أوراق و دراساتاقتصادية

الغاز الطبيعي ورؤية ترامب لإدارة التحالفات الأمريكية  … بين الثابت والمتغير

د.  صباح أحمد فرج خليل

باحث ممتاز بالهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة – وزارة الاستثمار والتعاون الدولي

مقدمة:

لم يكن الحديث عن رؤية ترامب في إدارة السياسة الخارجية الأمريكية وملفاتها الاقتصادية المختلفة جديداً، إذ لا يمكن أن يتم بمعزل عما شهدته فترة ولايته الأولى، التي استمرت بين عامي 2017 و2021، والتي تناولت، بشكل أو بآخر، العديد من الملفات التي لا تزال محل اهتمام في فترته الرئاسية الثانية. منها ملفات الهجرة ومصير المهاجرين، وملف العلاقات مع روسيا في ظل التوتر مع أوكرانيا، الذي انتهى باندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في 2022، والعلاقة مع الشركاء الاستراتيجيين، في مقدمتهم الدول الأوروبية وحلف الناتو، وقضايا الشرق الأوسط والعلاقات مع إسرائيل وإيران، وأخيرا العلاقات مع دول آسيا، في مقدمتهم الصين وباقي حلفاء الولايات المتحدة في آسيا.

وبمجرد أن تولى دونالد ترامب مقاليد الأمور في الولايات المتحدة الأمريكية في فترته الرئاسية الثانية، وقع عددا من الأوامر التنفيذية، من بينها أوامر ذات صلة بقطاع الطاقة، والتي شكلت في مجملها ملامح استراتيجية الإدارة الأمريكية في هذا المجال بأنشطته المختلفة.

ورغم أن النفط سيطر لعقود على الاستراتيجية الأمريكية في مجال الطاقة، فقد استحوذ الغاز الطبيعي تدريجيا على حصة متزايدة ضمن توليفة الطاقة الأمريكية، ومن ثم ضمن استراتيجيتها في هذا المجال، لا سيما أنه أصبح، مع مرور الوقت، أحد أهم مصادر الطاقة، متجاوزا الفحم ومصادر الطاقة المتجددة في العديد من الاقتصادات، ومنافسا للنفط ضمن مزيج الطاقة العالمي.

عند تناولنا لموضوع الغاز الطبيعي وموقعه ضمن استراتيجية الطاقة الأمريكية بصفة عامة، ورؤية الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة ترامب بصفة خاصة، يمكننا تناول الموضوع من خلال عدد من النقاط الرئيسية:

1-الغاز الطبيعي ضمن استراتيجية الطاقة الأمريكية

2-خريطة الطاقة الأمريكية ودور متزايد للغاز الطبيعي

3-الغاز الطبيعي في ميزان العلاقات الخارجية الأمريكية بين التعاون والصراع:

أولاً: التحالف الأمريكي الأوروبي ودور متنام للغاز

ثانياً: الغاز الطبيعي ورؤية الولايات المتحدة للحرب الروسية الأوكرانية

ثالثاً: الغاز الطبيعي على خارطة الصراع في الشرق الأوسط ورؤية أمريكية مختلفة

رابعاً: التنافس الأمريكي الصيني على مصادر الطاقة، خاصة الغاز الطبيعي.

  1. الغاز الطبيعي ضمن استراتيجية الطاقة الأمريكية

تتسم استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية في مجال الطاقة بوجود عدد من الثوابت التي لا تتغير مع تغير الإدارة السياسية، إلى أن جاءت الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة الرئيس دونالد ترامب، وأضافت أبعاداً جديدة إلى تلك الاستراتيجية، عكست رؤية مختلفة إلى حد ما، تم ترجمتها في صورة العديد من الإجراءات التي وضعت موضع التنفيذ مباشرة مع بداية عام 2025. ونتيجة لهذه الاستراتيجية، يمر النظام العالمي بمرحلة انتقالية تمهد لنظام جديد، تسعى فيه الولايات المتحدة إلى الظهور كقوة عظمى عالمية في مجال الطاقة، مستفيدة من العديد من المعطيات العالمية والمحلية التي تسهم في هذا التحول.

في مقدمة المعطيات المحلية، تأتي ثورة الزيت الصخري التي أسهمت بدورها في إنتاج المزيد من النفط والغاز الطبيعي، حيث تحولت معها الولايات المتحدة إلى مصاف الدول الكبرى المنتجة للطاقة في العالم، إلى جانب التوسع في إنتاج الغاز الطبيعي المسال، مع ضخ استثمارات أكبر في البنى التحتية المرتبطة به، والسعي نحو الاستحواذ على حصة أكبر في الأسواق المستوردة للغاز المسال.

ويأتي ذلك في الوقت الذي انسحبت فيه الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للمناخ، حيث كان هذا القرار أحد أبرز الأوامر التنفيذية الستة المرتبطة بقطاع الطاقة التي اتخذها ترامب مباشرة بعد توليه الرئاسة، بالإضافة إلى تراجعه عن عدد من المعاهدات الدولية الأخرى وما تفرضه من التزامات بيئية. أما عن المعطيات الخارجية، فقد تمثلت في التغيرات التي شهدتها أسواق النفط والغاز، على صعيد حركة الأسعار التي عرفت انخفاضا كبيرا، بالتزامن مع تحول ملحوظ نحو مصادر الطاقة المتجددة، وتراجع الطلب على الوقود الأحفوري.

وتتمحور استراتيجية الطاقة الأمريكية في عهد ترامب حول الوصول إلى ما يعرف بـ”العصر الذهبي للطاقة الأمريكية” أو “أمريكا أولا”، من خلال العمل في اتجاهين متوازيين: زيادة التنقيب، وتقليل القيود البيئية، ما يعزز بدوره الاستقلال الاقتصادي والسياسي الأمريكي في مجال الطاقة. حيث ترتكز الاستراتيجية الأمريكية على استخدام الموارد الطبيعية كأداة اقتصادية استراتيجية، مع تقليل القيود التنظيمية لتعزيز الإنتاج.

أولاً: ملامح استراتيجية الطاقة الأمريكية في عهد ترامب

  • تعزيز دور الوقود الأحفوري : يتمثل ذلك في التركيز على زيادة إنتاج النفط والغاز الطبيعي والفحم، وفتح المزيد من الأراضي والمناطق البحرية للتنقيب، مع رفع القيود عن منتجي الطاقة المحليين، مستفيدة من الطفرة التي يشهدها قطاع الزيت الصخري، وما صاحبها من تطورات في تقنيات الحفر الأفقي والتكسير الهيدروليكي[1].
  • تعزيز الاستقلال الأمريكي في مجال الطاقة : تعتمد الاستراتيجية على استخدام الموارد الطبيعية المحلية لتعزيز الاستقلال الاقتصادي والسياسي للولايات المتحدة، في مواجهة موردي مصادر الطاقة التقليديين. ومن المتوقع أن تسهم هذه الاستراتيجية في جعل النظام العالمي للطاقة أقل مؤسسية وأكثر فوضوية، مع سياسات أمريكية أحادية الجانب تركز فقط على ما تراه الولايات المتحدة في مصلحتها.
  • تعزيز صادرات الطاقة الأمريكية : تستفيد الاستراتيجية من زيادة الإنتاج المحلي لتحويل الولايات المتحدة من مستورد للطاقة إلى مصدر لها، بعد تحقيق الاكتفاء الذاتي. كما تسعى إلى زيادة صادرات الطاقة إلى جميع أنحاء العالم، ما يسهم بدوره في دعم الاقتصاد المحلي، مع تعزيز مصالح شركات الطاقة الأمريكية في مناطق الإنتاج والاستهلاك حول العالم.

فقد تحولت الولايات المتحدة مع ثورة النفط الصخري إلى مصدر صافي للنفط عام 2011، وإلى مصدر صافي للغاز الطبيعي في عام 2017 ، وتراجعت وارداتها من الطاقة إلى نحو 3.6% من اجمالي استهلاك الطاقة، مع وصول انتاج النفط لمستوى قياسي تجاوز حاجز الـــ 10 مليون برميل ثم إلى ارتفع إلى 12 مليون برميل[2].

  • التركيز على تعزيز الصادرات الأمريكية إلى الخارج : تتضمن استراتيجية ترامب في مجال الطاقة الضغط على الدول المستوردة للطاقة، خاصة في الأسواق الأوروبية والآسيوية، لشراء النفط والغاز الأمريكيين، مع تلميح لإمكانية فرض عقوبات في حال الامتناع عن ذلك. وقد أفادت تقارير بأن مسؤولين أمريكيين حثّوا عدة دول أوروبية وآسيوية على تفضيل مصادر الطاقة الأمريكية، مما يعكس تطبيق العقيدة الأمريكية للطاقة على المستوى الدولي لتعزيز مصالح الولايات المتحدة الاقتصادية والسياسية.
  • أطلق الرئيس الأمريكي مجلسا يعرف باسم مجلس الهيمنة الوطنية على الطاقة لتعزيز تفوق الولايات المتحدة في مجال الطاقة، ومن المتوقع أن يلعب دورا بارزا في تسريع وتيرة إنتاج الطاقة من مصادرها المختلفة، من خلال زيادة إصدار تصاريح البيئة وتوسيع الحفر البحري. كما يسعى المجلس إلى قيادة التغيرات السياسية والاقتصادية في الأسواق التي تؤثر على أسعار الطاقة بمصادرها المختلفة، بالإضافة إلى دوره الأساسي في تقديم المشورة للرئيس الأمريكي بشأن الموضوعات ذات الصلة[3].
  • تخفيف القيود البيئية والتنظيمية على صناعة الطاقة المحلية: يهدف هذا الإجراء إلى تعزيز الإنتاج وخفض التكاليف، من خلال توسيع مساحة الأراضي العامة المتاحة للتنقيب عن النفط والغاز في عهد ترامب مقارنة بالإدارات السابقة، بالتزامن مع رفع القيود التنظيمية المفروضة على القطاع.

حيث قامت الإدارة بإلغاء العديد من اللوائح البيئية، مثل تلك المتعلقة بالانبعاثات ومعايير كفاءة الأجهزة، بهدف خفض التكاليف وتحفيز الإنتاج، كما تشمل تلك الإجراءات رفع القيود على انتاج النفط والغاز والمعادن في الاسكا بما في ذلك أجزاء من محمية الحياة البرية الوطنية في القطب الشمالي مع دعم تطلعات الولاية لإحياء صناعة الغاز الطبيعي المسال[4].

  • إعادة بناء الاحتياطيات الاستراتيجية من النفط والغاز بهدف دعم الاستقرار الاقتصادي. حيث وجهت إدارة ترامب إلى إعادة ملء الاحتياطي الاستراتيجي للنفط، الذي انخفض إلى مستويات قياسية، لتعزيز أمن الطاقة الأمريكي رغم عرقلة الكونجرس الأمريكي التمويل اللازم لتنفيذ هذه الخطة بالكامل. فقد أوضح وزير الطاقة كريس رأيت أن إعادة تعبئة الاحتياطي البترولي الاستراتيجي تمثل جزءاً أساسياً من جهود حماية أمن الطاقة في الولايات المتحدة، وتعزيز الاستقرار الوطني على عكس السياسات غير المسؤولة للإدارة السابقة، حيث سحبت ادارة بايدن 180 مليون برميل من النفط في عام 2022، ما أدى إلى انخفاض المخزون إلى أدنى مستوى منذ عام 1983 وزيادة تكاليف الصيانة والتخزين بمئات الملايين من الدولارات[5].
  • منح مزيد من الصلاحيات لتسريع حالة طوارئ وطنية للطاقة تمنح الموافقات اللازمة على البنية التحتية للوقود الأحفوري والوقود الحيوي والطاقة النووية والمعادن الأساسية باستثناء الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، مع تقليص الدعم المخصص للطاقة النظيفة ما يعني احتمالية تقليص الميزانيات المخصصة للبحث والتطوير في مجال الطاقة المتجددة والتقنيات النظيفة.
  • وتبرر الإدارة الأمريكية التغيرات التي أدخلتها على استراتيجية الطاقة الأمريكية بأن لها مردود إيجابي على المدى الطويل يتمثل في:
  • السياسات الداعمة للهيمنة الأمريكية في مجال الطاقة من شأنها أن تسهم في زيادة الناتج المحلى الإجمالي بنسب تتراوح بين 0.56% و1.9% سنويا بحلول عام 2035 .
  • إزالة القيود المفروضة على انتاج النفط من المناطق البحرية من شأنه أن يسهم في زيادة الناتج المحلى الإجمالي بنسبة تتراوح بين 0.03% و0.13% سنويا بحلول عام 2035.
  • يتوقع أن يسهم زيادة الإنتاج المحلى من مصادر الطاقة في زيادة الناتج المحلى الإجمالي بنسب تتراوح بين 0.025% و0.11% سنويا .
  • يتوقع أن تسهم زيادة صادرات الولايات المتحدة الأمريكية من الغاز الطبيعي المسال في زيادة الناتج المحلي الإجمالي بنحو 0.03% سنويا بحلول عام 2035.[6].

2- خريطة الطاقة الأمريكية والدور  المتزايد للغاز  الطبيعي

استحوذ الغاز، بنوعيه الطبيعي والمسال، على اهتمام كبير ضمن استراتيجية الطاقة الأمريكية في عهد ترامب، حيث تضمنت سياسات إدارته، بشكل أو بآخر، توجهات رئيسية وأخرى فرعية تتعلق بالغاز الطبيعي. وبالنظر إلى خريطة استهلاك وإنتاج الطاقة في الولايات المتحدة الأمريكية، نجد أن الغاز استطاع، خلال سنوات قليلة، الاستحواذ على حصة مؤثرة، تجاوزت في بعض الأحيان حصة النفط، وهي مرشحة للزيادة مستقبلا بوتيرة أسرع.

وتشير البيانات إلى استحواذ الغاز على نحو 36% من هيكل استهلاك الطاقة في الولايات المتحدة، ليحتل المرتبة الثانية بعد النفط الذي يستحوذ على 38%، وبفارق لا يتجاوز 2%، فيما تتوزع النسبة المتبقية بين الطاقة المتجددة والطاقة النووية والفحم. وعلى صعيد الإنتاج، استطاع الغاز أن يتجاوز النفط، ليستحوذ على 38% من إجمالي الكميات المنتجة من الطاقة، مقارنة بـ34% للنفط، و11% للفحم، و8% للطاقة المتجددة، ومثلها للطاقة النووية[7].

مع تولي ترامب الرئاسة، شهد قطاع الغاز الطبيعي دفعة قوية،، فقد شكل عام 2025 بداية قوية لعودة موجة الاستثمارات في مشاريع الإسالة الجديدة، حيث تصدرت الولايات المتحدة الأمريكية المشهد العالمي، ويعزى ذلك إلى قرار إدارة ترامب، في مطلع العام نفسه، استئناف منح التراخيص للشركات الراغبة في تطوير مشروعات جديدة لتصدير الغاز الطبيعي المسال. وفي هذا السياق، برز مشروع Louisiana LNG، الذي انطلقت مرحلته الأولى في أبريل 2025، بقدرة تصميمية تُقدّر بنحو 16.5 مليون طن سنويا.  وقد تبع ذلك إطلاق أربعة مشروعات جديدة للغاز الطبيعي المسال، من أبرزها :

1-المرحلة التوسعية الجديدة في محطة Corpus Christi، وتضم وحدتين للإسالة (89) LNG Train بسعة إجمالية 5 مليون طن / سنوياً.

 2- مشروع CP2 LNG الذي ستقوم بتطويره شركة Venture Global LNG بطاقة تصميمية للمرحلة الأولى 14.4 مليون طن / سنوياً.

3-تنفيذ وحدة الإسالة الرابعة (4 Train) في مشروع Rio Grande LNG بطاقة تصميمية 6 مليون طن / سنوياً.

 4- تنفيذ المرحلة الثانية في مشروع Port Arthur LNG بطاقة تصميمية 13 مليون طن / سنوياً.

ومن المتوقع أن تصل إجمالي الطاقة التصميمية للمشروعات الجديدة، التي تم الإعلان عن إطلاقها منذ تولي الرئيس ترامب، إلى نحو 52.9 مليون طن سنوياً، مع الأخذ في الاعتبار أن مشروعات الغاز الطبيعي المسال تتطلب فترة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات لتنفيذ الأعمال الهندسية والتوريدات وأعمال البناء، إضافة إلى الاختبارات التشغيلية، قبل دخولها حيز التشغيل التجاري.

كما يتوقع أن تسهم هذه المشاريع، إلى جانب المشاريع الأخرى قيد التنفيذ، في تعزيز موقع الولايات المتحدة في سوق الغاز الطبيعي المسال بحلول نهاية عام 2030، بما يعني قدرتها على التحكم في نحو ثلث حجم السوق العالمي. إذ تمتلك الولايات المتحدة ثماني محطات إسالة بطاقة إجمالية تبلغ 107.5 مليون طن سنويا، كما توجد خمس محطات ضمن مشاريع توسعية قيد الإنشاء، دخل بعضها مرحلة التشغيل الجزئي، ويقدر مجموع طاقاتها بنحو 62.3 مليون طن سنويا. وإذا ما أضيفت إليها الحزمة الجديدة التي حصلت على قرار الاستثمار، سترتفع طاقة الإسالة الإجمالية للولايات المتحدة الأمريكية بحلول نهاية عام 2030 إلى أكثر من 220 مليون طن سنويا، أي ما يزيد على ضعف طاقتها الإنتاجية الحالية.

وعلى مستوى الصادرات، استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية الحفاظ على مكانتها كأكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال، حيث بلغت صادراتها خلال الربع الثاني من عام 2025 نحو 26.4 مليون طن، مقارنة بحوالي 21.2 مليون طن خلال الربع المماثل من عام 2024، بنسبة نمو سنوية بلغت 27.6%. ثم ارتفعت إلى مستوى قياسي جديد خلال الربع الثالث، لتسجل 27.7 مليون طن، مقابل 21.2 مليون طن خلال الربع نفسه من عام 2024، بنسبة نمو سنوية غير مسبوقة بلغت 30.5%.[8].

وبلغ إجمالي صادرات الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي المسال خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 نحو 80.3 مليون طن، مقارنة بـ64.9 مليون طن خلال الفترة ذاتها من عام 2024، بنسبة نمو سنوية بلغت 23.7%، ما عزز من حصتها السوقية التي بلغت 25.3%..

وجاءت تلك الزيادة نتيجة تشغيل المرحلة الأولى من مشروع LNG Plaquemines بكامل طاقته التصميمية حيث بلغت الشحنات خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 نحو 10.6 مليون طن، مع توقعات بأن ترتفع الطاقة الإنتاجية بعد تشغيل المرحلة الثانية التي تبلغ 20 مليون طن سنويا، يضاف إلى ذلك تشغيل وحدة الإسالة الثانية بمشروع (Corpus Christi Stage III ) والتي بلغ نحو 12.6 مليون طن خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، ويتوقع أن يضم المشروع 7 وحدات أخرى بسعة 10 مليون طن لكل واحدة[9].  

تزامنت تلك الجهود مع الاهتمام بإحياء صناعة الغاز الطبيعي في ألاسكا، على نحو مواز للاهتمام بصناعة النفط؛ إذ سعت إدارة ترامب منذ أيامها الأولى إلى إحياء مشروع إسالة الغاز الطبيعي في ألاسكا، بل ورأت فيه سبيلا لجذب استثمارات أجنبية من دول تسعى إلى توقيع اتفاقيات تجارية مع الولايات المتحدة بهدف تجنب فرض رسوم جمركية، مثل كوريا الجنوبية واليابان وتايوان. ومن المتوقع أن تسهم هذه الدول في تمويل المشروع مقابل الحصول على الحصة الأكبر من إنتاجه من الغاز المُسال، بما يسهم في خفض العجز التجاري الأمريكي تجاه هذه الدول الثلاث.

ويشمل المشروع بناء خط أنابيب بطول 800 ميل، يمتد من المنحدر الشمالي في الدائرة القطبية الشمالية إلى مدخل كوك في الجنوب، حيث يتم اسالة الغاز الطبيعي لتصديره إلى آسيا. بتكلفة اجمالية تصل إلى 40 مليار دولار، وظل المشروع عالقا على طاولة التخطيط لسنوات لارتفاع تكلفته فضلا عن المخاوف البيئية.

ويتكون المشروع من ثلاثة أجزاء رئيسية: خط الأنابيب، ومحطة لمعالجة الغاز في المنحدر الشمالي، ومحطة لتسييل الغاز بغرض التصدير في نيكيسكي، ألاسكا[10]. ونتيجة لهذه الجهود والسياسات، يتوقع أن يتزايد دور الغاز الطبيعي والغاز المسال ضمن هيكل إنتاج وصادرات، بل وحتى استهلاك الطاقة داخل الولايات المتحدة الأمريكية.

3-الغاز الطبيعي في ميزان العلاقات الخارجية الامريكية بين التعاون والصراع

أولاً: الغاز الطبيعي ورؤية أمريكا للحرب الروسية – الأوكرانية

لعب الغاز الطبيعي دورا بارزا في صياغة الرؤية الأمريكية للحرب الروسية على أوكرانيا من ناحية، وفي تشكيل الرؤية الأمريكية تجاه صناعة الغاز الطبيعي المُسال الوطنية من ناحية أخرى. وقبيل اندلاع الحرب، سعت الولايات المتحدة باستمرار إلى إقناع الدول الأوروبية بالتخلي تدريجيا عن الغاز الروسي والتحرر من التبعية لروسيا في مجال الطاقة، وتنويع مصادرها عبر استيراد مزيد من الغاز المُسال منها. غير أن العديد من الدول الأوروبية، لا سيما ألمانيا، قاومت هذا التوجه لسنوات، ولم تغير موقفها إلا بعد اندلاع الحرب على أوكرانيا، مع سعي الولايات المتحدة إلى مساعدتها في توفير بدائل للغاز الروسي، سواء من داخلها أو من خارجها.

وقبل اندلاع الحرب بسنوات، ورغم أن أزمة القرم كانت قد تفجّرت بالفعل عام 2014، شهدت سوق الغاز الأوروبية تطورات ملحوظة مكنت الغاز من الاستحواذ على حصة كبيرة من مزيج الطاقة في غالبية الدول الأوروبية، متجاوزا النفط في بعض البلدان، ومحتلا المرتبة الثانية في بلدان أخرى. ففي بريطانيا وإيطاليا، بلغت حصة الغاز الطبيعي 38% و42% على التوالي من مزيج الطاقة، متجاوزا النفط. وفي دول مثل ألمانيا وهولندا وإسبانيا وتركيا، بلغت حصة الغاز على التوالي 26% و39% و23% و27%، متجاوزا الفحم، ومحتلا المرتبة الثانية بعد النفط. كما تضاعف استهلاك أوروبا من الغاز خلال الأعوام القليلة التي سبقت الحرب، لتأتي في المرتبة الثالثة عالميا من حيث الاستهلاك.

وتضاعف استهلاك أوروبا من الغاز خلال الأعوام القليلة التي سبقت الحرب، لتأتي في المرتبة الثالثة بعد السوق الأمريكية وسوق آسيا والمحيط الهادئ، وذلك في ظل محدودية الإنتاج المحلي الذي شهد تراجعاً نتيجة محدودية الاحتياطيات وعدم توسع تلك الدول في إنتاج المزيد من الغاز. وقد دفع ذلك الدول الأوروبية إلى سد الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج عبر استيراد كميات أكبر من الغاز من موردين خارجيين، مع التوسع التدريجي في الواردات بمرور الوقت. فقد ارتفعت واردات الدول الأوروبية من الغاز بنسبة 27.3% ما بين عامي 2000 و2021 توزعت بين غاز مسال وغاز عبر خطوط الأنابيب التي استحوذت على الحصة الأكبر[11]

ومنذ بداية أزمة القرم وما تبعها من تطورات، سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى الحد من التوسع الروسي في الأسواق الأوروبية، بدءا بمعارضة بناء مشروع الغاز “نورد ستريم 2″، الذي كان من المقرر أن ينقل، عند اكتماله، كميات كبيرة من الغاز الروسي إلى أوروبا. وقد أوضح الرئيس ترامب أن زيادة واردات الدول الأوروبية من الغاز الطبيعي المُسال الأمريكي من شأنها تقويض احتكار روسيا لإمدادات الغاز، وجعل القارة أقل عرضة للابتزاز السياسي. كما انتقد الرئيس الأمريكي دعم عدد من القادة الأوروبيين لبناء هذا الأنبوب، وفي مقدمتهم ألمانيا، مؤكدا أن رخص الغاز الروسي لا يعد مبررا للتبعية الأوروبية لروسيا في مجال الطاقة، وأن البحث عن بدائل، وفي مقدمتها الغاز الأمريكي، وإن كان أعلى تكلفة في المدى القصير، فإنه يعد الخيار الأفضل على المدى الطويل.

وللعمل على وقف هذا المشروع، وافقت لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي على مشروع قانون من شأنه فرض عقوبات على الشركات التي تساعد شركة غازبروم الروسية العملاقة المملوكة للدولة في استكمال مشروع نورد ستريم 2. وصرح السيناتور الأمريكي جيمس ريش بأن المشروع سيفرض عقوبات على الشركات التي تنشئ أي خطوط أنابيب لمشروع نورد ستريم 2، وكذلك خط أنابيب ترك ستريم الروسي الذي يعبر البحر الأسود إلى تركيا، والذي اكتمل بناؤه نهاية 2018، وبدأ في ضخ الغاز في بداية 2020. وسيزود ​​خط أنابيب ترك ستريم، تركيا بالغاز، ثم الاتحاد الأوروبي لاحقا عبر امتداد مُخطط له عبر جنوب شرق أوروبا[12].

جاءت الحرب الروسية على أوكرانيا لتشكل اختباراً حقيقياً لأمن الطاقة في الدول الأوروبية التي أدركت صحة الرؤية الأمريكية بضرورة تخلى تلك الدول على تبعيتها لروسيا في مجال الطاقة، وهو ما سعت لتحقيقه الدول الأوروبية بوتيرة متسارعة.

واتخذت الولايات المتحدة الأمريكية بالتعاون مع الدول الأوروبية عدداً من الإجراءات بهدف الضغط على روسيا  لوقف حربها على أوكرانيا  من ناحية ، والحد من قدرتها على استخدام عائدات النفط الغاز في تمويل الحرب من ناحية أخرى. فقامت الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية بفرض حزم متتالية من العقوبات الاقتصادية على روسيا.

وإن كانت العقوبات الأوروبية ضد روسيا قد بدأت بالفعل في مارس 2014 بعد ضم شبه جزيرة القرم، إلا أنها تصاعدت بشكل كبير بعد التدخل الكامل في أوكرانيا في 2022، ووصلت الحزم إلى 18 حزمة بنهاية عام 2024 مع التركيز المتزايد على الطاقة. جاءت أول حزمة من تلك العقوبات في 22 فبراير 2022، أبرز ما ورد بها قيود على وصول روسيا لأسواق المال والخدمات المالية ولم تتطرق بعد لقطاع الطاقة الروسي بشقيه النفط والغاز، وجاءت الحزمة الثانية في نفس الشهر وشملت قطاع الطاقة إلى جانب القطاع المالي والتكنولوجي والنقل، وتلتها الحزمة الثالثة والرابعة والخامسة التي ركزت على القطاع المالي الروسي وحظر استيراد الوقود الاحفوري الصلب من روسيا.

 في حين شملت الحزم السادسة والسابعة والثامنة توسيع نطاق العقوبات لتشمل حظر استيراد النفط الخام الروسي والمنتجات البترولية والمكررة، إلى جانب حظر إعادة بيع النفط الروسي المستورد عبر الأنابيب من دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي أو حتى إلى دولة ثالثة، بما في ذلك حظر توفير التأمين والتمويل لنقل النفط الروسي إلى دولة ثالثة، وقد بدأت الدول الأوروبية في إدراج الغاز الطبيعي بداية من الحزمة العاشرة للعقوبات والتي شملت حظر توفير سعة تخزين الغاز الروسي وتلا ذلك حظر استيراد غاز البترول المسال ضمن الحزمة الثانية عشر. واتسع نطاق العقوبات في الحزمة الرابعة عشر لتشمل حظر إعادة تصدير الغاز الطبيعي المسال الروسي وحظر الاستثمارات الجديدة في مشاريع الغاز الطبيعي المسال الروسية.

وفي الحزمة الثامنة عشر تم وضع سقف سعر للنفط الروسي المستورد يتراوح بين 47.6 دولار و60 دولار للبرميل مع حظر استيراد المواد البترولية المكررة وحظر كامل للتعامل على خط أنابيب النفط الشمالي 1،2 ، مع حظر دخول نحو 105 سفينة من أسطول روسيا الخفي الى الموانئ الأوروبية[13].

جاءت الحزمة التاسعة عشر لتكون الأحدث والأوسع نطاقا، وشملت إجراءات حظر كامل على واردات الغاز الطبيعي المسال الروسي إلى الاتحاد الأوروبي، حيث يبدأ تنفيذ الحظر في 25 أبريل 2026 للعقود قصيرة الأجل، وفي مطلع يناير 2027 للعقود طويلة الأجل. كما تم اتخاذ تدابير إضافية ضد ما يعرف بـ”الأسطول الشبح الروسي”، الذي يتيح لموسكو تصدير النفط عبر الالتفاف على العقوبات الغربية، وذلك بفرض عقوبات على نحو 117 سفينة جديدة من هذا الأسطول، لترتفع بذلك عدد السفن التي طُبّقت عليها العقوبات إلى 558 سفينة من أصل 1400 سفينة يشملها الأسطول، وفقًا لأحدث التقديرات[14].

تزامن ذلك مع إعلان الإدارة الأمريكية عن عزمها فرض حزمة من العقوبات هي الأكبر على الإطلاق على روسيا، للضغط على الرئيس الروسي لإبداء المرونة اللازمة تجاه مقترحات الرئيس الأمريكي ترامب في رؤيته لإنهاء الحرب الروسية على أوكرانيا. وقد فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لأول مرة في ولايته الثانية، عقوبات على روسيا تتعلق بأوكرانيا، مستهدفا شركتي النفط “لوك أويل” و”روسنفت”، وذلك في ظل تزايد استيائه من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بسبب الحرب.

وبالنظر إلى نتائج حزم العقوبات الـ19 على هيكل واردات الدول الأوروبية من النفط والغاز الروسيين، نجد أنه وقبل الاعلان عن تطبيق الحزمة التاسعة عشر انخفضت واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الروسي بنسبة تصل إلى 89% بين الربع الأول من سنة  2022  والربع الثاني من سنة 2025، مع انخفاض حصة روسيا من واردات الغاز الطبيعي المسال من 22% في سنة 2021 إلى 14% في سنة 2025. فيما انخفضت حصة روسيا من واردات النفط الأوروبية من 29% في سنة 2021 إلى 2% في سنة 2025 بعد حظر الاستيراد البحري في ديسمبر 2022.

وتهدف حزمة العقوبات بالأساس إلى تنويع مصادر الطاقة لدى الدول الأوروبية، على الرغم مما قد يسببه ذلك من ارتفاع تكاليف هذا التنويع على المديين القصير والمتوسط، فقد انخفضت صادرات الاتحاد إلى روسيا بنسبة 61% في الفترة الممتدة بين سنتي 2022 و2025، ما حول العجز التجاري إلى فائض قدره 0.8 مليار يورو في الربع الثاني من سنة 2025، ومع ذلك فقد يؤدي الحظر على الغاز إلى زيادة الاعتماد على الولايات المتحدة، التي قفزت واردات الغاز المسال منها هذا العام إلى 54% ما قد يرفع الأسعار المحلية للطاقة[15].

أولاً: التحالف الأمريكي الأوروبي ودور متنامي للغاز الطبيعي

استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية إعادة رسم علاقاتها مع شركائها الأوروبيين استناداً إلى رؤيتها المشتركة للتعامل مع التطورات الناتجة عن الحرب الروسية على أوكرانيا، حيث نجحت في الاستحواذ على الحصة الأكبر في السوق الأوروبية كمورد رئيسي للغاز الطبيعي المسال، بديلا عن روسيا التي تراجعت حصتها تدريجياً نتيجة الحزم المتتالية من العقوبات، التي فرضت بالتعاون مع الشركاء الأوروبيين.

فقد أعلن الطرفان الأمريكي والأوروبي في بيان مشترك عن خطة لاستقدام كميات إضافية من الغاز الأميركي المسال لكي تصل كمية الغاز الأميريكي المستورد سنوياً بدءاً من عام 2022 إلى 50 مليار متر مكعب من الغاز المسال حتى عام 2030، على أن تزيد الولايات المتحدة صادراتها من الغاز إلى أوروبا وفقا لمعطيات السوق، وبهدف إنهاء أوروبا اعتمادها على الطاقة الروسية بحلول عام 2027، واتفق الطرفان على تشكيل خلية عمل مشتركة أميركية – أوروبية حول أمن الطاقة لوضع أطر التعاون وتطبيق الخطوات المتفق عليها، على أن يرأسها ممثل من البيت الأبيض وممثل لرئاسة المفوضية الأوروبية. وتعهدت أوروبا في المقابل بالتسريع في بناء معامل جديدة لتخزين الغاز المسال فيها، ليوزع منها الغاز على الدول الأعضاء[16].

ورغم اخفاق إدارة بايدن في توفير الكمية المستهدفة والمعلن عنها، فقد جاءت إدارة ترامب في فترته الرئاسية الثانية، لتطلق استراتيجيتها نحو الهيمنة الأمريكية على الطاقة، ولتطلق العنان لقدرات الولايات المتحدة في مجال الغاز الطبيعي مستغلة ما أطلقته من مشاريع تم تنفيذ بعضها وجاري تنفيذ البعض الآخر، وطفرة الغاز الزيت الصخري الذي زاد قدرتها على استخراج وإنتاج المزيد، إلى جانب محاولات تقليص العجز التجاري الكبير مع الاتحاد الأوروبي مستندة إلى صادرات الغاز المسال.

لم تكن الرغبة الأمريكية في دعم تحالفها مع شركاءها الأوروبيين بعد الحرب الروسية واستبدال الغاز الأمريكي بالغاز الروسي هي المحرك الأساسي لهذا التحالف، والمحرك الأساسي للصادرات الأمريكية من الغاز المسال، وإنما كان هناك العديد من العوامل التي سارعت وتيرة هذا الاحلال واقنعت الدول الأوروبية بأن الغاز الأمريكي هو البديل الأفضل على الأقل في المدى القصير لحين توفير بدائل أفضل مع مرور الوقت.

فقد بدأت شبكة أنابيب نقل الغاز الروسي إلى أوروبا في التوقف تدريجياً عن العمل مرات لإستخدامها كأداة ضغط روسية على الدول الأوروبية المستوردة، ومرة باستخدامها أداة ضغط من الدول الأوروبية تجاه روسيا لإجبارها على إنهاء الحرب دون جدوى، حيث تم إغلاق معظم مسارات الغاز الروسية الأخرى بما في ذلك خطا أنابيب “يامال – أوروبا” عبر بيلاروسيا، و”نورد ستريم-1″ تحت بحر البلطيق في العامين التاليين للحرب مباشرة[17].

وشكل اعلان أوكرانيا نهاية سنة 2024 عن عدم نيتها تجديد اتفاقية نقل الغاز الطبيعي من روسيا إلى الدول الأوروبية عبر أراضيها الموقعة في سنة 2019، عامل ضغط إضافي في وقت اقترب فيه موسم الشتاء حيث يصل الطلب إلى ذروته مع استعادة أسواق الغاز الأوروبية استقرارها النسبي بعد الارتفاع الكبير الناتج عن توقف الصادرات عبر خطي أنابيب “يامال” و “ونوردستريم 1″، ما حفز الدول الأوروبية على الاتجاه أكثر نحو المورد الأقدر على توفير كميات أكبر في وقت أقل.

 كانت البدائل المتاحة آنذاك لحصول الدول الأوروبية على إمدادات إضافية من الغاز المُسال من موردين بالشرق الأوسط والولايات المتحدة، إلى جانب استيراد شحنات إضافية من الغاز المنقول عبر خطوط الأنابيب عبر النرويج ومنطقة شمال إفريقيا. في الوقت الذي تدرس دول وسط وشرق أوروبا عدة خيارات متاحة لتعزيز استقرار الطاقة لديها، بعد توقف تدفقات الغاز الروسي عبر أوكرانيا، من بينها استخدام شبكة الغاز الأوروبية ومحطات استيراد الغاز المُسال بالدول المجاورة للحصول على إمدادات إضافية من الخام.

وشكلت الحرب التجارية التي أطلقتها إدارة ترامب في مواجهة جميع شركاءها التجاريين ومنافسيها على حد سواء أحد العوامل التي سرعت وتيرة التحول الأوروبي نحو الغاز الأمريكي، حيث قدمت دول الاتحاد الأوروبي واردات الغاز كخيار للرئيس الأمريكي، ليتم من خلالها توقيع اتفاقيات تجارية تهدف إلى إقناع ترامب بالتهدئة فيما يتعلق بملف الرسوم الجمركية، وضمان عدم التصعيد من الجانب الأمريكي[18].

ورغم ذلك فلا تزال هناك العديد من التحديات التي من شأنها التأثير على التحالف الأمريكي الأوروبي في مجال الغاز خلال فترة رئاسة ترامب الثانية، من أبرزها:

  • إن طبيعة العلاقات الأمريكية–الأوروبية الممتدة لعقود تجعل من المستحيل أن يشكل الغاز الطبيعي المحرك الرئيسي لها، على الرغم من ضغوط الجانب الأمريكي لاستخدام الغاز الطبيعي كأداة لتقليل العجز التجاري بين الجانبين. فهناك العديد من الملفات المتشابكة التي تربط الطرفين وتؤثر بشكل أكبر على العجز التجاري والعلاقات الأمريكية–الأوروبية مقارنة بالغاز الطبيعي. فعلى سبيل المثال بلغت قيمة الصادرات الأمريكية من الغاز إلى أوروبا نحو 13 مليار دولار من أصل 235.6 مليار دولار قيمة متوقعة للعجز الأمريكي عام 2024، ما يعني أن الغاز الطبيعي لا يزال أبعد ما يكون من التأثير على الميزان التجاري للجانبين حتى مع الجهود والضغوط الأمريكية التي تفرضها إدارة ترامب.
  • اضطرت الدول الأوروبية إلى التعامل مع الواقع الذي فرضته الحرب الروسية الأوكرانية نتيجة لضيق الوقت، وفقاً لما اتاحته لها المعطيات في الأسواق والظروف الراهنة، إلا أن الأوضاع المستقبلية على المدى الطويل قد لا تدعم البديل الأمريكي لتلبية الاحتياجات الأوروبية، لاسيما وأن هناك بدائل عديدة أقرب جغرافيا وأرخص من حيث السعر، قد تجد لنفسها موطئ قدم إذا ما نجحت في تنفيذ مشاريع بديلة طرحت خلال الأعوام السابقة على الحرب، وفرضت نفسها بقوة بعد الحرب وعادت إلى الواجهة، مثل غاز شرق المتوسط الذي ظهر كبديل قوي للغاز الروسي، وكذا الغاز الافريقي خاصة من شمال افريقيا، والغاز المنتج من الشرق الأوسط من قطر وايران مستقبلا، جميع هذه البدائل تمتلك فرصا لا تقل أهمية عن الغاز الأمريكي، بل قد تتمتع بميز نسبية أفضل منه في بعض الأحيان، يضاف إلى ذلك رغبة الدول الأوروبية في عدم تكرار تجربتها مع روسيا من الاعتمادية الشديدة على الغاز الطبيعي من مصدر رئيسي قد يكون وحيد خلال فترة معينة حتى وأن كان بديل أسرع للتخلي عن الغاز الروسي، ما يعني أن تلك الدول ستكون أحرص ما يمكن لتنويع مصادر حصولها على الغاز بعيدا عن مورد رئيسي حتى وان كان الشريك الاستراتيجي لها.
  • اتجه الطلب العالمي على الغاز الطبيعي نحو تباطؤ ملحوظ في النصف الأول من عام 2025، حيث ارتفع بنسبة لا تتجاوز 1% ، مقارنة بنسبة نمو بلغت 2.8% في عام 2024. ويعود السبب الرئيسي لهذا التباطؤ إلى انخفاض صادرات الغاز الروسي عبر الأنابيب إلى الاتحاد الأوروبي، وتباطؤ نمو إنتاج الغاز الطبيعي المسال، إضافة إلى التوترات الجيوسياسية بين إيران وإسرائيل. ومن المتوقع أن يستمر تباطؤ الطلب العالمي على الغاز حتى نهاية العام، ليصل إلى 1.3% بنهاية عام 2025، مقارنة بـ2.8% في عام 2024، مع نمو الطلب في منطقة آسيا والمحيط الهادئ بنسبة أقل من 1%، وهو أدنى معدل سنوي منذ عام 2022. في المقابل، شهد المعروض العالمي من الغاز الطبيعي المُسال ارتفاعًا بنسبة 4%، أي ما يعادل 12 مليار متر مكعب، خلال النصف الأول من عام 2025.

وتراجعت صادرات الغاز الروسي عبر الأنابيب إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 45%، أو بنحو 6.5 مليار متر مكعب، نتيجة توقف تدفقات الغاز عبر أوكرانيا منذ مطلع عام 2025. في الوقت ذاته انخفضت الإمدادات النرويجية عبر الأنابيب إلى باقي أوروبا بنسبة 4.5%[19].

 واضطرت الدول الأوربية مع تلك المتغيرات إلى إعادة تعبئة مخزون الغاز ما شكل بدوره ضغوطا اضافية على ميزان الغاز العالمي. فقد أنهى الاتحاد الأوروبي موسم التدفئة 2024/2025 بمستويات تخزين أقل بنسبة 42% أقل من عام 2023، وفي الربع الثاني من عام 2025، تضاعفت كميات الغاز التي يتم ضخها إلى المخازن في الاتحاد الأوروبي بنسبة 36% على أساس سنوي؛ مما يعادل قرابة 7 مليارات متر مكعب. كما ارتفعت صادرات الغاز عبر الأنابيب إلى أوكرانيا بأكثر من 12 ضعفا، مدفوعة أساسا بالحاجة إلى دعم عمليات إعادة تعبئة المخزون. وسجلت واردات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال نموا بنسبة 25%؛ أي ما يعادل نحو 20 مليار متر مكعب على أساس سنوي، لتصل إلى مستوى قياسي بلغ 92 مليار متر مكعب خلال النصف الأول من عام 2025.

وإن دفعت تلك العوامل على المدى القصير إلى مزيد من الاعتماد على الغاز الأمريكي فإن توقعات نمو الطلب العالمي على الغاز في 2026 تدعم توجه أمريكا نحو السوق الآسيوية التي يتوقع أن تسهم وحدها بنصف الطلب العالمي على الغاز، حيث تشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة إلى نمو الطلب على الغاز في آسيا بأكثر من 4% في عام 2026، وهو ما يمثل حوالي نصف نمو الطلب العالمي على الغاز. ما يعني بدوره زيادة واردات الغاز الطبيعي المسال في المنطقة بنسبة 10% في عام 2026 بعد الانخفاض المتوقع في عام 2025. كما تشير التوقعات أيضا أن ينخفض الطلب على الغاز في أوروبا بنسبة 2%، وسط إنتاج أقوى من مصادر الطاقة المتجددة، وتوجهها نحو تحول الطاقة[20].

ثانياً: الغاز الطبيعي على خارطة الصراع في الشرق الأوسط : رؤية أمريكية مختلفة

تعد منطقة الشرق الأوسط بدولها المختلفة حجر الزاوية في منظومة الطاقة العالمية، لما تمتلكه من موارد ضخمة من النفط والغاز، ولأنها تضم عددا من أكبر منتجي ومصدري النفط والغاز في العالم، بحث تضم 5 من أكبر 10 منتجين للنفط في العالم وهي :(السعودية، العراق، الإمارات، إيران، الكويت)، و3 من أكبر 20 منتجا للغاز وهي: (إيران، قطر والسعودية).

كما تمتلك دول المنطقة حوالي 871.18 مليار برميل من احتياطات النفط الخام المؤكدة في العالم، وهو ما يشكل أكثر من 55% من احتياطات النفط المؤكدة في العالم، والبالغة 1569.52 مليار برميل، كما تمتلك المنطقة 41% من احتياطات الغاز العالمية المؤكدة، إذ تمتلك إيران 42% من هذه الحصة الإقليمية، تليها قطر بنسبة 32%، وتبلغ حصة السعودية 10%، ثم الإمارات 8%. وقد لعب ملف الغاز في الشرق الأوسط دورا بارزا ولا يزال في ميزان الطاقة عالميا، كما حظي على اهتمام كبير من الإدارات الأمريكية المتتالية، وإن اختلفت رؤية الإدارة الأمريكية الحالية له مقارنة بسلفها.

ويمكن الحديث عن ملف الغاز  في الشرق الأوسط على صعيدين مختلفين:

الأول: على صعيد الموردين التقليديين للغاز في منطقة الشرق الأوسط، اعتمدت الإدارة الأمريكية السابقة على هؤلاء الموردين للعب دور محوري في توفير بدائل للغاز الروسي، بهدف التخفيف من حدة انقطاعه عن الأسواق الأوروبية، التي كانت تخشى من عدم توافر بدائل قادرة على تلبية احتياجات أسواقها من الغاز الطبيعي والمسال.

ولا يمكن النظر إلى رؤية ترامب بشأن ملف الغاز الطبيعي في منطقة الشرق الأوسط بمعزل عن موقع تلك المنطقة ضمن استراتيجية الأمن القومي الأمريكي، سواء قبل ترامب أو أثناء ولايته. فقد خصص ترامب ضمن استراتيجية الأمن القومي المعلنة جزءا كبيرا لمنطقة الشرق الأوسط والسياسة الأمريكية تجاهها، مختصرا رؤيته للمنطقة في التأكيد على منع أي قوة معادية من الهيمنة على الشرق الأوسط، وضمان إمداداته بالنفط والغاز، والسيطرة على نقاط الاختناق التي تمر منها، مع تجنّب ما وصفه بـ”الحروب الأبدية” التي تكبّدت الولايات المتحدة وحلفاؤها تكاليف باهظة نتيجة لها[21].

بالتزامن مع استمرار العقوبات الأمريكية على إيران والضغط المستمر لحرمانها من فرص تصدير النفط والغاز ومن ثم عدم تحقيق أية منفعة اقتصادية من بيع النفط والغاز، بهدف زعزعة استقرار النظام الإيراني. تستمر الولايات المتحدة الأمريكية في لعب دور محوري في أسواق النفط مع الحد من قدرة أوبك وأعضاءها في التأثير على أسواق النفط وتوجيه الأسعار نحو الارتفاع من خلال سياسة تقييد الإنتاج، والتهديد صراحة بإغراق الأسواق بالنفط والغاز الصخري للضغط على أوبك وأعضاءها بالقبول بمتوسط سعر يتراوح بين 5- 60 دولار لبرميل النفط.

ويرى البعض أن منطقة الشرق الأوسط رغم ما تمثله من أهمية عكستها استراتيجية الأمن القومي الأمريكية، فإن تلك المنطقة تعرض نفسها كمنافس قوى للغاز الأمريكي في أسواق تعد استراتيجية لدى الولايات المتحدة، في مقدمتها آسيا الباسيفك وأوروبا، ويتوقع أن تكون موضع منافسة قوية بين مستوردي الغاز في تلك المناطق بعيدا عن الهيمنة الأمريكية في مجال الغاز ، والتي يرى البعض أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى تحقيق مصالح أمريكا بصرف النظر عن واقع تلك الأسواق واحتياجاتها.

وتشير التوقعات إلى أن منطقة الشرق الأوسط من المتوقع أن ترتفع حصتها من الإنتاج العالمي للغاز الطبيعي من 17% عام 2024 إلى 22% عام 2035، مدعومة بإنتاج إضافي من قطر والسعودية والامارات،  مع توقعات بتضاعف صادرات المنطقة من الغاز المسال لتصل إلى 260 مليار متر مكعب بحلول عام 2035 ، وهو ما يعني فرص أفضل للمنافسة في الأسوق العالمية[22].

الثاني: غاز شرق المتوسط، حيث شهدت العشرون سنة الماضية عدد من اكتشافات الغاز الضخمة التي أدت إلى إعادة صياغة خريطة الغاز الطبيعي في المنطقة، وأسفرت عن انضمام منتجين جدد إلى أسواق الغاز، منهم مصر وإسرائيل وقبرص وليبيا وتركيا.

فقد توالت الاكتشافات في تلك المنطقة بداية بحقل “نوح” وحقل “مارى ـ بى” في  إسرائيل وبعدها سلسلة من اكتشافات الغاز العملاقة منها “تمار” و “تمار إس دبليو” في إسرائيل عام 2009، ثم “ليفيافان” في إسرائيل عام 2010، وتلا ذلك اكتشاف حقل “افرروديت” في قبرص 2011، ثم اكتشاف الحقل الأكبر والأهم في مصر وهو حقل “ظهر” عام 2015، وتوالت عدة اكتشافات في قبرص منها “كاليبسو” 2018 و “جلافكوس”، ونظراً لأن الحوض الشامي لم يكن قد درس بشكل كامل وفى البحر المتوسط مازال هناك سبع أحواض رسوبية أخرى وهى أيضاً لم تتم دراستها بعد. فإن أراء الخبراء تشير إلى أن احتياطيات الغاز الكامنة في قاع منطقة شرق البحر المتوسط، من الممكن أن تكون أضعاف التقديرات الأولية.

وقد أعادت تلك الإكتشافات صياغة العلاقات الإقليمية – الإقليمية بين الدول المطلة على المتوسط من ناحية، وبين تلك الدول وباقي دول العالم من ناحية أخرى، في مقدمتها مستهلكي الغاز الطبيعي والمسال، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت تنظر إلى تلك الاحتياطيات في البداية على أنها ملاذ آمن لشركائها الأوروبيين لحمايتهم من التبعية للغاز الروسي، ما حدا بالإدارة الأمريكية إلى التدخل لدعم عدد من مشروعات إنتاج وتسييل الغاز الطبيعي لنقله على الأسواق الأوروبية في أسرع وقت ممكن.

من بين تلك المشروعات، إنشاء خط أنابيب إسرائيل ـ قبرص ـ اليونان، وإنشاء مصنع تسييل غاز في إسرائيل، أو استخدام البنية التحتية الموجودة بالفعل في مصر محطتي تسييل الغاز في دمياط وإدكو من قبل إسرائيل وقبرص، انضمام دول شرق المتوسط إلى مشروع ما يعرف “ممر الغاز الجنوبى”، وهو المشروع المخصص لتصدير الغاز الأذربيجانى إلى أوروبا عبر تركيا، خط أنابيب للتصدير يمر عبر الأراضي التركية[23].

وبالنظر إلى ملامح الرؤية الأمريكية في عهد ترامب خلال فترته الرئاسية الأولى، والفترة الحالية، نجدد أنها تتركز على عدد من نقاط الرئيسية والتي تم الإعلان عنها صراحة ضمن استراتيجية الأمن القومي الصادرة في نوفمبر 2025[24]:

  1. الاهتمام بملفات الطاقة في منطقة الشرق الأوسط وشرق المتوسط لا تتعارض مع سياسة «أمريكا أولاً»  في مجال الطاقة، التي أعلن عنها ترامب منذ توليه الرئاسة، حيث لا يتعارض التركيز على تعظيم المصالح الأمريكية، بما في ذلك تصدير الغاز الطبيعي المسال الأمريكي إلى الأسواق العالمية، خاصة آسيا، وتحويل الولايات المتحدة لمُصدر رئيسي للطاقة، مع منع أي قوة معادية من الهيمنة على إمدادات الشرق الأوسط من النفط والغاز، بما يضر بالمصالح الأمريكية بما فيها مصالح شركاءها الأوروبيين.
  2. منع أى قوة معادية من الهيمنة على الشرق الأوسط وإمداداته من النفط والغاز ونقاط الاختناق التي تمر منها، مع تجنب (الحروب الأبدية) والت تعد ذات تكلفة مبالغ فيها.
  3. كما أن سياسة ترامب لا تزال ترتكز على استمرار دعم شركائها الإقليميين من خلال تعزيز التعاون مع دول مثل إسرائيل وقبرص واليونان في مجال الطاقة، على غرار مبادرة “3+1″، بهدف تنويع مصادر الطاقة لأوروبا وتقليل الاعتماد على روسيا. وفي هذا السياق، دعمت الإدارة الأمريكية في البداية مشروع “إيست ميد” (EastMed)، من خلال دعم المراحل الأولى لخط أنابيب “إيست ميد” لنقل الغاز من شرق المتوسط إلى أوروبا، رغم استمرار الشكوك حول جدواه الاقتصادية والبيئية.

ثالثاً: التنافس الأمريكي – الصيني على مصادر الطاقة / الغاز الطبيع

تشكلت ملامح الحرب التجارية الأمريكية–الصينية خلال فترة الرئاسة الأولى لترامب، التي بدأت عام 2018، مع فرض رسوم جمركية أمريكية على واردات الصلب. واتسع نطاقها لتشمل الألومنيوم في مارس 2018، بقيمة 50 مليار دولار على سلع صينية، بدعوى مواجهة ممارسات تجارية صينية غير عادلة. وردت الصين برسوم جمركية مماثلة تقريبًا على السلع والمنتجات الأمريكية، وتصاعدت حدة التوتر بين البلدين خلال عام 2019 مع فرض الولايات المتحدة رسوماً جمركية إضافية على سلع صينية بقيمة 200 مليار دولار، بنسبة 10% ارتفعت لاحقًا إلى 25%، لترد الصين برسوم مماثلة على سلع أمريكية بقيمة 110 مليارات دولار. وقد استمر ذلك رغم محاولات التهدئة والتفاوض بين الدولتين برعاية دولية، إلى أن بدأت المفاوضات عام 2020 في محاولة لتهدئة الأوضاع والتوصل إلى اتفاق يضفي قدرا من الاستقرار على الأسواق العالمية، التي تأثرت بجُمَل هذه الحرب التجارية.

فقد ارتفعت تكلفة الإنتاج في الولايات المتحدة الأمريكية في الوقت الذي تباطأ فيه نمو الاقتصاد الصيني، وتأثرت سلاسل التوريد العالمية مع اتخاذ العديد من الدول قرارات بنقل عملياتها من دول إلى أخرى. وشملت مراحل اتفاق التهدئة المتتالية التزام الصين بشراء منتجات وسلع أمريكية، من بينها الطاقة، مقابل إلغاء بعض التعريفات الجمركية والإبقاء على البعض الآخر. وتعثرت تلك المفاوضات مع ظهور جائحة كورونا، التي فرضت نفسها على جميع دول العالم وأعادت هيكلة الاقتصاد وأولويات الدول، إلى جانب تأثيرها على سلاسل الإمداد العالمية.

وانتقلت الحرب التجارية بين البلدين إلى مجالات جديدة، منها قطاع التكنولوجيا وصناعة الرقائق. ورغم انتهاء ولاية ترامب الأولى وتولي بايدن الرئاسة الأمريكية، استمرت السياسة الأمريكية الساعية لفرض مزيد من الرسوم الجمركية، وبدأت تتضح ملامح تغير سلاسل التوريد الأمريكية والصينية، ومن ثم العالمية، مع تراجع الواردات الصينية من السلع الأمريكية، مقابل انخفاض الواردات الأمريكية من المنتجات الصينية، وتغير خريطة موردي السلع للسوق الأمريكية.

وقد لعبت مصادر الطاقة دورا بارزا في اندلاع واستمرار الحرب التجارية الأمريكية – الصينية، بل ساهمت بدور كبير في تأجيج هذا التنافس ما تطلب في بعض الأحيان البحث عن آليات للتعامل معه. وشكلت فترة الرئاسة الثانية لترامب فرصة جديد لتأجيج الحرب التجارية الأمريكية – الصينية ، مع اتخاذ قرار بفرض رسوم جمركية جديدة بنسبة 10% على جميع الواردات الصينية لترد عليها الصين بنسب تتراوح بين 10% و15%[25].

ويعد الغاز الطبيعي المسال أحد محددات التنافس الأمريكي الصيني، والذي زادت حدته مع تولى ترامب الرئاسة الأمريكية، فمع التصعيد بين البلدين لم تستورد الصين أي شحنات غاز طبيعي مسال من الولايات المتحدة لمدة 400 يوم متصلة تقريباً حتى أبريل 2020، أثناء الولاية الأولى للرئيس ترامب.

وبالنظر إلى واقع استهلاك الغاز الطبيعي والمسال في الصين، نجد أنها تحولت ما بين عامي 2016 و2021 إلى أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال في العالم مع تحول تدريجي من الفحم إلى الغاز، وسعي نحو تنويع مصادر حصولها على الغاز ما بين روسيا التي أصبح الأوروبيون يتنافسون مع الصين عليها لتلبية احتياجاتهم ، والشرق الأوسط الذي يضم كبار منتجي ومصدري الغاز في العالم.

ودخل الغاز الأمريكي على خط المنافسة بين بين باقي الموردين للسوق الصينية رغم ما واجه من صعوبات لاحقة نتيجة لزيادة التوتر بين الدولتين.

ارتفعت الواردات الصينية من الغاز الطبيعي خلال عام 2024 بنسبة 9% مقارنة بعام 2023 مسجلة 106 مليار متر مكعب، وتوزعت واردات الغاز الصينية بين استراليا بنسبة 34%، وقطر بنسبة 24%، وماليزيا بنسبة 10%، وروسيا بنسبة 9%، والولايات المتحدة بنسبة 6%، وتأتي تلك الزيادة أقل بنسبة 2% مما كانت عليه عام 2023[26]، بعد التعافي الذي شهده الاقتصاد الصيني بعد انهاء سياسة الاغلاق التي اتبعتها عقب أزمة كورونا.

أعادت الصين هيكلة وارداتها مع زيادة التوتر عالميا وتأثير الأوضاع في كثير من مناطق انتاج وتدير الغاز عالميا، بداية بالتوتر في الشرق الأوسط بين إيران والولايات المتحدة، مرورا بالحرب الروسية على أوكرانيا، وتزامن ذلك مع ارتفاع أسعار الغاز المسال عالميا ومن ثم ارتفاع تكلفة التحول الذي كانت تسعى إليه الصين من الفحم إلى الغاز.

انسحب على إثر ذلك المشترون الصينيون من أسواق البيع الفوري بشكل شبه كامل وبدأت الصين في التعامل أكثر مع العقود طويلة الأجل لتوفير احتياجاتها من الغاز الطبيعي لترتفع الكميات التي تعاقد عليها الصين إلى 44 مليون طن من الغاز بما يعادل أربعة أضعاف ما كانت عليه قبل عام 2021، كانت غالبية العقود مع قطر والولايات المتحدة على أن تبدأ عمليات التسليم عام 2026.

ومع بداية عام 2025 عاد التوتر بين البلدين إلى الاتساع ليشمل الغاز الطبيعي من جديد على غرار ما حدث في فترة الولاية الأولى لترامب، حيث توقفت الصين عن استيراد الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة الأمريكية منذ 10 فبراير 2025 مع قرار بفرض رسوم جمركية على شحنات الغاز الأمريكي بنسب تتراوح بين 15% الى 49% لمواجهة القرار الأمريكي بفرض رسوم جمركية على سلع صينية[27]

ومع توقعات باستمرار التوقف حتى نهاية العام، في الوقت الذي يرتبط فيه المشترون الصينيون بعقود طويلة الأجل بموردين أمريكيين اضطروا معها لتحويل تلك الشحنات إلى أسواق بديلة حتى يتم إيجاد مخرج من الأزمة الحالية، مع البحث عن موردين أخرين لتوفير كميات بديلة عن الغاز الأمريكي.

وفي محاولة من الصين لتوفير بديل للغاز الأمريكي نجحت فعليا في الحصول على كميات من الغاز المسال الروسي، حيث أظهرت بيانات تتبع السفن ارتفاع إجمالي شحنات الغاز الطبيعي المسال الروسية إلى الصين، خلال الفترة من سبتمبر إلى نوفمبر 2025 بنحو 14% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي 2024.

وتأتي تلك البيانات رغم فرض إدارة الرئيس الأمريكي السابق “جو بايدن” قيود على صادرات روسيا من الغاز، حيث تزايدت مشتريات الصين، التي لا تعترف بالعقوبات الأحادية الجانب، من الغاز الروسي، ما عزز العلاقات في مجال الطاقة بين البلدين .

ومع استمرار حالة التوتر والتنافس مع توقعات باستمرار التصعيد، تأتي استراتيجية الأمن القومي الأمريكي والتي تم الإعلان عنها في نوفمبر2025 لتضع الصين في المقدمة باعتبارها المنافس الاستراتيجي الأول، مع الانتقال في التعامل معها من الاحتواء العسكري التقليدي إلى فك الارتباط الاقتصادي مع السعي لحرمان الصين من التكنولوجيا الدقيقة والهيمنة على سلاسل الامداد.

في الوقت الذي تؤكد فيه الإدارة الأمريكية على أهمية استخدام الوقود الأحفوري والغاز المسال كأداة للضغط على الحلفاء من أجل تقليل اعتمادهم على النفط والغاز الروسيين وتعزيز الميزان التجاري الأمريكي[28].

ورغم ذلك أظهرت البيانات الاقتصادية أن الصادرات الصينية على مدار الأشهر الـ 11 الأولى من عام 2025 ارتفعت بنسبة بلغت 5.4% مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2024 مسجلة 3.4 تريليون دولار، متجاوزة عقبة الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب التي بلغت في المتوسط 37% تجاوزت في بعض السلع الـ 100%، حيث أعادت الصين هيكلة صادراتها وتوجيه جزء كبير منها إلى أسواق أخرى بعيدا عن السوق الأمريكية، إذ قفزت الصادرات الصينية إلى أفريقيا بنسبة 26%، وإلى جنوب شرق آسيا بنسبة 14%، وإلى أميركا اللاتينية بنسبة 7.1%، وفي المقابل، تراجعت الصادرات الصينية إلى أميركا في نوفمبر 2025 بنسبة 29% على أساس سنوي[29].  

الخاتمة:

لا يمكن الحديث عن فترة ترامب الرئاسية الثانية بمعزل عن فترته الرئاسية الأولى حيث يعتبر البعض أن ما اتخذه ترامب من إجراءات ما هو إلا امتداد لما أعلن عنه من قرارات خلال فترته الأولى، مع بعض التعديلات التي ترتبط بالمستجدات على الساحة الدولية، ومن ثم فإن سياسات ترامب في مجال الطاقة وإن ظهرت أكثر حدة من قبل فقد سبق وان أعلن عنها في فترة رئاسته الأولى.

اتسمت رؤية ترامب تجاه جميع الملفات السياسية والاقتصادية بالوضوح والراديكالية في ذات الوقت، حيث اعادت رسم جميع الخطوط، ووضع سياسات جديدة تشمل تغيرات جذرية لمختلف القضايا والملفات لاسيما وأن فترة رئاسته الثانية جاءت في ظل مجموعة من التغيرات الدولية شديدة التعقيد التي أعادت رسم الخريطة العالمية جغرافيا واقتصاديا وسياسيا، سواء الحرب الروسية – الأوكرانية، الصراع في الشرق الأوسط واتساع نطاق التهديد ليشمل دولا كثير في منطقة الشرق الأوسط ، جميعها ترتبط بشكل أو بآخر بالصراع على مصادر الطاقة بما فيها غزه وما تثيره الحرب عليها من تساؤلات حول مخزون الغاز الطبيعي قرب شواطئها.

ولأن الطاقة بشقيها النفط والغاز حظيت على النصيب الأكبر ضمن تلك الرؤية، بل وارتبط بشكل أو بأخر بباقي الملفات، فمن المتوقع أن يشهد ملف الغاز الكثير من التغيرات سواء على فيما يتعلق بالعلاقات الأمريكية الأوروبية، أو التنافس الأمريكي الصيني، أو الخلاف الأمريكي الروسي وقبل ذلك بالداخل الأمريكي، حيث تمتلك الولايات المتحدة من المقومات ما يشجع إدارة ترامب على استخدام الغاز الطبيعي كأداء استراتيجية ضمن ما أطلقت عليه “هيمنة الطاقة”، من خلال زيادة الإنتاج لتحقيق أمن الطاقة الداخلي وزيادة الصادرات لبسط الهيمنة الأمريكية العالمية ودعم القدرات الأمريكية الاقتصادية.

كما أن ملف الغاز يرتبط بشكل أو بآخر بسياسات الدول الأخرى محل اهتمام ترامب وادارته، ففي الوقت الذي تسعى فيه الإدارة الأمريكية إلى منع التحالف الصيني الروسي في مجال الطاقة، وتقليل التواجد والتأثير الصيني في منطقة الشرق الأوسط وافريقيا من خلال منع تلك الدول من تنفيذ العديد من المشروعات المشتركة منها على سبيل المثال مشروع الحزام والطريق وغيره من المشروعات الكبرى المعلن عنه، والتي من شأنها دعم تواجدها إقليميا ودوليا وهو ما لا ترغب فيه الإدارة الامريكية الحالية.

يرتبط موضوع الطاقة بشقيه النفط والغاز، بما أعلنت عنه الإدارة الامريكية ضمن استراتيجية الأمن القومي من التقليل من فرص القوى التي تعتبرها الإدارة الامريكية معادية من السيطرة وتهديد ممرات بحرية حيوية أو التأثير على امدادات الطاقة كما حدث خلال الحرب الإسرائيلية على غزه.

جمعت الإدارة الامريكية في سياستها في مجال الطاقة بين سياسة العقوبات والضغط من ناحية والسياسات الاقتصادية القائمة على زيادة الصادرات من ناحية أخرى لضمان تحقيق أكبر استفادة ممكنة، وضمان تحقيق أهدافها المعلن عنها في مجال الغاز.

ربما يعيد ترامب النظر في عدد من النقاط الرئيسية المعلن عنها ضمن استراتيجيته في مجال الطاقة إذا ما كانت استجابت باقي الأطراف لتلك السياسات على خلاف المستهدف والمتوقع منه وهو ما سيتضح مع مرور الوقت، وان كان الاتجاه العام حتى الآن سعى العديد من الأطراف لكسب ثقة الرئيس الأمريكي وتقديم تنازلات في عدد من الملفات بهدف التوصل لاتفاقات تجارية مع الولايات المتحدة الامريكية تجنبا لسياسة التعريفات الجمركية، وتتضمن بعض الاشتراطات الامريكية للتوصل لاتفاق تجاري زيادة واردات الغاز المسال من الولايات المتحدة الأمريكية.

ويظل التحد الأكبر هو عدم استمرار فترة ترامب الرئاسية لفترة ثالثة، حيث يتوقع أن يتم إعادة النظر في تلك السياسات بعد تولى رئيس جديد سواء كان ديموقراطيا أو جمهوريا، ما يعني ان فترة الأربع سنوات لا تكفى لتحقيق ترامب أهدافه في الملفات والقضايا المعلن عنها، لاسيما وانه سعى الى احداث تغيرات جذرية قد تحتاج لسنوات لتؤتي ثمارها.   


[1] – Farid Guliyev , Trump’s “America First” Energy Policy, Contingency And The Reconfiguration of the Global Energy Order,

[2] – تُخالف عقيدة ترامب والتي تعرف بهيمنة الطاقة عن سياسة الطاقة الأمريكية المحافظة على الموارد منذ فترة طويلة. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، تحولت أمريكا من كونها منتجًا للنفط إلى كونها مستوردًا له. وفي عام ١٩٥٦، صاغ الجيولوجي م. كينغ هوبرت نظرية “ذروة النفط” التي تنبأت بمنحنى جرسي الشكل لإنتاج النفط الأمريكي الذي سيبلغ ذروته حوالي عام ١٩٦٥ ثم يتراجع في أوائل سبعينيات القرن الماضي. وقد شكلت نظرية ذروة النفط أساسًا لمعظم استراتيجية الطاقة الأمريكية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، مما أثار القلق من اقتراب موارد النفط من نهايتها. ومن هنا، جاءت الأهمية الاستراتيجية التي أعارها صانعو السياسات الأمريكيون لاحتياطيات الطاقة في الخليج العربي التي اعتُبرت منذ ذلك الحين حيوية للأمن القومي الأمريكي. تنص عقيدة كارتر، التي صيغت عام 1980، على أن “أي محاولة من أي قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج العربي ستُعتبر اعتداءً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، وسيتم صد مثل هذا الاعتداء بأي وسيلة ضرورية، بما في ذلك القوة العسكرية”، وعلى النقيض من عقيدة “هيمنة الطاقة” الحالية، ركزت السياسة الأمريكية تقليديًا على الحفاظ على الطاقة المحلية والاعتماد على الإمدادات من مصادر أجنبية. وفي أعقاب صدمات النفط في السبعينيات، سنت الولايات المتحدة قانون سياسة الطاقة والحفاظ عليها لعام 1975 (EPCA) وقانون إدارة الصادرات لعام 1979، مما حد من قدرة منتجي النفط المحليين على تصدير النفط الخام ، وقد رُفع هذا الحظر في عام 2015.

[3] – كارلوس انشوندو، أيان أم ستيفسون، الصندوق الأسود : ماذا يفعل مجلس الطاقة التابع لترامب بالضبط، 28/5/2025 ، على الرابط التالي:

[4] – President Trump’s executive orders on energy, 23 January 2025: https://urls.fr/uSJ5bl

[7] – U.S. energy facts explained, July 15, 2024, with data from the Monthly Energy Review, April 2024; data for 2023 are preliminary.

[8] – وائل حامد عبدالمعطي، تطورات الغاز الطبيعي المسال والهيدروجين الربع الثاني والثالث 2025، الكويت، أكتوبر 2025، ص ص 6- 7.

[9] – المرجع السابق، ص 8.

[10] – مشروع “ألاسكا للغاز الطبيعي المسال”.. هل تحييه رسوم ترامب الجمركية؟، 20 أبريل 2025 ، على الرابط التالي:

[11] – عبدالحميد رولامي، تحولات سوق الغاز الأوروبي بعد حرب روسيا-أوكرانيا ومكانة الغاز الجزائري اتجاه المنافسين، 3/3/2023، على الرابط التالي:

[12]– Farid Guliyev,Trump’s “America first” energy policy, contingency and the reconfiguration of the global energy order, Energy Policy. 2020 Mar 19;140:111435. doi: 10.1016/j.enpol.2020.111435.

[13]– Timeline – Packages of sanctions against Russia since February 2022, 23\10\2025, European Council, Council of the European Union, https://urlz.fr/v65y

[14] – خالد سلامة ، عقوبات أوروبية جديدة.. و”أكبر حزمة عقوبات أمريكية” على موسكو 2025/10/22 ، على الرابط التالي:

[15] – نايف الدندني ، الحزمة التاسعة عشرة من العقوبات الأوروبية على النفط والغاز الروسي، 25/10/2025، على الرابط التالي:

[16] – جهود أميركية ـ أوروبية لتقليل الاعتماد على الغاز الروسي، صحيفة الشرق الأوسط، 25 مارس 2022، على الرابط التالي:

https://urlz.fr/v65C

https://futureuae.com

[18] – الغاز الطبيعي المُسال والمستقبل المجهول لعلاقات الطاقة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، 20/04/2025، على الرابط التالي:

[19] – Gas Market Report Q3-2025, International Energy Agency, pp 6-7,  www.iea.org

[20] – امل إسماعيل ، تحولات سوق الغاز العالمي 2025: ديناميكيات العرض والطلب في ظل الأزمات الجيوسياسية، 17/8/2025، على الرابط التالي:

[23] – نبيل رشوان، غاز “شرق المتوسط” هل يتغلب الاقتصاد على السياسة، 4/2/2024، على الرابط التالي:

https://www.atoonra.com

[24] – نبيل فهمي، قراءة لاستراتيجية ترامب للأمن القومى الأمريكي، 8 ديسمبر 2025، على الرابط التالي:

https://urlz.fr/v65J

[25] – Sam Reynolds , Understanding the competitive landscape for China’s LNG market, April 10, 2025 ,

https://urlz.fr/v65M

[29] – الصين تؤكد هيمنتها على الصادرات بفائض تجاري يتجاوز تريليون دولار، 9/12/2025، على الرابط التالي:

https://www.ajnet.me

Admin

مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية: مؤسسة فكر وتخطيط استراتيجي تقوم على إعداد التقديرات وتقديم الاستشارات وإدارة المشروعات البحثية حول المتوسط وتفاعلاته الإقليمية والدولية. لا يتبنى المركز أية توجهات مؤسسية حول كل القضايا محل الاهتمام، والآراء المنشورة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى