطريق إلى مستوى قياسي بلغ 126.3 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، مقارنة مع 123.3 مليار دولار في الفترة نفسها من عام 2025.[27]
وتحاول الصين إحداث تحول جذري في الاقتصاد الدولي والتجارة الدولية من خلال استراتيجيات مدعومة بتقنيات علمية مستقلة في ثلاثة محاور رئيسية: استقطاب المزيد من الدول للانضمام لمبادرة الحزام والطريق من خلال القروض التفضيلية التي تقدمها الصين، وهي قروض بحجم كبير بفائدة ضئيلة للغاية وفترات سداد طويلة، وبدون شروط سياسية او تدخلات في الشؤون الداخلية للدول، وتأسيس وتفعيل نظام CIPS الصيني للتحويلات المالية بعيدا عن هيمنة نظام SWIFT الغربي، وتشغيل وتفعيل نظام BeiDou الصيني للملاحة وتحديد المواقع الجغرافية كبديل لنظام GPS الأميركي، حيث يستند النظام الصيني لعدد 35 قمر صناعي صيني تغطي كل أرجاء الكرة الارضية [28].
سادسًا: تحديات مبادرة الحزام والطريق
تعرضت مبادرة الحزام والطريق لانتقادات بسبب عدد من القضايا، من بينها تحميل بعض الدول أعباء ديون غير مستدامة، لا سيما في إفريقيا ومناطق أخرى من العالم النامي، إضافة إلى المخاوف المتعلقة بعدم شفافية شروط الائتمان والقروض، وغياب المعاملة بالمثل في إتاحة الوصول إلى الأسواق أمام شركاء الصين، ورغم هذه الانتقادات، أظهرت بيانات النصف الأول من العام 2026 استمرار اهتمام الدول الإفريقية بالمبادرة، إذ ارتفعت الاستثمارات الصينية في القارة بنحو ثلاثة أضعاف على أساس سنوي لتصل إلى 33.5 مليار دولار.[29]
وكذلك المطالبة بأن تخضع استثمارات مبادرة الحزام والطريق لمزيد من الشفافية وتقييم المخاطر من خلال إنشاء آليات تقييم يمكنها إجراء مسح شامل للمشاريع المستقبلية ويجب أن تسعى هذه التقييمات إلى تعزيز التعاون في أسواق الطرف الثالث، والمشاريع المستدامة بيئيًا وتحفيز مشاركة القطاع الخاص والشركات الصغيرة والمتوسطة، ومن الضرورّي أيضًا معالجة الضغوط الغربية لزيادة التعاون التكنولوجي بين الصين ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.[30]
وفي مقابل هذه المعوقات، تواجه مبادرة الطريق والحزام تحديًا استراتيجيًا، يرتبط بتداعيات الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران والنزاع الدائر حول طرق التجارة العالمية خاصة بعد أن أصبحت الصين المستورد الرئيسي لنفط الخام الإيراني، حيث تمثل إيران بالنسبة إلى الصين خيارًا استراتيجيًا محوريًا وممرًّا محتملًا بين الشرق والغرب الذي يربط آسيا الوسطى بالمياه الدافئة جنوبًا.
كذلك يَربط التجارة البرية الصينية بموانئ الخليج، لذلك فإن طريق الحرير عبر إيران ليس وجهةً جغرافيةً أو ملتقى طرق تاريخيًا فحسب بل هو مجال استراتيجي في شبكة الربط التي تهدف الصين إلى تحقيقها، بالإضافة إلى مضيق ملقا – مالاكا (Malacca)، الممرّ البحري الذي يقع ضمن المياه الإقليمية لإندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، ذو الأهمية الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية الذي تعتمده الصين كليًا في مجال أمن إمدادات الطاقة، لكنه خلال الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران أصبح مصدر قلق للعلاقات بين الصين والولايات المتحدة بسبب السيطرة والهيمنة الأميركية عليه نظرًا لارتباطها بأغلب دول العالم، مما يجعل من هذه الحرب تهديدًا لخسارة إيران، الشريك النفطي الأساسي الذي تراهن عليه الصين لتعزيز مرونتها الاقتصادية بعد أن حوّلت أنظارها نحو مضيق هرمز الإيراني.
حيث وجدت في إيران الموقع الذي يوفّر للصين مسارًا بريًا يقلّص اعتمادها على الممرّات البحرية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة، وفي عام 2026 تسببت الحرب بأضرار جسيمة لمبادرة الحزام والطريق الصينية في الشرق الأوسط، حيث أدّت إلى تعطيل الإمداد، وتهديد ممرّات الطّاقة عبر مضيق هرمز، وارتفاع تكاليف الشحن، واضعةً ضغوطًا هائلة على استثمارات الصين في المنطقة وزادت من مخاطر التضخّم العالمي والركود. كما أن استهداف إيران يهدّد بتفكيك شبكة الحزام والطريق والممرّات البحرية الحيوية وممر مضيق هرمز، يجعل مسارات إمدادات الطاقة باهظ التكلفة، وأطول أيضًا، ومحفوفة بالمخاطر المناخية أحيانًا والجيوسياسية أحيانًا أخرى، مما يفرض على الصين تنويع وتوسيع بدائل مساراتها التجارية، وفي الوقت نفسه، عدم الاعتماد على مسارٍ واحد.[31]
مما سبق يمكن استقراء العديد من التحديات التي تواجه المبادرة منها الضغوط الأميركية والصراعات في المنطقة وآخرها الحرب الأميركية الإيرانية والتي تعتبر مهدد لاستمرارية مشاريع الحزام والطريق ولعل أزمة مضيق هرمز خير دليل على ذلك، كماأنالتحدي يكمن مستقبلًا للصين وشركائها الإستراتيجيين في كيفية تأمين المضيق والطرق البحرية والبرية الأخرى التي تعتبر شريان حياة الحزام والطريق.
إذ أظهرت هذه الحرب أن مبادرة الحزام والطريق ستتأثر حتمًا في ظل الصراعات والحروب، مما يحتم على الصين القيام بدور فاعل ومرن في تبني وإدارة ملف المفاوضات والوساطة ما بين الأطراف المتنازعة لبناء سلام مستدام في منطقة الشرق الأوسط. ولتجنب التهديد يتحتم على الصين بناء وتصميم آليات لكيفية إدارة المخاطر المحتملة في المنطقة وتصميم أنظمة للإنذار المبكر، لأن أمن هذه الممرات يعتبر من أمن الصين وأمن الطاقة والاقتصاد في المنطقة وهو يمثل عصب الاستثمارات الصينية في المنطقة وعصب أمن التجارة العالمية.
جدول (2) مبادرة الطريق والحزام ونموذج SWOT Analysis
| تحليل البيئة الداخلية | تحليل البيئة الخارجية | ||
| القوة Strengths | الضعف Weaknesses | الفرص Opportunities | المهددات Threats |
| قوة الصين، ثاني دولة اقتصادية علاقات الصين بشعوب المنطقة، سياسة الصين الخارجية، الصعود السلمي للصين، التخطيط الاستراتيجي الذكي، التطور التكنولوجي والصناعي. | الأزمات الاقتصادية الداخلية للصين، الصراعات الداخلية لدول الحزام والطريق، عدم الاستقرار السياسي للعديد من الدول. | انضمام دول كبرى للمبادرة، زيادة تنوع الاستثمارات، إيجاد فرص بديلة للطرق والممرات الرئيسة للمبادرة، فقدان الثقة في النظام إحادي القطبية. | الحروب والنزاعات، الهيمنة الأميركية، سياسات أميركا العدوانية،مخاطر البيئة. |
مثلث تخطي التهديد.. ومعادلة الفرصة:
إذا تم تطبيق مثلث تخطي التهديد، نجد أن تهديد (سياسات أميركا تجاه الصين) = صعود (سلمي للصين + زيادة فرص التنمية) بما يترتب عليه رد فعل مباشر وتخطيط استراتيجي ذكي لتخطي التهديد وتحويله إلى فرصة.
معادلة الفرصة:[32]
| الفرصة (ف) (±) = الموارد الخارجية | القوة (ق) (+) = الموارد الداخلية |
| الفرصة < (الضعف) = القوة | الفرصة + القوة = مكانة دولية وقوة صاعدة |
| التهديد (م) x القوة =< الفرصة |
إذا تم تطبيق هذه المعادلة على مبادرة الحزام والطريق نجد أن المحصلة هي : (عدد الفرص المحتملة < المهددات المحتملة بمعنى أن (ف < م) = ق وهذا يعني ربح للصين (تحويل المهدد إلى فرصة)
(أما إذا كان المهدد المحتمل = أو<الفرصة، هذا يعني تراجع في الربح) (في ظل توازن المهدد (المحتمل = الفعلي) أي لا يوجد ربح وظل المهدد المحتمل كما هو ثابت لم يتراجع، فهذا مؤشر ربما يؤثر سلبًا على مبادرة الحزام والطريق.
خاتمة الدراسة:
تميزت سياسة الصين الخارجية ببناء علاقات تعاون قائمة على احترام الاخر والمصلحة المتبادلة ولعل هذا يعطي الصين فرصة للصعود بقوة خاصة في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، لا شك أن الصعود السلمي للصين ليس وليد الصدفة، إنما هو صعود مخطط له بطرق علمية واستراتيجية وربما ساعد في ضخ وتسريع هذا الصعود طبيعة النظام البنيوي العالمي واهتمام الصين بقضايا التنمية والذي ظهر جليًا في مبادرة الحزام والطريق، حيث ساعدت المبادرة في تعزيز مكانة الصين كقوة رائدة في الساحة الدولية ومتربعة على عرش النظام الدولي لكونها أداة سلمية وتنموية لتوسيع النفوذ الجيوسياسي والجيواقتصادي للصين، اكتسبت مبادرة الحزام والطريق أهمية استراتيجية في النظام الدولي لما لها دور هام في تحقيق التنمية والازدهار للعديد من الدول حيث أدت مبادرة الحزام والطريق إلى تطويق الهيمنة الأميركية وفتح الطريق أمام الدول للبناء والتنمية من خلال مبدأ التشارك والتعاون وتبادل المصالح.
بالرغم من نجاح المبادرة ومقدرتها في تحقيق أهدافها إلا أن الوضع الأمني في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا يعتبر عقبة أخرى في طريق تطوير مبادرة الحزام والطريق وتوسيع مظلتها سواء كان من ناحية الدول الأعضاء (حزام الانضمام والطرق والممرات) أو من ناحية توسيع الرقعة الجغرافية للطريق أو زيادة وتبني مزيد من المشروعات في مجال التنمية المستدامة، كذلك سيظل دور الصين مقيدًا بمبادئها في عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول، وهذا يستدعي أن توازن الصين ما بين التمسك بمبدأ عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى وما بين حماية مصالحها في المنطقة.
إن الأهداف المرتبطة بتحقيق التنمية والنمو الاقتصادي وحدهما لا يحققان السلام والأمن والاستقرار بالمنطقة، إذ يكمن التحدي في مدى مقدرة المبادرة على التكيف مع المتغيرات والأزمات التي يشهدها العالم خاصة الحروب والصراعات ومشاكل البيئة ولعل من أبرز التحديات التي ستواجه مبادرة الحزام قضايا السلام والتنمية المستدامة ومتغيرات البيئة الداخلية والبيئة الخارجية، خاصة في ظل تراجع دور الأمم المتحدة في حفظ الأمن والسلم الدوليين، ويحتم هذا تفعيل مواد وآليات القانون الدولي وتطبيق مبادئ الأمم المتحدة والإلتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني، فالعالم يحتاج الآن إلى أن تجتمع التنمية والنمو والسلام والأمن وتطبيق القانون واحترام الآخر.
وفي إطار هذه الاعتبارات انتهت الدراسة إلى النتائج التالية:
1- تعتبر مبادرة الحزام والطريق أداة سلمية لبسط نفوذ الصين وركيزة أساسية لسياستها الخارجية، فالمبادرة هي استراتيجية تنموية قائمة على تبادل المصالح في تحقيق المنافع المشتركة، وكان للعامل النفسي والثقافي دور هام في بناء جسور الثقة والتقريب بين الصين وشعوب المنطقة.
2- أثرت الحرب الأميركية الإيرانية على مبادرة الحزام والطريق وعلى مصالح الصين في المنطقة، لكن تتوقع الورقة ان تتجه أنظار المنطقة لبناء مزيد من الشراكات الإستراتيجية مع الصين.
3- أثبتت الورقة أن هنالك تنافس على أفريقيا والشرق الأوسط، تنافس أميركي يسعى إلى استغلال موارد المنطقة والسيطرة على موارد الطاقة وتنافس صيني قائم على تبادل المصالح يسعى إلى التنمية وبناء السلام والأمن وأمن الممرات التجارية، وتتوقع الورقة قيام نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب قائم على المنافع المشتركة والتحالفات.
التوصيات:
1- إعداد مزيد من الدراسات، مع استصحاب المحور النفسي والاجتماعي للمبادرة باعتبار أن علم النفس والاجتماع من العلوم الإنسانية التي تربط ما بين المجتمعات، لذلك تم ربط علم النفس الاجتماعي بقواعد القانون الدولي وعلم السياسة الخارجية.
2- إجراء دراسات معمقة حول مبادرة الحزام والطريق وتقييمها والتعرف على مظاهر القوة والضعف التي تتسم بها، وكذلك الفرص والمخاطر التي ترتبط بها.
[1] المصدر: حيدر قحطاني، أثر الصعود الصيني في إعادة هيكلة النظام الدولي، مجلة العلوم السياسية، العدد (66)، كانون الأول 2023، ص 104
[2] دانة العنزي، جريدة العربية، https://www.alarabiya.net/politics/2025، نشر في 5 أغسطس ,2025.
[3]المجلة الجزائرية للأمن الإنساني، المجلد 10، العدد 2، 2025، ص 879.
[4] حيدر قحطاني سعدون، أثر الصعود الصيني في إعادة هيكلة النظام الدولي، مجلة العلوم السياسية، العدد 66، 2023، ص 102
[5] إعداد الباحثة 2026
[6] هبة علوي، أثر فاعلية الحزام والطريق على تعزيز علاقات التعاون الصينية العربية، مجلة العلوم الإنسانية والطبيعية، www.hnjournal.net، زيارة الموقع بتاريخ 13/4/2026 الساعة : 08:39 م
[7] عادل عبد العزيز الفكي، رئيس مجلس ادارة مركز خبراء وادي النيل للتدريب والدراسات والاستشارات، القاهرة.مقابلة بتاريخ 18 فبراير 2026
[8] محمد نعمان جلال، الركائز الاستراتيجية للسياسة الخارجية الصينية، مركز الجزيرة للدراسات، 2009
[9] عز الدين عبد المولى، أحزمة الصين المتعددة، مركز الجزيرة للدراسات، تاريخ النشر 7 مايو 2025
[10] د.عادل عبد العزيز الفكي، رئيس مجلس ادارة مركز خبراء وادي النيل للتدريب والدراسات والاستشارات، القاهرة. مقابلة بتاريخ 18 فبراير 2026
[11] أنظر موقع الأمم المتحدة / https://www.un.org/ar/desa/china-belt-and-road-forum، تم زيارة الموقع بتاريخ 11فبراير 2026 الساعة 03:05 م بتوقيت مكة المكرمة
[12] سالي محمد سعيد، دراسة بعنوان دور مبادرة الحزام والطريق وتنمية أفريقيا 2063 في دعم التجارة البينية الأفريقية، مركز فاروس للإستشارات والدراسات الاستراتيجية، نُشر بتاريخ أبريل 2022
[13] السيد ما شينمين سفير الصين لدى السودان،” مبادرة ‘الحزام والطريق’ المستقبل الأجمل”، موقع السفارة الصينية بالسودان، نشر بتاريخ 26-4-2019، الرابط: https://sd.china-embassy.gov.cn
[14] الخير عمر أحمد، منتدى التعاون الصيني الأفريقي، صراع النفوذ والسيطرة، الجزيرة نت، تاريخ النشر 6 سبتمبر 2024، تمت زيارة الموقع بتاريخ 15 فبراير 2026.
[15] محمد نعمان جلال، مصدر سابق.
[16] محمد نعمان جلال، مصدر سابق
[17] الاستراتيجية الصينية في الشرق الأوسط من منظور تحليلي، https://strategiecs.com/ar/analyses، تاريخ النشر 7/7/2022، تم زيارة الموقع بتاريخ 29/3/2026 الساعة : 09:27م
[18] المصدر السابق
[19] عادل عبد العزير الفكي، مصدر سابق
[20] عادل عبد الغفار ورنا الشهابي، مبادرة الحزام والطريق بعد عقد من اطلاقها، الصين والشرق الأوسط في ظل مشهد جيوسياسي متغير، شنغهاي، 2024، ص 18
[21] أنظر عادل عبد الغفار وهنا الشهابي، مبادرة الحزام والطريق بعد عقد من إطلاقها
[22] المصدر : التيجاني صلاح عبد الله، خزانات التفكير : دورها العلمي وأثرها في صنع القرار السياسي، المركز الديمقراطي العربي، 31 مايو 2024، تم زيارة الموقع بتاريخ 15 فبراير 2026 الساعة : 06:54 https://democraticac.de/
[23] عادل عبد الغفار ورنا الشهابي، المصدر السابق
[24] مسلم عمران، الصين والاستراتيجية العالمية الأميركية، الجزيرة نت، تاريخ النشر 1/8/2026، زيارة الموقع بتاريخ 3/8/2026، الرابط: https://aja.ws/lmxrx4
[25] أنظر عبد الرحمن أياس،الصين وحرب إيران..الحزام والطريق في خطر، النهار العربي https://www.annahar.com/econom، تم النشر بتاريخ 27/3/2026، زيارة الموقع بتاريخ 7/4/2026.
[26] أنظر مسلم عمران، المصدر السابق.
[27] www.cnbcarabia.com، نُشر بتاريخ 26يوليو 2026
[28] د. عادل عبد العزيز الفكي، مصدر سابق
[29] www.cnbcarabia.com
[30] عادل عبد الغفار ورنا الشهابي، مصدر سابق، ص 18
[31] د. سعاد كريم، باحثة لبنانية، جريدة الشرق الأوسط aawsat.com نُشر بتاريخ 16 أبريل 2026، زيارة الموقع 4/8/2026.
[32] تم إعداد المعادلة باقتباس من: هالة يوسف محمد، دور التخطيط الإستراتيجي في صنع السياسة الخارجية للسودان، بحث مقدم لنيل درجة الماجستير في العلاقات الدولية، أكاديمية السودان للعلوم، ص 186.




