أوراق و دراساتسياسية

من التوطين إلى التأثير: قراءة في الأطر الفكرية للمدرسة الصينية وتجلياتها في السياسة الخارجية تجاه المنطقة العربية

تحجب بوغريون، دكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية جامعة ابن زهر- المغرب

وسيمة موحتنة، دكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية- جامعة ابن زهر- المغرب

الملخص

 تسعى هذه الدراسة إلى استكشاف المنطلقات الفكرية والنظرية التي تشكل جوهر “المدرسة الصينية” في العلاقات الدولية، وتحليل كيفية انعكاس هذه الأطر النظرية على السلوك الاستراتيجي للصين في منطقة الشرق الأوسط. بحيث تحاول الدراسة انطلاق من إشكالية جوهرية حول مدى قدرة المفاهيم الصينية المستحدثة – مثل “نظام تيانشيا” (كل ما تحت السماء)، والعلائقية، والانسجام الاجتماعي – على تقديم نموذج بديل للهيمنة الأنجلو-ساكسونية في تفسير وتحليل التفاعلات الدولية.

وتستعرض الدراسة مسار تطور الفكر الاستراتيجي الصيني، وكيف انتقل من مرحلة استيراد النظريات الغربية إلى مرحلة “التوطين” وتقديم مفاهيم تعبر عن الخصوصية الثقافية الصينية كــ الكونفوشيوسية. وتجادل الورقة بأن الفهم الدقيق لسياسات الصين تجاه الشرق الأوسط – سواء في أبعادها الاقتصادية عبر مبادرة “الحزام والطريق” أو في أدوارها كوسيط دبلوماسي بين قوى المنطقة – لا يمكن أن يكتمل دون وقوف على القواعد المعرفية التي تؤطر رؤية الصين للسيادة، والتعاون، والقطبية الدولية.

وعليه، تعتمد الدراسة على المنهج التحليلي التاريخي لتتبع تطور هذه المدرسة، مع التركيز على الكيفية التي تحاول بها الصين بناء “قوة ناعمة” فكرية تبرر صعودها السلمي وتدعم انخراطها السياسي المتزايد في بيئة جيواستراتيجية معقدة كالشرق الأوسط. وتخلص الدراسة إلى أن المدرسة الصينية لا تقدم مجرد بديل أكاديمي، بل توفر الغطاء النظري لنموذج صيني يسعى لإعادة صياغة قواعد التفاعل الدولي بعيداً عن الصدامية التقليدية.

الكلمات المفتاحية: المدرسة الصينية، العلاقات الدولية، نظام تيانشيا، السياسة الخارجية الصينية، الشرق الأوسط، الصعود السلمي.

تمهيد

من الحقول المعرفية التي تأثرت بتحولات البنيوية العميقة التي شهدها النظام الدولي، حقل العلاقات الدولية، الذي نشأ في ظل سيطرة غربية شبه مطلقة على العالم، الذي تأسس إلى حد كبير على افتراض أن التاريخ الغربي والنظرية السياسية الغربية يمثلان تاريخ العالم ونظريته السياسية بأكملها. ومن هذا الافتراض انبثقت الهيمنة الغربية على حقل كان يُفترض أن يكون من أكثر حقول العلوم الاجتماعية عالمية وشمولية. غير أن التحولات الكبرى التي شهدها النظام الدولي في العقود الأخيرة غيّرت هذا الواقع.

فقد استطاعت قوى غير غربية، وفي مقدمتها الصين والهند، الالتحاق بركب الحداثة بشروطها الخاصة، وبناء قدرات اقتصادية وعسكرية وثقافية وسياسية مكنها من إعادة التفكير في التاريخ والمفاهيم والنظريات الدولية. مما أدى الى فتح نقاش حول الطبيعة المعرفية لحقل العلاقات الدولية، الذي ظل تاريخيًا خاضعًا لما يُعرف بـ”المركزية الغربية”، حيث هيمنت النظريات الليبرالية والواقعية والبنائية على تفسير السياسات الدولية[1].

 وفي ظل هذه التحولات، ظهرت دعوات أكاديمية متزايدة لإعادة التفكير في أسس هذا الحقل، وتطوير مقاربات نظرية أكثر شمولًا تعكس التنوع الحضاري والتاريخي للعالم، كما عززت ظاهرة العولمة من هذا التحول، إذ مكنت دولاً عديدة خارج الدائرة الغربية من الانضمام إلى المجتمع الدولي واكتساب وزن متزايد على المسرح العالمي. ونتيجة لذلك، أصبحت النظريات الغربية السائدة غير كافية لتفسير سلوك هذه الدول وديناميات النظام الدولي المعاصر.

ومن هنا، تزايدت الدعوات إلى التعددية المعرفية وإعادة صياغة حقل العلاقات الدولية من خلال الانفتاح على النظريات والتجارب غير الغربية. وكما يؤكد باري بوزان وأميتاف أشاريا، فإن الحقل الأكاديمي للعلاقات الدولية “يحتاج بشكل عاجل إلى مخاطبة نفسه في عالم أكثر تعددية، حيث تلعب الثقافات الحديثة الإضافية إلى الغرب دوراً قوياً بشكل متزايد، مادياً وفكرياً”[2].

ومن تبعيات هذا النقاش يمكن القول إن “المدرسة الصينية للعلاقات الدولية” تعتبر كأحد أبرز المشاريع الفكرية التي تسعى إلى تقديم إطار نظري بديل مستمد من التراث الفكري والسياسي الصيني. حيث لا تقتصر أهمية هذه المدرسة على البعد النظري فحسب، بل تمتد إلى محاولة تجسيد أفكارها في الممارسة العملية، خاصة من خلال السياسة الخارجية الصينية ومبادرة “الحزام والطريق”. إذ تعكس هذه المبادرة رؤية مختلفة لطبيعة القوة والعلاقات الدولية، تقوم على الترابط والاعتماد المتبادل وبناء الشبكات بدلاً من الهيمنة المباشرة[3].

وتأتي أهمية هذه الدراسة من كونها تلقي الضوء على النقاش الدائر حول صعود الصين كقوة عالمية كبرى، وما يرتبط به من سردية صينية خاصة للعلاقات الدولية. كما تسعى إلى تقييم قدرة المدرسة الصينية على إثراء النقاش الأكاديمي في حقل العلاقات الدولية، وإمكانية بناء نظرية ذات خصائص صينية يمكن تعميمها أو أن تشكل بديلاً معرفياً للنظريات الغربية السائدة، خاصة أن الصين تمتلك تاريخاً وثقافة ومعايير ووجهات نظر عالمية تختلف بطبيعتها عن تلك المستمدة من التجربة الأوروبية.

كما تسعى هذه الورقة دراسة العلاقة بين الأسس النظرية للمدرسة الصينية وتجلياتها التطبيقية في الشرق الأوسط. نظرًا للمكانة الجيوستراتيجية التي تحتلها هذه المنطقة ضمن التصور الصيني لشبكات الترابط العالمي. فالصين لا تتعامل مع الشرق الأوسط فقط كمصدر للطاقة، بل كفضاء مركزي لإعادة تشكيل بنية الاقتصاد العالمي وتعزيز ما تسميه مجتمع المصير المشترك. ومن هنا، تندرج هذه الدراسة ضمن محاولة أوسع لفهم كيف يمكن للأفكار النظرية أن تتحول إلى أدوات عملية لإعادة تشكيل النظام الدولي.

انطلاقاً مما سبق، تتمحور إشكالية هذه الدراسة حول السؤال المركزي التالي: إلى أي مدى تمثل المدرسة الصينية للعلاقات الدولية إطاراً نظرياً بديلاً قادراً على تفسير السلوك الدولي للصين، وكيف تتجلى هذه الرؤية في التطبيق العملي من خلال مبادرة الحزام والطريق في الشرق الأوسط؟

وتعتمد هذه الدراسة على مقاربة متعددة المناهج تجمع بين التحليل النظري والتطبيق الإمبريقي. وتستخدم الدراسة المنهج التحليلي-النظري لفحص الأدبيات المتعلقة بالنظريات غير الغربية، واستكشاف تطور المدرسة الصينية للعلاقات الدولية من خلال أعمال أبرز منظريها، كما تعتمد على المنهج التاريخي لتتبع تطور الفكر الصيني في مجال العلاقات الدولية وربطه بالسياق السياسي والثقافي، خاصة في مرحلة ما بعد الإصلاحات الاقتصادية.

أما منهج دراسة الحالة، فيُطبق من خلال تحليل مبادرة الحزام والطريق في منطقة الشرق الأوسط كنموذج تطبيقي، مع الاستناد إلى مؤشرات التجارة والطاقة والاستثمار المتاحة في المعطيات الإحصائية. وتتبنى الدراسة إطاراً مقارناً ضمنياً يقوم على مقارنة غير مباشرة بين المقاربات الصينية والنظريات الغربية التقليدية (الواقعية والليبرالية)، بهدف إبراز حدود كل منهج في تفسير الواقع الدولي المعاصر.

وتنقسم الدراسة إلى أربع مطالب على النحو الآتي: الأول: لماذا لا توجد نظريات غير غربية للعلاقات الدولية؟ الثاني: النظرية الدولية الصينية: إعادة تشكيل الأفكارالصينية القديمة في إطار علمي غربي معاصر، الثالث: المنظور الصيني للنظام الدولي والصعود الصيني السلمي، الرابع: من النظرية إلى محاولة التطبيق: مبادرة الحزام والطريق في الشرق الأوسط

المطلب الأول: لماذا لاتوجد نظريات غير غربية للعلاقات الدولية؟*

بعد أكثر من 40 عاما، من السؤال الذي طرحه مارتن وايت في مقاله، الذي يعد من كلاسيكيات حقل العلاقات الدولية. ومفاد هذا سؤال “لماذا لا توجد نظرية دولية؟، ليأتي فيما بعد مقال الباحثين باري بوزان وأميتاف أشاريا، بسؤال مستوحى منه غير أنه يعكس حالة من الجدل داخل حقل العلاقات الدولية “لماذا لا توجد نظريات غير غربية للعلاقات الدولية؟. وخاصة مع تزايد الأصوات التي تطلب بإعادة النظر في طبيعة حقل العلاقات الدولية، ونطاقه خصوصا تلك النقاشات التي ترى أن هذا المجال المعرفي الذي ظل ولفترة طويلة خاضع للمركزية الغربية على حساب الأطراف، خاصة وأن حقل العلاقات الدولية يفترض أن يكون أكثر حقول العلوم الاجتماعية عالمية[4].

وفي هذا الشأن، يقترح كل من بوزان وأشاريا، بعض الأسباب التي يمكن اعتبارها تفسر لنا، عدم وجود حقل العلاقات الدولية غير غربي أو حقل العلاقات الدولية عالمي. وتتراوح تلك الأسباب بدءًا من ميزة السبق الأول للباحثين الغربيين في اهتمام بهذا المجال مبكرا، مرورا بدور الجامعات الغربية خاصة الأميركية، في تكوين وتدريب الباحثين غير الغربيين، بالإضافة لهيمنة الباحثين الغربيين والمنشورات والمؤسسات الغربية في حقل العلاقات الدولية، وصولا إلى الاعتقاد السائد بأن حقل العلاقات الدولية الغربي، قد اكتشف الطريق الصحيح لفهم العلاقات الدولية أو فهم الإجابات الصحيحة لألغاز ومشاكل العالم الحالية.

بالإضافة إلى وجود نقص كبير في الموارد المؤسسية ومشكلة اللغة الانجليزية بوصفها لغة مهيمنة على حقل العلاقات الدولية، وهناك أيضا قضية القبول غير النقدي للنظرية الغربية، بحيث يلاحظ انعدام توجيه انتقادات على أطروحات المنظرين الغربيين، والاحترام الزائد للباحثين القادمين من المؤسسات الغربية المرموقة الذين ينخرطون بشكل متزايد في جامعات بلدانهم الأصلية[5].

ما يهمنا هنا، هو الإشارة إلى أن النظريات الغربية باختلاف مشاربها وانتشارها عالميا، وفق روبرت كوكس “تتحدث نيابة عن الغرب، وتعمل في مصلحة استدامته عبر القوة والازدهار والنفوذ”. وهو ما يتوافق مع تصوره أن “النظرية هي دائما لشخص ما ولغرض ما”. وعليه فإن الدول الآسيوية التي أصبحت تملك الثروة والقوة لها مصلحة تطوير نظريات تتحدث نيابة عنها وعن مصالحها. ويضيف في هذا الصدد، أنه “لا الصين ولا اليابان تتناسب بشكل مريح مع الواقعية أو الليبرالية. وتحاول الصين تجنب النظر إليها كقوة تعديلية للوضع الراهن مع تزايد قوتها، وبدلا من ذلك تركز جهودها لتطوير المدرسة الصينية للعلاقات الدولية على هذا الأساس”[6].

المطلب الثاني: إعادة تشكيل الأفكار الصينية القديمة في إطار علمي غربي معاصر

مع أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، مع ذروة معجزة دول شرق آسيا، يلاحظ أنه تم إعادة بعث فكر كونفوشيوس، والأفكار المتعلقة بالشيوعية كأساس للمنظور المعبر عن “القيم الآسيوية”. والذي روجت له النخب في منطقة آسيا بشكل عام والصين بشكل خاص، كبديل عن القيم الليبرالية الغربية، وحتى كتصور بديل للنظام الدولي في شرق آسيا. وهو ما كان له تأثير على حقل العلاقات الدولية في آسيا، من خلال التحول الذي عرفته، سردياته الرئيسية بعد الحرب الباردة، بحيث في الصين تحولت سرديتها الرئيسة من قصة دولة ضعيفة تحافظ على الوضع القائم إلى دولة إصلاحية وقوة عالمية صاعدة[7].

(1) مراحل تطور المنظور الصيني للعلاقات الدولية

عمل الصينيون منذ حقبة الثمانينيات، على إعادة هيكلة حقل العلاقات الدولية الصينية، في عملية البناء والتطوير من الصفر، بعد القمع والفوضى التي خلفتها الحقبة الماوية. فعلى مدار أكثر من 30 عاما الماضية، عملت الصين على بناء مسار منهجي لتطوير حقل العلاقات الدولية من خلال إعطاء أولوية لترجمة كلاسيكيات حقل العلاقات الدولية الغربية، في عملية استيعاب وفهم، ومحاولة تطوير الصيغ الصينية من نظريات العلاقات الدولية. وهو ما كان له انعكاسات ملموسة على هذا المجال، بحيث أن الصينين لم يقتصروا فقط على تدريس هذه النظريات داخل الجامعات الصينية، بل تمكنوا من فتح فضاء لنقاش النظريات الغربية بصفة عامة، وخاصة النظريات الثلاث الكبرى (الواقعية-الليبرالية والبنائية)، التي أصبح لها دعاة من داخل الحقل الأكاديمي الصيني، من خلال تدريسها وتطبيقها في تحليلهم للشؤون الدولية والسياسية الخارجية الصينية.

وفي إطار تفاعل الباحثيين الصينين مع النظريات الدولية الغربية، عملوا على تطوير تفكير خاص بهذا التخصص استنادا إلى التاريخ والفكر السياسي الصيني القديم، وما استنبطوه من النظريات الغربية من أفكار تلاءم وتعبر عن تصور صيني خالص للعلاقات الدولية. وهو ما أطلقوا عليه المدرسة الصينية، ومن نافلة القول، أنه قبل الوصول لصياغة مصطلح “المدرسة الصينية” للعلاقات الدولية، والتي عملت الصين للترويج له، أن المدرسة الصينية، أو المدارس الصينية مرت بثلاث مراحل كبرى.

ويمكن تحديد تلك المراحل الثلاث، والتي تعد أساسية في مسار تطوير حقل العلاقات الدولية الصينية (مرحلة ما قبل النظرية؛ مرحلة التعلم النظري؛ مرحلة تعميق التعلم النظري وبداية بناء النظرية)[8]. والتي من خلالها تبلورت عملية تبيئة أو توطين حقل العلاقات الدولية في الصين، فلم يعد الأمر يقتصر على استيراد المفاهيم والنظريات من الغرب، بل تجاوز الأمر إلى محاولة الباحثين الصينين بنوع من الوعي المصحوب بملكة النقد العمل على إثراء النظريات الموجودة أو تطوير نظريات جديدة من خلال الاعتماد على المفاهيم والأفكار الصينية[9]. والتي يمكن تأطيرها زمنيا على النحو الآتي:

(أ) مرحلة ما قبل النظرية (1978- 1990): كانت الماركسية واللينينية هي المهيمنة، ولكن لم يتم بذل أي محاولة واعية لبناء نموذج نظري. بحيث كانت الماركسية اللينينية وفكر ماوتسي تونغ هما المبدأ التوجيهي باستخدام المادية الجدلية كأداة لقياس التناقضات في الشؤون الدولية[10]

(ب) مرحلة التعلم النظري (1991-2000)، في ظل هذه الحقبة أصبحت نظريات العلاقات الدولية الغربية، هي المهيمنة مثل الواقعية والليبرالية والبنائية، والقوة الموجهة لحقل العلاقات الدولية الصينية لتنظير وفهم عمليات صنع القرار في السياسة الخارجية الصينية. كما شهدت هذه الفترة نقاشات متعمقة حول مسألة حاجة الصين إلى نظريات للعلاقات الدولية خاصة بها وكيفية إنشائها[11].

(ج) مرحلة تعميق التعلم النظري وبداية بناء النظرية مع بداية الألفية الثانية، تمكنت الصين من استيراد جميع المقاربات النظرية الشائعة في الغرب – بما في ذلك المقاربات السائدة والأقل تأثيرًا أو حتى الهامشية مثل المدرسة الإنجليزية والنسوية والنظرية النقدية- كما بدأت العلاقات الدولية الصينية على غرار نظيرتها الغربية، مواصلتها للمناقشات النظرية بين المدارس المختلفة. وكانت من أهم التطورات خلال هذه المرحلة هو صياغة مصطلح “المدرسة الصينية” (Zhongguo xuepai) والترويج له والسعي لاعتراف عالمي والتقبل من الوسط الأكاديمي العالمي. والذي تزامن مع الجدل حول ما عرف بــ”الصعود السلمي للصين”.

لابد من الإشارة أنه داخل الحقل الأكاديمي الصيني نجد اعتراض من بعض الباحثين حول تسمية “المدرسة الصينية للعلاقات الدولية”[12]. إلا أن هناك شبه إجماع أن مشروع المدرسة الصينية لا يهدف إلى استبدال نظرية العلاقات الدولية المعاصرة، بنظرية صينية بالكامل، لكن الغاية منه بحسب الأكاديميين الصينيين تطوير برنامج أبحاث حقل العلاقات الدولية الصيني، بإعادة اكتشاف الفكر السياسي الصيني التقليدي والتاريخ الصيني، وإنما المساهمة في إثراءها. بالرغم من أن هذه المدرسة ستنشأ من الثقافة المحلية (الصينية) وتقاليدها التاريخية، ومع إدراك الصينين لهذه النقطة، إلا أنهم يبررون ذلك بأن المدرسة الصينية، ستسعى أن تكون نظرية قادرة على تجاوز التقاليد والخبرات المحلية لتصبح صالحة عالميًا. وعليه تسعى المدرسة إلى إنشاء نظام نظري للعلاقات الدولية من خلال توليفة جوهرها إعادة اكتشاف الفكر والتاريخ الصيني عبر نظريات العلاقات الدولية الغربية.

بناء على ما سبق، قد يكون الباحثون الصينيون في هذه المرحلة ينفون محاولاتهم تطوير النظرية بخصائص صينية بديلة لنظريات العلاقات الدولية السائدة، إلا أن ذلك لا يمنع طموح الصينين أن تكون نظرياتهم مستقبلا البديل المناسب خصوصا مع الصعود الصيني[13] .

(2) محاولات بناء نظرية ذات خصائص صينية

بصفة عامة، يذهب الباحثين على أن هناك ما لا يقل عن ثلاث مدارس صينية[14] حتى الآن تتميز بمشاريعها وتركيباتها النظرية المختلفة؛ ويعتبر أهم منظريها Zhao Tingyang وQin Yaqing و[15] Yan Xuetong:

(أ) نظرية نظام “تيانشيا” (Tianxia)

يعد الباحث الصيني في مجال الفلسفة السياسية والعلاقات الدولية Zhao Tingyang أهم منظريها، والذي عرف بنظرية نظام Tianxia، أو نظام “all-under-heaven”، الذي يعتقد أنه نظام واقعي والأنجع للعالم بأسره وليس للدول القومية فقط، ويعتمد في بناء نظريته المخطط الفلسفي والمفاهيمي الصيني، يعود إلى عهد أسرة تشو (1046-256 قبل الميلاد). فــ Zhao يعتبر نظام تيانشيا الذي تم إنشاؤه وممارسته في ذلك الوقت نظاما لعالم مثالي. ووفق منظوره لنظام Tianxiaعلى أنه النظام الذي أنشأته الممارسات الصينية، والروابط الأسرية، والذي حسب وصفه يملك إمكانات ملهمة لتطوير نظام عالمي حقيقي لعالم اليوم[16].

بعبارة أخرى، يرى Zhao أن النظام الدولي الحالي القائم على الدول القومية غير كافٍ لمعالجة التحديات العالمية مثل التغير المناخي والفقر والنزاعات. بينما يعتقد أن البديل هو نظام Tianxia كرؤية لنظام عالمي يتجاوز نظام االويستفالي، ويرى العالم كــأسرة واحدة، وعليه فإن هذا النظام البديل سيعمل على أن يكون أكثر شمولية وانفتاح على جميع الكيانات السياسية المتعددة، بما في ذلك الدول القومية، والمنظمات الإقليمية والجهات غير الحكومية، كما سيحرص على دفع الدول على تجاوز فضاء المصالح الضيقة الخاصة بها، من أجل التعاون لمعالجة القضايا العالمية المشتركة، وعليه فنظام Tianxia سيكون نظامًا تتعاون فيه الدول الأممية وتتشارك فيه المسؤوليات، بناءً على الاعتراف بالترابط المتبادل والشعور بالمواطنة العالمية داخله.

(2) نظرية العلائقية (Relational Theory)

تتمحور أبحاثها غالبًا حول مفهوم “العلائقية” وأهمية فهم ديناميات القوة في العلاقات الدولية. حيث يرى Qin Yaqing أحد روادها أن المفاهيم التقليدية للقوة، التي تركز بشكل رئيسي على القدرات العسكرية والقوة الاقتصادية، غير كافية لاستيعاب تعقيدات الديناميات العالمية المعاصرة. ويؤكد قينQin على أهمية العلاقات والشبكات والقوة الناعمة في تشكيل النتائج الدولية. واستوحىQin نظريته حول العلائقية لفهم ديناميكية العلاقات الدولية، من النظريات الاجتماعية الغربية، التي تشكل “العقلانية” جوهرًا صلبًا في العديد منها، إلى جانب أنه يرى أن مفهوم العلائقية، وهو مفهوم متجذر بعمق في الممارسات والثقافة الصينية التقليدية، والذي يشكل مفتاحًا أساسيًا، كما يعتبره كونفوشيوس المفهوم الأساسي للحكم.

وتتكون النظرية من ثلاثة مكونات رئيسية: العنصر الأول، عملية التناغم من حيث العلاقات وهي مهمة من الناحية الوجودية ويتم تعريفها من حيث العلاقات الديناميكية. أما العنصرالثاني، العلاقة الفوقية والتي هي وفقًا للديالكتيك الصيني هي علاقة يين ويانغ؛ أما العنصر الثالث، الحوكمة العلائقية والتي تركز على إدارة العلاقات بين الفاعلين الفرديين لغرض إقامة النظام بدلاً من مجرد حكم الفاعلين الفرديين[17].

(3) المدرسة الواقعية الصينية (مدرسة تسينغهوا(

تابعة لجامعة Tsinghua الصينية التي يعد Yan Xuetong أبرز روادها، والذي يشكل تصوره جزءًا من مساهمتها في النقاش الأكاديمي حول المدرسة الصينية للعلاقات الدولية، بحيث يرى يان Yan أنه في الفكر السياسي الصيني القديم خزان أساسي يوفر أسسا فلسفية للنظريات المعاصرة من أجل فهم أو حتى تبرير القوة الصينية وصعودها عالميا[18].متأثرا بواقعية كينيث والتز باعتبار أن السياسية الدولية تتمحور حول القوة الصلبة ويمكن فهمها بشكل فعال من خلال أدوات “مستوى التحليل”[19].

أما يان في دراسته تاريخ الصين، ركز على دراسة أهم مفكري الحقبة التاريخية الربيع والخريف، وحقبة الدول المتحاربة والتي كانت تتميز بالفوضوية، والتي كان أبرز مفكريها ذلك Guanzi وLaozi وConfucius وMencius وMozi وXunzi وHanfeizi [20]. وبما أنه متأثر بمستويات التحليل في دراسته لأفكار هؤلاء المفكرين، “فإنه يضع المنظورات التحليلية لـ Mozi and Laozi على مستوى النظام، وتلك الخاصة بـ Guanzi وHanfeizi على مستوى الدولة، وتلك الخاصة بـ Confucius وMencius وXunzi على مستوى الفرد”[21].

أما فيما يتعلق بأهم أفكار يان، المتعلقة بمفهوم القوة، فإن يان يحسب نفسه على التيار الواقعي في العلاقات الدولية، وعليه ركز في جل دراساته للمفكرين الصينين القدماء على القوة في كتاباتهم، وإبراز عناصرالقوة بالنسبة لهم والتي يحددها في العوامل السياسية والاقتصادية والعسكرية. معتبرا أن من بين عناصر القوة التي لها الأهمية والأولية عند هؤلاء هي القوة السياسية، وأنها أساس للقوة الاقتصادية والعسكرية عند Xunzi. ففي اعتقاده أن القوة السياسية تمثل قوة الموارد التي تستخدمها القوة العسكرية، والقوة الاقتصادية، والقوة الثقافية[22].

كما يؤكد يان على اختلاف تصور المفكرين الصينيين القدماء حول القوة، عن تصور المفكرين الغربيين للقوة، ذلك أن الصينيين يرون أن القوة السياسية تنتمي أكثر إلى فئة القوة الناعمة غير المادية، ويجب أن يكون لها أساس أخلاقي راسخ. وهو ما يذهب إليه يان بحيث يعتبر أن الأخلاق هي جوهر السلطة السياسية وتأتي في المقام الأول، لأنها تمنح صاحب القوة الشرعية، والتي بدونها، على سبيل المثال، لا يمكن أن تستمر القوة المهيمنة طويلاً[23].

من ناحية ثانية، يؤكد يان على أهمية القوة المادية مثل القوة العسكرية. لضمان نظام دولي مستقر، ذلك أن كل من القوة المادية والفكر الأخلاقي ضروريان. وبالتالي يعتقد يان من أن “الصين يجب أن تعتمد بشكل أساسي على بنائها العسكري للحفاظ على بيئتها السلمية. ذلك أن مفهوم السلام لا يمكن أن يصبح بعدا لسياسة الأمن الخارجي لجميع الدول، وبالنظر إلى أن النظام والمعايير الدولية ليست قادرة بعد على منع نشوب الحرب بشكل فعال، فإن الصين ليس لديها خيار سوى زيادة قدرتها العسكرية للحفاظ على سلامة بيئتها لضمان صعودها السلمي”[24].

إجمالا، يتبين لنا الجهود الحثيثة للباحثين الصينيين في سعيهم لتطوير نظريات العلاقات الدولية الأصلية التي تعكس العمق التاريخي والفكري للثقافة الصينية. إلا أن المعضلة التي تواجه هذا الطرح، هي انتقادات امبريقية وابستمولوجية وحتى معيارية، ضد محاولات تطوير نظرية العلاقات الدولية الصينية و(بالتبعية) العلاقات الدولية غير الغربية.

فمن الناحية الامبريقية، فإن العلاقات الدولية في منطقة آسيا لا تختلف جوهريا عن تلك الموجودة في أوروبا، بمعنى أن الفوضى والبقاء وتوازن القوى، كانت مبادئ رئيسية محركة للتفاعلات بين دول منذ فترة ما قبل الحداثة ومابعدها. وعلى سبيل المثال، استناداً إلى تحليل أرشيفي مفصل للعلاقات الخارجية للصين في عهد أسرتي سونغ ومينغ، يخلص يوان كانغ وانغ إلى أنه “في البيئة الدولية “الفوضوية” في ذلك الوقت “لم تقيد الثقافة الكونفوشيوسية… القادة [الصينيين]” قراراتهم استخدم القوة؛ وفي اتخاذ مثل هذه القرارات، كان القادة مدفوعين بشكل أساسي بتقييمهم لتوازن القوى بين الصين وخصومها”[25].

 ومن الناحية الابستمولوجية، يشير النقاد إلى أنه من غير العلمي التأكيد على و/أو دمج ثقافة معينة أو رؤية عالمية لأمة أو منطقة معينة في نظرية العلاقات الدولية، لأن النظرية العلمية المشروعة يجب أن تسعى إلى “العالمية والعمومية”. وفي هذا الصدد، يرى منظروا العلاقات الدولية (الوضعيون) السائدون أن دراسات العلاقات الدولية يجب أن تبحث عن أنماط عامة يمكن ملاحظتها للسلوك الخارجي للدول، وتطوير تفسيرات “قانون شامل” يمكن التحقق منها تجريبيا، واختبار فرضياتهم من خلال مقارنات بين الحالات[26].

أما فيما يتعلق بالانتقادات المعيارية لمحاولات بناء نظرية علاقات دولية غير غربية تسلط الضوء على العلاقة بين السلطة والمعرفة. يشير النقاد إلى “أنه على الرغم من أن مؤسسات بناء النظرية في السياقات غير الغربية تبدأ عادة بإثارة إشكالية في العلاقات الدولية التي يهيمن عليها الغرب، فإن الممارسات والخطابات الأكاديمية المستمرة المرتبطة بالعلاقات الدولية غير الغربية يمكن أن تستلزم (أو تعيد إنتاج) نفس البنية الهرمية والإقصائية للعلاقات الدولية. من خلال إنتاج المعرفة، الذي يمكن أن يقع فريسة لمصالح وطنية أو إقليمية معينة”.

على سبيل المثال، في مناقشته للرؤى الصينية للنظام العالمي، يشك ويليام كالاهان في إمكانية تطبيق تيانشيا. وهو يدعي أن مفهوم تيانشيا دويس هو “طمس” الحدود المفاهيمية والعملية بين الإمبراطورية والعولمة والقومية والعالمية. وبدلاً من مساعدتنا على التحرك نحو عالم «ما بعد الهيمنة»، تعمل تيانشيا على العمل كأساس فلسفي يتم على أساسه “تحديث الحكم الهرمي في الصين للقرن الحادي والعشرين”. وفي سياق متصل، أضاف أندرو هوريل أنه على الرغم من أن تطوير طرق محددة ثقافيًا لفهم العالم، “قد يشجع بلا شك على المزيد من التعددية، إلا أن محاولات القيام بذلك يمكن أن تؤدي أيضًا إلى تقوقع قومي وإقليمي، والذي يؤدي بدوره إلى إعادة إنتاج الثقافة القومية للغاية التي يتم تحديها حسب إيديولوجية الدولة”.

المطلب الثالث: المنظور الصيني للنظام الدولي والصعود الصيني السلمي

في إطار النقاش الأكاديمي الصيني لحقل العلاقات الدولية، ودلالات الصعود الصيني في إعادة مأسسته، ومقدرة الصين في خلق نموذج لقوة اقتصادية كبرى لها حضور متزايد داخل نسق دولي. بالرغم أن ثقافتها السياسية تتعارض مع الايدولوجيا الليبرالية الغربية وقيمها الديمقراطية ونموذجها لحقوق الإنسان. علاوة على ذلك، ارثها التاريخي كانت فيه الحضارة الصينية، من أعظم الحضارات التي مرت على التاريخ. كل هذه العوامل جعلت من صعود القوة الصينية في القرن الواحد والعشرين، له الدلالات والتأثير على النظام الدولي. وخاصة أن العالم اليوم يشهد تحولات وأزمات عالمية اقتصادية، وتوترات مسلحة كالحرب الروسية-الأوكرانية، وعودة اهتمام القوى الدولية في القارة الآسيوية خاصة بمنطقة البحر الصيني الجنوبي. مما أعاد عسكرة المنطقة مع تنامي القوة الصينية، وهو ما لقى اهتمام الأكاديمي من منظري الأدبيات الغربية للعلاقات الدولية لتفسير الصعود الصيني، وانعكاساته على النظام الدولي.

بالمجمل، هناك تباين التصورات الغربية حول تفسير صعود القوة الصينية، بين متفائلين ومتشائمين ومحذرين، كل حسب حججه وافتراضاته، ومن الأمثلة على هذه التصورات، فمثلا، نجد الواقعي الهجومي جون ميرشايمر وفق افتراضاته، فإنه يحمل نظرة تشاؤمية للصعود الصيني. معتبرًا أنه لا يمكن توقع سلوك ونوايا الصين الحالية والمستقبلية بشأن صعودها السلمي، ويرى أنه لا يمكن أن تكرر الصين تجربتها في سلوكها السلمي في الماضي، نظرا لتغير المعطيات على مستوى النظام الدولي. إلى جانب أن الصين اليوم تسعى لتحقيق الهيمنة الإقليمية، والذي سيشكل تحديا أمام القوة الأميركية. بالإضافة إلى سعي الصين للتعزيز من ترسانتها العسكرية، إلى جانب ما تحوزه من القوة الاقتصادية والسياسية[27].

من ناحية أخرى هناك إقرار وسط الأكاديمي الغربي على أن القوة الصينية الصاعدة في الوقت الحالي، لا تمثل تحديا حقيقيا لأسس النظام الدولي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، وبالرغم، من الاعتراضات التي تبديها الصين للهيمنة الأميركية، ودعوتها لإقامة نظام متعدد الاقطاب. وهو ما حاولت بلوغه أي الصين من خلال العمل من داخل النظام الدولي، عبر محاولاتها نزع الشرعية عن الولايات المتحدة. وتسليط الضوء على السلبيات المترتبة عن هيمنة الولايات المتحدة، وعدم أهليتها لقيادة النظام الدولي، وتأثيرها على استقراره.

 إلا أن ذلك لم يمنع الصين من انتهاج أسلوب براغماتي في تعاملها مع الهيمنة الأميركية، فهي ترفض الهيمنة الأميركية وفي نفس الوقت تستغل امتيازات النظام الدولي في توسيع اقتصادها، وتعزيز مكانتها كلاعب سياسي عالمي داخل النظام الدولي، وتتجنب الصدام المباشر مع الولايات المتحدة، مستخدمة في ذلك مؤسسات النظام لمنازعة الهيمنة الأميركية، ومضاعفة نفوذها السياسي ومكانتها، بيد أن التوجه الصيني الرافض للهيمنة الأميركية على النظام الدولي، والمعترض على بعض مبادئ هذا النظام، تتبناه كذلك، بعض القوى الصاعدة[28].

كما كان لهذا الجدل حول المنظور الصيني الرسمي للنظام الدولي صدى داخل أروقة الدوائر الأكاديمية الصينية، التي تسعى لإيجاد بدائل لهذا النظام. ليتكيف مع تزايد نمو القوة الصينية، والتحولات التي عرفها العالم.

بشكل عام، تنطلق تصورات المفكرين والساسة الصينيين للنظام الدولي، من خلال مكانة الصين النابعة من قوتها المتنامية في القرن 21. والتي على المدى القريب ستتمكن من التسويق لرؤيتها للعالم من خلال إعادة بعث إرثها الحضاري والفكري التقليدي، والبحث بين طياته عن حلول صينية لمشاكل العالم المعاصر. ويتسع طموح مفكريها بإيجاد بديل للنظام ويستيفالي، من خلال نظام تيانتشيا Tianxia وعالم متناغم Harmonious.

 كما تناولنا سابقا، فإن أهم الباحثين الذين تبنوا إعادة دراسة مفهوم تيانتشيا Tianxia، هو الفيلسوف الصيني Zhao Tingyang،من خلال كتابه نظام تيانتشيا: نموذج لمأسسة العالم (2005). والذي أراد zhao  من خلاله إعادة إحياء النظام tianxia، لاعتقاده أنه الذي سيمكن العالم من حل مشاكله المتعلقة بالنظام الدولي. والبديل المناسب للنظام الوستيفالي القائم على إذكاء روح التنافس بين المصالح الوطنية للدول، وما يترتب عنه من نزاعات. بينما سيوفر نظام tianxia نظاما عالميا يشمل جميع الأمم. ويخلق الانسجام بين جميع الأمم والحضارات. ذلك أن نظام tianxia، بحسب Zhao Tingyang يمكن اعتباره كعائلة موسعة توفر فرصة للتعايش تكون فيه جميع حسابات المصلحة الذاتية في حدها الأدنى. في ظل جو متناغم يوفر بيئة مناسبة للتطوير غير المشروط للتعاون والرعاية، والمسؤولية بين مختلف أعضائه[29].

أما بالنسبة لتصور يان لنظام الدولي، تختلف عن النظرة السائدة في النظريات الدولية المعاصرة على أن النظام الدولي هو نظام فوضوي – أي أن الفاعلين الدوليين يلعبون أدوارًا متشابهة وأن علاقات القوة لديهم متساوية – في حين أن المجتمع المحلي له هيكل هرمي حيث يكون للجهات الفاعلة أدوارا مختلفة ويتم التعبير عن القوة من حيث العلاقات من الأعلى إلى الأسفل. ويرى يان أن هذا التصور تفنده الوقائع وأن النظام الدولي الحالي يتميز بعدم المساواة بين الدول وأن هناك تسلسل هرمي فضفاض، بحيث في النظام المحلي، توجه القواعد الهرمية السلوك في المجتمع، بينما في النظام الدولي، توجه قواعد كل من التسلسل الهرمي والمساواة سلوك الدولة.

فهو يعتقد أن هذا التسلسل الهرمي، نتيجة منطقية، إذ ما اعتبرنا القوة أهم عامل في العلاقات الدولية، فمن الطبيعي والمنطقي أن تكون هناك دول ذات أحجام وقدرات مختلفة: القوة المهيمنة، والقوى الكبرى، والدول المتوسطة الحجم، والدول الصغيرة. إنها ليست حقيقة العالم فحسب، بل هي أيضًا منطقية، لأن الهيكل الهرمي يبرر المسؤوليات المختلفة للفاعلين في النظام الدولي. كما يساعد هذا التسلسل الهرمي للسلطة والمعايير والمسؤوليات في الحفاظ على النظام بين الدول، بينما يؤدي تعطيل التسلسل الهرمي الدولي إلى صراع بين الدول[30].

فحسب يان فإن المفكرين الصينيين القدماء وضعوا تصورا لثلاثة أنواع من التسلسل الهرمي:

أولا؛ السلطة الإنسانية (Wangquan) هي أعلى شكل من أشكال الحكم، تقوم على الأخلاق، والحكم من خلال كسب تأييد الشعب وممارسة العدالة. وبالتالي فإن قيادة سلطة إنسانية مقبولة بسهولة من قبل الدول الأخرى وأعضاء المجتمع الدولي.

ثانيا؛ الهيمنة (Baquan) والتي تكون بين الدول، بحيث أن متطلباتها الأخلاقية أقل من الإنسانية وتستند هيمنتها على القوة القوية والموثوقية الإستراتيجية. والحد الأدنى من متطلبات الهيمنة كنظام دولي هو الموثوقية الاستراتيجية، مما يعني أن الحلفاء يشعرون أن الهيمنة يمكن الاعتماد عليها لتلبية احتياجاتهم الأمنية، وبالتالي فإن القوة مهمة.

ثالثا؛ الاستبداد (Qiangquan) هو أدنى شكل من أشكال الحكم، يعتمد حصريًا على القوة العسكرية والحيل. مؤكدا على أن الهيمنة والاستبداد يتطلبان قوة قوية، بينما السلطة الإنسانية قد تكون إما قوية أو ضعيفة في القدرات المادية، ولكن يجب أن تكون قوية في الأخلاق والعدالة. ويضيف يان، انطلاقا من كونه واقعيًا، فإن القوة الصلبة قد تكون في الواقع مهمة بنفس القدر لكل من السلطة الإنسانية والهيمنة، بينما الأخلاق، على الرغم من كونها شرطًا ضروريًا لبلوغ القيادة العالمية، ليست شرطًا كافيًا[31].

وفي هذا الصدد، يجادل يان بأنه من المعقول أن يؤمن المفكرون الصينيون القدامى بالسلطة الإنسانية باعتبارها أعلى شكل من أشكال السلطة والحكم، ولكن ليس من السهل وضعها موضع التنفيذ، معللا ذلك، أنه حتى في عصرنا الحالي المعولم، لا يزال من صميم السياسة الدولية الصراع على الهيمنة. وباستحضاره لصعود الصين كخلفية لتصوراته في مناقشة هذه التصورات يرى أنه من أجل تحقيق الهيمنة يتم من خلال الاستراتيجيات عليه، فعلى الصين أن تسعى إلى قيادة العالم، عن طريق زيادة قوتها الشاملة، وعقد تحالفات تمكنها من تحقيق الهيمنة[32].

 بناء على ما سبق، فإن يان بذلك جعل للواقعية بعدا أخلاقيا، محتفظا بالعنصر الأساسي في الفكر الواقعي، جوهرية القوة في السياسة الدولية، معطيا أولوية للقوة السياسية على القوة الاقتصادية والعسكرية، وجعل التسلسل الهرمي مقابل الفوضى. كما ركزعلى المعايير الدولية وأخلاق الدولة، والذي يعكس تأثره بالمفكريين الصينيين القدماء، في المقابل يمكن تفسير الالتزام النظري الذي احتفظ به من الواقعية – أهمية القوة الصلبة – يعكس فهمه لحاجة الصين إلى مزيد من القوة أثناء صعودها.[33]

 عمليا، إن عمق تأثير الفكر السياسي التقليدي الصيني، لا يتوقف تتجلي مظاهره على النقاش الأكاديمي والفكر المعاصر الصيني فقط؛ بل يجد له صدى وتبني من دوائر صنع القرار الصينية. التي تبنت مفهوم “عالم متناغم” كمقترب استراتيجي لبناء نظام دولي جديد من خلال الجهود الدبلوماسية. ويقوم هذا المقترب على أربعة عناصر احترام حق كل دولة واستقلاليتها في اختيار نسقها الاجتماعي وأسلوبها التنموي الخاص، وتشجيع الحوار والتبادل بين مختلف حضارات العالم والثقة المتبادلة وتحقيق الأمن المشترك حسب الخطاب الصيني الرسمي[34].

المطلب الرابع: من النظرية إلى محاولة التطبيق: مبادرة الحزام والطريق في الشرق الأوسط

يشكل تحليل السياسة الخارجية الصينية تجاه الشرق الأوسط، وخاصة في إطار مبادرة الحزام والطريق، مدخلاً تطبيقياً لفهم التحولات العميقة التي تعرفها المدرسة الصينية في العلاقات الدولية. فهذه المدرسة لا تقتصر على تقديم مفاهيم بديلة، بل تسعى إلى إعادة صياغة الأسس المعرفية التي يقوم عليها تفسير السلوك الدولي، من خلال الانتقال من مقاربة مادية–قوة إلى مقاربة علائقية–تفاعلية.وهو ما خصصنا له هذا الجزء من البحث حيث كان أول إعلان رسمي عن مبادرة الحزام و الطريق على لسان الرئيس الصيني شي جين بينغ في كلمة ألقاها في جامعة نزار باييف في كازخستان في سبتمر2013 ، والتي أكد فيها “على أن الدول الآسيوية والأوروبية يمكنها البناء المشترك في “الحزام الاقتصادي على طول طريق الحرير”، باتخاذ نمط التعاون الابتكاري من أجل جعل الروابط الاقتصادية أوثق، والتعاون المتبادل بينها أعمق، وحيزها التنموي أوسع”. وفي نفس الخطاب أكد على أن السياسة الخارجية الصينية تجاه جيرانها تستهدف تعزيز التعاون الإقليمي مع دول وسط آسيا في مجالات الاتصالات والتجارة، وتعزيز النظام النقدي، وترابط الشعوب، وطالب بإنشاء منطقة إقليمية بوصفها نموذجا للتعاون الإقليمي والعالمي[35].

جاءت هذه المبادرة في سياق حديث للرئيس الصيني، شي جين بينغ، عن الحلم الصيني” وما ارتبط به من إعادة إحياء “طريق الحرير القديم/التاريخي”، إلى طريق يضم “حزام الحرير الاقتصادي الجديد”؛ مما يشير إلى رغبة الصين في تطوير علاقاتها مع دول آسيا الوسطى وروسيا وأوروبا، و طريق الحرير البحري، الذي ينظر إليه على أنه محاولة لتحسين العلاقات مع جنوب شرق آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط[36]. وذلك بدمج حلم الصين بأحلام شعوب البلدان على طول الحزام والطريق[37]. (أنظرالخريطة1)

خريطة رقم 1: مبادرة الحزام والطريق الصينية

يمكن الإطلاع عليها على الرابط https://bit.ly/3TNqfdZ، تم الإطلاع عليها بتاريخ(12/12/2023)

ويعتبر مشروع طريق الحرير الجديد، أو كما عرف في البداية بمبادرة الحزام الواحد و الطريق الواحد، مبادرة تنموية جيوسياسية وعنصرا رئيسا في تنفيذ استراتيجية الصين الخاصة بــ “الانفتاح على العالم” التي أعلن عنها الرئيس الصيني شي جين بينغ. وترتكز المبادرة على أن الاقتصاد الصيني يحتاج على نحو مستمر ومتزايد إلى الموارد والأسواق الخارجية، إضافة إلى دعم المؤسسات المالية المختلفة لتعزيز التنمية المستدامة مع ضمان تحقيق الأمن القومي الصيني[38].

ويتشكل “الحزام” من طريقين: “طريق الحرير البري” الذي يربط الصين بآسيا الوسطى وجنوب آسيا وروسيا وأوروبا، و”الطريق البحري” الذي يربط الموانئ الصينية بتلك الموجودة في جنوب آسيا وشرقها وإفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا (الخريطة1). وتعد هذه المبادرة في المفهوم الصيني إعادة إحياء لطريق الحرير القديم بهدف تحقيق نظام اقتصادي عالمي مفتوح، وتنمية متوازنة ومستدامة، وتعزيز التعاون الإقليمي، والتواصل بين الحضارات، والحفاظ على السلام والاستقرار العالميين. وانضم عدد من الدول المشاركة في تنفيذ مشاريع الطريق والتي تقدر بنحو خمسة وسبعون دولة وخمسة وثلاثون منظمة دولية من قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا ومنطقة الشرق الأوسط وأستراليا ونيوزيلندا، بما يمثل ما نسبته ثلاثة وستون في المائة من سكان العالم[39]. ومنذ إطلاق المبادرة حتى نهاية عام 2017، أنفقت الصين نحو 34 مليار دولار على المشروعات المتضمنة فيها، تنوعت ما بين الطرق وخطوط السكك الحديدية والموانئ وخطوط وشبكات الطاقة.

يرى العديد من المثقفين الصينيين أن مبادرة الحزام والطريق هي بديل ثقافي وأخلاقي لما يصفونه بالنظام العالمي الفاسد وغير الفعال المتمثل في “الهيمنة الأميركية”، ووفقاً لهذا التفسير، فإن طرق الحرير الجديدة لن تربط الاقتصادات فحسب، بل ستربط بين حضارات، وحسب هذا المنظور يؤكد تشاو لي Zhao Lei ، من مدرسة الحزب المركزية في بكين، على أهمية الاقتصاد الثقافي الجديد، لمبادرة الحزام والطريق، التي بدورها ستكون عاملا أساسيا في الصعود الحضاري للصين[40]. وهو ما ذهب إليه كذلك تشنغ يونغنيان Zheng Yongnian وهو مستشار مقرب من قيادة الحزب الشيوعي الصيني، بحيث يرى أن مبادرة الحزام والطريق فرصة للصين لاستخدام أفكارها الحضارية لتوجيه قيم ما يسميه “روح العصر” العالمية في مرحلة ما بعد أميركا.

ولا يختلف الأمر عند الباحث من جامعة رنمين وانغ ييوي Wang Yiwei ، الذي بدوره يعتقد أن مبادرة الحزام والطريق هي المفتاح للقوة المعيارية الصينية في القرن الحادي والعشرين، وهو ينظر إلى طريق الحرير كبديل لما يسميه عولمة “الإمبريالية الغربية”، كما يرى وانغ أن مبادرة الحزام والطريق تقدم نموذجًا متفوقًا للعولمة لأن “طريق الحرير كان طريقًا للصداقة والازدهار، وطريقًا لتبادل الاحترام “.

وعليه، فهم يرون أن مبادرة الحزام والطريق ستساعد في نشر إيجابيات الحضارة والثقافة الصينية التقليدية ونموذج التنمية الاقتصادية الصيني في جميع أنحاء العالم، والذي سوف “يخلق معايير جديدة للعولمة” وبالتالي، يُنظر إلى ثقافة الصين “المتفوقة” على أنها مورد من شأنه أن يعيد تشكيل قواعد ومعايير المؤسسات الدولية[41].

لا يمكن فصل مبادرة الحزام والطريق عن التوجهات السياسية الخارجية الصينية بعد نهاية الحرب الباردة، كجزء من سياسات التنمية السلمية التي رفعتها الصين في تسعينيات القرن العشرين، وتجسيد الحلم الصيني في العودة لمملكة السماء التي حكمت العالم بقولبة حداثية سلمية، في المقابل لا تراها الولايات المتحدة إلا جزءا من سياسة الصعود الصيني غير السلمي[42].

ففي إطار مبادرة الحزام والطريق (BRI)، لا تنظر الصين إلى العالم العربي كساحة هامشية، بل كممر جيواستراتيجي محوري يربط شرق آسيا بأفريقيا وأوروبا والبحر الأبيض المتوسط. هذا التصور متجذر في كل من الحسابات المادية والخطاب المعياري. فعلى المستوى المادي، تحتل الدول العربية مواقع برية وبحرية حاسمة عبر البحر الأحمر، وطريق السويس، والخليج، وشرق المتوسط. أما على المستوى الخطابي، فتصور بكين المنطقة العربية كشريك طبيعي في بناء ما تسميه “مجتمع المصير المشترك بين الصين والدول العربية”؛ وفي عام 2024، وصف المسؤولون الصينيون العلاقات الصينية العربية صراحةً بأنها نموذج للتعاون عالي الجودة في مبادرة الحزام والطريق، والتعايش المتناغم بين الحضارات، وتحسين الحوكمة العالمية[43].

ففي إطار مبادرة الحزام والطريق، لا ترى الصين إلى العالم العربي كساحة هامشية، بل كمنطقة جيواستراتيجية مركزية ضمن إعادة تشكيل شبكات الاقتصاد العالمي. بيد أن هذا التصور لا يمكن تفسيره بشكل كافٍ من خلال المقاربات الواقعية أو الليبرالية التقليدية، بل يتطلب تأطيره ضمن منظورات المدرسة الصينية في العلاقات الدولية، التي تقدم فهمًا مختلفًا لطبيعة القوة، والاعتماد، وبناء النظام الدولي كما أشرنا أعلاه. حيث تُظهر المعطيات أن التبادل التجاري بين الصين والشرق الأوسط ارتفع من نحو 191.7 مليار دولار في 2010 إلى أكثر من 480 مليار دولار في 2024)أنظر الجدول (1،

وهو ما يعكس نموًا هيكليًا طويل المدى. لكن من الجانب الصيني فهو يتجاوز في قرائته لهذه الأرقام على دلالتها الاقتصادية، بل كجزء من مفهوم العلائقية (Relationality) عند Qin Yaqing، فحسب هذا المفهوم تفهم القوة بوصفها نتاجا لشبكات العلاقات يتجاوز تراكم للموارد. إذ لا تمثل الزيادة في التجارة مجرد توسع في التبادل، بل تعكس عملية إعادة تشكيل للترابط البنيوي بين الصين والدول العربية. فارتفاع الصادرات الصينية إلى المنطقة بمعدل نمو يفوق 10% سنويًا، مقابل نمو أبطأ في الواردات، يدل على انتقال العلاقة من نمط “الاعتماد الطاقي” إلى نمط أكثر تعقيدًا يشمل الأسواق والتكنولوجيا والخدمات، وهو ما يعزز التموضع الشبكي للصين داخل الاقتصاد الإقليمي)أنظر الجدول (1

الجدول1: الصين والشرق الأوسط: التجارة الثنائية (مليون دولار أميركي):

نمو إجمالي التجارة (%)الميزان التجاري
(مليون USD)
إجمالي التجارة الثنائية
(مليون USD)
نمو الصادرات (%)نمو الواردات (%)صادرات الصين إلى الشرق الأوسط
(مليون USD)
واردات الصين من الشرق الأوسط
(مليون USD)
السنة
—-81 300191 700——55 200136 5002010
30,6%-101 300250 30035,0%28,8%74 500175 8002011
9,7%-96 100274 70019,9%5,5%89 300185 4002012
8,6%-88 800298 40017,4%4,4%104 800193 6002013
-1,2%-63 600294 80010,3%-7,4%115 600179 2002014
-18,1%-15 500241 300-2,3%-28,3%112 900128 4002015
-14,8%-6 100205 500-11,7%-17,6%99 700105 8002016
21,9%-4 600250 60023,4%20,6%123 000127 6002017
15,6%-24 700289 7007,7%23,2%132 500157 2002018
-3,3%-19 500280 100-1,7%-4,7%130 300149 8002019
-9,7%-17 800253 000-9,7%-9,6%117 600135 4002020
29,1%-30 300326 70026,0%31,8%148 200178 5002021
55,2%-49 000507 00054,5%55,7%229 000278 0002022
-8,2%-7 500465 5000,0%-14,9%229 000236 5002023
3,3%-39 300480 700-3,6%9,9%220 700260 0002024
  4 610 000  1 982 3002 627 700المجموع

المصدر: ChinaMed Data / UN Comtrade / وزارة التجارة الصينية (MOFCOM) | الأسعار: واردات CIF – صادرات FOB

وبالرغم من هذا التنوع، تؤكد الإحصاءات أن واردات الطاقة ما تزال تمثل ما بين 60% و85% من إجمالي واردات الصين من الشرق الأوسط، ما يجعل الطاقة المرتكز البنيوي للعلاقة. غير أن المدرسة الصينية لا ترى هذا الاعتماد كعامل ضعف، بل كجزء من عملية بناء اعتماد متبادل منظم. تبعا لذلك، لا تسعى الصين الى تقليص اعتمادها على واردات الطاقة من الشرق الأوسط، بل إلى إعادة هيكلة وتنظيم هذا الاعتماد عبر تنويع شركائها داخل المنطقة، خاصة مع دول مثل السعودية والعراق والإمارات )أنظر الجدول 2.

ويعكس هذا التوجه منطقًا استراتيجيًا مغايرًا للمقاربات الغربية، يقوم على إدارة الاعتماد بدل التخلص منه. بينما تميل القوى الغربية إلى تقليل الاعتماد الخارجي عبر سياسات فك الارتباط، تعمل الصين على تحويل الاعتماد المتبادل إلى أداة للاستقرار وتقليل المخاطر، من خلال توزيع مصادر الإمداد وتعزيز الترابط الاقتصادي طويل الأمد ، بما يتماشى مع مبادئ سياساتها الخارجية التي تقوم على العلائقية والانسجام[44].

الجدول 2: واردات الصين من طاقة الشرق الأوسط (نفط وغاز( (مليون دولار)

قيمة الواردات من الشرق الأوسطحصة الشرق الأوسط (%)السعوديةالعراقالإماراتعُمانالسنة
100 20052,0%28 60021 8009 5007 2002015
80 40051,0%20 10018 4007 8006 5002016
97 80050,0%25 20022 1009 2007 8002017
130 30049,0%32 40026 70011 4009 6002018
119 50047,0%28 80024 30010 8009 1002019
82 80047,0%28 10019 2008 3007 8002020
145 60048,0%39 73028 50011 2009 8002021
215 40053,0%58 20039 60018 50015 2002022
200 10050,0%64 40036 20017 80013 1002023
218 00044,0%65 00038 50018 20013 5002024

المصدر: ChinaMed Data | إدارة الجمارك الصينية (GAC) | وكالة معلومات الطاقة الأميركية (EIA)

كما تُظهر بيانات الاستثمار والمقاولات أن الحضور الصيني في المنطقة لم يعد يقتصر على التبادل التجاري، بل تطور إلى تموضع اقتصادي بنيوي. فقد ارتفع رصيد الاستثمار المباشر الصيني بشكل مستمر، مع تركّز واضح في الإمارات المتحدة والسعودية ، بينما ازدادت قيمة العقود المنفذة لتتجاوز 35 مليار دولار سنويًا ).أنظر الجدول 3 (

هذا التحول يعكس ما يمكن تسميته بـ “القوة من خلال التمركز” (Power through Embeddedness)، حيث لا تفرض الصين نفوذها عبر السيطرة المباشرة، بل من خلال الانخراط العميق في البنى الاقتصادية المحلية. وترجع جذور هذا السلوك في الفلسفة الكونفوشيوسية التي تؤكد على التدرج، والتكامل، وبناء الثقة عبر التفاعل المستمر[45].

الجدول3: الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني في الشرق الأوسط (مليون (USD

باقي دول المنطقةإجمالي الاستثمار الصيني
في الشرق الأوسط
الإمارات

السعوديةإيرانالسنة
6401 8506203102802010
8002 3408103903402011
9602 8009804703902012
1 2103 3501 1505604302013
1 4203 9001 3806404602014
1 6504 4501 5907304802015
1 8104 8201 7407804902016
1 9605 2001 9008405002017
2 1205 6002 0509205102018
2 2305 9002 2009804902019
2 3006 1002 3401 0204402020
2 4006 4502 5001 1004502021
2 4706 7402 6501 2004202022
2 6007 2002 8501 3504002023

المصدر: ChinaMed Data | MOFCOM | AEI China Global Investment Tracker | Statista

 كما ربطت وثيقة السياسة العربية الصادرة سنة 2016 صراحةً بين التعاون الصيني العربي والتغيرات في التشكيلة الدولية وتسارع التغيرات في النظام الدولي[46]. بهذا المعنى، فإن سياسة الصين تجاه العرب ليست مجرد دبلوماسية إقليمية، بل هي ساحة عملية تختبر فيها بكين “قواعد لغوية بديلة” للنظام العالمي تقوم على السيادة والتنمية والشراكات التعددية. وتمثل الدول العربية قيمة لهذه الرؤية لأن الكثير منها يسعى للاستقلال الاستراتيجي وتنويع العلاقات الخارجية بدلاً من الانحياز التام لواشنطن أو بكين. ويفهم هذا الخطاب الرسمي في إطار جهود الصين لصياغة لصياغة نموذج بديل للنظام الدولي، قائم على التعاون غير الصفري والتكامل الحضاري. ووفقًا لهذا السردية، توحي هذه السردية أن الصين لا تنظر إلى العالم العربي كمصدر للطاقة أو السلع فقط، بل كشريك في إعادة تعريف قواعد تفاعل الصين مع باقي الدول بما فيها دول المنطقة[47].

ووفق المعطيات فإنه يلاحظ وجود تمايز وظيفي واضح داخل بنية العلاقات الاقتصادية بين الصين والشرق الأوسط، حيث تلعب بعض الدول في أدوار محددة ضمن الشبكة الإقليمية الصينية . فعلى سبيل المثال في عام 2024، استحوذت السعودية والعراق على ما يقارب 47% من إجمالي واردات الطاقة الصينية من المنطقة، مما يؤكد دورهما كموردين رئيسيين للطاقة. في المقابل، برزت الإمارات كمركز تجاري ولوجستي، حيث بلغ حجم التبادل التجاري معها أكثر من 100 مليار دولار، مع توازن نسبي بين الصادرات والواردات، ما يعكس دورها كمنصة لإعادة التصدير. أما مصر، فرغم محدودية حجم تجارتها مقارنة بدول الخليج، فإن موقعها الجغرافي الاستراتيجي، خاصة عبر قناة السويس، يمنحها دورًا محوريًا كعقدة عبور ضمن المبادرة. وتدل هذه الأنماط على أن الصين لا تتعامل مع المنطقة كوحدة متجانسة، بل تبني نظامًا إقليميًا شبكيًا قائمًا على توزيع الأدوار الاقتصادية بما يعزز الكفاءة والتكامل. ) أنظر الجدول 4 (

الجدول4: ترتيب الصين كشريك تجاري لدول الشرق الأوسط

20232022202120202019201820172016الدولة
11111111السعودية
22222222الإمارات
33333333العراق
55554444إيران
44445555عُمان
66666666الكويت
77777777قطر
88888888البحرين
99999999الأردن
1010101010101010اليمن
11111122تركيا

 المصدر :الترتيب استناداً إلى قيمة الواردات والصادرات | ChinaMed Data / UN Comtrade / MOFCOM

تأسيسا على ما سبق، يمكن القول إن مبادرة الحزام والطريق تمثل محاولة تطبيقية لمبادئ المشكلة للمدرسة الصينية لتصورها للعلاقات الدولية و ومكانة الصين في التظام الدولي، من خلال محاولة لتحويل الترابط الاقتصادي إلى أحد مصادر القوة، بخلق نظام قائم على الانسجام بدل التحالفات الصلبة. وبالتالي فيمكن القول أن توجه الصين نحو العالم العربي، وخصوصا مبادرتها للحزام والطريق له أبعاد اقتصادية كما له أبعاد استراتيجية سياسية تتمثل في خلق نظام عولمة بديلة تعيد تشكيل النظام الدولي وفق نموذج صيني متعدد الأقطاب والتشابك والتكامل والتخفيف من حدة الأسباب الهيكلية للصراع . فيما يمكن تفسيره من خلال نمط صيني في توطين وإعادة تبيئة أفكار عالمية من خلال إضفاء عليها خصوصية صينية.

في المقابل، فإن دول الشرق الأوسط لا تنحاز بشكل كامل إلى الصين، بل تسعى استغلال صعودها لتعزيز استقلالها الاستراتيجي وتنويع شراكاتها الخارجية .[48] وفي هذا السياق، يمكن فهم سلوك الفاعلين الإقليميين على نحو أدق من خلال تبنيهم لاستراتيجية تعددية الاصطفاف (multi-alignment)، التي تقوم على موازنة العلاقات مع القوى الكبرى بهدف تعظيم هامش المناورة.[49]علاوة على ذلك، يعكس ترويج الصين لمفهوم التعددية القطبية محاولةً منهجية لإعادة تشكيل هياكل الحوكمة العالمية بما يرسخ مبادئ السيادة وعدم التدخل وأطر التعاون المرنة[50]. وكما تشير تحليلات Foreign Affairs، فإن التوسع العالمي للصين—لا سيما من خلال مشاريع البنية التحتية والربط—يمثل نمطًا من “بناء النظام” (order-building) يسهم تدريجيًا في إعادة تشكيل أسس النظام الدولي الليبرالي القائم[51].

خاتمة

 على سبيل الختم، تسعى هذه الدراسة للفت الانتباه إلى لمحاولة المدرسة الصينية للعلاقات الدولية لبناء مشروع فكري جاد من أجل تجاوز الهيمنة النظرية الغربية، ليس من خلال القطيعة التامة معها، بل عبر إعادة تأويل التراث الفكري الصيني—خاصة مفاهيم التيانشيا، والعلائقية، والانسجام—ضمن إطار نظري معاصر قابل للتداول الأكاديمي. وبهذا المعنى، لا تُعيد هذه المدرسة إنتاج مفاهيم تقليدية فحسب، بل تعيد توظيفها لتقديم تصور بديل لطبيعة النظام الدولي، يقوم على منطق العلاقات والتفاعلات بدلًا من منطق القوة الصلبة أو الفوضى البنيوية.

في مقابل التصورات الواقعية التي تربط القوة بالتراكم المادي والقدرة العسكرية، تطرح المدرسة الصينية فهمًا علائقيًا للقوة باعتبارها نتاجًا لشبكات التفاعل والتموضع داخلها (embeddedness)، حيث يتحول الاعتماد المتبادل من عامل هشاشة إلى مصدر للاستقرار والتكامل. ويعكس هذا التحول محاولة لإعادة تعريف مفاهيم مركزية في العلاقات الدولية، مثل السيادة، والمصلحة، والنظام، ضمن أفق أكثر تفاعلية وتعددية.

وتجد هذه الرؤية ترجمتها العملية الأبرز في مبادرة “الحزام والطريق”، التي تمثل أداة استراتيجية لإعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية والسياسية العالمية. ففي سياق الشرق الأوسط، لا تنظر الصين إلى المنطقة باعتبارها مجرد مصدر للطاقة، بل بوصفها فضاءً جيواستراتيجيًا محوريًا في مشروع أوسع يهدف إلى بناء ما يُعرف بـ”مجتمع المصير المشترك”. ويؤكد ذلك التطور الملحوظ في العلاقات الاقتصادية، سواء من حيث النمو الكمي في حجم التبادل التجاري أو من حيث التوسع النوعي في مجالات الاستثمار والتعاون، بما يعكس إدماج الدول العربية ضمن شبكة علائقية أوسع تقودها الصين. كما تعكس الوثائق الرسمية والخطابات السياسية الصينية—خاصة منذ 2016 وما بعدها—محاولة واعية لربط هذا التعاون برؤية أوسع لإعادة تشكيل قواعد التفاعل الدولي على أسس غير صفرية، تقوم على السيادة المتبادلة والشراكات المتعددة.

 غير أن هذا المشروع، رغم طموحه النظري والعملي، لا يخلو من تحديات وإشكالات متعددة. فمن الناحية الإمبريقية، تشير بعض الأدبيات إلى أن السلوك الصيني، في سياقات معينة، لا ينفصل كليًا عن منطق توازن القوى التقليدي، ما يطرح تساؤلات حول مدى اتساق الخطاب مع الممارسة. أما على المستوى الإبستمولوجي، فإن محاولة تعميم مفاهيم مستمدة من سياق ثقافي خاص تثير إشكالية “العالمية” مقابل “الخصوصية”، ومدى قدرة هذه المدرسة على تجاوز حدودها الحضارية. وعلى المستوى المعياري، يبقى احتمال إعادة إنتاج أنماط جديدة من الهيمنة أو التراتبية قائمًا، حتى وإن تم تغليفه بخطاب الانسجام والتعاون.

إلى جانب ذلك، لا تتعامل دول الشرق الأوسط مع الصعود الصيني باعتباره بديلًا أحاديًا، بل تنتهج في الغالب استراتيجيات تعددية الاصطفاف، سعيًا لتعظيم هامش استقلالها الاستراتيجي عبر موازنة علاقاتها مع مختلف القوى الدولية. وهو ما يعكس بدوره تعقيد البيئة الإقليمية، ويحد من إمكانية تشكل نظام بديل أحادي المصدر.

خلاصة القول، يمكن القول إن صعود الصين وتبلور المدرسة الصينية للعلاقات الدولية يفتحان أفقًا واعدًا لإعادة التوازن إلى حقل العلاقات الدولية عبر إدماج أصوات وخبرات غير غربية. غير أن هذا الطموح يظل مشروطًا بقدرة هذه المدرسة على الانتقال من إطار فكري ذي مرجعية قومية إلى نموذج نظري أكثر انفتاحًا وشمولًا، يستوعب التنوع الحضاري العالمي، بما في ذلك التجارب العربية والإسلامية. وعندئذ فقط يمكن أن تسهم فعليًا في بناء نظام دولي أكثر تعددية وعدالة؛ وإلا فإنها قد تبقى، في نهاية المطاف، تعبيرًا نظريًا عن إعادة تموضع قوة صاعدة داخل بنية النظام الدولي القائم.


[1] Barry Buzan and Amitav Acharya, Re-imagining International Relations World Orders in the Thought and Practice of Indian, Chinese, and Islamic Civilizations, Cambridge University Press,2022, p6

[2] Abidem

[3] Qin Yaqing, Culture and global thought: Chinese international theory in the making, China Foreign Affairs University,N.100,2012,p68

* هو عنوان مقال لباري بوزان وأميتاف أشاريا Why is there no non-Western international relations theory? An introduction

[4] باري  بوزان وأميتاف أشاريا، لماذا لا توجد نظريات غير غربية للعلاقات  دولية؟، ترجمة عبد الحق دحمان، مركز المجدد للبحوث والدراسات، 2022، ص7

[5]  باري بوزان وأميتاف أشاريا، تشكيل ..،مرجع سابق، ص447

[6] باري  بوزان وأميتاف أشاريا، لماذا لا توجد نظريات غربية للعلاقات  دولية؟، مرجع سابق، ص7

[7]  أميتاف أشاريا وباري بوزان، تشكيل..،مرجع سابق،ص367

[8] تم استخدام تسميات مختلفة لوصف الجهود الصينية لإنشاء IR متميز، مثل “نظرية IR ذات الخصائص الصينية”، “التوطين الصيني (أو التوطين) لنظرية IR”، “استكشاف الصين للنظرية السياسية الدولية”، “وجهة النظر الصينية” العلاقات الدولية أو السياسة الدولية، و”المدرسة الصينية”.ومع ذلك، لا يوجد إجماع حتى الآن حول ما إذا كان تميز المدرسة (المدارس) الصينية يكمن في أساليبها، أو موضوعاتها، أو أسئلتها، أو مفاهيمها الأساسية، أو بنائها النظري، أو نهجها. يؤكد العلماء على جوانب مختلفة من المدرسة (المدارس) الصينية. يرى البعض أن تميز المدرسة (المدارس) الصينية يتألف من سؤال بحث يطرحه العلماء، بينما يدعي البعض الآخر أن الاختلافات في التأكيدات تنتج عن تفاهمات مختلفة حول إجراء عمل بحثي مبتكر.

[9] Zhang Fengy,The Tsinghua Approach and the Inception of Chinese Theories of International Relations,The Chinese Journal of International Politics, Vol. 5, 2012,p76

[10] Sudeep Kumar,Theorising Chinese International Relations and the Rise of China: A Preliminary Investigation,p25

[11] Zhang Fengy,ibidem

[12] يعد   Yan Xuetong  أهم معارضين لهذه التسمية ويقدم ثلاثة أسباب لرفض مشروع “المدرسة الصينية”: أولاً، يقوم الأشخاص بخلاف مبتكري نظريات العلاقات الدولية المعروفة بتسميتها بشكل عام؛ثانيًا، نادرًا ما يتم تسمية النظريات بأسماء البلدان ؛ من الشائع أكثر أن يتم تسمية النظرية وفقًا لحججها الأساسية، أو منشئها، أو المؤسسة التي تطورت فيها؛ثالثًا، مصطلح “صيني” واسع جدًا بحيث لا يشير إلى أي نظرية يتم تطويرها داخل الصين.لا توجد نظرية أو مدرسة فكرية يمكن أن تمثل تنوع وتعقيد تاريخ الصين وتقاليدها.

[13] Hun Joon Kim,Will IR Theory with Chinese Characteristics be a Powerful Alternative?,The Chinese Journal of International Politics,9(1):pov014,January 2016,p68

[14] هناك باحثين  بخلاف هؤلاء الثلاثة يقدمون مساهمات مهمة، مثل نظرية توازن العلاقات لشيه تشيه-يو وهوان تشيونغ-تشيو، ونظرية غونغ شنغ (التعايش) من قبل علماء مقيمين في شنغهاي مثل هو شوجون وجين ينغ تشونغ، والأعمال الفردية من قبل Tang Shiping.

[15] – Yan Xuetong محلل السياسة الخارجية الصينية ومنظر العلاقات الدولية في جامعة تسينغهوا في بكين، Zhao Tingyang   أستاذ في معهد الفلسفة بالأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، Qin Yaqing من جامعة الشؤون الخارجية الصينية في بكين.

[16]Sudeep Kumar,op.cit,p27

[17] ibid,p80

[18] Zhang Fengy, op.cit,p81

[19] Sudeep Kumarn, op.cit,p26

[20] Qin Yaqing, ibid, p75

[21]– على  سبيل المثال، فإن كونفوشيوس وتلميذه مينسيوس، يفحصان العلاقات بين الدول على المستوى الفردي، لأنهما “يعتقدان أن التأثير الأساسي على علاقات الدولة هو النظرة الأخلاقية للحاكم”، بينما يُعتبر Xunzi و Hanfeizi  ويجرون تحليلاتهم على مستوى الدولة لأنهم يجادلون بأن القوة النسبية للدولة مهمة للغاية. بالإضافة لذلك يمكن ملاحظة يشترك مع الواقعي Morgenthau في الطبيعة البشرية، ذلك أنه “يعتقد أن البشر أنانيون. ومن ثم لا يمكن القضاء على الصراع، إلا إذا كانت الدولة قوية يمكنها أن تدعم مصالح الدولة “.

[22] Qin Yaqing,op.cit,p76

[23] وقد يرجع ذلك أن معظم المفكريين الصينيين الذين تناول يان  تحليل أفكارهم لهم تصور مثالي، باستثناء  Hanfeizi الذي  يعتبر إلى حد ما  مادي.

[24] ibidem

[25] YONG-SOO EUN, Non-Western International Relations Theorisation: Reflexive Stocktaking, E-International Relations, see:  https://www.e-ir.org/p/non-western-international-relations

[26] Ibidem

[27] John Mersheimer, “the gathering storm: China’s challenge to U.S power in Asia”, the Chinese journal of international politics, vol.3, 2010, p 389.

[28] Randall schweller, Xiaoyu Pu, After Unipolarity :China’s Visions of International Order in an Era of U.S.Decline, International Security, Vol. 36, No. 1,Summer 2011, p42.

[29] Qin Yaqing, op. cit,p72

[30] Qin Yaqing,Iibid,p77

[31] ibidem

[32] ibid,p78

[33] Zhang Fengy,op.cit,p95

[34] ibidem

[35]-Justyna Misiągiewicz & Marcin Misiągiewicz, “China’s ‘One Belt, One Road’ Initiative: The Perspective of the European Union,” Annales Universitatis Mariae Curie-Skłodowska, sectio K-Politologia, vol. 23, no. 1 (2016), p:3.

-[36] محمد  مطأوع  طريق  الحرير  الجديد  في الاستراتيجية  الصينية   الأهداف  الكبرى،  و الوزن  الاستراتيجي  والتحديات، سياسات  عربية،  العدد 46 سبتمبر 2020،ص :29.

[37] خه يي تينغ،مرجع سابق،ص:218.

[38]  -محمد  مطاوع ،نفس  المرجع،ص:30.

[39] – محمد  مطاوع، مصدر سابق.

[40]-William A. Callahan, China’s Belt and Road Initiative and the New Eurasian Order, Norwegian Institute for International Affairs (NUPI), 2016, p3,See: https://bit.ly/3JeHRdG,Acceced At(17/11/2022).

[41]-Ibidem.

-[42] علي  صلاح، مرجع  السابق، ص :12

[43] The State Council of the People’s Republic of China. “Xi Urges Greater Efforts to Build China-Arab Community with a Shared Future.” May 30, 2024.See : https://bit.ly/4t4SZPP

[44]Yaqing Qin “A Relational Theory of World Politics.” International Studies Review, 18(1), 2016,p40

[45] Yaqing Qin, op. cit, p :44

[46] The State Council of the People’s Republic of China. “China’s Arab Policy Paper.” January 13, 2016,See : https://bit.ly/48uV8fi

[47] U.S.-China Economic and Security Review Commission. 2024 Annual Report to Congress. Washington, DC: U.S. Government Printing Office, 2024.

[48] Jon B. Alterman, The Middle East’s View of the “China Model”. Washington, DC: Center for Strategic and International Studies, 2024, pp :1-3.

[49] Mehran Kamrava,The Emerging Multi-Alignment Strategy in the Middle East. 2024, p13

[50] Zhu Feng,“China’s Vision for a Multipolar World Order.” Journal of Contemporary China 32, no. 140, 2023, p237

[51] Isaac B. Kardon and Wendy Leutert, “China’s Port Power,” Foreign Affairs, 2023, p3

Admin

مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية: مؤسسة فكر وتخطيط استراتيجي تقوم على إعداد التقديرات وتقديم الاستشارات وإدارة المشروعات البحثية حول المتوسط وتفاعلاته الإقليمية والدولية. لا يتبنى المركز أية توجهات مؤسسية حول كل القضايا محل الاهتمام، والآراء المنشورة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى