دور الإعلام الناطق باللغة العربية في تعزيز القوة الناعمة للصين في الشرق الأوسط
عادل البرينصي
إعلامي وباحث في سوسيولوجيا الاتصال، جامعة تونس، تونس
ملخص:
يهدف هذا البحث إلى تحليل دور الإعلام الصيني الناطق باللغة العربية في تعزيز القوة الناعمة لجمهورية الصين الشعبية داخل منطقة الشرق الأوسط، وذلك في سياق التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى على النفوذ في المجالات الاقتصادية والسياسية والرمزية.
وينطلق البحث من فرضية مفادها أنّ الإعلام الموجّه للخارج يمثل أداة مركزية في الاستراتيجية الصينية، حيث لا يقتصر دوره على نقل المعلومات، بل يسهم في بناء صورة ذهنية إيجابية عن الصين، وترويج نموذجها التنموي، ودعم حضورها في الفضاء الإقليمي.
وقد اعتمدت الدراسة مقاربة تحليلية تجمع بين الإطار النظري المرتبط بمفهوم القوة الناعمة، وتحليل الخطاب الإعلامي، مع الاستناد إلى نماذج تطبيقية من منصات إعلامية صينية ناطقة بالعربية. وتوصل البحث إلى أنّ هذا الإعلام يساهم في دعم التعاون الصيني–الشرق أوسطي عبر خطاب يقوم على مفاهيم الشراكة والتنمية وعدم التدخل، غير أنّ تأثيره يظل محدودًا بفعل تحديات بنيوية، من أبرزها ضعف التوطين الثقافي، ومحدودية التفاعل، وغياب الاعتماد الكافي على الكفاءات الإعلامية العربية.
ويخلص البحث إلى أنّ مستقبل هذا الإعلام يظل مرتبطًا بقدرته على التكيف مع التحولات الإقليمية، وتعزيز حضوره الرقمي، وتطوير أدواته الاتصالية بما يضمن انتقاله من مستوى الحضور إلى مستوى التأثير الفعلي.
الكلمات المفتاحية: القوة الناعمة، الإعلام الصيني، الشرق الأوسط، الدبلوماسية الإعلامية، الصورة الذهنية، التعاون الدولي.
المقدمة:
شهد النظام الدولي، منذ نهاية الحرب الباردة، تحولات عميقة لم تقتصر على إعادة توزيع موازين القوة بين الفاعلين الدوليين، بل شملت أيضًا تحوّلًا نوعيًا في أدوات التأثير وآلياته. فإلى جانب القوة العسكرية والاقتصادية، برزت أشكال جديدة من النفوذ تقوم على الجاذبية والإقناع وبناء الصورة الذهنية، وهو ما اصطلح على تسميته بـ”القوة الناعمة”. وقد أضحت هذه الأخيرة عنصرًا محوريًا في استراتيجيات الدول الساعية إلى توسيع حضورها الدولي بأقل كلفة ممكنة، خاصة في سياق عولمة الاتصال وتنامي دور الفضاءات الإعلامية والرقمية.
في هذا السياق، تبرز الصين بوصفها قوة صاعدة أعادت صياغة أدوات حضورها الخارجي، ليس فقط عبر التوسع الاقتصادي أو الدبلوماسي، بل أيضًا من خلال الاستثمار المتزايد في المجال الإعلامي بوصفه رافعة استراتيجية لإدارة صورتها الدولية. فقد أدركت الصين، في ظل ما يُعرف بـ”فجوة السرديات”، أنّ صعودها المادي لا يوازيه بالضرورة صعود رمزي، الأمر الذي دفعها إلى تطوير منظومة إعلامية موجهة للخارج، متعددة اللغات، تستهدف إعادة تقديم الصين للعالم وفق رؤية تتجاوز التمثلات السائدة في الإعلام الغربي.
ويُعدّ الإعلام الصيني الناطق باللغة العربية أحد أبرز تجليات هذا التوجه، حيث يأتي في سياق اهتمام متزايد بمنطقة الشرق الأوسط، باعتبارها فضاءً استراتيجيًا يتقاطع فيه البعد الطاقي مع الاعتبارات الجيوسياسية، إلى جانب كونه مجالًا خصبًا للتنافس الدولي على مستوى النفوذ الرمزي. ومن ثمّ، لم يعد هذا الإعلام مجرد وسيلة للتعريف بالصين، بل أصبح أداة ضمن منظومة أوسع تهدف إلى تعزيز الشراكات، وتدعيم الحضور الصيني، وبناء صورة إيجابية لدى الجمهور العربي.
انطلاقًا من ذلك، يسعى هذا البحث إلى تحليل دور الإعلام الصيني الناطق باللغة العربية في بناء القوة الناعمة الصينية في الشرق الأوسط، من خلال تفكيك خطابه، ورصد وظائفه، وتقييم حدود تأثيره في المجال العام العربي. وتتمحور إشكالية الدراسة حول التساؤل التالي: إلى أي مدى ينجح هذا الإعلام في أداء وظيفة استراتيجية تتجاوز التعريف إلى التأثير، وتسهم في دعم التوجهات الصينية في المنطقة؟
كما يندرج هذا البحث ضمن إطار نظري مركب يستند أساسًا إلى مقاربة القوة الناعمة كما صاغها جوزيف ناي، مع توسيعها لتشمل خصوصيات التوظيف الصيني لهذا المفهوم، إضافة إلى الاستفادة من نظريات التمثيل الإعلامي التي تُعنى بكيفية بناء الصور الذهنية وإنتاج المعاني داخل الخطاب، فضلًا عن مقاربات الاتصال الدولي والدبلوماسية العامة التي تتيح فهم دور الإعلام في إدارة العلاقات بين الدول خارج القنوات الرسمية التقليدية. ويسمح هذا التداخل النظري بمقاربة الظاهرة المدروسة في بعدها المركب، الذي يجمع بين الإعلام والسياسة والثقافة.
أما على المستوى المنهجي، فيعتمد البحث على منهج وصفي، يهدف إلى رصد تطور الإعلام الصيني الناطق باللغة العربية، وتحليل بنيته الخطابية ووظائفه ضمن السياق الأوسع للسياسة الخارجية الصينية. كما يستند إلى تحليل نوعي لعينة من المضامين الإعلامية الصادرة عن منصات صينية ناطقة بالعربية، مع توظيف المقارنة الضمنية مع نماذج إعلامية دولية أخرى في المنطقة، وذلك بهدف تقييم خصوصية الخطاب الصيني وحدود تأثيره. ولا يدّعي هذا البحث الإحاطة الشاملة بجميع أشكال هذا الإعلام، بل يسعى إلى تقديم قراءة تحليلية نموذجية تكشف عن أبرز اتجاهاته وخصائصه.
وتتوزع هذه الدراسة على مجموعة من المحاور المترابطة، تبدأ ببيان نشأة وتطور الإعلام الصيني الناطق باللغة العربية، ثم تحليل خطابه الموجه للشرق الأوسط، قبل الانتقال إلى دراسة أدواره في تعزيز التعاون الصيني–الشرق أوسطي، وصولًا إلى مناقشة حدود تأثيره والتحديات البنيوية التي يواجهها، لتنتهي بخاتمة تستشرف آفاق تطوره في ظل التحولات الدولية الراهنة.
أولًا: المدخل النظري:
شهدت العلاقات الدولية خلال العقود الأخيرة تحوّلًا نوعيًا في طبيعة أدوات التأثير بين الدول، حيث لم يعد النفوذ يُقاس فقط بالقدرات العسكرية أو الاقتصادية، بل أصبح يرتبط أيضًا بالقدرة على التأثير في القيم والتصورات وبناء الجاذبية الرمزية. وفي هذا السياق، برز مفهوم “القوة الناعمة” باعتباره إطارًا نظريًا مفسرًا لأنماط جديدة من الفعل الدولي، يقوم على التأثير غير المباشر من خلال الثقافة، والقيم، والسياسات العامة، وأدوات الاتصال([1]).
وفي ضوء هذا التحول، اتجهت جمهورية الصين الشعبية إلى إعادة صياغة مقاربتها للسياسة الخارجية، بحيث لم تعد تكتفي بالتمدد الاقتصادي، بل عملت على تطوير أدوات موازية تسعى إلى تحسين صورتها الدولية وتعزيز حضورها الرمزي، خاصة في المناطق ذات الأهمية الجيوستراتيجية مثل الشرق الأوسط، ويُعدّ الإعلام، في هذا الإطار، أحد أهم الوسائط التي تعتمد عليها الصين في بناء نفوذها الناعم، من خلال إنتاج خطاب موجّه يعكس رؤيتها للعالم ويعيد تشكيل تمثلاتها لدى الآخر.
ويستند هذا التوجه إلى ما يمكن تسميته بـ”الدبلوماسية الإعلامية”، التي تمثل امتدادًا للدبلوماسية التقليدية، لكنها تعمل عبر الفضاء الرمزي، مستفيدة من تطور وسائل الاتصال وتزايد دور الإعلام في تشكيل الرأي العام العالمي. فالإعلام لم يعد مجرد ناقل للأحداث، بل أصبح فاعلًا استراتيجيًا يساهم في بناء المعاني وتوجيه الإدراكات، وهو ما أدركته الصين مبكرًا، فسعت إلى توظيفه ضمن رؤية شاملة لتعزيز موقعها في النظام الدولي([2]).
وفي هذا السياق، يندرج الإعلام الصيني الناطق باللغة العربية ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى مخاطبة الجمهور العربي بلغته، والتفاعل مع قضاياه، وتقديم سردية بديلة تقوم على مفاهيم الشراكة والتنمية وعدم التدخل. ويعكس هذا التوجه انتقال الصين من موقع الفاعل الاقتصادي الصامت إلى فاعل يسعى إلى التأثير في المجال العام الدولي، عبر أدوات ناعمة تتقاطع فيها السياسة بالإعلام والثقافة.
كما يتقاطع هذا التحليل مع مقاربات نظرية في علم الاجتماع السياسي والاتصال، خاصة تلك المرتبطة بـ”بناء الصورة الذهنية” و”إدارة الإدراك”، حيث تسعى الدول إلى تشكيل تمثلات إيجابية عنها لدى الشعوب الأخرى، بما يخدم مصالحها الاستراتيجية. وفي هذا الإطار، يمكن فهم الإعلام الصيني الناطق بالعربية بوصفه أداة لإعادة إنتاج صورة الصين كقوة مسؤولة، وشريك تنموي، وفاعل غير مهيمن، وهو ما يعزز قدرتها على التمدد في بيئة دولية تنافسية[3].
ثانيًا: نشأة وتطور الإعلام الصيني الناطق باللغة العربية
يرتبط تطور الإعلام الصيني الناطق باللغة العربية بالسياق العام لتحولات السياسة الخارجية الصينية، خاصة منذ بداية الألفية الثالثة، حيث انتقلت جمهورية الصين الشعبية من مقاربة تقوم على الحضور الاقتصادي المحدود إلى استراتيجية أكثر شمولًا تسعى إلى تعزيز حضورها الدولي عبر أدوات متعددة، من بينها الإعلام الموجّه للخارج.
وتعود البدايات الأولى لهذا التوجه إلى إطلاق خدمات إذاعية موجهة باللغة العربية ضمن إذاعة الصين الدولية، التي سعت منذ عقود إلى مخاطبة الجمهور العربي عبر محتوى إخباري وثقافي يعكس الرؤية الصينية للعالم. غير أنّ التحول النوعي في هذا المجال برز مع إعادة هيكلة الإعلام الخارجي الصيني، خاصة بعد سنة 2008، حيث تم الاستثمار بشكل مكثف في تطوير منصات إعلامية متعددة اللغات، ضمن ما يُعرف باستراتيجية “الخروج الإعلامي”.
وفي هذا الإطار، تم إطلاق منصات إعلامية أكثر حداثة وتأثيرًا، من أبرزها CGTN العربية، التي تمثل الذراع التلفزيونية الدولية للصين، وتعمل على تقديم محتوى إخباري وتحليلي موجه للجمهور العربي، مع التركيز على القضايا الإقليمية والدولية من منظور صيني. وقد تميزت هذه المنصة بتوسيع حضورها الرقمي، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بما يعكس إدراكًا لأهمية الفضاء الرقمي في تشكيل الرأي العام.
ويعكس هذا التطور انتقال الإعلام الصيني الناطق بالعربية من مرحلة “التعريف الثقافي” إلى مرحلة “التأثير الاستراتيجي”، حيث لم يعد الهدف مقتصرًا على تقديم صورة عامة عن الصين، بل أصبح يتجه نحو بناء سردية إعلامية متماسكة وتعزيز الثقة في النموذج الصيني ودعم المصالح الاقتصادية والسياسية للصين في المنطقة.
كما شهدت هذه المرحلة تنويعًا في أدوات الاتصال، حيث لم يعد الإعلام الصيني يعتمد فقط على القنوات التقليدية، بل توسع ليشمل المنصات الرقمية والمحتوى التفاعلي والشراكات الإعلامية مع مؤسسات عربية.
وفي هذا السياق، تشير عدد من الدراسات إلى أنّ هذا التوسع الإعلامي يرتبط بشكل وثيق بمبادرات كبرى مثل “الحزام والطريق”، حيث يُستخدم الإعلام كأداة مرافقة لتهيئة البيئة الرمزية اللازمة لإنجاح هذه المشاريع، من خلال الترويج لخطاب التعاون والتنمية المشتركة([4]).
ورغم هذا التطور الكمي والنوعي، فإنّ الإعلام الصيني الناطق بالعربية لا يزال في طور التبلور، حيث يواجه تحديات تتعلق بمدى قدرته على التكيف مع الخصوصيات الثقافية والإعلامية للمنطقة العربية، وهو ما يطرح إشكاليات مرتبطة بالتوطين الإعلامي، ودرجة التفاعل مع الجمهور، ومدى القدرة على المنافسة في بيئة إعلامية متعددة الفاعلين([5]).
ويعكس مسار تطور الإعلام الصيني الناطق باللغة العربية تحوّلًا أعمق في طبيعة الحضور الصيني في الشرق الأوسط، من حضور اقتصادي إلى حضور مركب يجمع بين الاقتصاد والسياسة والإعلام، ضمن رؤية استراتيجية تسعى إلى إعادة تشكيل موقع الصين في النظام الدولي([6]).
ثالثًا: الإعلام الصيني الناطق بالعربية وتعزيز التعاون الصيني–الشرق أوسطي
1-الاعلام أداة مرافقة للسياسات الاستراتيجية:
يمثل الإعلام الصيني الناطق باللغة العربية أحد أهم الأدوات التي تعتمدها جمهورية الصين الشعبية في مرافقة حضورها المتنامي في منطقة الشرق الأوسط، حيث لا يقتصر دوره على نقل المعلومات، بل يتجاوز ذلك ليصبح فاعلًا في تهيئة البيئة الرمزية الداعمة للتعاون الاقتصادي والسياسي والثقافي بين الصين ودول المنطقة.
ويرتبط تطور هذا الإعلام بشكل وثيق بالتحولات التي شهدتها الاستراتيجية الصينية، خاصة مع إطلاق مبادرات كبرى مثل “الحزام والطريق”، والتي تتطلب، إلى جانب البعد الاقتصادي، بنية تواصلية وإعلامية قادرة على تعزيز الثقة وبناء صورة إيجابية عن الصين كشريك تنموي. ويبرز هنا دور الإعلام في تقديم هذه المبادرات باعتبارها مشاريع للتنمية المشتركة، تقوم على مبدأ “المنفعة المتبادلة”([7]).
وقد أكدت الأدبيات الصينية الرسمية على أهمية هذا الدور، حيث تم التشديد على ضرورة تطوير أدوات الاتصال الخارجي بما يعكس “صورة الصين الحقيقية”، ويعزز قدرتها على التأثير في الرأي العام الدولي ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا بأنّ النفوذ لا يُبنى فقط عبر المصالح المادية، بل أيضًا عبر إدارة التصورات والتمثلات([8]).
2- الإعلام كأداة لدعم التعاون الاقتصادي
يُلاحظ أنّ التغطيات الإعلامية الصينية الموجهة للعالم العربي، خاصة عبر منصات مثل CGTN العربية، تركز بشكل واضح على المشاريع الاستثمارية وتطوير البنية التحتية والتعاون في مجالات الطاقة والتكنولوجيا، وتُقدَّم هذه المشاريع ضمن سردية تقوم على إبراز أثرها الإيجابي في التنمية المحلية، وهو ما يسهم في تعزيز القبول الشعبي للتعاون مع الصين. كما يتم توظيف قصص النجاح والنماذج التطبيقية لإضفاء طابع واقعي على هذا الخطاب، بما يعزز مصداقيته لدى الجمهور([9]).
3– الإعلام كرافد للدبلوماسية العامة
يتجاوز دور الإعلام الصيني البعد الاقتصادي ليشمل دعم ما يُعرف بـ”الدبلوماسية العامة”، حيث يتم نقل المواقف الرسمية للصين تجاه القضايا الإقليمية وإبراز خطاب الحياد وعدم التدخل وتقديم الصين كفاعل يسعى إلى الاستقرار، حيث يسهم الإعلام في إعادة تشكيل إدراك الجمهور العربي للصين، من خلال تقديمها كبديل عن النماذج التقليدية للقوى الكبرى، وهو ما يعزز فرص التعاون السياسي، خاصة في بيئات تتسم بالحساسية تجاه التدخل الخارجي([10]).
4- البعد الثقافي وبناء جسور التفاهم
يلعب الإعلام الصيني دورًا مهمًا في تعزيز التعاون الثقافي، من خلال التعريف بالثقافة الصينية والترويج للتبادل الأكاديمي وإبراز نقاط التقاطع الحضاري مع العالم العربي، ويُسهم هذا البعد في بناء ما يمكن تسميته بـ”القرب الرمزي”، الذي يُعدّ شرطًا أساسيًا لتطوير علاقات مستدامة، إذ لا يمكن للتعاون الاقتصادي أن يستمر دون حدّ أدنى من الفهم المتبادل والثقة الثقافية([11]).
5- حدود الدور الإعلامي في تعزيز التعاون
رغم هذه الأدوار، يظل تأثير الإعلام الصيني في تعزيز التعاون محدودًا نسبيًا، حيث يبقى عاملًا داعمًا وليس حاسمًا. فالتعاون الصيني–الشرق أوسطي تحدده بالأساس المصالح الاقتصادية والتوازنات الجيوسياسية والسياسات الرسمية للدول، غير أنّ الإعلام يسهم في تسهيل هذا التعاون عبر تحسين الصورة الذهنية تقليل التوجّس وتعزيز القبول المجتمعي، وترتفع فعالية الإعلام الصيني في المجالات ذات الطابع التنموي، بينما تظل أقل تأثيرًا في القضايا السياسية الحساسة، وهو ما يعكس حدود القوة الناعمة في بيئة دولية معقدة.
6- الإعلام ضمن شبكة نفوذ متعددة المستويات
يندرج الإعلام الصيني الناطق بالعربية ضمن مقاربة شمولية تجمع بين الاقتصاد (الاستثمار والتنمية)، السياسة (الدبلوماسية والشراكات)، والثقافة (التبادل والتأثير الرمزي)، ولا يمكن فهم دوره بمعزل عن هذه الأبعاد، إذ يسهم في تعزيز الترابط بينها، عبر إنتاج خطاب يقدّم العلاقة بين الصين ودول الشرق الأوسط بوصفها علاقة شراكة متكاملة، قائمة على المصالح المشتركة والتنمية المتبادلة.
كما يمثل الإعلام الصيني الناطق باللغة العربية أداة مرافقة وفاعلة في تعزيز التعاون الصيني–الشرق أوسطي، حيث يسهم في بناء صورة إيجابية عن الصين، ودعم مشاريعها الاقتصادية، وتعزيز حضورها الدبلوماسي والثقافي. غير أنّ هذا الدور يظل مرتبطًا ببنية أوسع من المحددات، ما يجعله جزءًا من منظومة متكاملة للنفوذ، وليس عنصرًا مستقلًا عنها.
رابعًا: تحليل الخطاب الإعلامي الصيني الموجّه للشرق الأوسط
1- محددات الخطاب الإعلامي الصيني الخارجي
يندرج الخطاب الإعلامي الصيني الموجّه للخارج ضمن رؤية استراتيجية أوسع تهدف إلى ما تصفه الأدبيات الرسمية الصينية بـ”تحسين القدرة على السرد الدولي”، أي تقديم رواية صينية للعالم تعكس مصالحها وتصوراتها للنظام الدولي. ولا يُنتج الخطاب الإعلامي بشكل عفوي، بل يتشكل ضمن إطار مؤسسي منسجم مع التوجهات الكبرى للسياسة الخارجية الصينية. كما لا يقتصر الأمر على نقل الأخبار، بل يتعلّق بإنتاج سرديات ومعانٍ تسهم في تشكيل إدراك الجمهور العربي للصين ولموقعها في النظام الدولي.
2- السمات العامة للخطاب الموجّه للعالم العربي
يمثّل تحليل الخطاب الإعلامي الصيني الناطق باللغة العربية مدخلًا أساسيًا لفهم طبيعة الأدوار التي يؤديها هذا الإعلام في إطار القوة الناعمة، وفي هذا السياق، تكشف دراسة محتوى المواد المنشورة عبر منصات مثل CGTN العربية عن مجموعة من السمات الخطابية المميزة، والمتكررة يمكن إجمالها في مايلي:
(أ) هيمنة خطاب الشراكة والتنمية: حيث يتم التركيز على التعاون الاقتصادي، ومشاريع البنية التحتية، ومبادرات التنمية المشتركة، مع إبراز الصين كشريك يعتمد منطق “الربح المتبادل” ويتم تقديم الصين بوصفها فاعلًا اقتصاديًا يسعى إلى تحقيق التنمية دون فرض شروط سياسية، وهو ما يميّز خطابها عن الخطابات الغربية التقليدية. وتُبرز التغطيات الإعلامية المشاريع المرتبطة بمبادرة “الحزام والطريق”، مع التركيز على أثرها الإيجابي في البنية التحتية والاقتصاد المحلي في الدول العربية([12]).
(ب) تأكيد مبدأ عدم التدخل وخطاب الحياد: يُستثمر هذا المبدأ بشكل مكثف في الخطاب الموجّه للمنطقة، خاصة في ظل تاريخها مع التدخلات الخارجية، وهو ما يمنح الخطاب الصيني جاذبية نسبية لدى بعض الفاعلين. من السمات البارزة أيضًا اعتماد خطاب يقوم على احترام السيادة الوطنية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والدعوة إلى الحلول السلمية للنزاعات. ويظهر هذا التوجه بوضوح في معالجة القضايا الإقليمية، حيث تتجنب المنصات الصينية اتخاذ مواقف حادة، وتُفضّل تقديم نفسها كطرف متوازن يمكنه لعب دور الوسيط. ويعزز هذا الخطاب صورة الصين باعتبارها “قوة مسؤولة” في مقابل القوى المتدخلة عسكريًا.
(ج) تجنّب الاستقطاب السياسي، حيث يتسم الخطاب بنبرة هادئة وغير تصادمية، مع الابتعاد عن تبني مواقف حادة في القضايا الخلافية، والتركيز بدلًا من ذلك على الحلول الدبلوماسية، وتقديم الصين كنموذج تنموي بديل، دون الدخول في مواجهة مباشرة مع النماذج الغربية، بل عبر إبراز الخصوصية الصينية ونجاحها الاقتصادي.
(د) بناء الصورة الذهنية الإيجابية: يسعى الإعلام الصيني إلى بناء صورة ذهنية إيجابية عن الصين عبر إبراز التقدم التكنولوجي وتسليط الضوء على النجاحات الاقتصادية وتقديم النموذج الصيني كبديل تنموي، وفي هذا الإطار، تُظهر بعض الدراسات التحليلية، مثل دراسة Draissi، أنّ الخطاب الإعلامي الصيني في الفضاء المغاربي يميل إلى الانتقائية الإيجابية، حيث يتم التركيز على النجاحات وتهميش الجوانب الإشكالية، وهو ما يعكس طبيعة هذا الإعلام كأداة ضمن استراتيجية القوة الناعمة([13]).
(ه) يتميّز الخطاب الإعلامي الصيني بـلغة هادئة وغير تصادمية واعتماد مصادر رسمية بشكل كبير وضعف التعددية في الآراء، كما أنّ جزءًا من المحتوى يبدو أقرب إلى “الترجمة” منه إلى الإنتاج المحلي، وهو ما قد يؤثر على درجة التفاعل مع الجمهور العربي، لكن رغم تماسك هذا الخطاب، فإنّ تأثيره الفعلي يظل مرتبطًا بمدى تقبّل الجمهور العربي لهذه السردية وقدرته على المنافسة مع وسائل إعلام أخرى ونجاحه في تحقيق القرب الثقافي، وهو ما يجعل تحليل الخطاب خطوة ضرورية لكنها غير كافية لفهم التأثير، إذ ينبغي ربطها بدراسة التلقي والتفاعل.
3- نماذج من المنصات الإعلامية الصينية الناطقة بالعربية
يمكن رصد حضور الخطاب الصيني من خلال عدد من المنصات الإعلامية البارزة، من بينها:
(أ) قناةCGTN العربية: التي تقدم نشرات إخبارية وبرامج تحليلية موجهة للجمهور العربي، مع تركيز على القضايا الدولية من منظور صيني.
(ب) وكالة شينغوا العربية: التي تُعدّ المصدر الإخباري الرسمي، وتغطي مختلف الأنشطة السياسية والاقتصادية للصين في المنطقة.
(ج) إذاعة الصين الدولية (CRI) باللغة العربية: التي تمثل الامتداد التاريخي للإعلام الصيني العربي، مع محتوى يمزج بين الإخباري والثقافي.
وتعكس هذه المنصات، رغم اختلاف أشكالها، وحدة في التوجه الخطابي، حيث تتقاطع في الرسائل الأساسية المرتبطة بصورة الصين ودورها الدولي.
ويمكن توضيح خصائص الخطاب الصيني من خلال مثال تحليلي يتعلق بتغطية وسائل الإعلام الصينية لموضوعالتعاون الصيني–العربي في إطار مبادرات التنمية، في هذا السياق، تُظهر مضامين منصات مثل CGTN العربية أو شينغوا العربية تركيزًا واضحًا على إبراز حجم الاستثمارات الصينية في البنية التحتية وتقديم هذه المشاريع كرافعة للتنمية المحلية والتأكيد على الطابع غير المشروط للتعاون الصيني.
غير أنّ هذه التغطيات تميل غالبًا إلى التركيز على الجوانب الإيجابية دون التطرق إلى الإشكالات المحتملة وغياب الأصوات النقدية أو وجهات النظر البديلة وتقديم الخطاب في صيغة تقريرية أكثر منها تحليلية، ويكشف هذا المثال عن طبيعة الخطاب الصيني بوصفه خطابًا توضيحيًا–ترويجيًا أكثر من كونه خطابًا جدليًا أو نقديًا، وهو ما يؤثر في مستوى تفاعله مع الجمهور.
ورغم ما يتميز به الخطاب الإعلامي الصيني من انسجام ووضوح، فإنّ فعاليته تظل مرتبطة بقدرته على الانتقال من مستوى عرض الرسالة إلى مستوى إنتاج المعنى داخل المجال العام. فالتأثير لا يتحقق فقط عبر نقل المعلومات، بل عبر التفاعل معها وإعادة تأويلها من قبل الجمهور، وإذا كان الخطاب الصيني الموجّه للعالم العربي نجح في تقديم صورة متماسكة عن الصين، لكنه يواجه صعوبات في إثارة نقاشات واسعة أو اختراق البنى العميقة للرأي العام، ويرتبط ذلك، في جانب منه، بطبيعة الخطاب ذاته، الذي يميل إلى الحذر والضبط، أكثر من الانفتاح والتعدد.
خامسا: حدود التأثير والتحديات البنيوية للإعلام الصيني في الشرق الأوسط
رغم التطور الملحوظ في حضور الإعلام الصيني الناطق باللغة العربية، فإنّ قدرته على تحقيق تأثير عميق في المجال العام العربي تظل محدودة نسبيًا، وذلك بفعل مجموعة من التحديات البنيوية التي تتجاوز الجوانب التقنية لتشمل أبعادًا ثقافية واتصالية ومؤسساتية.
1-إكراهات البيئة الإعلامية التنافسية
يعمل الإعلام الصيني الناطق باللغة العربية في سياق إعلامي إقليمي ودولي شديد التعقيد، يتسم بتعدد الفاعلين وتداخل الأجندات. فالمنطقة العربية تُعدّ من أكثر الفضاءات انفتاحًا على وسائل الإعلام الدولية، حيث تتنافس قوى كبرى على التأثير في الرأي العام عبر منصات متعددة، تقليدية ورقمية.
في هذا الإطار، يجد الإعلام الصيني نفسه في مواجهة: وسائل إعلام غربية ذات حضور تاريخي وتأثير متراكم،
وسائل إعلام عربية محلية أكثر التصاقًا بالسياق الثقافي والاجتماعي، منصات رقمية عابرة للحدود تعيد تشكيل أنماط التلقي والتفاعل، ويجعل هذا التعدد من عملية بناء النفوذ الإعلامي مسارًا تراكميًا طويل الأمد، يتطلب أكثر من مجرد الحضور الكمي.
2- إشكالية المصداقية وحدود الثقة
يرتبط الإعلام الصيني، في نظر قطاع من الجمهور، بالبنية الرسمية للدولة، وهو ما يؤثر على مستوى الثقة في مضامينه، خاصة في القضايا السياسية الحساسة. ويعزز ذلك اعتماد خطاب يتسم بالحذر والانتقائية، مما يحدّ من قدرته على منافسة وسائل إعلام أكثر تنوعًا من حيث الآراء والزوايا التحليلية، وتُعدّ المصداقية أحد أهم شروط التأثير الإعلامي، وهي تمثل تحديًا مركزيًا للإعلام الصيني الموجّه للخارج. فارتباط هذا الإعلام بالبنية الرسمية للدولة ينعكس على إدراك الجمهور له، حيث يُنظر إليه غالبًا بوصفه اعلاما رسميا وموجها ومحدود التعددية في الآراء.
ويظهر هذا التحدي بشكل أوضح في القضايا السياسية الحساسة، حيث يميل الجمهور إلى الاعتماد على مصادر متعددة للمعلومة، وهو ما يحدّ من قدرة الإعلام الصيني على أن يكون مصدرًا مرجعيًا مستقلًا، ورغم ذلك، يحقق هذا الإعلام مستويات قبول أفضل في المجالات الاقتصادية والتنموية والتقنية، حيث تكون درجة الحساسية السياسية أقل، ويكون الخطاب الصيني أكثر إقناعًا.
3- التحديات الثقافية والتواصلية
تُعدّ مسألة التوطين من أبرز التحديات التي تواجه الإعلام الصيني الناطق بالعربية، حيث يظل جزء من محتواه أقرب إلى الترجمة أو إعادة الصياغة، دون اندماج عميق في السياق الثقافي والاجتماعي العربي، وبالرغم من اعتماد اللغة العربية، فإنّ الإعلام الصيني يواجه تحديات مرتبطة بـاختلاف المرجعيات الثقافية، تباين أنماط التفكير الإعلامي، محدودية التوطين الثقافي للمحتوى.
وتظهر هذه التحديات في بعض الصيغ التعبيرية التي تبدو أقرب إلى الترجمة منها إلى الإنتاج المحلي، ضعف إدماج القضايا اليومية للمجتمعات العربية، محدودية الحضور التفاعلي لفاعلين محليين داخل المحتوى الإعلامي، كما أنّ محدودية إشراك الصحافيين والباحثين العرب في صناعة القرار التحريري تؤثر على درجة القرب من الجمهور، وتحدّ من قدرة الخطاب على اكتساب طابع محلي، ويعتبر ضعف الاعتماد على طاقات بشرية عربية في إنتاج المحتوى وصياغة الخطاب، سواء على مستوى التحرير أو التقديم أو التحليل، عاملًا حاسمًا ومعطى يؤثر على درجة القرب من الجمهور و في فهم الخصوصيات المحلية و ايضا، في القدرة على بناء خطاب تفاعلي وذي مصداقية.
وتظهر أهمية هذا العامل عند مقارنته بتجارب إعلامية دولية أخرى ناطقة بالعربية، مثل روسيا اليوم وفرانس 24، حيث تعتمد هذه المنصات بشكل كبير على كوادر إعلامية عربية، وهو ما ساهم في تعزيز انتشارها ومصداقيتها داخل الفضاء الإعلامي العربي. كما أنّ هذا التوجه لم يقتصر على الإعلام الغربي، بل اعتمدته أيضًا قنوات إقليمية ناطقة بالعربية، بما في ذلك المنصات التركية والإيرانية، التي أدركت أهمية “الانتماء الثقافي” في بناء التأثير الإعلامي.
وفي هذا السياق، يمكن القول إنّ غياب هذا البعد أو محدوديته في الإعلام الصيني يضعف من قدرته على تحقيق الاندماج الرمزي داخل المجال الإعلامي العربي، رغم توفر الإمكانيات التقنية والمؤسساتية .
4- حدود النموذج الاتصالي المعتمد
رغم انتقال الإعلام الصيني إلى الفضاء الرقمي، فإنّ جزءًا مهمًا من ممارساته لا يزال قائمًا على نموذج الاتصال الأحادي الاتجاه، الذي يركّز على بث الرسائل، وتقديم الرواية الرسمية، وتقليل هامش التفاعل.
وفي المقابل، تقوم البيئة الإعلامية المعاصرة على التفاعلية، وإنتاج المستخدمين للمحتوى، والنقاش المفتوح، ويؤدي هذا التباين إلى تقليص قدرة الإعلام الصيني على الاندماج الكامل في المجال الرقمي العربي، حيث يُنظر إلى التفاعل بوصفه عنصرًا أساسيًا في بناء التأثير.
كما يواجه الإعلام الصيني معادلة دقيقة تتمثل في الالتزام بالخطاب الرسمي للدولة، والحاجة إلى إنتاج محتوى جذاب ومنافس، وفي كثير من الحالات، يؤدي تغليب الطابع الرسمي إلى ضعف الجرأة في الطرح، وغياب التعددية، ومحدودية التنوع في الأساليب السردية، ويؤثر ذلك بشكل خاص على فئات الشباب، التي تميل إلى استهلاك محتوى أكثر ديناميكية ونقدية، وتفاعلية.
وتكشف هذه التحديات أنّ الإعلام الصيني الناطق باللغة العربية، رغم تطوره، لا يزال في طور البحث عن نموذج تواصلي أكثر تكيفًا مع البيئة العربية، خاصة فيما يتعلق بالتوطين الثقافي، وتعزيز التفاعل، وبناء الثقة. ويُعدّ إدماج الكفاءات الإعلامية العربية أحد المسارات الممكنة لتجاوز هذه الحدود، بما يعزز من فعاليته كأداة للقوة الناعمة في المنطقة.
خاتمة
يُظهر هذا البحث أنّ الإعلام الصيني الناطق باللغة العربية يشكّل أحد أبرز أدوات القوة الناعمة التي توظفها جمهورية الصين الشعبية في سياق سعيها إلى تعزيز حضورها في منطقة الشرق الأوسط، حيث لم يعد دور هذا الإعلام مقتصرًا على نقل الأخبار أو التعريف بالثقافة الصينية، بل أصبح جزءًا من استراتيجية متكاملة تهدف إلى بناء نفوذ رمزي موازٍ للنفوذ الاقتصادي والسياسي.
وقد بيّن التحليل أنّ هذا الإعلام يساهم في دعم التعاون الصيني–الشرق أوسطي عبر إنتاج خطاب يقوم على مفاهيم الشراكة والتنمية وعدم التدخل، ويعمل على تعزيز صورة الصين كشريك موثوق وفاعل غير مهيمن. كما يواكب المشاريع الاقتصادية الكبرى، ويؤدي دورًا مكمّلًا للدبلوماسية الصينية، خاصة في البيئات التي تتسم بحساسية تجاه التدخلات الخارجية.
غير أنّ هذا الدور، رغم أهميته، يظل محدود الفاعلية من حيث التأثير العميق، حيث تكشف الدراسة عن جملة من التحديات البنيوية، من أبرزها ضعف التوطين الثقافي، ومحدودية التفاعل الإعلامي، وغياب الاعتماد الكافي على الكفاءات العربية، إضافة إلى التوتر بين الخطاب الرسمي ومتطلبات الجاذبية الإعلامية. وهو ما يجعل الإعلام الصيني أقرب إلى أداة داعمة للسياسات، لا محددًا حاسمًا لها.
وفي ضوء التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، خاصة في ظل تصاعد النزاعات المسلحة وإعادة تشكيل موازين القوى، يبدو أنّ مستقبل الإعلام الصيني الناطق بالعربية سيكون مرتبطًا بعدة مسارات محتملة:
1- تصاعد أهمية الإعلام في إدارة التنافس الدولي: في ظل احتدام التنافس بين القوى الكبرى، خاصة بين الصين والولايات المتحدة، من المتوقع أن يزداد دور الإعلام كأداة للصراع الرمزي، حيث ستسعى الصين إلى تعزيز حضورها الإعلامي لمواجهة السرديات المنافسة، وتثبيت موقعها كفاعل دولي بديل.
2- إعادة تشكيل الخطاب الإعلامي في ظل الأزمات الإقليمية: إنّ استمرار الحروب والأزمات في الشرق الأوسط سيجبر الإعلام الصيني على تطوير خطابه، بحيث يصبح أكثر قدرة على التعامل مع القضايا الحساسة، تقديم مواقف أكثر وضوحًا، التفاعل مع الرأي العام المحلي، وهو ما قد يدفعه إلى الانتقال من خطاب حذر إلى خطاب أكثر ديناميكية.
3- تعزيز التوطين الإعلامي كخيار استراتيجي: من المرجح أن تتجه الصين نحو توسيع إشراك الإعلاميين العرب، تطوير محتوى محلي أكثر قربًا من الجمهور، بناء شراكات إعلامية داخل المنطقة، وذلك لتجاوز محدودية التأثير الحالية، وتعزيز الاندماج داخل المجال الإعلامي العربي.
4- توسع الحضور الرقمي والتكنولوجي: مع تزايد أهمية المنصات الرقمية، سيصبح الإعلام الصيني مطالبًا بتطوير استراتيجيات تفاعلية، محتوى رقمي مبتكر، أدوات قائمة على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، وهو ما سيساهم في توسيع قاعدة جمهوره، خاصة بين الشباب.
5- تأثير التحولات الجيوسياسية على أولويات الخطاب: ستؤثر نتائج الصراعات الإقليمية، وتغير التحالفات، في طبيعة الخطاب الإعلامي الصيني، حيث قد يتجه نحو مزيد من البراغماتية، إعادة ترتيب الأولويات، التركيز على مناطق أو قضايا دون غيرها.
[1] Joseph S. Nye Jr., Soft Power: The Means to Success in World Politics, New York: Public Affairs, 2004, 5–10.
[2] Yildirimcakar, E. & Han, Z., China’s Soft Power Strategy in the Middle East, Israel Affairs, 28(2), 199–207, 2022.
[3] Akbarzadeh, S., China’s Soft Power: Views from Saudi Arabia and the UAE, ISAG Quarterly, 5(1), 2025.
[4] Brady, Anne-Marie, Marketing Dictatorship: Propaganda and Thought Work in Contemporary China, Lanham: Rowman & Littlefield, 2008, ص. 112–130.
[5] Rawnsley, Gary D., “China’s Soft Power and Public Diplomacy in the Middle East”, Journal of Political Power, Vol. 8, No. 2, 2015, pp. 245–262.
[6] Kurlantzick, Joshua, Charm Offensive: How China’s Soft Power Is Transforming the World, New Haven: Yale University Press, 2007, ص. 67–85.
[7] Yildirimcakar, E. & Han, Z., China’s Soft Power Strategy in the Middle East, Israel Affairs, 28(2), 199–207, 2022.
[8] Ministry of Foreign Affairs of the PRC, Statement on China’s Cultural Diplomacy, Beijing, 2023, available at: https://www.fmprc.gov.cn
[9] CGTN العربية، “تعاون صيني–عربي”، الموقع الإلكتروني : https://arabic.cgtn.com/topics/Cooperation ، تاريخ االتصفح: 22 مارس 2026.
[10] محمد الحيني، الصورة الإعلامية لدولة الصين كما تعكسها قناة CGTN عبر منصتها على فيسبوك”، مجلة الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة المنيا، مصر،المجلد 98، العدد 2، يناير 2024، ص 468 – 495.
[11] Abbasi, M. M. H., Hassan, S. S. ul & Rasheed, M. R., Impact of Chinese Media Initiatives on China’s Nation Branding in Pakistan: A Soft Power Perspective, Journal of Development and Social Sciences, 2025.
[12] Reporters Without Borders (RSF), How Chinese state media is shaping global narratives, 2024, https://rsf.org/en/65-language-megaphone-how-chinese-state-media-cgtn-shaping-global-narratives
[13] Draissi, Z., et al., Academic diplomacy and policy borrowing: media content analysis of Chinese soft power in Morocco, Humanities and Social Sciences Communications, 2025.



