أوراق و دراساتسياسية

السياسات الصينية تجاه أزمات الشرق الأوسط: مقاربة تحليلية لحدود مبدأ عدم التدخل (1991–2025)

أنس عبدالله الحاشدي

باحث يمني، يعد للحصول على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، جامعة الصداقة بين الشعوب (RUDN) روسيا الاتحادية

مقدمة:

شهد النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي تحوّلات بنيوية عميقة، أعادت تشكيل موازين القوى وأنماط التفاعل بين الفاعلين الدوليين. وفي قلب هذه التحولات، صعدت الصين قوة كبرى تتحرك بهدوء استراتيجي نحو تأكيد حضورها العالمي، عبر ما باتت تعرف بـ«النهضة السلمية» تارة، وبـ«الحلم الصيني» تارة أخرى. وإذا كان الشرق الأوسط قد ظل لعقود فضاء تتنافس فيه القوى الغربية الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، فإن العقدين الأخيرين شهدا تحولًا لافتًا في الحضور الصيني بهذه المنطقة، انتقل من البعد الاقتصادي إلى أبعاد دبلوماسية وسياسية وأمنية متشعبة.

تكتسب دراسة السياسة الصينية تجاه أزمات الشرق الأوسط أهمية مزدوجة. فمن جهة، تتقاطع هذه السياسة مع قضايا بالغة الحساسية في الوعي العربي والإسلامي، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وقضية مسلمي تركستان الشرقية (الإيغور)، وأزمات سوريا واليمن وليبيا والسودان. ومن جهة أخرى، تجد الصين نفسها أمام معادلة مركبة تحاول فيها التوفيق بين تمسكها التقليدي بمبدأ «عدم التدخل في الشؤون الداخلية»، الذي صاغته في سياق المبادئ الخمسة للتعايش السلمي عام 1954([1])، وبين متطلبات الحضور الاستراتيجي الذي تمليه مبادرة الحزام والطريق منذ إطلاقها عام 2013، وما تبعها من توسع في المصالح الاقتصادية والأمنية الصينية في المنطقة.

تنطلق هذه الدراسة من إشكالية محورية مفادها: كيف تتعامل الصين مع أزمات الشرق الأوسط في ظل الموازنة بين مبدأ عدم التدخل، ومتطلبات الحضور الاستراتيجي، وحساسية قضايا الأمن والهوية الإسلامية والقضية الفلسطينية؟.

وتتفرع عن هذه الإشكالية أهم الأسئلة الفرعية الآتية:

-ماهي  المحددات العامة للسياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط؟

-كيف تطور الموقف الصيني من القضية الفلسطينية، خاصة في ضوء الحرب على قطاع غزة منذ 2023؟

– ما أثر قضايا الأمن والهوية الإسلامية على علاقات الصين بدول المنطقة، وفي القلب منها قضية الإيغور؟

– كيف أثرت التحولات السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط على السياسة الصينية، خاصة في ملفات اليمن والملف الإيراني–الخليجي؟

-ما حدود الدور الصيني في إدارة الأزمات والصراعات الإقليمية؟

تنطلق هذهالدراسة من فرضية أساسية مفادها أن السياسة الصينية تجاه أزمات الشرق الأوسط لم تعد سياسة اقتصادية أحادية البعد، بل تحولت إلى سياسة مركبة تجمع بين المصالح الاقتصادية، والاعتبارات الأمنية، وإدارة الصورة الدولية للصين، والحذر من الانخراط المباشر في الصراعات. كماتفترض الدراسة أن نجاحات بكين الدبلوماسية الأخيرة – كالاتفاق السعودي–الإيراني في مارس 2023 وإعلان بكين بين الفصائل الفلسطينية في يوليو 2024 – تمثل تحولًا نوعيًا، لكنها تبقى محدودة بسقف مبدأ عدم التدخل وبتعقيدات البيئة الإقليمية الراهنة.

تهدف هذه الدراسة إلى: تحليل طبيعة السياسة الصينية تجاه أزمات الشرق الأوسط، ودراسة موقع القضية الفلسطينية في الخطاب السياسي الصيني، وبيان أثر الأمن والهوية الإسلامية في علاقة الصين بالعالم العربي والإسلامي، وتحليل أثر التحولات السياسية والاقتصادية في المنطقة على المصالح الصينية، فضلًا عن استشراف مستقبل الدور الصيني في الشرق الأوسط.

اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي بوصفه منهجا رئيسيا، إلى جانب منهج تحليل السياسة الخارجية الذي يتيح تفكيك دوافع القرار الصيني ومحدداته الداخلية والخارجية([2])، والمنهج التاريخي لتتبع تطور الموقف الصيني من القضية الفلسطينية منذ 1948، ومنهج دراسة الحالة في معالجة الملفات الفلسطيني واليمني والإيراني–الخليجي.

أما حدود الدراسة، فتنحصر موضوعيا في السياسة الصينية تجاه أزمات الشرق الأوسط؛ وزمنيا من نهاية الحرب الباردة (1991) حتى عام 2025، مع تركيز خاص على مرحلة ما بعد إطلاق مبادرة الحزام والطريق عام 2013؛ ومكانيا على فضاء الشرق الأوسط، مع التركيز التحليلي على فلسطين، والملف الإيراني–الخليجي، واليمن، مع الإشارة إلى تركيا والسودان وليبيا حيث يقتضي السياق التحليلي.

ينقسم البحث إلى خمسة مباحث رئيسية، يتناول أوّلها الإطار العام للسياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط، ويعالج الثاني السياسة الصينية تجاه القضية الفلسطينية، فيما يخصص الثالث لمسائل الأمن والهوية الإسلامية، ويعرض الرابع للتحولات السياسية والاقتصادية في المنطقة وأثرها على السياسة الصينية مع التركيز على اليمن والملف الإيراني–الخليجي، أما المبحث الأخير  فيستشرف مستقبل الدور الصيني، تليه خاتمة تتضمن أبرز النتائج والتوصيات .

المبحث الأول: الإطار العام للسياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط

يستهدف هذا المبحث وضع الإطار التحليلي العام الذي تُقرأ من خلاله السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط، عبر تتبع تطور الحضور الصيني، واستعراض المحددات الكبرى لهذه السياسة، ومناقشة المعنى الراهن لمبدأ عدم التدخل في ضوء التحولات الفعلية للممارسة الصينية.

مر الحضور الصيني في الشرق الأوسط بثلاث مراحل أساسية يمكن تمييزها تحليليًا: مرحلة الحضور الأيديولوجي (1949–1978)، ومرحلة الانفتاح الاقتصادي والبراغماتية (1978–2001)، ثم مرحلة الانخراط الاستراتيجي (2001–حتى الآن)([3]). في المرحلة الأولى، مثّلت الصين الماوية حليفا أيديولوجيا لحركات التحرر الوطني العربية، وتبنت خطابا مناهضا للاستعمار يلتقي مع أطروحات حركة عدم الانحياز. غير أن هذا الحضور كان رمزيا ومحدود الأثر المادي، نتيجة الانكفاء الصيني الداخلي وحدود قدرات الدولة الفتية اقتصاديا وعسكريا.

أحدثت إصلاحات دنغ شياو بينغ منذ نهاية السبعينيات تحولًا جوهريا في توجه السياسة الخارجية الصينية، حيث أعيد تعريف العلاقة بالعالم انطلاقًا من أولوية البناء الاقتصادي الداخلي. وفي هذا السياق، انتقلت الصين من خطاب الثورة إلى منطق المصلحة، ومن دعم الحركات إلى الاعتراف بالدول والتعامل البراغماتي مع الأنظمة القائمة. وقد ترجم ذلك في الشرق الأوسط بإقامة علاقات دبلوماسية مع دول الخليج العربية: سلطنة عمان (1978)، الإمارات العربية المتحدة (1984)، قطر (1988)، البحرين والمملكة العربية السعودية (1990)، فيما أقيمت العلاقات الكاملة مع إسرائيل عام 1992.

أما المرحلة الثالثة، فقد ابتدأت تقريبا مع انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، وتسارعت بعد إطلاق مبادرة الحزام والطريق في عام 2013. وقد شهدت هذه المرحلة تحول الصين إلى أكبر مستورد للنفط في العالم، وأكبر شريك تجاري للعديد من دول المنطقة، وإلى لاعب دبلوماسي يحاول صياغة لغته الخاصة في إدارة العلاقات الدولية بعيدا عن النموذج الغربي. ولعل التطور الأكثر دلالة في هذه المرحلة هو التحول من الحضور الاقتصادي البحت إلى الحضور المركب الذي يضم بعدًا دبلوماسيا وتنمويا وأمنيا متدرجا.

يمكن إجمال محددات السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط في خمسة محددات متشابكة تعمل بصورة منظومية:

1- أمن الطاقة،تستورد الصين ما يفوق نصف نفطها الخام من منطقة الشرق الأوسط، إذ تتقدم المملكة العربية السعودية وإيران والعراق والإمارات وسلطنة عُمان قائمة الموردين الرئيسيين([4]). وقد جعل ذلك من استقرار المنطقة وممراتها البحرية شرطًا للأمن الاقتصادي الصيني، خاصة في ظل تنامي الطلب الصيني المتواصل على الطاقة لاستدامة معدلات النمو.

2- الأسواق والاستثمارات، مثل الشرق الأوسط منذ مطلع الألفية الثالثة سوقا متناميا للسلع الصينية، خاصة في قطاعات البنية التحتية والاتصالات والطاقة المتجددة. وقد بلغت التجارة بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي وحده مستويات قياسية، فيما أضحت الصين شريكا رئيسيا للعديد من الدول العربية في مجالات الإلكترونيات وتكنولوجيا الجيل الخامس.

3- الممرات البحرية، يمر نحو ثلثي التجارة الصينية مع أوروبا وأفريقيا عبر مضيق باب المندب وقناة السويس، ما يجعل البحر الأحمر وخليج عدن مساحة اهتمام أمني صيني مباشر. وفي هذا السياق، أنشأت الصين عام 2017 قاعدتها العسكرية الأولى خارج أراضيها في جيبوتي، خطوة فُسرت بوصفها انتقالا في الفكر الاستراتيجي الصيني.

4-مبادرة الحزام والطريق، التي انخرطت فيها معظم دول المنطقة عبر مذكرات تفاهم وشراكات استراتيجية. وقد حولت هذه المبادرة الشرق الأوسط من فضاء بعيد جغرافيا إلى ممر وصل استراتيجي بين القلب الأوروآسيوي والساحل الإفريقي، ومنحت الصين ذريعة لتعميق حضورها في الموانئ والبنية التحتية والمدن الذكية.

5-التنافس مع الولايات المتحدة، يتغلغل البعد التنافسي مع واشنطن في كل ملف من الملفات الإقليمية، وإن ظلت الصين حريصة على عدم تحويل الشرق الأوسط إلى ساحة مواجهة مفتوحة، انطلاقا من قاعدة استراتيجية تتجنب تشتيت الموارد، وتؤثر تحويل التنافس إلى تنافس متعدد المسارات يخدم الصعود الصيني العام.

جدول رقم (1): المحددات الكبرى للسياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط

المحددمحتوى المحددأبرز انعكاساته على السياسة الصينية
أمن الطاقةاعتماد متزايد على نفط المنطقة (أكثر من 50%)تنويع مصادر الإمداد، شراكات استراتيجية مع الخليج وإيران
الأسواق والاستثماراتسوق متنامية للسلع والخدمات الصينيةتوسيع التجارة، شراكات في الاتصالات والبنية التحتية
الممرات البحريةالبحر الأحمر، باب المندب، قناة السويسقاعدة جيبوتي، حماية الملاحة، تطوير القدرات البحرية
مبادرة الحزام والطريقممر وصل استراتيجي بين آسيا وأوروبا وأفريقيااستثمارات في الموانئ، شبكات لوجستية، شراكات تنموية
التنافس مع الولايات المتحدةصراع نفوذ متعدد المساراتتجنب الاصطفاف الحاد، استثمار التراجع الأمريكي النسبي

يحتل مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول مكانة محورية في الفكر السياسي الصيني، ويستند إلى المبادئ الخمسة للتعايش السلمي التي صاغها رئيس الوزراء الصيني تشو إن لاي عام (1954)[5]. وفي السياق المعاصر، يؤدي هذا المبدأ وظائف متعددة: فهو من جهة درعٌ تحتمي به الصين أمام أي انتقادات لسياساتها الداخلية، خاصة في تركستان الشرقية والتبت وهونغ كونغ؛ وهو من جهة أخرى أداةُ جذبٍ لدى دول الشرق الأوسط التي ترى فيه بديلًا أكثر راحة من الاشتراطات السياسية والحقوقية الغربية.

غير أن التحولات الأخيرة كشفت عن «تناقض نسبي» بين النص النظري والممارسة الفعلية. فالحضور الاستراتيجي المتنامي للصين، مع تنامي مصالحها وأصولها في الخارج، فرض عليها أشكالًا من الانخراط لم تكن مألوفة في الماضي، كرعاية الاتفاق السعودي–الإيراني، وإرسال قوات لحماية الموانئ في جيبوتي، والمشاركة في عمليات حفظ السلام الأممية في لبنان والسودان وأماكن أخرى.

ويرى عدد من الباحثين أن الصين بدأت تنتقل من سياسة «عدم التدخل» بمعناها المطلق، إلى ممارسة وُصفت بـ«عدم التدخل البناء» أو «المشاركة المتدرجة»، وهي صيغة تسمح بتوظيف الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية للتأثير في مسار الأزمات دون المساس بالسيادة الرسمية للدول، وتعكس مرونةً نظريةً تجاه ضغوط الواقع الاستراتيجي.

جدول رقم (2): مقارنة بين مبدأ عدم التدخل والحضور الاستراتيجي الصيني

البعدمبدأ عدم التدخل التقليديمتطلّبات الحضور الاستراتيجي
الفكرة المركزيةاحترام السيادة وعدم المساس بالشؤون الداخليةحماية المصالح والأصول الاقتصادية في الخارج
الأدواتالخطاب الدبلوماسي، التعاون مع الحكوماتالاستثمار، الموانئ، العمليات الأممية
نمط العلاقةعلاقة دولة–دولة محدودة الانخراطشبكات اقتصادية وأمنية متشعبة
نقطة التوتريُقيّد قدرة الصين على التأثير المباشريفرض انخراطًا متزايدًا قد يُربك الخطاب
الحل المعتمدالتمسّك بالسيادة في الخطاب الرسميممارسة «عدم التدخل البنّاء» / «المشاركة المتدرّجة»

ويمكن القول إن الصين تعيش حاليا «لحظة توتر مفهومي» بين أدبياتها الكلاسيكية وممارساتها الفعلية، وهي لحظة تتطلب صياغة نظرية جديدة للسياسة الخارجية الصينية تستوعب توسع المصالح دون التضحية بمزايا خطاب عدم التدخل الذي شكّل لعقود إحدى أبرز أدوات قوتها الناعمة في الشرق الأوسط.

المبحث الثاني: السياسة الصينية تجاه القضية الفلسطينية

تعد القضية الفلسطينية من الملفات التي تكشف بوضوح طبيعة التحولات في السياسة الخارجية الصينية، إذ تتقاطع فيها الأبعاد الأيديولوجية والاستراتيجية والاقتصادية. ويتناول هذا المبحث تطور الموقف الصيني من القضية، وحضورها في الخطاب الدبلوماسي الصيني، وحدود الدور الصيني في إدارتها، ثم موقعها ضمن التنافس الصيني–الأمريكي.

اتخذ الموقف الصيني من القضية الفلسطينية مسارا تطوريا يعكس تحولات السياسة الصينية الكلية. ففي خمسينيات وستينيات القرن العشرين، دعمت الصين الماوية القضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرر وطني ضد الاستعمار، وفتحت أبوابها لتدريب كوادر فلسطينية، فيما اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا للشعب الفلسطيني عام 1965، أي قبل اعتراف معظم الدول الأخرى([6]).

ومع تحول الصين نحو الإصلاح الاقتصادي عام 1978، خف الخطاب الأيديولوجي حدته دون أن يتخلى عن الدعم السياسي. وفي عام 1988، اعترفت الصين بدولة فلسطين بعد إعلان الجزائر، وفي عام 1992 أقامت علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل، في خطوة عكست الإمساك الصيني بمبدأ التوازن، وانتقالها من المنطق الأيديولوجي الصِرف إلى منطق إدارة المصالح.

منذ مطلع القرن الواحد والعشرين، تطور الموقف الصيني نحو ما يمكن تسميته بـ«الدبلوماسية النشطة المتحفظة»: حضور أكثر فاعلية في الأمم المتحدة والمنابر الدولية، استضافة مؤتمرات للسلام، تعيين مبعوث صيني خاص للقضية الفلسطينية، ودعم متواصل لحلّ الدولتين، مع استمرار الحرص على عدم القطيعة مع إسرائيل أو الاصطدام المباشر مع واشنطن.

جدول رقم (3): تطور الموقف الصيني من القضية الفلسطينية

المرحلةالسمات الأساسيةأبرز الأحداث المفصلية
1949–1978دعم أيديولوجي ثوري، خطاب التحرر الوطنيتدريب كوادر فلسطينية، الاعتراف بمنظمة التحرير 1965
1978–1992تحوّل من الأيديولوجيا إلى الدبلوماسيةالاعتراف بدولة فلسطين 1988، علاقات مع إسرائيل 1992
1992–2013توازن مع نمو العلاقة الإسرائيليةتعيين مبعوث صيني خاص لعملية السلام
2013–2023حضور دبلوماسي ضمن الحزام والطريقالنقاط الأربع التي طرحها شي جين بينغ 2017
2023–2025خطاب أكثر حدّة وحضور رمزي بارزالبيانات الصينية بعد أكتوبر 2023، إعلان بكين يوليو 2024

يقوم الخطاب الصيني تجاه القضية الفلسطينية على ثلاث ركائز ثابتة: دعم حل الدولتين على أساس حدود الرابع من يونيو 1967، ودعم القدس الشرقية عاصمةً لدولة فلسطين، والمطالبة بعقد مؤتمر دولي للسلام أكثر شمولًا وتعددية. وقد طرح الرئيس شي جين بينغ في خطابه أمام جامعة الدول العربية عام 2016 ما يُعرف بـ«النقاط الأربع» لحل القضية الفلسطينية([7])، وهي تتضمن دعم إقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، والتأكيد على مفهوم الأمن المشترك، وتنسيق الجهود الدولية لتعزيز السلام، وتعزيز التنمية الاقتصادية وتحسين الظروف المعيشية بوصفها مدخلًا لبناء السلام.

اللافت أن الخطاب الصيني تجاه القضية الفلسطينية اكتسب نبرة أكثر حدة في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر 2023 والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة. فقد طالبت بكين بوقف فوري لإطلاق النار، وانتقدت العمليات العسكرية الإسرائيلية، وامتنعت بصورة لافتة عن وصف حركة حماس بالمنظمة «الإرهابية»، خلافا للموقف الأمريكي والأوروبي. كما صوتت الصين في مجلس الأمن لصالح مشاريع قرارات تطالب بوقف إطلاق النار، وأصدرت الرئاسة الصينية للمجلس بيانات حادة تنتقد ممارسات الاحتلال.

وفي 23 يوليو 2024، استضافت بكين أربعة عشر فصيلًا فلسطينيا، وأصدرت ما عُرف بـ«إعلان بكين» حول إنهاء الانقسام وتشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية مؤقتة[8]. ويمثل هذا الإعلان ذروة الحضور الدبلوماسي الصيني في الملف الفلسطيني، ويعبّر عن طموح بكين في تقديم نفسها فاعلًا دبلوماسيا قادرًا على تجميع الفرقاء العرب والمسلمين، خلافًا للولايات المتحدة التي تتعامل بصورة انتقائية مع الأطراف الفلسطينية.

على الرغم من تصاعد الخطاب الصيني، تبقى قدرة بكين على التأثير الفعلي في القضية الفلسطينية محدودة بحدود بنيوية. فالصين ليست طرفًا تاريخيًا في عملية السلام، ولا تملك الأدوات الأمنية والمالية التي يمتلكها الفاعلون التقليديون، خاصة الولايات المتحدة. كما أن العلاقات الصينية–الإسرائيلية تتمتع ببُعد اقتصادي وتكنولوجي مهم، يتضمّن استثمارات صينية في موانئ حيفا، وشراكات في قطاعات تكنولوجيا المعلومات والابتكار، ما يدفع بكين إلى الحفاظ على هامش مع تل أبيب.

تعمل الصين بمنطق «الفاعل الدبلوماسي» لا «الوسيط الضاغط»، إذ تكتفي بإصدار البيانات والاستضافة بدلًا من الانخراط الميداني. ولعل إعلان بكين عام 2024 يمثل مثالًا واضحًا على هذا النمط: مبادرة دبلوماسية رمزية عالية القيمة، لكنها لم تُحدث تغييرًا ملموسًا في موازين القوى داخل الفصائل الفلسطينية، ولم تمتلك أدوات الإلزام التي تحول الإعلان إلى مسار سياسي فعلي. ويظل السؤال الجوهري مطروحًا حول قدرة الصين على المتابعة، إذ إن الوساطة دون أدوات الضغط تبقى وساطة رمزية تنتج تأثيرات محدودة.

تستثمر الصين في القضية الفلسطينية لتعزيز خطابها حول «تعددية النظام الدولي» و«العدالة في العلاقات الدولية»، وذلك في مواجهة ما تصفه بالهيمنة الأمريكية أحادية الجانب. ويربط الخطاب الصيني بصورة متزايدة بين دعم حقوق الفلسطينيين ودعم حقوق دول الجنوب العالمي، في إطار ما يعرف بـ«الانحياز إلى الجنوب»، ويستند إلى مفردات مستلهمة من تراث حركة عدم الانحياز.

وقد جاءت الحرب على غزة لتمنح الصين فرصة استراتيجية لإبراز التفاوت بين خطابها وخطاب القوى الغربية حول حقوق الإنسان والقانون الدولي، ولاتهام الولايات المتحدة بـ«ازدواجية المعايير»، خاصة في ضوء المقارنة بين الموقف الغربي تجاه الحرب في أوكرانيا والموقف نفسه تجاه غزة. وقد وظّفت بكين هذا الخطاب على المستويين الدولي والإقليمي.

غير أن الاستفادة الصينية من تراجع الصورة الأمريكية في المنطقة تظل محدودة، لأن الصين لا ترغب – ولا تستطيع – أن تتحوّل إلى بديل أمني مباشر للولايات المتحدة. وما تطمح إليه بكين هو «الحضور بلا التزام»، أي جني الأرباح السياسية من خطاب التضامن دون تكبّد كلفة الانخراط الفعلي. وهذا النمط، وإن كان فعّالًا في الأمد القصير، يطرح إشكالية مصداقية في الأمد البعيد، إذ قد يتساءل الفاعلون الإقليميون عن جدوى دعم الصين إذا لم يتحول إلى أدوات تأثير حقيقية.

 المبحث الثالث: الأمن والهوية الإسلامية في السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط

يتناول هذا المبحث الأبعاد الأمنية والهوياتية في السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط، من خلال تحليل أثر الأمن الداخلي الصيني على التوجّهات الخارجية، ومناقشة قضية تركستان الشرقية بوصفها محدّدًا حساسًا في علاقة الصين بالعالم الإسلامي، وفحص علاقة الصين بالحركات الإسلامية، وأخيرًا تحليل التوتر الكامن بين المصالح الاقتصادية والحسابات الأمنية في علاقة الصين بمكوّنات الهوية الإسلامية في المنطقة.

تتبنى الحكومة الصينية مفهومًا موسعا للأمن القومي يربط بين ثلاثة أبعاد متشابكة: الإرهاب، والانفصال، والتطرف الديني، وهو ما يُعرف بـ«الشرور الثلاثة»([9]). وقد أنتج هذا الإطار في سياق التعامل مع التوترات في إقليم شينجيانغ منذ التسعينيات، وصُدّر إلى الفضاء الدبلوماسي الإقليمي عبر منظمة شنغهاي للتعاون. وتمارس الصين ضغطًا على دول الشرق الأوسط لتبني هذا الإطار، أو على الأقل عدم انتقاده، مقابل علاقات اقتصادية واستثمارية متميزة.

ويتجلى أثر الأمن الداخلي على السياسة الخارجية الصينية في ثلاثة أبعاد: أولها الحرص على تجنب أي خطاب أو تحالف خارجي يدعم الأقليات المسلمة في الصين؛ وثانيها توظيف خطاب مكافحة الإرهاب أداة لتبرير السياسات الداخلية أمام الرأي العام الدولي؛ وثالثها بناء شبكة من الاتفاقيات الأمنية والقضائية مع دول الشرق الأوسط، تشمل تسليم المطلوبين، وتبادل المعلومات، والتدريب الأمني.

تشكل قضية تركستان الشرقية اختبارا حقيقيا لقدرة بكين على إدارة العلاقة مع العالم الإسلامي. فالإقليم الذي تعدّه الصين رسميًا «منطقة شينجيانغ ذات الحكم الذاتي» يضم أكثر من اثني عشر مليون مسلم، معظمهم من الإيغور إضافة إلى الكازاخ والقيرغيز[10]. وقد كثّفت السلطات الصينية منذ منتصف العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين سياسات «إعادة التأهيل المهني» و«المعسكرات التدريبية»، التي وصفها كثير من تقارير المنظمات الدولية الحقوقية ووسائل الإعلام الدولية بأنها سياسات قسرية واسعة النطاق. وتستند الصين في الدفاع عن هذه السياسات إلى خطاب مكافحة الإرهاب والتطرف وضرورة تأمين الاستقرار الإقليمي.

اللافت أن المواقف العربية والإسلامية الرسمية تجاه القضية انقسمت إلى ثلاثة أنماط:

النمط الأول: الصمت أو التأييد المفتوح، كما في حالة عدد من الدول العربية والخليجية التي وقّعت رسائل دعم لسياسات الصين أمام مجلس حقوق الإنسان الأممي، انطلاقًا من حسابات اقتصادية واستثمارية، ومن انسجام سياسي مع منطق «عدم التدخل في الشؤون الداخلية» الذي تتبناه الصين، والذي تستفيد منه هذه الدول حين يتعلّق الأمر بسياساتها الداخلية.

النمط الثاني: المعارضة الخفية أو التحفظ الرمزي، كما لدى بعض الدول التي ترى في ملف الإيغور قضية حقوقية وإسلامية ذات صلة بهويتها، لكنها تتجنّب المواجهة العلنية حفاظًا على المصالح الاقتصادية. وتعبّر بعض المؤسسات الدينية والحركات الشعبية في هذه الدول عن مواقف أكثر حدّة من المواقف الرسمية.

النمط الثالث: البراغماتية المتوازنة، كما في حالة تركيا التي تمارس توازنًا بين انتمائها التاريخي للشعوب التركية والإيغور بوصفهم جزءًا من «العالم التركي»، وبين مصالحها الاقتصادية الكبرى مع الصين. وقد عبّرت تركيا في مراحل عن قلقها من سياسات الصين، فيما تجنّبت في أحيان أخرى أي تصريحات قد تحدث أزمة دبلوماسية. ويعكس هذا التوازن صعوبة الجمع بين التضامن الهوياتي والمصالح الاقتصادية في عصر الترابط الجيوسياسي.

وتسعى الصين إلى احتواء الانتقادات الإسلامية المحتملة عبر ثلاث استراتيجيات متكاملة: تنظيم زيارات لوفود إسلامية رسمية إلى شينجيانغ ضمن جولات منظمة، وعقد شراكات اقتصادية كبرى تخلق اعتمادًا متبادلًا، وإطلاق خطاب يقدّم نموذج «التعايش بين الثقافات» بديلًا لخطاب «صراع الحضارات».

 المطلب الثالث: الصين والحركات الإسلامية في الشرق الأوسط

تتعامل الصين مع ظاهرة الإسلام السياسي بقدر كبير من الحذر. فهي تُفضّل العلاقات الدولتية الرسمية، وتتعامل مع الحركات الإسلامية على نحو وظيفي محدود يستند إلى موقف هذه الحركات من القضايا الإقليمية لا إلى أيديولوجيتها. ومرّت العلاقة الصينية مع حركة حماس مثلًا بمراحل متفاوتة، توّجت باستضافة بكين لقادة الحركة في إطار جهود المصالحة الفلسطينية عام 2024. غير أن هذا الانفتاح لا يعني تبنّيًا أيديولوجيًا، بل هو انفتاح براغماتي يخدم مكانة الصين الدبلوماسية في الملف الفلسطيني.

ويرى عدد من الباحثين أن الصين تخشى ما يمكن تسميته بـ«العدوى الأيديولوجية» إلى مسلمي الإيغور، وهو ما يفسّر تشدّدها الداخلي والحذر الخارجي من تقديم أي اعتراف صريح بأي خطاب إسلامي يحمل بعدًا أمميًا. وفي هذا الإطار، تميّز الصين بحدة بين الحركات التي تمارس النضال الوطني في حدود بلدانها (كحماس)، والحركات ذات الطابع العابر للحدود (كتنظيمي القاعدة وداعش)، إذ تعدّ الأولى ظواهر سياسية محلية يمكن التعامل معها، والثانية تهديدات أمنية مباشرة لها.

توظف الصين العلاقات الاقتصادية أداةً لتخفيف الانتقادات الإسلامية المحتملة. فالشراكات الاستثمارية الكبرى مع المملكة العربية السعودية والإمارات وإيران ومصر تخلق «شبكة مصالح متبادلة» تقلّل من احتمال طرح ملف الإيغور بصورة رسمية. كما أن الخطاب الصيني يحرص على تقديم نموذج «التعايش بين الثقافات» بديلًا عن خطاب «صراع الحضارات»، ويستثمر في إبراز الحضور التاريخي للإسلام في الصين عبر مدن مثل سيان وكاشغر، ومسلمي «الهوي»، ومجموعات أخرى تعيش بسلام داخل الجمهورية الشعبية وفقًا للسردية الرسمية.

غير أن هذه الصيغة هشّة في الأمد البعيد، إذ يكفي حدث رمزي – كتسرب وثائق أو شهادات جديدة، أو موجة احتجاجات شعبية في دول إسلامية – لإعادة فتح الملف على نطاق واسع، وخاصة في ضوء صعود الرأي العام الإسلامي وقدرة الفضاء الرقمي على إعادة تشكيل التداول. ويعني ذلك أن الصين، رغم نجاحها التكتيكي في احتواء انتقادات الحكومات الإسلامية، تظلّ هشّةً أمام احتمال تصاعد الضغط الشعبي، وهو ما يجعل من قضية الإيغور محددًا كامنا قد ينفجر مستقبلا تحت ضغط متغيّرات داخلية أو خارجية.

شهد الشرق الأوسط منذ مطلع القرن الواحد والعشرين سلسلة من التحولات السياسية والاقتصادية الكبرى، شملت الانتفاضات الشعبية، والصراعات المسلّحة، وإعادة هيكلة الاقتصادات الريعية، وبروز فاعلين إقليميين جدد. وقد فرضت هذه التحولات على الصين إعادة تموضع متواصلة، تتجلى في ملفات سوريا وليبيا والسودان، ولكنها تظهر بأقصى وضوحها التحليلي في الملفّين اليمني والإيراني–الخليجي.

 المطلب الأول: التحولات السياسية في المنطقة وموقع الصين منها

شكلت الانتفاضات العربية منذ نهاية 2010 صدمة استراتيجية للحسابات الصينية. فقد كانت الصين قد أبرمت صفقات اقتصادية كبرى مع نظامي معمر القذافي وحسني مبارك، ووجدت نفسها أمام مأزق الدفاع عن مبدأ عدم التدخل من جهة، وتداعيات الانهيارات السياسية على مصالحها من جهة أخرى[11]. وكشفت التطوّرات في ليبيا تحديدًا، حيث اضطرت الصين إلى إجلاء أكثر من خمسة وثلاثين ألف عامل صيني عام 2011، عن هشاشة نموذج الحضور الاقتصادي بدون مظلة أمنية.

ومنذ ذلك الحين، تبنت بكين خطابا يُولي الأولوية لـ«الاستقرار السياسي» بوصفه شرطًا مسبقًا للتنمية، مع تعميق العلاقات مع الأنظمة القائمة وعدم تشجيع أي تحوّلات سياسية قد تربك خطط الاستثمار طويلة الأمد. وقد ترجم ذلك في ممارسات بعينها كاستخدام حق الفيتو في مجلس الأمن لمنع قرارات التدخّل في سوريا، والامتناع عن التصويت في قرار التدخل في ليبيا 2011 (القرار 1973)، ثم استثمار درس ليبيا في التشدد لاحقا.

تمثل الحرب اليمنية حالة دراسة مفصّلة لطبيعة الدور الصيني وحدوده. فمنذ بداية الأزمة في مارس 2015، اعتمدت الصين موقفًا يقوم على دعم الحلّ السياسي، والتأكيد على وحدة الأراضي اليمنية، والتعاون مع المبعوثين الأمميين المتعاقبين، مع تجنّب الإدانات الصريحة لأي طرف. وقد عكس هذا النمط رغبة الصين في الحفاظ على علاقاتها مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة من جهة، ومع إيران الحليفة لجماعة أنصار الله الحوثية من جهة أخرى.

وحين بدأت هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر منذ نهاية 2023 في سياق الحرب على غزة، تكشّف بُعد آخر للحسابات الصينية. فعلى الرغم من تأثّر الملاحة العالمية ومنها الصينية، اكتفت بكين بمطالبات دبلوماسية، فيما أشارت تقارير عديدة إلى وصول الحوثيين إلى تفاهمات لتأمين السفن الصينية والروسية مقابل الامتناع عن إدانة هجماتهم([12]). ويعكس هذا النمط ما يمكن تسميته بـ«الاستفادة من الفوضى» بدلًا من إنهائها، إذ تنتفع الصين من هشاشة الترتيبات الأمنية الإقليمية دون تكبّد تكاليف إدارتها.

تظهر اليمن إذن نموذجا للحدود الواضحة للدور الصيني: فبكين فاعل دبلوماسي حاضر، لكنها ليست لاعبًا مؤثرًا في معادلة السلام والحرب. كما يكشف الملف اليمني عن أن «الحياد» الصيني المُعلن ليس حيادًا إيجابيًا، بل هو حياد تموضعي يخدم مصالح الصين الاقتصادية والسياسية. ومن المفارقات اللافتة أن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لتأمين البحر الأحمر («حارس الازدهار») لم تنضمّ إليه الصين، رغم أن الصين هي إحدى أكبر المستفيدين الاستراتيجيين من تأمين هذا الممر، وهو ما يكشف عن «التهرّب الاستراتيجي» الذي تمارسه بكين، عبر الاعتماد على جهود الآخرين دون تحمّل التزامات أمنية.

أضحى الشرق الأوسط ممرا حيويا لمبادرة الحزام والطريق، إذ يعبر عبره ثلاثة من الممرات الستة المعلنة في خريطة المبادرة. وقد أبرمت الصين عقود استثمار في الموانئ الكبرى مثل خليفة في الإمارات والدقم في عُمان وجبل علي، وشاركت في تطوير منطقة قناة السويس الاقتصادية في مصر. كما توسّع التعاون في مجال الطاقة عبر شراكات مع أرامكو وأدنوك، فضلا عن استثمارات صينية كبرى في المشاريع الكبرى مثل نيوم في المملكة العربية السعودية.

اللافت أن الصين تتعامل مع الشرق الأوسط ضمن منظور الأمن الاقتصادي الموسّع، حيث لم يعد حضور بكين مجرد مبادلات تجارية، بل بناء شبكات موانئ وكابلات اتصال ومراكز خدمات لوجستية ومدن صناعية مشتركة. وقد جعلت هذه الشبكات استقرار المنطقة جزءًا لا يتجزأ من الأمن الاقتصادي الصيني، ودفعت بكين إلى تطوير أدوات حماية المصالح، عبر شراكات أمنية انتقائية، وتعزيز الوجود البحري في المنطقة، رغم استمرار التمسّك الخطابي بمبدأ عدم التدخل.

كما يتمظهر تأثير التحولات الاقتصادية في تنامي حضور الصين في رؤى التنمية الإقليمية. فقد تقاطعت مبادرة الحزام والطريق مع رؤى التنويع الاقتصادي مثل «رؤية 2030» السعودية و«رؤية 2071» الإماراتية و«رؤية 2030» القطرية، وأنتجت تشابكًا في المشاريع الاستراتيجية الكبرى. غير أن هذا التشابك يفرض على الصين كذلك مواجهة الانعكاسات السلبية لأي اضطراب إقليمي، إذ إن أي تدهور أمني سيؤثر مباشرة على عوائد الاستثمارات الصينية.

 المطلب الرابع: الصين بين إيران ودول الخليج – نموذج لسياسة التوازن

يعد ملف العلاقة بين إيران ودول الخليج المختبر الأبرز لقدرة الصين على ممارسة التوازن الاستراتيجي. فمن جهة، أبرمت الصين في مارس 2021 اتفاقية تعاون استراتيجي شامل مدتها 25 عامًا مع إيران، شملت – وفق ما تسرّب من بنودها – استثمارات تقدّر بمئات المليارات في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والاتصالات. ومن جهة أخرى، وقّعت الصين شراكة استراتيجية شاملة مع المملكة العربية السعودية في زيارة الرئيس شي جين بينغ إلى الرياض في ديسمبر 2022، وهي زيارة تضمنت أيضًا قمتين خليجية–صينية وعربية–صينية بحضور قادة العالمين العربي والإسلامي.

أما التحول الأبرز فقد جاء في 10 مارس 2023 برعاية بكين لاتفاق استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران، وفق ما عُرف بـ«البيان المشترك الثلاثي»[13]. ويُعدّ هذا الاتفاق أوّل مبادرة وساطة صينية ناجحة في ملف خلافي عميق، ويعكس نضج السياسة الصينية في تجاوز «الوساطة الرمزية» نحو شيء أقرب إلى «الوساطة الفاعلة» في لحظات بعينها.

غير أن قراءة هذا التحوّل تتطلّب الحذر من المبالغة. فالاتفاق كان نتاج ظرف إقليمي ودولي مهيّأ، شمل توتر العلاقات السعودية–الأمريكية في أعقاب قضية اغتيال الصحفي جمال خاشقجي وملفات النفط، ورغبة طهران في كسر العزلة المفروضة عليها، ووجود تواصل عُماني-عراقي سابق وفّر مسارات اتصال أوّلية، فضلًا عن إرادة سعودية في استكشاف أوراق دبلوماسية جديدة. وعليه، فإن الصين هي «المستثمر الذكي» في لحظة دبلوماسية مهيأة، لا «المهندس الكامل» للتسوية. كما أن استئناف العلاقات الدبلوماسية لا يعني تجاوز الخلافات البنيوية بين البلدين، خاصة في الملفات اليمنية واللبنانية والعراقية.

ولا تخلو سياسة التوازن الصيني من تحديات. فالضغط الأمريكي على إيران، والحرب في غزة، وتجدد التوترات في البحر الأحمر، عوامل تضع التوازن الصيني تحت اختبار مستمرّ، وتُبرز أن المرونة الصينية تظلّ رهينة بالاستقرار الإقليمي، وأن أيّ انفجار شامل قد يفرض على بكين خيارات أكثر صعوبة. كما أن الشراكة مع تركيا، رغم انتعاشها الاقتصادي، تبقى مقيّدة بحساسية ملف الإيغور، فيما تستمرّ العلاقة مع إسرائيل في مجال التكنولوجيا رغم تراجع حصة بعض المشاريع تحت الضغط الأمريكي.

جدول رقم (4): أبرز الأزمات الإقليمية وموقع الصين منها

الأزمةالموقف الصينيالأدواتحدود الدور
سوريامعارضة التدخل الخارجي وتغيير النظامالفيتو، البيانات، المساعدات الإنسانيةغياب الانخراط الميداني الفعلي
اليمندعم الحلّ السياسي ووحدة الأراضيالدبلوماسية الأممية، تفاهمات بحريةغياب التأثير الحاسم على الأطراف
ليبياالحياد المرتبك بعد درس 2011إجلاء الرعايا، علاقات مع كل الأطرافغياب الأدوات الأمنية
السودانالحفاظ على المصالح بين الطرفينعلاقات اقتصادية متوازيةتأثّر الاستثمارات النفطية
إيران–الخليجالوساطة الفاعلة في 2023البيان الثلاثي، الشراكات الشاملةهشّ أمام التوترات الجديدة
فلسطيندعم حلّ الدولتين، نقد إسرائيلبيانات أممية، إعلان بكين 2024محدودية الأدوات الضاغطة

ينبني هذا المبحث الختامي على ما جرى تحليله في المباحث الأربعة السابقة، ويسعى إلى استشراف مستقبل الدور الصيني في أزمات الشرق الأوسط، عبر تحديد الفرص والتحديات، ثم اقتراح أربعة سيناريوهات قابلة للقراءة في ضوء معطيات الواقع الراهن.

تتوافر للصين عدة فرص لتعميق دورها في الشرق الأوسط، أهمها أربع:

الفرصة الأولى: تراجع الثقة لدى دول المنطقة في الالتزام الأمني الأمريكي، خاصة في أعقاب الانسحاب من أفغانستان عام 2021، والتباطؤ الأمريكي في الاستجابة لهجمات على البنية التحتية للمملكة العربية السعودية والإمارات في 2019 و2022، والتحفّظ النسبي على دعم الحلفاء في بعض الملفات الأمنية الإقليمية. ويفتح هذا التراجع مساحة للصين لتقديم نفسها شريكًا أكثر استقرارًا في الخطاب وأقل اشتراطًا في الممارسة.

الفرصة الثانية: تنامي حاجة دول المنطقة إلى شراكات تنموية وتكنولوجية بعيدًا عن الاشتراطات السياسية الغربية. وتقدّم الصين نموذجًا يجمع بين توفير التمويل والبنية التحتية والتكنولوجيا (خاصة الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي والمدن الذكية)، دون اشتراطات تتعلق بالحوكمة أو حقوق الإنسان.

الفرصة الثالثة: جاذبية النموذج التنموي الصيني الذي يقدّم نفسه نموذجًا «غير تدخّلي» قائمًا على الندّية والمنفعة المتبادلة، ويستلهم تجربة الصين في تحقيق نمو اقتصادي مرتفع دون الانخراط في الشروط الديمقراطية الليبرالية الغربية.

الفرصة الرابعة: رغبة دول المنطقة في تنويع شراكاتها الدولية ضمن استراتيجيات «التحوط الاستراتيجي»، لتجنّب الاعتماد الحصري على فاعل واحد، وذلك في ضوء حالة عدم اليقين بشأن مستقبل النظام الدولي، وصعود تكتلات بديلة مثل البريكس التي انضمّت إليها دول شرق أوسطية كبرى عام 2024.

 المطلب الثاني: التحديات التي تواجه السياسة الصينية

في المقابل، تواجه السياسة الصينية تحديات جوهرية يمكن إجمالها في خمس:

1-تعقيد الأزمات الإقليمية وتعدّد لاعبيها وتداخل ملفاتها، ما يجعل أي تدخّل صيني مكلفًا ومحتمل الفشل، ويفرض على بكين الانتقائية الشديدة في اختيار الملفات.

2- حدة التنافس الأمريكي–الصيني الذي لم يعد محصورًا في الفضاء الآسيوي–الباسيفيكي، بل امتدّ إلى الشرق الأوسط في ملفات تتعلق بالتكنولوجيا (هواوي، الجيل الخامس)، والاستثمارات في الموانئ الاستراتيجية، ووصول الصين إلى أسواق الأسلحة والطاقة.

3- حساسية القضايا الإسلامية والحقوقية، خصوصًا ملف الإيغور، الذي قد يتحوّل إلى نقطة احتكاك في أي لحظة، خاصة مع نمو الفضاءات الإعلامية البديلة وقدرة الرأي العام على التأثير في القرار الرسمي.

4-صعوبة التوازن بين فاعلين متناقضين كإيران وإسرائيل والمملكة العربية السعودية وفلسطين. فأي اختيار صيني واضح في ملف من الملفات قد يفقدها امتيازًا في ملف آخر، وهو ما يجعل التوازن الصيني هشا بطبيعته.

5- حدود قدرة الصين على الجمع بين الحضور الاقتصادي وادعاء الحياد السياسي، إذ كلما تعمقت المصالح الاقتصادية، قلّ هامش الحياد، وزاد الضغط على بكين لاتخاذ مواقف فاعلة.

في ضوء الفرص والتحديات، تتراءى أربعة سيناريوهات يمكن طرحها على أساس متغيرات الانخراط ومستوى التنافس الدولي:

السيناريو الأول: استمرار الحضور الاقتصادي مع انخراط سياسي محدود: وهو الأكثر احتمالًا في الأمد القصير، حيث تواصل الصين توسيع استثماراتها وحضورها التجاري، مع تجنّب الانخراط الأمني المباشر، والاكتفاء بالخطاب الدبلوماسي والمشاركة في الأطر الأممية. ويحقق هذا السيناريو الحدّ الأدنى من المخاطر، لكنه يبقى مكلفًا في حال تعرّض المصالح الصينية لاضطرابات جدية.

السيناريو الثاني – الوساطة الدبلوماسية المحسوبة: يقوم على تكرار نموذج اتفاق الرياض–طهران في ملفات أخرى، كملف العلاقات السورية–الخليجية، أو حتى مسار فلسطيني داخلي، ولكن بمستوى نجاح متفاوت ومتقطع. ويتطلب هذا السيناريو من الصين تطوير شبكة المبعوثين الخاصين، وقدرات تحليل أعمق للأزمات الإقليمية.

السيناريو الثالث: التحوّل إلى فاعل استراتيجي أكبر: يتطلب قبول الصين بتكاليف الحضور الأمني، عبر قواعد عسكرية إضافية أو ترتيبات أمنية إقليمية، وهو سيناريو منخفض الاحتمال في الأمد المتوسط، لكنه قد يفرض نفسه إذا تصاعدت تهديدات الملاحة في البحر الأحمر، أو نشبت أزمة كبرى تطال أصول صينية مباشرة.

السيناريو الرابع: التصادم غير المباشر مع الولايات المتحدة: يتحقق إذا تصاعد التنافس على ممرات الملاحة والتكنولوجيا، وقد يُجبر الصين على خيارات أكثر حسمًا، خاصة إذا حاولت واشنطن إقصاء الصين من البنى التحتية الحيوية في المنطقة. ويظل هذا السيناريو محتملًا في الأمد المتوسط–البعيد، ولكن مع حرص الطرفين على إبقاء التنافس تحت سقف المواجهة المباشرة.

جدول رقم (5): فرص وتحديات الدور الصيني المستقبلي في الشرق الأوسط

الفرصالتحديات
تراجع الثقة في الالتزام الأمني الأمريكيتعقيد الأزمات الإقليمية وتعدّد لاعبيها
حاجة دول المنطقة لشراكات تنموية وتكنولوجيةحدّة التنافس الأمريكي–الصيني المتصاعد
جاذبية نموذج التنمية القائم على عدم التدخلحساسية ملف الإيغور والقضايا الحقوقية
رغبة دول المنطقة في تنويع شراكاتها الدوليةصعوبة التوازن بين فاعلين متناقضين
صعود تكتلات بديلة مثل البريكسحدود الجمع بين الحضور الاقتصادي والحياد السياسي

الخاتمة: النتائج والتوصيات

سعت هذه الدراسة إلى تقديم قراءة تحليلية للسياسة الصينية تجاه أزمات الشرق الأوسط، من خلال إطار مفهومي يربط بين أبعاد القضية الفلسطينية، والأمن والهوية الإسلامية، والتحولات السياسية والاقتصادية، مع توظيف ملفات فلسطين واليمن والملف الإيراني–الخليجي حالاتٍ تطبيقية. وقد توصّلت الدراسة إلى مجموعة من النتائج، تتلوها توصيات عملية وأكاديمية.

1. أصبحت السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط أكثر تعقيدًا من مجرد علاقات اقتصادية، وتجمع بين أبعاد دبلوماسية وأمنية ورمزية متشابكة. ولم يعد ممكنًا تحليلها بمنطق ثنائية «الاقتصاد مقابل السياسة»، بل تتطلّب أدوات تحليلية أكثر تركيبًا تستوعب البعد الرمزي والهوياتي إلى جانب البعد المادي.

2. توفّر القضية الفلسطينية للصين مساحةً لتعزيز خطابها حول العدالة الدولية وتعدّدية النظام الدولي، وقد منحتها الحرب على غزة منذ 2023 لحظةً مناسبة لإبراز التباين مع الموقف الأمريكي. غير أن قدرتها التأثيرية المباشرة تبقى محدودة، وإعلان بكين بين الفصائل الفلسطينية في 2024، رغم رمزيته العالية، لم يُحدث تحولًا فعليًا في موازين القوى.

3. تشكّل قضايا الأمن والهوية الإسلامية، وفي مقدمتها قضية الإيغور، محدّدًا حساسًا يقيّد التقارب الصيني–الإسلامي رغم المصالح الاقتصادية الكبرى. فبكين تنجح تكتيكيًا في احتواء انتقادات الحكومات، لكنها تظل هشّة أمام احتمال تصاعد الضغط الشعبي والإعلامي.

4. تحرص الصين على تجنّب الانخراط المباشر في أزمات المنطقة، وتفضّل أنماط الوساطة الرمزية والاستفادة الذكية من اللحظات الدبلوماسية المهيأة، كما تجلّى في الاتفاق السعودي–الإيراني عام 2023. وتظهر دراسة الحالة اليمنية، بوضوح، الحدود البنيوية للدور الصيني، إذ لم تُحدث الصين تأثيرًا حاسمًا في معادلة الحرب رغم تأثرها بهجمات البحر الأحمر.

5. حوّلت مبادرة الحزام والطريق استقرار الشرق الأوسط إلى جزء من الأمن الاقتصادي الصيني، وهو ما قد يدفع بكين تدريجيًا نحو انخراط أكبر مما كانت تسمح به أدبياتها التقليدية، خاصة إذا تكرّرت الاضطرابات التي تطال البنية التحتية والاستثمارات الصينية.

6. لا يُتوقّع أن تتحوّل الصين، خلال الأمد المنظور، إلى بديل أمني للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، لكنها ستظلّ قوة دبلوماسية واقتصادية مؤثرة قادرة على تشكيل بعض المسارات، خاصةً عبر منصّات بديلة كالبريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون والقمم العربية–الصينية.

7. كشفت الدراسة عن تطوّر في مفهوم «عدم التدخل» في الفكر السياسي الصيني، باتجاه ما يمكن وصفه بـ«عدم التدخل البنّاء»، وهو ما يمثل مساحة مرونة تتيح للصين الانخراط الانتقائي دون التخلي عن خطاب السيادة.

1. ضرورة تجاوز التصورات التقليدية التي تحصر الدور الصيني في البعد الاقتصادي، وبناء قراءات متعددة الأبعاد للسياسة الصينية في المنطقة، تستوعب الأبعاد الدبلوماسية والثقافية والأمنية والهوياتية، وتنفتح على أدوات منهجية متعددة من العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع السياسي.

2. أهمية تطوير دراسات متخصصة بمتابعة أثر قضية تركستان الشرقية على العلاقات الصينية–الإسلامية، باعتبارها مؤشرًا للحدود الأخلاقية والسياسية للتقارب، ومتغيّرًا قد يتبدّل وزنه التحليلي بسرعة تحت ضغط أحداث جديدة أو تحوّلات في الرأي العام الإسلامي.

3. ضرورة تحليل الموقف الصيني من فلسطين ضمن سياق التنافس الدولي والاستراتيجي، لا الاكتفاء بالقراءة الإنسانية أو التضامنية، حتى لا تنتج عن ذلك توقّعات عربية ـ شعبية ورسميةـ مبالغ فيها لا تنسجم مع طبيعة الأدوات الصينية وحدودها الفعلية.

4. أهمية أن تتبنّى الدول العربية سياسة جماعية أكثر وضوحًا تجاه الصين، تحدّد الأولويات والمصالح وحدود الشراكة، وتتجاوز الأنماط الثنائية المتفرّقة، عبر تفعيل آليات منتدى التعاون العربي–الصيني، وتطوير «خطاب عربي موحّد» في الملفات الاستراتيجية كالطاقة والتكنولوجيا والأمن.

5. الحاجة إلى إنشاء وتطوير مراكز بحث عربية متخصصة في الدراسات الصينية، ترفد القرار العربي بقراءات معمّقة بعيدة عن الاستقطاب بين الانبهار الكامل والرفض الكامل، وتعتمد على باحثين يُتقنون اللغة الصينية ويحتكّون مباشرةً بالأدبيات الصينية الرسمية والأكاديمية.

6. تشجيع البحث المقارن بين السياسات الصينية في الشرق الأوسط وسياساتها في إفريقيا وأمريكا اللاتينية، لاستخلاص الأنماط المشتركة والخصوصيات الإقليمية، وفتح أفق نظري لفهم «النموذج الصيني» في إدارة العلاقات مع دول الجنوب.

وفي الختام، يبقى الدور الصيني في الشرق الأوسط دورًا في طور التشكّل، يتشكّل وفق تفاعلات معقّدة بين مصالح الصين الذاتية، ودينامية الأزمات الإقليمية، وتوازنات النظام الدولي. وفهمُ هذا الدور بدقة ـ بعيدًا عن الإفراط في التهويل أو التهوينـ شرطٌ أساسٌ لبناء سياسات عربية واعية، تستثمر الفرص وتتحوّط للمخاطر، في عصر يعاد فيه تشكيل خريطة القوى الكبرى.


([1])-المبادئ الخمسة للتعايش السلمي صاغها رئيس الوزراء الصيني تشو إن لاي سنة 1954 في بيان مشترك مع رئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو، وشملت: الاحترام المتبادل للسيادة والسلامة الإقليمية، عدم الاعتداء، عدم التدخل في الشؤون الداخلية، المساواة والمنفعة المتبادلة، التعايش السلمي. وتُعدّ هذه المبادئ المرجعية الفلسفية الأساسية للسياسة الخارجية الصينية المعاصرة.

([2])-يُمكّن منهج تحليل السياسة الخارجية (Foreign Policy Analysis) من تفكيك القرار في السياسة الخارجية بأبعاده النفسية والمؤسسية والمجتمعية، ويتجاوز التحليل الكلاسيكي القائم على «الدولة الفاعل العقلاني» وحده. للاستزادة: Valerie M. Hudson, Foreign Policy Analysis: Classic and Contemporary Theory, 2nd ed., (Lanham: Rowman & Littlefield, 2014), pp. 3–34.

([3])-تتفاوت تصنيفات الباحثين لمراحل الحضور الصيني في الشرق الأوسط؛ ويُعتمد هنا تقسيم ثلاثي يستند إلى التحولات الكبرى في العقيدة الصينية (الماوية، الإصلاح الاقتصادي، الانخراط الاستراتيجي). للمزيد أنظر في :

Yitzhak Shichor, The Middle East in China’s Foreign Policy 1949–1977, (Cambridge: Cambridge University Press, 1979), pp. 1–25; Jonathan Fulton, China’s Relations with the Gulf Monarchies, (London: Routledge, 2019), pp. 12–40.

([4])- تتفاوت النسبة من سنة لأخرى وفق إحصاءات الإدارة العامة للجمارك الصينية (GACC) ووكالة الطاقة الدولية (IEA)، لكنها تتجاوز عمومًا 50% من واردات النفط الخام الصينية، وتتقدّمها المملكة العربية السعودية والعراق والإمارات وعُمان وإيران ضمن أول عشر دول مورّدة. راجع: International Energy Agency, Oil Market Report, (Paris: IEA, December 2023

([5]) – أُعلنت المبادئ الخمسة في 28 أبريل 1954 في إطار التفاهم الصيني–الهندي، ثم اعتُمدت رسميا في مؤتمر باندونغ 1955. وقد تحوّلت إلى مرجعية في الميثاق الدبلوماسي الصيني، وتستحضر باستمرار في خطاب القيادة الصينية المعاصرة في معرض الردّ على الانتقادات الغربية لسياساتها الداخلية.

([6]ـ)- اعترفت جمهورية الصين الشعبية رسميا بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا للشعب الفلسطيني عام 1965، وفتحت لها مكتبًا في بكين، وقدمت دعما عسكريا ودبلوماسيا في تلك المرحلة. لمراجعة سياق العلاقة، راجع: Yitzhak Shichor, The Middle East in China’s Foreign Policy 1949–1977, op. cit., pp. 110–135.

([7]) – طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ النقاط الأربع لحل القضية الفلسطينية في خطابه أمام مقر جامعة الدول العربية بالقاهرة في 21 يناير 2016، وأعاد التأكيد عليها في مناسبات لاحقة. النص الكامل منشور على الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الصينية، أنظر: شي جين بينغ، «نحو شراكة استراتيجية صينية–عربية للتعاون الشامل والتنمية المشتركة»، خطاب القاهرة، 21 يناير 2016.

([8])- صدر «إعلان بكين حول إنهاء الانقسام وتعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية» في 23 يوليو 2024 بعد محادثات استضافتها وزارة الخارجية الصينية بمشاركة أربعة عشر فصيلًا فلسطينيًا، وتضمّن التوافق على تشكيل حكومة وحدة وطنية مؤقتة لقطاع غزة والضفة الغربية. الإعلان منشور على الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الصينية: www.fmprc.gov.cn.

([9])- يُترجم مفهوم «الشرور الثلاثة» (三股势力 / Three Evils) في الخطاب الصيني الرسمي إلى: الإرهاب، والانفصال، والتطرف الديني. وقد تكرس هذا المفهوم منذ مطلع الألفية الثالثة، خاصة في إطار منظمة شنغهاي للتعاون التي أُسّست عام 2001، ومنحته بكين مكانة محورية في خطابها الأمني الإقليمي. راجع: Sean R. Roberts, The War on the Uyghurs, (Princeton: Princeton University Press, 2020), pp. 88–115.

([10])-  تتفاوت الإحصاءات الرسمية الصينية والمستقلة بشأن العدد الدقيق لسكان شينجيانغ المسلمين، ويراوح بين عشرة واثني عشر مليون نسمة، يضمّ الإيغور أساسًا والكازاخ والقيرغيز والهوي. راجع: James A. Millward, Eurasian Crossroads: A History of Xinjiang, (New York: Columbia University Press, 2007), pp. 305–340.

([11]) -في فبراير ومارس 2011، نفّذت الصين أكبر عملية إجلاء لرعاياها في تاريخها الحديث، حيث أُجلي ما يزيد على 35 ألف عامل صيني من ليبيا عبر البحر المتوسط، بمشاركة سفن تجارية وطائرات مدنية وفرقاطة بحرية. ومثّلت العملية تحوّلًا في الوعي الصيني بضرورة تطوير قدرات إخلاء وحماية مصالح خارجية. راجع: Andrea Ghiselli, Protecting China’s Interests Overseas, (Oxford: Oxford University Press, 2021), pp. 70–98.

([12])-أشارت تقارير مختلفة إلى تفاهمات غير معلنة بين جماعة أنصار الله الحوثية والصين وروسيا تقضي بعدم استهداف سفنهما في البحر الأحمر مقابل عدم انضمام البلدين إلى تحالفات حماية الملاحة الغربية. راجع: International Crisis Group, China’s Middle East Diplomacy: Yemen and the Gulf, Asia Report, (Brussels: ICG, 2023), pp. 12–18.

([13])- صدر «البيان المشترك الثلاثي بين جمهورية الصين الشعبية والمملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية» في بكين بتاريخ 10 مارس 2023، أعلن فيه عن استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران بعد قطيعة دامت سبع سنوات، وفتح السفارات خلال شهرين، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

Admin

مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية: مؤسسة فكر وتخطيط استراتيجي تقوم على إعداد التقديرات وتقديم الاستشارات وإدارة المشروعات البحثية حول المتوسط وتفاعلاته الإقليمية والدولية. لا يتبنى المركز أية توجهات مؤسسية حول كل القضايا محل الاهتمام، والآراء المنشورة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى