مبادرة الحزام والطريق الصينية وأثرها على إعادة تشكيل التوازنات الاقتصادية في الشرق الأوسط
د. سمير باي (جامعة الجزائر3)
د. وفاء حامدي الشريف (جامعة الجزائر3)
ملخص:
تتناول هذه الورقة مبادرة مبادرة الحزام والطريق التي أطلقتها الصين سنة 2013، باعتبارها مشروعًا استراتيجيًا يهدف إلى تعزيز الترابط الاقتصادي بين مختلف مناطق العالم، خاصة آسيا وأوروبا وإفريقيا. وتركز الدراسة على تحليل الأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية للمبادرة، من خلال إبراز دورها في تطوير البنية التحتية، وتسهيل حركة التجارة والاستثمار، وتعزيز التكامل الاقتصادي بين الدول المشاركة.
كما تسعى إلى تقييم أثر هذه المبادرة في إعادة تشكيل التوازنات الاقتصادية العالمية، في ظل صعود الصين كقوة اقتصادية فاعلة، مقابل تراجع نسبي لبعض القوى التقليدية. وتخلص الدراسة إلى أن المبادرة تمثل أداة فعالة لإعادة رسم خريطة النفوذ الاقتصادي العالمي، رغم ما يحيط بها من تحديات تتعلق بالتمويل، والديون، والاعتبارات الجيوسياسية، مما يستدعي مقاربة متوازنة من قبل الدول المشاركة لتحقيق أقصى استفادة ممكنة.
مقدمة
من منطلق مدخل جيو- بوليتيكي للاهتمام الغربي بمنطقة الشرق الأوسط، تظهر أسباب التنافس على المنطقة في كونها تحتل موقعا إستراتيجيا وحيويا محاذيا لأهم المناطق التي أصبحت محطات تنافس دولي للقوى الكبرى في العالم، خاصة بين المحورين الصينو- روسي والصهيو- أميركي منذ أكثر من عقدين من الزمن، فالأهمية الإستراتيجية اللمنطقة تبرز في كونه على تماس مباشر مع مناطق المغرب العربي وشمال إفريقيا، إقليمي البحر الأحمر والقرن الإفريقي من ناحية، ومن ناحية أخرى على تماس غير مباشر مع الخليج العربي، البحر المتوسط مرورا بالجزائر والمحيط الهندي مرورا بالقرن الإفريقي.
فقد أصبح لكل من الصين والولايات المتحدة الأميركية منذ 2007 في ظل الظروف السياسية والاقتصادية المتأزمة بالمنطقة رغبة جامحة في الانضمام للتنافس القائم، بهدف السيطرة على الموارد الخام التي أصبحت نادرة في بلدانهم[1]، وترجع الأسباب الرئيسية لهذا التنافس إلى سعي هذه القوى إلى ملء الفراغ الذي تركته القوى الاستعمارية الفرنسية والبريطانية بمناطق عديدة بالقارة، بعد تراجع نفوذها في مستعمراتها السابقة نتيجة تراجع وزنها الإستراتيجي على المستويين العالمي والإقليمي، وظهور وعي متزايد لدى شعوب وحكام المنطقة بضرورة اللحاق بأسباب التقدم العلمي والتقني والحضاري الذي يشهده العالم حاليا.
في ظل التأثيرات السلبية لتصاعد النفوذ الصيني والروسي بمنطقة الشرق الأوسط على نفوذ القوى التقليدية، والانعكاسات غير المرغوب فيها على أمن واستقرار الدول، جراء المنافسة الإستراتيجية والاقتصادية لتوطين استثمارات أجنبية مباشرة جديدة، في شكل استعمار بطرق ووسائل حديثة ومختلفة عما كانت عليه من قبل، فقد تم تصنيف المناقشات النظرية حول العلاقات الصينية- الإفريقية إلى ثلاث روايات متباينة[2]، هي:
1- تتفق وجهات النظر الواقعية على أن الصين لاعب وحيد وعقلاني يعمل على تحقيق وحماية مصالحه الذاتية الإستراتيجية والاقتصادية، ويسلط الواقعيون الضوء على مشاركة الصين في قطاعات الموارد الطبيعية للاقتصاد الشرق أوسطي كمثال عن المصلحة الذاتية.
2- أما الليبراليون فقد وضعوا تلك العلاقات في سياق الأهمية المتزايدة للصين في النظام الاقتصادي العالمي، وتحولها تدريجيا من اقتصاد مخطط مركزيا نحو اقتصاد قائم على عوامل السوق، وأن العلاقات التجارية البينية المتماسكة سوف تؤدي إلى تداعيات في مجالات أخرى من التعاون، مثل قطاعات التعليم، التبادل الثقافي والأمن.
3- ومن وجهة نظر بنائية اجتماعية فتتضمن العلاقات الصينية- شرق أوسطسة شبكة معقدة من التفاعلات التي تشمل جهات فاعلة متعددة، يتم توجيه علاقاتهم من خلال عوامل أبعد من كونها مبنية على المصلحة الذاتية لأحد الأطراف.
منذ ثمانينيات القرن الماضي تغير دور الصين عالميا في المجالات السياسية والاقتصادية من دولة نامية إلى قوة صاعدة ثم دولة كبرى على مختلف الأصعدة، لكن إحدى السمات البارزة لظهور الصين خلال العقد الثاني من القرن الحالي هي “علاقاتها الشرق أوسطية”، حيث بلغ حجم التجارة البينية أكثر من 170 مليار دولار عام 2017 مقارنة ب 765 مليون دولار سنة 1978، وتجاوزت الاستثمارات الصينية بالمنطقة عتبة ال 100 مليار دولار موازاة مع زيادة الهجرة للشعب الصيني نحو المنطقة، وزيادة تبادل الأفكار والثقافات[3].
منذ عام 2009 أصبحت الصين أكبر شريك تجاري للمنطقة، حيث أعلن الرئيس الصيني “شي جين بينغ” Xi Jinpingفي سبتمبر 2018 بناء على هذه العلاقة التجارية، أن حوالي 60 مليار دولار من المستثمرات والقروض ستقدم للمستفيدين بالمنطقة، مع ضرورة الأخذ في الاعتبار أن الشركات العسكرية والأمنية الصينية الخاصة PMSCs تتواجد غالبا بجانب المال الصيني، مع سعيها لتطوير بصمة عالمية من خلال جهودها الجيو- اقتصادية، الإستراتيجية والأمنية لإنجاح مبادرة “الحزام والطريق” BRI[4].
ونظرا لكون حاجيات الصين من الموارد الطاقوية قد تضاعفت بسبب زيادة الاستهلاك الداخلي الذي وصل سنة 2005 إلى 6.8 مليون برميل يوميا، وحسب التوقعات فقد تصل الاحتياجات من هذه المادة في آفاق 2025 إلى حوالي 08 مليون برميل، حيث تعتمد في ذلك على عشرة (10) دول إفريقية[5]، فقد تطلب الأمر البحث عن موارد جديدة بالشرق الأوسط للتموين، وبالنظر إلى علاقة الصين الإستراتيجية بإفريقيا ومخاوف الأطراف الغربية من الهيمنة، فإن المصالح الصينية بالقارة تبقى مهددة أمنيا خارج حدودها، وقد صنف كل من “وانغ دينيونغ” Wang Dunyong و”تشاو بي” Zhao Pei هذه التهديدات[6] في كونها:
أ- مخاطر خارجية: يواجهها الفاعلون الصينيون خاصة بالدول الضعيفة والهشة ذات البيئات المتضاربة في نطاق استثماراتهم، كانتشار التطرف والإرهاب والنزاعات الإثنية التي عادة ما تقع بالدول والمناطق التي تسعى الصين لتحقيق مصالحها الاقتصادية بها.
ب- مخاطر داخلية: ذات الأصل الصيني الناجمة عن المشاعر المعادية للصين بسبب ظروف العمل السيئة، الأوضاع الاقتصادية المحلية الراهنة والتدهور البيئي.
وفي إطار التنافس الاقتصادي بالعالم بين القطبين الصينو- روسي والصهيو-أميركي، أشار خطاب مستشار الأمن القومي الأميركي السابق “جون بورتون” John Borton في ديسمبر 2018، الذي حدد من خلاله إستراتيجية إدارة الرئيس الأميركي السابق “دونالد ترامب” بالشرق الأوسط، إلى أن الصين وروسيا “محركي الدمى”، مشيرا إلى العلاقة العدائية المتزايدة بين القطبين وحدة التنافس العالمي بالمنطقة[7].
منذ عام 2000 رسخت كل من الصين وروسيا مكانتهما كقوى دولية كبرى بعدما كانتا من أصحاب المصالح الهامشية، فكان توسع النفوذ الصيني مدعوما بقوتها الاقتصادية وقد تجلى أكثر في مبادرة الحزام والطريق BRI عبر الشرق الأوسط وإفريقيا، ودور بكين الرائد في تسهيل مشاريع الاتصال عبر القارتين، وعلى الرغم من أن تجارة الصين واستثماراتها بدول القارة قد عززت من التنمية الاقتصادية والاجتماعية[8]، إلا أن المخاوف بشأن تأثيراتها على القدرة التنافسية للصناعات المحلية قد ازدادت بشدة، فضلا عن التقويض النسبي لسيادة بلدان آسيا وإفريقيا جنوب الصحراء، وعلى عكس فرنسا وروسيا فقد امتنعت الصين عن الانخراط في تدخلات عسكرية موسعة بالمناطق المذكورة.
خلال السنوات الأخيرة وقعت الصين مع روسيا اتفاقية ثنائية لتزويدها بالغاز الطبيعي، وبالتالي توطيد العلاقات بين الدولتين ضد منافس تقليدي مشترك وهو الولايات المتحدة الأميركية، ومع وجود تنسيق أمني واقتصادي صينو- روسي بإفريقيا وآسيا سيهدد التواجد الأميركي ويقلص من نفوذه[9].
فما تجب الإشارة إليه هو أن التنافس الاقتصادي والإستراتيجي بالشرق الاوسط، باعتباره من أهم مناطق الصراع العالمي حاليا بين القطبين الشرقي بقيادة روسيا والصين، والغربي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية ومن يدور في فلكها من الأوربيين والصهيونية العالمية، يهدف من خلاله القطب الأول لتسهيل بناء نظام عالمي سياسي واقتصادي ومالي جديد قائم على “التعددية القطبية”، باستعمال وسيلتين أساسيتين هما: مبادرة الحزام والطريق من جهة ومشروع الطاقة المتجددة “التعدين” من جهة أخرى.
الذي تستطيع أن تثبت من خلاله الهيمنة العالمية على مصادر الطاقة الأحفورية والتحكم في مصادر مداخيل القطب الغربي، باعتباره المصدر الرئيسي للغرب من احتياجاته من المعادن الثمينة، هذا الأخير يسعى من جهته لتثبيت نظام الهيمنة الصهيو- غربية على العالم القائم منذ نهاية الحرب الباردة، من خلال العمل على توسيع مناطق النفوذ الاقتصادي والسياسي بالمنطقة، وتكثيف الزيارات والمحادثات الدبلوماسية وزيادة القوات العسكرية بها من جهة، والقيام بربط حظر سباق التسلح لدول المنطقة والحرب العالمية على الإرهاب من جهة أخرى، وذلك لعرقلة المشاريع الصينية والروسية بالدعاية المغرضة وتوسيع نطاق العمليات الإرهابية بمناطقهما الاستثمارية، وقيام الجانب الصهيوني بنشر الخوف والتوتر بالوسيلة العسكرية، من خلال القيام بأعمال عدائية بالأراضي الفلسطينية ودول الجوار الإقليمي.
وتنبع أهمية الاتجاه غير الغربي في السياسة الخارجية الصينية منذ نهاية الحرب الباردة، من سعيها لتحقيق مصلحتها في المساعدة على تشكيل تحالف القوى غير الغربية الصاعدة بالشرق الأوسط، جنوب آسيا، أميركا الجنوبية وإفريقيا، لموازنة كل من الغرب الأوربي-الأطلسي والصين الناشئة، وقد برز هذا الاتجاه أكثر خلال العقد الثاني من القرن الحالي من خلال تعميق مشاركتها بفنزويلا وإفريقيا جنوب الصحراء، واعتبار شمال إفريقيا بمثابة ملحق للجوار الأوراسي، ورغم الأهمية المتزايدة للشرق الأوسط بالنسبة للإستراتيجية الصينية، إلا أنه لا يمكنها أن تُنافَس في الأولويات بمناطق أخرى أقرب جغرافيا إليها[10].
خاتمة
إن مبادرة الحزام والطريق تمثل تحولًا استراتيجيًا في مقاربة الصين للعلاقات الاقتصادية الدولية، حيث تسعى من خلالها إلى تعزيز حضورها في الاقتصاد العالمي وإعادة تشكيل موازين القوى بما يخدم مصالحها التنموية والاستراتيجية. وقد أظهرت هذه المبادرة قدرة كبيرة على جذب العديد من الدول، لما توفره من فرص في مجالات الاستثمار والبنية التحتية والتكامل الاقتصادي. غير أن نجاح هذه المبادرة يظل مرهونًا بجملة من التحديات، من بينها المخاطر المالية، والاعتبارات الجيوسياسية، ومدى قدرة الدول المشاركة على تحقيق استفادة متوازنة منها. وعليه، فإن مبادرة الحزام والطريق ليست مجرد مشروع اقتصادي، بل هي آلية لإعادة صياغة النظام الاقتصادي العالمي، بما يفتح آفاقًا جديدة، وفي الوقت نفسه يفرض رهانات معقدة تستدعي مقاربات متوازنة وواعية من مختلف الفاعلين الدوليين.
[1] Anja fischer and Ines Kohl, Tuareg Society Within A Globalized World: Saharan Life in Transition, London: Touris Academic Studies, 2010, p 6.
[2]Nial Duggan, Competition and Compromise Among Chinese Actors in Africa, Singapore: Palgrave Macmillan, 2020, p 04.
[3] Nial Duggan, Competition and Compromise Among Chinese Actors in Africa, Singapore: Palgrave Macmillan, 2020, p p 01- 02.
[4] Christopher Spearin, “China’s Private Military and Security Companies: Chinese Muscle and The Reasons For U.S Engagement”, FEATURES. PRISM, Vol. 08, N° 04, 2020, p 41.
[5] سعيدة بن رقرق، “البعد الجيوبوليتيكي للتنافس الأمريكي- الفرنسي- الصيني في منطقة الساحل الإفريقي”، المجلة الجزائرية للأمن الإنساني، المجلد 07، العدد 01، جانفي 2022، ص ص 429- 430.
[6] Christopher Spearin, “China’s Private Military and Security Companies: Chinese Muscle and The Reasons For U.S Engagement”, FEATURES. PRISM, Vol. 08, N° 04, 2020, p 42.
[7] Elizabeth Sidiropoulos and Chris Alden, “Russia in Africa- Post Soviet Re- engagement”, Report Summitry, Geopolitics and Resources, South African Institute of International Affairs, 2019, p 10.
[8] Samuel Ramani, “Russia and China in Africa: Prospective Partners or Asymmetric Rivals?”, Report Summitry, Geopolitics and Resources, South African Institute of International Affairs, 2021, p 02.
[9] حسان صادق حاجم، التنافس الأمريكي- الصيني على الطاقة في إفريقيا، برلين: المركز الديمقراطي العربي للدراسات الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية، 2020، ص 114.
[10] Elizabeth Sidiropoulos and Chris Alden, “Russia in Africa- Post Soviet Re- engagement”, Report Summitry, Geopolitics and Resources, South African Institute of International Affairs, 2019, p 07.




