مبادرة الحزام والطريق وانعكاساتها على السياسات الصينية في الشرق الأوسط

عزالدين ظافر
جامعة محمد الأول، المغرب
مقدمة:
أصبح صعود الصين خلال العقود الثلاثة الأخيرة أحد أهم التحولات التي شهدها النظام الدولي المعاصر، فبعد أن كانت الصين تُصنف ضمن الدول النامية ذات الحضور المحدود في السياسة العالمية، تحولت تدريجيا إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وفاعل رئيسي في القضايا الاقتصادية والاستراتيجية الدولية؛ وقد رافق هذا الصعود تحول في طبيعة السياسة الخارجية الصينية من التركيز على التنمية الداخلية إلى البحث عن آليات جديدة لحماية المصالح الإقتصادية وتأمين الموارد والأسواق وتعزيز النفوذ الدولي.
في هذا السياق أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ سنة 2013 عن مبادرة الحزام والطريق (Belt and Road Initiative)، التي تعد أكبر مشروع اقتصادي واستراتيجي أطلقته الصين منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية؛ وتقوم المبادرة على إنشاء شبكة واسعة من الممرات البرية والبحرية التي تربط الصين بآسيا الوسطى وأوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط من خلال مشاريع البنية التحتية والنقل والطاقة والاتصالات والتجارة والاستثمار.
وقد اعتبر العديد من الباحثين أن المبادرة تمثل الإطار الأكثر شمولاً في السياسة الخارجية الصينية المعاصرة، إذ تهدف إلى تعزيز الترابط الاقتصادي العالمي وتوسيع النفوذ الصيني خارج محيطه الإقليمي التقليدي؛ ويرى تيري موبلي أن المبادرة أصبحت “حجر الزاوية في السياسة الخارجية للرئيس شي جين بينغ”، كما تمثل الأداة الأساسية التي تسعى الصين من خلالها إلى توسيع شبكاتها الاقتصادية والاستراتيجية على المستوى الدولي([1]).
ويحتل الشرق الأوسط موقعا محوريا في هذه الرؤية الاستراتيجية الجديدة. فمن جهة، يمثل الإقليم نقطة اتصال جغرافية بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، ومن جهة أخرى يشكل أحد أهم مصادر الطاقة التي يعتمد عليها الاقتصاد الصيني؛ كما تضم المنطقة عدداً من أهم الممرات البحرية الدولية مثل قناة السويس ومضيق هرمز وباب المندب، وهي ممرات حيوية للتجارة الصينية ولحركة إمدادات النفط والغاز.
وقد أدى تزايد أهمية الشرق الأوسط في الإستراتيجية الصينية إلى طرح تساؤلات عديدة حول طبيعة التحول الذي شهدته السياسة الصينية تجاه المنطقة؛ فهل ما تزال الصين متمسكة بسياسة الحياد وعدم التدخل التي ميزت سلوكها الخارجي لعقود طويلة؟، أم أن توسع مصالحها الإقتصادية والإستراتيجية دفعها إلى تبني دور سياسي ودبلوماسي أكثر نشاطاً؟.
وتنبع أهمية هذه الدراسة من محاولة فهم العلاقة بين مبادرة الحزام والطريق والتحولات التي عرفتها السياسة الخارجية الصينية في الشرق الأوسط، خاصة في ظل تصاعد المنافسة الدولية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، وتنامي الأهمية الجيوسياسية للمنطقة في معادلات الأمن والطاقة والتجارة العالمية.
وتنطلق الدراسة من إشكالية رئيسية تتمثل في التساؤل الآتي: إلى أي حد ساهمت مبادرة الحزام والطريق في إعادة تشكيل السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط؟، وما حدود هذا التحول في ظل التنافس الدولي والتحديات الإقليمية الراهنة؟.
تفترض الدراسة أن مبادرة الحزام والطريق أسهمت في تعزيز الحضور الاقتصادي والدبلوماسي للصين في الشرق الأوسط، غير أن هذا التحول ظل محكوما بمجموعة من القيود المرتبطة بمبدأ عدم التدخل وبطبيعة التوازنات الدولية والإقليمية.
أولاً: الإطار النظري والاستراتيجي لمبادرة الحزام والطريق
1- نشأة المبادرة وتطورها
أعلن الرئيس الصيني “شي جين بينغ” عن مبادرة الحزام الاقتصادي لطريق الحرير خلال زيارته إلى كازاخستان في سبتمبر 2013، ثم أعلن بعد ذلك بشهر واحد عن مشروع طريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين خلال زيارته إلى إندونيسيا؛ ومن خلال هذين الإعلانين بدأت تتبلور ملامح المشروع الذي أصبح يعرف لاحقاً باسم مبادرة الحزام والطريق.
وتعود الجذور الفكرية للمبادرة إلى طريق الحرير التاريخي الذي ربط الصين بمناطق آسيا الوسطى والشرق الأوسط وأوروبا عبر شبكة واسعة من الطرق التجارية والثقافية. وقد لعب هذا الطريق دوراً محورياً في انتقال السلع والأفكار والثقافات بين الحضارات المختلفة، الأمر الذي جعل القيادة الصينية تستحضر رمزيته التاريخية لتبرير مشروعها الجديد([2]). وتشير الدراسات الصينية إلى أن المبادرة لا تقتصر على إحياء المسارات التاريخية لطريق الحرير، بل تهدف إلى إنشاء بنية عالمية جديدة للترابط الاقتصادي تعتمد على الموانئ والطرق والسكك الحديدية وخطوط الطاقة وشبكات الاتصالات الحديثة.
-أهداف المبادرة: تسعى مبادرة الحزام والطريق إلى تحقيق مجموعة من الأهداف المتداخلة يمكن تصنيفها ضمن ثلاثة مستويات رئيسية:
أ- الأهداف الاقتصادية : تتمثل في:
- فتح أسواق جديدة للمنتجات الصينية؛
- تصدير الفائض الصناعي الصيني؛
- تعزيز الاستثمار الخارجي؛
- تطوير الأقاليم الغربية الأقل نمواً داخل الصين؛
- تأمين سلاسل الإمداد العالمية.
وتؤكد لورين جونستون أن المبادرة جاءت في سياق تحولات داخلية شهدها الاقتصاد الصيني، تمثلت في تباطؤ النمو الاقتصادي وتراجع فعالية النموذج الإقتصادي القائم على التصدير، الأمر الذي دفع بكين إلى البحث عن آفاق جديدة للنمو خارج حدودها الوطنية([3]).
ب- الأهداف الجيوسياسية:
ترتبط المبادرة برغبة الصين في تعزيز نفوذها الدولي وإعادة تشكيل التوازنات العالمية بصورة تدريجية. وفي هذا الإطار أصبحت المبادرة وسيلة لإعادة تموضع الصين داخل النظام الدولي من خلال بناء شبكة واسعة من الشراكات الاقتصادية والاستراتيجية. ويرى عدد من الباحثين أن المبادرة تمثل أحد أهم أدوات القوة الناعمة الصينية، حيث تسمح لبكين بتعزيز حضورها الدولي دون اللجوء إلى الأدوات العسكرية التقليدية التي ميزت صعود القوى الكبرى في مراحل تاريخية سابقة.
ج- الأهداف الأمنية:
تتعلق بحماية المصالح الاقتصادية الصينية وتأمين خطوط التجارة والطاقة. فمع تزايد اعتماد الصين على الاستيراد الخارجي للنفط والغاز، أصبح أمن الممرات البحرية والتجارية جزءاً من منظومة الأمن القومي الصيني.
وفي هذا السياق تشير بعض الدراسات إلى أن المبادرة تمثل محاولة للتخفيف من ما يعرف بـ “معضلة ملقا”، أي اعتماد الصين الكبير على الممرات البحرية التي يمكن أن تتعرض للتهديد أو الإغلاق في أوقات الأزمات الدولية([4]).
2-المبادرة كأداة للسياسة الخارجية الصينية:
لم تعد مبادرة الحزام والطريق مجرد مشروع اقتصادي، بل تحولت إلى إطار شامل للسياسة الخارجية الصينية. فالصين تستخدم المبادرة لتعزيز علاقاتها الثنائية مع الدول المختلفة، ولتوسيع حضورها داخل المنظمات الدولية والإقليمية، ولإبراز نفسها بوصفها قوة داعمة للتنمية والتعاون الدولي.
وقد أشار جوناثان فالتون إلى أن المبادرة أدت إلى توسيع المصالح الصينية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بصورة غير مسبوقة، وأسهمت في انتقال العلاقات الصينية مع المنطقة من مستوى التبادل التجاري التقليدي إلى مستوى الشراكات الاستراتيجية متعددة الأبعاد([5]).
كما يرى عدد من الباحثين أن المبادرة أصبحت تمثل رؤية صينية بديلة للعولمة، تقوم على تعزيز الترابط الاقتصادي والتعاون التنموي، بدلاً من التدخلات السياسية والعسكرية التي ارتبطت بالقوى الغربية خلال العقود الماضية. ومن ثم يمكن القول إن مبادرة الحزام والطريق تشكل الإطار النظري والعملي الذي يفسر التحولات التي شهدتها السياسة الخارجية الصينية خلال العقد الأخير، كما توفر المدخل الأساسي لفهم تنامي الحضور الصيني في الشرق الأوسط ومختلف مناطق العالم.
ثانياً: الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية للشرق الأوسط في الاستراتيجية الصينية
1-الشرق الأوسط في التصور الجيوسياسي لمبادرة الحزام والطريق
يحتل الشرق الأوسط موقعاً مركزياً في الرؤية الاستراتيجية الصينية المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي الفريد، وإنما أيضاً نتيجة التحولات التي شهدها النظام الدولي خلال العقود الأخيرة؛ فقد أصبحت المنطقة تمثل نقطة إلتقاء بين أهم المسارات البرية والبحرية التي تسعى الصين إلى تطويرها ضمن مشروعها العالمي لإعادة تشكيل شبكات التجارة والاستثمار الدولية.
ويمثل الموقع الجغرافي للشرق الأوسط أحد أهم العوامل التي تفسر اهتمام الصين المتزايد بالمنطقة؛ فالشرق الأوسط يقع عند تقاطع ثلاث قارات هي آسيا وإفريقيا وأوروبا، كما يشرف على مجموعة من أهم الممرات البحرية العالمية التي تشكل شرايين أساسية للتجارة الدولية؛ ويكفي أن نذكر أن جزءاً مهماً من التجارة الصينية المتجهة نحو أوروبا وإفريقيا يمر عبر البحر الأحمر وقناة السويس، الأمر الذي يمنح المنطقة أهمية استراتيجية استثنائية في الحسابات الصينية.
وقد أشار تقرير مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية الصادر سنة 2024 إلى أن العلاقات بين الصين ودول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا شهدت تطوراً ملحوظاً خلال العقد الأخير، بالتزامن مع بروز نظام دولي أكثر تعددية في مراكز القوة، وتراجع الثقة الإقليمية في استمرارية الإلتزام الأمريكي التقليدي تجاه المنطقة؛ وقد دفع هذا التحول العديد من دول الشرق الأوسط إلى تنويع شراكاتها الدولية والانفتاح بصورة أكبر على الصين([6]).
كما تنظر الصين إلى المنطقة باعتبارها حلقة وصل حيوية بين الممرات البرية والبحرية لمبادرة الحزام والطريق؛ فالممرات البرية القادمة من آسيا الوسطى تتقاطع مع المسارات التجارية المؤدية إلى الموانئ الخليجية والبحر الأحمر، بينما يشكل طريق الحرير البحري أحد أهم مكونات المبادرة وأكثرها ارتباطاً بالشرق الأوسط.
ويذهب بعض الباحثين إلى أن أهمية المنطقة بالنسبة للصين لا ترتبط فقط بالاعتبارات الاقتصادية، وإنما تشمل أيضاً أبعاداً جيوسياسية مرتبطة بإعادة توزيع النفوذ الدولي؛ فالصين تدرك أن نجاح مبادرة الحزام والطريق يتطلب حضوراً فعالاً في المناطق التي تشكل عقداً رئيسية في التجارة العالمية، والشرق الأوسط يأتي في مقدمة هذه المناطق.
-أهمية الممرات البحرية الاستراتيجية:
تولي الصين اهتماماً متزايداً بالممرات البحرية الواقعة في الشرق الأوسط، نظراً لدورها الحاسم في تأمين حركة التجارة والطاقة؛ وتبرز في هذا السياق ثلاثة ممرات أساسية:
أ- مضيق هرمز: يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية العالمية لنقل النفط والغاز الطبيعي؛ وتمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الطاقة القادمة من دول الخليج العربي نحو الأسواق الآسيوية، وفي مقدمتها الصين؛ وقد أدى الإعتماد الصيني المتزايد على واردات الطاقة إلى جعل أمن الملاحة في هذا المضيق جزءاً من المصالح الإستراتيجية الصينية طويلة المدى.
ب- باب المندب: يعد باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، ويكتسب أهمية خاصة بالنسبة للصين بسبب إرتباطه المباشر بخطوط الملاحة المتجهة نحو قناة السويس والأسواق الأوروبية؛ وتدرك بكين أن أي اضطراب أمني في هذه المنطقة قد ينعكس مباشرة على حركة التجارة الصينية وعلى كلفة النقل البحري.
ج- قناة السويس: تمثل قناة السويس أحد أهم الممرات التجارية العالمية وأكثرها أهمية بالنسبة لمبادرة الحزام والطريق. وقد ساهمت الاستثمارات الصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في تعزيز الوجود الصيني في واحدة من أهم العقد اللوجستية الدولية؛ ومن منظور صيني، لا تقتصر أهمية قناة السويس على دورها التجاري، بل ترتبط أيضاً بقدرتها على تقليص زمن وكلفة النقل بين آسيا وأوروبا، وهو ما ينسجم مع الأهداف الأساسية للمبادرة.
2-أمن الطاقة بوصفه محدداً رئيسياً للسياسة الصينية:
إذا كان الموقع الجغرافي يفسر جزءاً من الاهتمام الصيني بالشرق الأوسط، فإن قضية الطاقة تمثل العامل الأكثر تأثيراً في صياغة السياسة الصينية تجاه المنطقة؛ فمنذ بداية الألفية الثالثة ارتفع الطلب الصيني على النفط والغاز بوتيرة متسارعة نتيجة النمو الاقتصادي السريع والتوسع الصناعي والعمراني. وقد جعل هذا الواقع من تأمين مصادر الطاقة أولوية إستراتيجية للدولة الصينية.
في هذا الإطار تشير دراسة سارة محمود غزال إلى أن أمن الطاقة يشكل أحد أهم الدوافع العملية لمبادرة الحزام والطريق، وأن المشاريع الإقتصادية المرتبطة بالمبادرة تكشف بوضوح عن المكانة المحورية التي تحتلها الطاقة في التفكير الاستراتيجي الصيني([7]). كما تؤكد الدراسة أن الصين أصدرت سنة 2017 وثيقة خاصة بالتعاون في مجال الطاقة ضمن إطار الحزام والطريق، وهو ما يعكس إدراك القيادة الصينية للعلاقة الوثيقة بين المبادرة وأمن الطاقة الوطني([8]).
وتزداد أهمية الشرق الأوسط في هذا المجال بسبب احتوائه على أكبر قدر من احتياطات النفط والغاز في العالم. فدول الخليج العربي والعراق وإيران تعد من أهم المزودين للطاقة بالنسبة للصين، الأمر الذي جعل العلاقات مع هذه الدول تتجاوز الاعتبارات التجارية التقليدية لتصبح جزءاً من الحسابات الاستراتيجية بعيدة المدى.
وقد أدى ذلك إلى تعزيز التعاون الصيني مع دول المنطقة في مجالات:
- إستيراد النفط والغاز؛
- تطوير المصافي ومرافق التكرير؛
- الإستثمار في البتروكيماويات؛
- بناء منشآت التخزين الإستراتيجي؛
- تمويل مشاريع الطاقة المتجددة؛
ومن ثم يمكن القول أن أمن الطاقة يمثل حجر الأساس في الحضور الصيني المتنامي بالشرق الأوسط.
3-الشرق الأوسط كسوق استثماري ولوجستي
إلى جانب الطاقة، تنظر الصين إلى الشرق الأوسط باعتباره سوقاً استثمارية واعدة ومركزاً لوجستياً رئيسياً ضمن شبكة الحزام والطريق؛ وقد أظهرت بيانات الاستثمار الخاصة بمبادرة الحزام والطريق خلال السنوات الأخيرة تحولاً واضحاً في اتجاه الاستثمارات الصينية نحو الشرق الأوسط وإفريقيا؛ ويشير تقرير “ندوبيل وانغ ” إلى أن سنة 2021 شهدت توجهاً متزايداً للاستثمارات والتمويلات الصينية نحو دول الشرق الأوسط، وأن العراق أصبح أكبر مستفيد من عقود البناء المرتبطة بالمبادرة خلال تلك السنة ([9])؛ ويعكس هذا التوجه رغبة الصين في تعزيز حضورها الاقتصادي داخل المنطقة من خلال مشاريع البنية التحتية الكبرى. وتشمل هذه المشاريع:
- تطوير الموانئ.
- إنشاء المناطق الصناعية.
- شبكات السكك الحديدية.
- مشاريع النقل متعدد الوسائط.
- المدن الذكية.
- البنية التحتية الرقمية.
وقد بينت دراسة مؤسسة RAND أن تحسين البنية التحتية والربط اللوجستي يؤدي إلى خفض تكاليف النقل وتعزيز التجارة الدولية والتكامل الاقتصادي الإقليمي([10])، وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة بالنسبة للشرق الأوسط، حيث تسعى العديد من دول المنطقة إلى التحول إلى مراكز لوجستية عالمية تربط بين الأسواق الآسيوية والأوروبية والإفريقية.
4-الشراكات الاستراتيجية الصينية في الشرق الأوسط:
أدى تزايد أهمية المنطقة إلى تطوير الصين لشبكة واسعة من الشراكات الاستراتيجية مع عدد من دول الشرق الأوسط؛ وقد تميزت هذه الشراكات بعدة خصائص:
أولاً، أنها تقوم على المصالح الاقتصادية المتبادلة أكثر من قيامها على الاعتبارات الأيديولوجية؛ ثانياً، أنها تتسم بدرجة عالية من البراغماتية والمرونة؛ ثالثاً، أنها تشمل مجالات متعددة تتجاوز التجارة والطاقة لتشمل التكنولوجيا والتمويل والبنية التحتية. وفي هذا السياق يشير جوناثان فالتون إلى أن العلاقات الصينية مع الشرق الأوسط شهدت تحولاً تدريجياً من مجرد علاقات اقتصادية إلى شراكات ذات أبعاد استراتيجية أوسع، وهو ما انعكس في الزيادة المستمرة للاتفاقيات الثنائية ومذكرات التفاهم والاستثمارات المشتركة([11]).
وقد شملت هذه الشراكات:
- الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع المملكة العربية السعودية.
- اتفاقية التعاون الإستراتيجي طويلة المدى مع إيران.
- التعاون اللوجستي والإستثماري مع الإمارات العربية المتحدة.
- مشاريع المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في مصر.
- التعاون المتنامي مع المغرب في مجالات الصناعة والطاقة والبنية التحتية.
يتضح مما سبق أن أهمية منطقة الشرق الأوسط في الإستراتيجية الصينية لا تقتصر على عامل واحد، بل تقوم على تداخل مجموعة من الاعتبارات الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية؛ فالمنطقة تمثل عقدة مركزية في شبكات التجارة العالمية، ومصدراً أساسياً للطاقة، وسوقاً استثمارية واعدة، ومجالاً مهماً لتوسيع النفوذ الصيني في إطار مبادرة الحزام والطريق.
وقد أدى هذا الواقع إلى جعل الشرق الأوسط أحد أهم الفضاءات الجيوسياسية في الاستراتيجية الصينية المعاصرة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على طبيعة السياسات التي تنتهجها بكين تجاه المنطقة، وهو ما سيتم تناوله في المحور التالي المتعلق بانعكاسات المبادرة على السياسة الخارجية الصينية.
ثالثاً: انعكاسات مبادرة الحزام والطريق على السياسة الخارجية الصينية في الشرق الأوسط
1-من الحضور الاقتصادي إلى الحضور الاستراتيجي:
شكلت مبادرة الحزام والطريق نقطة تحول مهمة في طبيعة العلاقات الصينية مع الشرق الأوسط؛ فقبل إطلاق المبادرة كانت السياسة الصينية تجاه المنطقة ترتكز أساساً على تأمين احتياجات الاقتصاد الصيني من الطاقة وتعزيز التبادل التجاري مع دول المنطقة؛ غير أن توسع المبادرة وتحولها إلى إطار شامل للسياسة الخارجية الصينية أدى إلى توسيع نطاق المصالح الصينية وإلى إعادة صياغة أولوياتها الإقليمية.
وقد لاحظ جوناثان فالتون أن العلاقات بين الصين والشرق الأوسط لم تعد تقتصر على المصالح الاقتصادية التقليدية، بل أصبحت تتضمن اعتبارات استراتيجية وجيوسياسية متزايدة، نتيجة التوسع الكبير في المصالح الصينية المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق ([12]).
تفسر هذه التحولات الزيادة الملحوظة في عدد الشراكات الاستراتيجية التي أبرمتها الصين مع دول المنطقة خلال العقد الأخير، فضلاً عن تنامي الحضور الصيني في المنتديات السياسية والإقليمية المتعلقة بالشرق الأوسط. ومن منظور نظريات العلاقات الدولية، يمكن اعتبار مبادرة الحزام والطريق أداة لإعادة إنتاج النفوذ الدولي الصيني عبر وسائل اقتصادية وتنموية، وهو ما يختلف عن أنماط التوسع التقليدية التي اعتمدتها القوى الكبرى تاريخياً من خلال التحالفات العسكرية أو التدخلات السياسية المباشرة.
وفي هذا الإطار، تسعى الصين إلى بناء ما تصفه بـ”مجتمع المصير المشترك للبشرية”، وهو مفهوم يرتكز على تعزيز التعاون الاقتصادي والتكامل التنموي بين الدول المشاركة في المبادرة.
2-التحول في أولويات السياسة الخارجية الصينية:
أدت المبادرة إلى إعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية الصينية تجاه الشرق الأوسط. ففي المرحلة السابقة كانت الصين تنظر إلى المنطقة أساساً من زاوية الطاقة والتجارة؛ أما بعد سنة 2013 فقد أصبحت المنطقة تمثل جزءاً من رؤية استراتيجية أشمل ترتبط بمستقبل المبادرة نفسها؛ وقد إنعكس ذلك في عدة مظاهر:
أ- الارتقاء بمستوى العلاقات الثنائية: شهد العقد الأخير انتقال العلاقات الصينية مع عدد من دول الشرق الأوسط من مستوى الشراكة الاقتصادية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة؛ فقد وقعت الصين اتفاقيات شراكة استراتيجية مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر وإيران وعدد من الدول الأخرى، وهو ما يعكس تنامي الأهمية السياسية للمنطقة في الاستراتيجية الصينية.
ب- تعزيز الدبلوماسية الاقتصادية: أصبحت الدبلوماسية الاقتصادية إحدى أهم أدوات السياسة الصينية في الشرق الأوسط. فبدلاً من الاعتماد على النفوذ العسكري، فضلت بكين توظيف أدوات الاستثمار والتجارة والبنية التحتية لتعزيز حضورها الإقليمي. وتشير البيانات المتعلقة بمبادرة الحزام والطريق إلى أن التمويل الصيني للمشاريع الكبرى في مجالات النقل والطاقة والموانئ ساهم في تعزيز الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الصين ودول المنطقة([13]).
ج- توسيع التعاون متعدد القطاعات: لم يعد التعاون الصيني مقتصراً على الطاقة فقط، بل امتد ليشمل:
- التكنولوجيا الرقمية؛
- الذكاء الاصطناعي؛
- الاتصالات؛
- الطاقة المتجددة؛
- الخدمات اللوجستية؛
- المدن الذكية؛
- الأمن السيبراني.
وهو ما يعكس اتجاهاً نحو بناء شراكات طويلة الأمد تتجاوز المصالح التجارية التقليدية.
3-البنية التحتية كأداة للنفوذ الاستراتيجي:
تُعد مشاريع البنية التحتية من أهم الأدوات التي اعتمدتها الصين لتعزيز حضورها في الشرق الأوسط. فالمبادرة تقوم أساساً على تطوير شبكات النقل والاتصالات والطاقة وربط الأسواق الإقليمية والدولية ببعضها البعض؛ وتشير الدراسات إلى أن تحسين البنية التحتية يؤدي إلى خفض تكاليف النقل وزيادة حجم التجارة وتعزيز الاندماج الاقتصادي الإقليمي([14]). وقد ساهمت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع استراتيجية في عدد من دول المنطقة، من بينها:
- ميناء الدقم في سلطنة عمان؛
- المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في مصر؛
- مشاريع الموانئ في الإمارات؛
- مشاريع الطاقة والنقل في العراق؛
- مشاريع البنية التحتية في السعودية؛
وتكتسب هذه المشاريع أهمية تتجاوز بعدها الاقتصادي، لأنها تمنح الصين حضوراً دائماً في مواقع استراتيجية مرتبطة بالتجارة العالمية والطاقة؛ ومن هنا يرى بعض الباحثين أن البنية التحتية أصبحت إحدى أدوات القوة الناعمة الصينية، حيث تسمح لبكين بتعزيز نفوذها دون الحاجة إلى التوسع العسكري المباشر.
4-الدبلوماسية الصينية الجديدة في الشرق الأوسط
أحد أبرز التحولات التي أفرزتها مبادرة الحزام والطريق يتمثل في تطور الدور الدبلوماسي الصيني في المنطقة؛ فخلال العقود السابقة كانت الصين تتجنب الانخراط المباشر في القضايا السياسية المعقدة في الشرق الأوسط، مفضلة التركيز على العلاقات الاقتصادية؛ غير أن اتساع المصالح الصينية فرض على بكين تطوير أدوات دبلوماسية أكثر فاعلية؛ وقد انعكس ذلك في:
أ- تكثيف الزيارات الرسمية: شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في الزيارات المتبادلة بين القادة الصينيين وقادة دول المنطقة، كما ارتفع عدد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقعة بين الطرفين.
ب- تعزيز الوساطة السياسية : أصبحت الصين أكثر استعداداً للمساهمة في جهود الوساطة وتسوية النزاعات؛ ويمثل الاتفاق السعودي الإيراني الذي تم الإعلان عنه في بكين سنة 2023 أحد أبرز الأمثلة على هذا التحول. فقد إعتُبر نجاح الصين في رعاية الإتفاق مؤشراً على انتقالها من دور اقتصادي بحت إلى دور دبلوماسي أكثر نشاطاً؛ كما عكس هذا الحدث رغبة الصين في تقديم نفسها بوصفها قوة مسؤولة قادرة على المساهمة في تحقيق الاستقرار الإقليمي.
ج- تعزيز الحضور داخل المنظمات الإقليمية: عملت الصين على توسيع علاقاتها المؤسسية مع مختلف المنظمات والتجمعات الإقليمية في الشرق الأوسط، بما في ذلك جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي؛ ويعكس ذلك توجهاً نحو إضفاء طابع مؤسسي على العلاقات الصينية العربية.
5-طريق الحرير الرقمي والتحول التكنولوجي:
مع تطور المبادرة برز مفهوم “طريق الحرير الرقمي” باعتباره أحد أهم مكونات الاستراتيجية الصينية الجديدة؛ ويهدف هذا المشروع إلى تعزيز التعاون في مجالات:
- الاتصالات؛
- شبكات الجيل الخامس؛
- الذكاء الاصطناعي؛
- التجارة الإلكترونية؛
- الحوسبة السحابية؛
- المدن الذكية.
وقد أصبحت دول الشرق الأوسط من أبرز الشركاء في هذا المجال، خاصة مع توجه العديد منها إلى تنفيذ برامج للتحول الرقمي والتنويع الاقتصادي؛ ويُظهر هذا التحول أن النفوذ الصيني لم يعد قائماً فقط على مشاريع البنية التحتية التقليدية، بل أصبح يمتد أيضاً إلى المجالات التكنولوجية ذات الأهمية الاستراتيجية المتزايدة.
6-حدود التحول في السياسة الصينية:
على الرغم من اتساع الحضور الصيني في المنطقة، فإن هذا التحول لا يعني تخلي الصين عن المبادئ الأساسية لسياستها الخارجية؛ فما تزال بكين تؤكد بصورة مستمرة على:
- احترام سيادة الدول؛
- عدم التدخل في الشؤون الداخلية؛
- رفض سياسات تغيير الأنظمة؛
- دعم الحلول السياسية للنزاعات.
ويعود ذلك إلى عدة أسباب: أولاً، رغبة الصين في الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف الإقليمية؛ ثانياً، تجنب الانخراط في الصراعات المعقدة التي قد تهدد مصالحها الاقتصادية؛ ثالثاً، الحرص على تقديم نموذج مختلف عن النموذج الغربي في إدارة العلاقات الدولية؛ وقد وصف بعض الباحثين الصين بأنها “قوة حذرة” في الشرق الأوسط، إذ تسعى إلى توسيع مصالحها دون تحمل الأعباء الأمنية والعسكرية التي تحملتها الولايات المتحدة لعقود طويلة([15]).
تكشف التطورات التي شهدتها السياسة الصينية في الشرق الأوسط منذ إطلاق مبادرة الحزام والطريق عن تحول تدريجي من الحضور الاقتصادي المحدود إلى حضور أكثر شمولاً يتضمن أبعاداً سياسية ودبلوماسية وتكنولوجية واستراتيجية؛ ومع ذلك، فإن هذا التحول لا يمثل قطيعة كاملة مع المبادئ التقليدية للسياسة الخارجية الصينية، بل يعكس عملية تكيف تدريجية فرضتها المصالح المتزايدة للصين في المنطقة؛ وبالتالي يمكن القول إن مبادرة الحزام والطريق أسهمت في إعادة تشكيل أدوات السياسة الخارجية الصينية دون أن تغير بصورة جذرية فلسفتها العامة القائمة على البراغماتية وعدم التدخل.
رابعاً: حدود التحول في السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط والتنافس الصيني الأمريكي
1-حدود التحول في السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط:
على الرغم من التطور الملحوظ الذي عرفه الحضور الصيني في الشرق الأوسط خلال العقد الأخير، فإن الحديث عن تحول جذري في السياسة الصينية تجاه المنطقة يظل أمراً يحتاج إلى قدر من الحذر العلمي؛ فالصين، رغم توسع مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، ما تزال متمسكة بمجموعة من المبادئ التي شكلت الأساس النظري لسياستها الخارجية منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية سنة 1949.
ويأتي في مقدمة هذه المبادئ مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام السيادة الوطنية، ورفض فرض نماذج سياسية أو أيديولوجية معينة على الدول الأخرى؛ وقد ساعدت هذه المبادئ الصين على بناء علاقات متوازنة مع أطراف متعارضة داخل الشرق الأوسط دون الانخراط المباشر في الصراعات الإقليمية.
ويلاحظ أن بكين تمكنت من الحفاظ في الوقت نفسه على علاقات قوية مع المملكة العربية السعودية وإيران، كما طورت علاقات اقتصادية متقدمة مع كل من الكيان الصهيوني والدول العربية، وهو أمر يصعب على العديد من القوى الدولية تحقيقه بالنظر إلى تعقيدات المنطقة.
غير أن اتساع المصالح الصينية يفرض على بكين تحديات جديدة؛ فكلما ازداد حجم الاستثمارات الصينية في الخارج، ازدادت الحاجة إلى حماية هذه الاستثمارات وضمان استمرارية تدفق التجارة والطاقة؛ ومن هنا بدأت تظهر معضلة جديدة أمام صانع القرار الصيني تتمثل في كيفية التوفيق بين مبدأ عدم التدخل ومتطلبات حماية المصالح الاستراتيجية. وقد أشار عدد من الباحثين إلى أن الصين أصبحت تواجه ما يمكن تسميته “مفارقة النفوذ”، فكلما اتسع نفوذها الاقتصادي ازدادت الضغوط التي تدفعها نحو لعب أدوار سياسية وأمنية أكبر.
2-التحديات الأمنية أمام مبادرة الحزام والطريق:
تواجه المبادرة مجموعة من التحديات الأمنية التي قد تؤثر على فعاليتها في الشرق الأوسط.
أ- النزاعات الإقليمية: تظل منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر مناطق العالم تعرضاً للنزاعات المسلحة والأزمات السياسية؛ وتشمل هذه التحديات:
- الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؛
- التوترات الخليجية؛
- الأزمات في سوريا واليمن؛
- التنافس الإقليمي بين القوى الكبرى في المنطقة؛
- التهديدات المرتبطة بالإرهاب والجماعات المسلحة.
وتؤثر هذه الأوضاع بصورة مباشرة على بيئة الاستثمار وعلى سلامة الممرات التجارية المرتبطة بالمبادرة.
ب- أمن الممرات البحرية: تعتمد التجارة الصينية بصورة كبيرة على الطرق البحرية الممتدة عبر المحيط الهندي والبحر الأحمر والخليج العربي؛ وقد أكدت دراسات RAND أن نجاح المبادرة يرتبط بدرجة كبيرة بأمن شبكات النقل الدولية وقدرتها على العمل بصورة مستقرة ومنتظمة ([16])؛ولهذا السبب أصبحت الصين أكثر اهتماماً بقضايا الأمن البحري وحماية خطوط الملاحة الدولية.
ج- المخاطر الاقتصادية: تواجه بعض مشاريع المبادرة انتقادات مرتبطة بمسألة الديون والاستدامة المالية؛ وقد أشار تقرير Asia Society Policy Institute إلى أهمية تطوير معايير أكثر شفافية في إعداد المشاريع وتمويلها وتنفيذها، بما يضمن استدامتها الاقتصادية ويحد من المخاطر المرتبطة بها([17]).
3-الشرق الأوسط في التنافس الصيني الأمريكي:
أصبحت منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة إحدى ساحات التنافس الدولي بين الصين والولايات المتحدة؛ ويرتبط هذا التنافس بمجموعة من المتغيرات الدولية أهمها:
- صعود الصين كقوة عالمية؛
- تراجع الهيمنة الأمريكية الأحادية؛
- التحول نحو نظام دولي متعدد الأقطاب؛
- تنامي أهمية التكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية.
وتؤكد الدراسات الحديثة أن الأهمية الجيوسياسية للشرق الأوسط وموقعه الاستراتيجي واحتوائه على موارد الطاقة جعلته أحد أهم ميادين التنافس بين القوتين.[18]
أ- المقاربة الصينية: تقوم المقاربة الصينية في الشرق الأوسط على توظيف الأدوات الاقتصادية والتنموية باعتبارها الوسيلة الأساسية لتعزيز النفوذ وتحقيق المصالح الاستراتيجية؛ فعلى خلاف القوى الكبرى التقليدية التي اعتمدت تاريخياً على التحالفات العسكرية والتدخلات السياسية المباشرة، تسعى الصين إلى بناء حضورها الإقليمي من خلال تعميق الترابط الاقتصادي مع دول المنطقة وتقديم نفسها كشريك للتنمية والتحديث الاقتصادي.
وتتجسد هذه المقاربة في مجموعة من الأدوات المتكاملة. ففي مجال الاستثمار، ضخت الصين مليارات الدولارات في مشاريع البنية التحتية والطاقة والصناعة ضمن إطار مبادرة الحزام والطريق، خاصة في دول الخليج ومصر والعراق؛ أما في مجال التجارة، فقد أصبحت الصين الشريك التجاري الأول للعديد من دول الشرق الأوسط، الأمر الذي عزز درجة الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الطرفين.
كما تستخدم بكين القروض والتمويلات التنموية كأداة لدعم مشاريع النقل والطاقة والمناطق الصناعية، من خلال مؤسسات مالية مثل البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية وصندوق طريق الحرير؛ ويُنظر إلى هذه التمويلات باعتبارها جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز الترابط الاقتصادي وإدماج الدول الشريكة في شبكات التجارة العالمية المرتبطة بالصين.
وتحتل البنية التحتية مكانة مركزية في المقاربة الصينية، إذ تعتبرها بكين أساساً لتحقيق التنمية الاقتصادية وتعزيز الترابط الإقليمي. لذلك شاركت الشركات الصينية في إنشاء وتطوير الموانئ والطرق والسكك الحديدية والمناطق اللوجستية في عدد من دول المنطقة، مثل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في مصر وميناء الدقم في سلطنة عمان.
إلى جانب ذلك، برز البعد التكنولوجي كأحد أهم أدوات النفوذ الصيني الحديثة، خاصة من خلال مشروع “طريق الحرير الرقمي”، الذي يشمل شبكات الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والمدن الذكية؛ وقد مكن هذا التوجه الصين من توسيع حضورها في القطاعات التكنولوجية الاستراتيجية داخل المنطقة.
كما تسعى الصين إلى تعزيز التعاون الصناعي والإنتاجي عبر إنشاء مناطق صناعية مشتركة ونقل بعض الأنشطة التصنيعية إلى الدول الشريكة، بما يساهم في خلق فرص العمل وتحقيق أهداف التنمية المحلية.
وتحرص بكين على تقديم هذه السياسات في إطار خطاب يقوم على المنفعة المتبادلة والتنمية المشتركة، مؤكدة أنها لا تربط تعاونها الاقتصادي بشروط سياسية أو أيديولوجية، ولا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول؛ وقد ساعد هذا الخطاب الصين على اكتساب قدر كبير من القبول لدى العديد من حكومات المنطقة التي تبحث عن شراكات اقتصادية دون ضغوط سياسية مباشرة.
ب- المقاربة الأمريكية: النفوذ عبر الأمن والتحالفات الاستراتيجية: في المقابل، تستند المقاربة الأمريكية في الشرق الأوسط إلى إرث طويل من الحضور السياسي والعسكري الذي تشكل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتعزز بصورة أكبر بعد الحرب الباردة؛ وقد قامت الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة على ضمان أمن الحلفاء، وحماية تدفق الطاقة، والحفاظ على التوازنات الإقليمية بما يخدم المصالح الأمريكية.
وتتمثل إحدى أهم ركائز هذه المقاربة في الوجود العسكري المباشر من خلال شبكة واسعة من القواعد العسكرية المنتشرة في الخليج العربي والبحر الأحمر وشرق المتوسط؛ وقد وفرت هذه القواعد للولايات المتحدة قدرة كبيرة على التدخل السريع وإدارة الأزمات الإقليمية. كما تعتمد واشنطن على الشراكات الأمنية والدفاعية مع عدد من الدول العربية وإسرائيل، حيث تقدم الدعم العسكري والتدريب والتعاون الدفاعي، فضلاً عن المظلات الأمنية التي توفرها لحلفائها في المنطقة.
ويشكل التعاون الاستخباراتي والأمني عنصراً مهماً في النفوذ الأمريكي، إذ ترتبط الولايات المتحدة بشبكات واسعة من تبادل المعلومات والتنسيق الأمني في مجالات مكافحة الإرهاب والأمن البحري والأمن السيبراني؛ وتعد مبيعات الأسلحة إحدى الأدوات الرئيسية للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، حيث تعتبر المنطقة من أكبر أسواق الصناعات العسكرية الأمريكية؛ ولا تقتصر أهمية هذه الصفقات على بعدها الاقتصادي، بل تسهم أيضاً في تعزيز الروابط الاستراتيجية بين واشنطن وشركائها الإقليميين.
إضافة إلى ذلك، تستفيد الولايات المتحدة من نفوذ سياسي ودبلوماسي تاريخي راكمته عبر عقود من الانخراط في قضايا المنطقة، سواء من خلال الوساطة في النزاعات أو المشاركة في ترتيبات الأمن الإقليمي؛ غير أن هذا النموذج يختلف عن النموذج الصيني في كونه يعتمد بدرجة أكبر على الأدوات الأمنية والعسكرية، بينما يرتكز النموذج الصيني أساساً على الاقتصاد والتنمية والبنية التحتية.
وفي ضوء ما سبق، يتضح أن التنافس الصيني الأمريكي في الشرق الأوسط لا يقتصر على السعي إلى توسيع النفوذ أو حماية المصالح الاستراتيجية، بل يعكس اختلافاً جوهرياً في طبيعة الأدوات والرؤى المعتمدة من قبل كل طرف؛ فبينما ترتكز المقاربة الصينية على الاقتصاد والتنمية والاستثمار والبنية التحتية، مع التأكيد على مبدأ عدم التدخل والمنفعة المتبادلة، تستند المقاربة الأمريكية إلى شبكة من التحالفات الأمنية والوجود العسكري والنفوذ السياسي التقليدي؛ ومن ثم، فإن مستقبل الحضور الصيني والأمريكي في المنطقة سيظل مرتبطاً بقدرة كل منهما على تقديم نموذج أكثر جاذبية واستجابة لأولويات دول الشرق الأوسط، في ظل التحولات المتسارعة نحو نظام دولي أكثر تعددية وتوازناً في مراكز القوة.
4-مبادرة الحزام والطريق والنظام الدولي متعدد الأقطاب:
أحد أهم الانعكاسات الاستراتيجية للمبادرة يتمثل في مساهمتها في تعزيز الاتجاه نحو تعددية الأقطاب؛ فالمبادرة لا تقتصر على تطوير البنية التحتية أو زيادة التبادل التجاري، بل تعكس أيضاً رؤية صينية لإعادة توزيع مراكز القوة الاقتصادية على المستوى العالمي.
وقد أشار تقرير مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية إلى أن العلاقات الصينية الشرق أوسطية تتطور في ظل صعود نظام دولي جديد متعدد الأقطاب، الأمر الذي يدفع العديد من دول المنطقة إلى تنويع شراكاتها الدولية وعدم الاعتماد على قوة واحدة فقط ( [19])؛ وفي هذا السياق أصبحت الصين بالنسبة لعدد متزايد من دول الشرق الأوسط شريكاً اقتصادياً واستراتيجياً بديلاً أو مكملاً للشراكات التقليدية مع الولايات المتحدة وأوروبا؛ كما ساهمت المبادرة في تعزيز دور مؤسسات مالية جديدة مثل:
- البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية.
- صندوق طريق الحرير.
- المؤسسات التمويلية المرتبطة بمشاريع الحزام والطريق.
وهو ما يعكس اتجاهاً نحو بناء هياكل اقتصادية عالمية أكثر تنوعاً.
الخاتمة
خلصت هذه الدراسة إلى أن مبادرة الحزام والطريق تمثل أحد أهم التحولات في السياسة الخارجية الصينية خلال القرن الحادي والعشرين، وأنها أصبحت الإطار المرجعي الرئيسي لفهم التوسع الصيني في الشرق الأوسط؛
وقد بينت الدراسة أن أهمية الشرق الأوسط بالنسبة للصين تنبع من تداخل مجموعة من العوامل الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية، وفي مقدمتها الموقع الجغرافي الاستراتيجي للمنطقة وأهميتها في تأمين احتياجات الصين من الطاقة.
كما أظهرت الدراسة أن المبادرة أسهمت في إعادة تشكيل السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط من خلال توسيع مجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري، وتعزيز الحضور الدبلوماسي الصيني، وتطوير شبكة واسعة من الشراكات الاستراتيجية مع دول المنطقة؛
غير أن هذا التحول ظل محكوماً بمجموعة من القيود، أهمها استمرار تمسك الصين بمبدأ عدم التدخل، فضلاً عن التحديات الأمنية والإقليمية التي تواجهها المنطقة، والتنافس المتصاعد مع الولايات المتحدة الأمريكية.
ومن ثم يمكن القول إن مبادرة الحزام والطريق لم تعد مجرد مشروع اقتصادي أو لوجستي، بل أصبحت أداة مركزية في الاستراتيجية العالمية للصين، ووسيلة لإعادة صياغة موقعها داخل النظام الدولي، وتعزيز نفوذها في مناطق حيوية من العالم، وفي مقدمتها الشرق الأوسط.
نتائج الدراسة:
-تمثل مبادرة الحزام والطريق حجر الزاوية في السياسة الخارجية الصينية المعاصرة؛
-يحتل الشرق الأوسط موقعاً محورياً في الرؤية الاستراتيجية الصينية بسبب موقعه الجغرافي وأهميته الطاقية؛
-ساهمت المبادرة في توسيع الحضور الاقتصادي الصيني في المنطقة بصورة غير مسبوقة؛
-أدى توسع المصالح الاقتصادية إلى تنامي الدور الدبلوماسي الصيني؛
-ما تزال الصين متمسكة بمبدأ عدم التدخل رغم اتساع نفوذها الإقليمي؛
-يشكل أمن الطاقة أحد أهم محددات السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط؛
-أصبحت المنطقة إحدى ساحات التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة؛
-تسهم المبادرة في تعزيز الاتجاه نحو نظام دولي أكثر تعددية في مراكز القوة.
([1]-(Terry Mobley, “The Belt and Road Initiative: Insights from China’s Backyard,” Strategic Studies Quarterly 13, no. 3 (2019), 52-53.
([2])-زينب عبد الله، “الإطار النظري والمفاهيمي لمبادرة الحزام والطريق الصينية”، ضمن: مبادرة الحزام والطريق الصينية: مشروع القرن الاقتصادي في العالم (برلين: المركز الديمقراطي العربي، 2019)، 4-10.
([3]-( Lauren A. Johnston, “The Belt and Road Inititive: What Is in For China” Asia & the Pacific Policy Studies 6, no. 1 (2019), 40-58.
([4]) -Terry Mobley, “The Belt and Road Initiative: Insights from China’s Backyard,”, 52-53
([5])- Jonathan Fulton, China’s Changing Role in the Middle East (Washington DC: Atlantic Council, 2019), 1-3.
([6])- مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، مبادرة الحزام والطريق بعد عقد على إطلاقها: الصين والشرق الأوسط في ظل مشهد جيوسياسي متغير (الدوحة، 2024)، 8-10.
([7])– سارة محمود غزال، “مسوغات التحرك الاستراتيجي الصيني في ظل مبادرة الحزام والطريق: الشرق الأوسط أنموذجاً”، مجلة كلية القانون والعلوم السياسية، العدد 27 (2025): 429.
([9])- Christoph Nedopil Wang, China Belt and Road Initiative Investment Report 2021 (Shanghai: Fudan University, 2022), 3-4.
([10])- Hui Lu et al., China Belt and Road Initiative: Measuring the Impact of Improving Transport Connectivity on International Trade (RAND Europe, 2018), vii-ix.
([11])- Jonathan Fulton, China’s Changing Role in the Middle East (Washington DC: Atlantic Council, 2019), 1-5.
([13])- Christoph Nedopil Wang, China Belt and Road Initiative Investment Report 2021 (Shanghai: Fudan University, 2022), 3-5.
([14])-Hui Lu et al., China Belt and Road Initiative: Measuring the Impact of Improving Transport Connectivity on International Trade (RAND Europe, 2018), vii-ix.
([15]) -Andrew Scobell and Alireza Nader, China in the Middle East: The Wary Dragon (Santa Monica: RAND Corporation, 2016).
([16])-Hui Lu et al., China Belt and Road Initiative, vii–ix.
([17])-Daniel R. Russel and Blake Berger, Navigating the Belt and Road Initiative (New York: Asia Society Policy Institute, 2019), 11–18.
([18])-هبة شهاب أحمد، “التنافس الصيني الأمريكي على منطقة الشرق الأوسط”، مجلة حمورابي للدراسات، العدد 57 (2026): 122–124.
([19]) -عادل عبد الغفار وهنا الشهابي، مبادرة الحزام والطريق بعد عقد على إطلاقها: الصين والشرق الأوسط في ظل مشهد جيوسياسي متغير (الدوحة: مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، 2024)، 8–10.




