النفط كمتغير أساسي في تفعيل العلاقات الاستراتيجية بين الصين والشرق الأوسط

د. لامية تابت
باحثة بالمركز الوطني للبحث في المقاومة الشعبية والحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954 (الجزائر).
الملخص:
يعد النفط المحرك الرئيسي للعلاقات الاستراتيجية بين الصين والشرق الأوسط ،حيث تحولت بكين من مستورد ثانوي إلى أكبر مستورد للنفط الخام عالمياً مع اعتمادها على منطقة الخليج العربي بنسبة تتجاوز 40 % من اراداتها النفطية ،مادفع الصين لتطوير إطار الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع دول كالسعودية والإمارات وإيران والعراق ،متجاوزاً النفط كمورد إلى مجالات الاستثمار في المصافي، ومشاريع البنية التحتية، والربط الرقمي، والتسوية بالعملات المحلية، كما ساهمت مبادرة الحزام والطريق في تعزيز هذه الديناميكية ،مع تنامي الدور الصيني كوسيط سياسي في المنطقة.
تركز هذه المداخلة على دور النفط كعامل حيوي في تشكيل وتفعيل العلاقات الاستراتيجية بين الصين كقوة عالمية صاعدة ومستهلك رئيسي للطاقة، ومنطقة الشرق الأوسط كخزان جيوسياسي للطاقة ومصدر رئيسي للنفط ،كما تستعرض تطور العلاقة من مجرد شراكة تجارية إلى شراكة إستراتيجية متعددة الأبعاد تشمل الإستثمارات الطاقوية ،ومشاريع البنية التحتية ،ومشاريع التعاون السياسي والأمني .
وتسعى الدراسة إلى تحليل هذه العلاقات في ضوء مقاربات تحليل السياسة الخارجية ،لاسيما المقاربة الواقعية التي تبرز البعد المصلحي وأمن الطاقة، والمقاربة البنائية التي تركز على الهوية والتصورات المتبادلة، إضافة إلى مقاربة القوة الذكية التي تعكس توظيف الصين لمزيج من الأدوات الإقتصادية والديبلوماسية لتعزيز نفوذها في المنطقة.
كما تناقش الكيفية التي أدارت بها الصين علاقاتها المتوازنة مع مختلف الفاعلين الإقليميين رغم التباينات السياسية بينهم ،بهدف ضمان إستقرار إمدادات الطاقة، وتعزيز حضورها الجيوسياسي، وتبرز أيضا إستخدام النفط كأداة تأثير في العلاقات الدولية، سواء من خلال تنويع الشركاء ،أو تقليص الاعتماد على الدولار في المبادلات.
وفي الختام تستشرف الدراسة مستقبل هذه العلاقات في ظل التحولات العالمية الراهنة، خاصة مايتعلق بالانتقال الطاقوي، وتصاعد دور الذكاء الاصطناعي في إدارة الموارد، والتنافس الدولي على مصادر الطاقة، مما قد يعيد تشكيل موازين القوة ويؤثر على طبيعة الشراكات بين الصين ودول الشرق الأوسط في المدى المتوسط والبعيد.
الكلمات المفتاحية: الطاقة، النفط، السياسة الخارجية، الصين، الشرق الأوسط.
مقدمة:
شهد النظام الدولي خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة إرتبطت بصعود الصين كقوة إقتصادية عالمية، الأمر الذي جعل قضية تأمين مصادر الطاقة في مقدمة أولويات السياسة الخارجية الصينية، ويُعد الشرق الأوسط من أهم مناطق العالم من حيث احتياطات النفط والغاز، حيث يمتلك نحو 60% من الإحتياطات النفطية المؤكدة عالمياً، مما جعله شريكاً استراتيجياً لا غنى عنه بالنسبة للصين، ومع تزايد الطلب الصيني على الطاقة، تحولت العلاقات الصينية الشرق أوسطية من مجرد علاقات تجارية إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، أصبح النفط محورها الأساسي ومحركها الرئيسي.
إذ يعد النفط أحد أهم المحددات الاستراتيجية التي أسهمت في تطوير العلاقات بين الصين ودول الشرق الأوسط منذ نهاية القرن العشرين. فقد أدى النمو الاقتصادي المتسارع للصين وارتفاع احتياجاتها الطاقوية إلى تعزيز اعتمادها على نفط الشرق الأوسط، الأمر الذي دفع بكين إلى توسيع حضورها السياسي والاقتصادي والدبلوماسي في المنطقة. وتتناول هذه الدراسة دور النفط في تشكيل العلاقات الصينية الشرق أوسطية، من خلال تحليل أبعاد أمن الطاقة، والإستثمارات النفطية، ومبادرة الحزام والطريق، وانعكاسات ذلك على التوازنات الجيوسياسية الإقليمية والدولية.
إشكالية الدراسة:
إلى أي مدى أسهم النفط في تفعيل وتطوير العلاقات الإستراتيجية بين الصين ودول الشرق الأوسط؟
الأسئلة الفرعية: ما مكانة النفط في الاستراتيجية الصينية تجاه الشرق الأوسط؟، كيف أسهم أمن الطاقة في توجيه السياسة الخارجية الصينية؟، ما انعكاسات التعاون النفطي على العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الطرفين؟، وكيف أثرت مبادرة الحزام والطريق في تعزيز البعد النفطي للعلاقات الصينية الشرق أوسطية؟.
أهمية الدراسة:
تكمن أهمية الدراسة في إبراز دور النفط في تشكيل العلاقات الدولية المعاصرة، فهم أبعاد التوجه الصيني نحو الشرق الأوسط، تحليل تأثير أمن الطاقة في السياسات الخارجية للدول الكبرى، إستشراف مستقبل العلاقات الصينية الشرق أوسطية في ظل التحولات العالمية.
فرضيات الدراسة
- يشكل النفط العامل الرئيسي في تطور العلاقات الاستراتيجية بين الصين والشرق الأوسط.
- أدى الإعتماد المتزايد للصين على واردات النفط إلى تعزيز حضورها السياسي والاقتصادي في المنطقة.
- ساهم التعاون النفطي في توسيع مجالات الشراكة الصينية الشرق أوسطية لتشمل قطاعات أخرى غير الطاقة.
- ستستمر أهمية النفط في العلاقات بين الطرفين رغم التوجه العالمي نحو الطاقات المتجددة.
أولًا: النفط وأمن الطاقة في الاستراتيجية الصينية
1 –تطور الطلب الصيني على النفط
في الحقيقة يتبلور مفهوم الصين لأمن الطاقة على ضرورة تأمين واردات الطاقة بالتحرك على المسارين الداخلي والخارجي بهدف تنويع الإمدادات وتحقيق أمن الطاقة، كما ينظر لأمن الطاقة بالمنظور الصيني على أنه (ضمان وتأمين مصادر الطاقة من الخارج بما يضمن إستمرار النمو الاقتصادي والتحديث في الصين) ([1]).
وقد شهد الإقتصاد الصيني منذ إطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح سنة 1978 نمواً اقتصادياً متسارعاً أدى إلى زيادة هائلة في استهلاك الطاقة. وفي سنة 1993 تحولت الصين من دولة مصدرة للنفط إلى دولة مستوردة له، وهو تحول استراتيجي فرض على القيادة الصينية البحث عن مصادر خارجية مستقرة للطاقة.حيث أصبحت الصين خلال العقدين الأخيرين أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، حيث تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات الخارجية لتغطية احتياجاتها الطاقوية([2]).
وتتمتع الصين بوجود احتياطات من مختلف الموارد الطاقوية الطبيعية كالفحم والنفط والغاز، إضافة إلى الطاقة النووية ومختلف مصادر الطاقات المتجددة. ورغم ضخامة الإنتاج الطاقوي الصيني، إلا أن الإشكالية تكمن في مدى كفاية الموارد الطاقوية المتوفرة محلياً لسد الاحتياجات السكانية والاقتصادية المتزايدة باضطراد. وهذا ما يفرض ضرورة رصد القدرات الطاقوية الصينية المحلية من حيث المخزونات والإنتاج لمختلف مصادر الطاقة ([3]).
ويشكل الفحم المصدر الأساسي لتوليد الطاقة في الصين، وقد برزت الصين سنة 2005 كأول منتج عالمي للفحم بـ 28 % من مجموع الإنتاج العالمي، وهي المستهلك الأول لهذه المادة في الوقت ذاته، ولكن أهمية إنتاجها من الفحم تسمح لها بأن تتبوأ مكانة ضمن المصدرين الرئيسيين، وبتلبية 94% من احتياجاتها الاستهلاكية بالموازاة مع ذلك([4]).
ولكونها الاقتصاد الأسرع نموا والأكثر اعتماداً على الفحم، فإن حصتها من استهلاك الفحم في العالم عام 2005 قد مثلت 40% من الاستهلاك العالمي باستهلاك ما مقداره ملياري طن من الفحم وهي تستهلك قدراً من الفحم يزيد عما تستهلكه الولايات المتحدة الأمريكية والهند وروسيا معاً . وتعتبر الصين أكبر منتج عالمي للفحم الحجري، وتبلغ نسبة احتياطاتها حوالي 15%من الاحتياطات العالمية، ويتركز معظمها في المناطق الغربية والوسطى([5]).
ويقع على كاهل الفحم تلبية قسط كبير من الاحتياجات الطاقوية الكبيرة في الصين خاصة مع قلة البدائل المتاحة، لكون الصين فقيرة من حيث الموارد النفطية والغازية، وقد مثل الفحم 95% من الاستهلاك الرئيسي للطاقة ما بين1952 -1960 و80% ما بين (1961 -1970 ) وحوالي 70% من السبعينيات إلى التسعينيات بعد تزايد استعمال النفط باكتشاف حقل داكين” Daquin النفطي، واستمر الفحم في تمثيل 69% من مصادر الطاقة المستعملة بحلول عام 2002 ويساهم الفحم في توليد 80 %من الكهرباء، وعرفت نسبة الفحم المستخرجة المستعملة في توليد الكهرباء ارتفاعا، من 17.98% في 1980 إلى %60.85 في 2000 و %58.20 سنة 2001 ولا يعد الفحم مولدا للطاقة فقط، بل يعتبر أيضاً مكونا هاما في إنتاج الفولاذ والكثير من المنتجات الكيماوية، وهذا ما يجعل من صناعة الفحم عنصرا هاما في مواجهة التحدي التنموي الذي يواجه الصين([6]).
الشرق الأوسط كمصدر رئيسي للطاقة الصينية:
إن التنافس على موارد الطاقة هي إحدى الغايات الرئيسة للدول الكبرى التي تسعى إلى تأكيد نفوذها، وتأمين احتياجاتها من النفط الخام والغاز، فيظل تسارع وتيرة اﻹنتاج وفي ظل اضطرابات مالية تصيب اﻻقتصاد العالمي باهتزازات متتالية، وفي ظل السباق على حجز مواقع متقدمة في السوق الدولية، من هنا تكمن أهمية منطقة الشرق اﻷوسط في حسابات الدول، وبخاصة بعد نهاية مرحلة الحرب الباردة وبروز أقطاب جدد على المسرح الدولي، وتعتبر منطقة الشرق اﻷوسط، التي تسمى أيضا فـي بعض دوائـر الـقرار بمنطقة غربي آسيا وشمالي أفريقيا، من أهم المناطق التي تتنافس فيها الدول الكبرى في العالم نتيجة لموقعها اﻹستراتيجي البالغ اﻷهمية في العالم، ونتيجة للتنافس الدولي والنزاعات والتوترات الداخلية، مما جعلها تعاني اضطرابات وتوترات بين حين وآخر، وتنفجر فيها الحروب والنزاعات المسلحة، ومع انتهاء الحرب الباردة، تحولت منطقة الشرق اﻷوسط، بدﻻً من أوروبا، مسرحاً زاخراً بالعلاقات الدولية المتأزمة([7]).
ولم يمنع انخفاض أسعار النفط من أن تنظر الصين بعين الريبة لما يحدث في التحول في سوق الطاقة العالمي، ويرجع ذلك إلى سببين رئيسيين، أولهما: أنه يصعب تخيل أن تقوم الصين باستيراد البترول من الولايات المتحدة بعد تغير طبيعة الأخيرة في سوق الطاقة من مستورد إلى مصدر. وثانيهما: أن “فقدان الثقة” في العلاقات الجيوسياسية بين بكين وواشنطن يلعب دوراً حاسماً في نقاشات الصين حول تأمين إمدادات الطاقة لديها، وحتى لو اتجهت بكين إلى استيراد الغاز والبترول من الولايات المتحدة، فإن ذلك لن يقلل من إهتمامها بمصادر الطاقة في الشرق الأوسط.
تاريخ العلاقات الصينية – الشرق أوسطية:
بالتزامن مع توطيد الصين علاقاتها بدول الشرق الأوسط في مجال الطاقة، فإنها تُعزز أيضاً علاقاتها الدبلوماسية بهذه المنطقة. وعلى عكس ما يعتقده البعض، فإن العلاقات الصينية – الشرق أوسطية تعود إلى فترة الزعيم السابق “ماوتسي تونج” خلال مرحلة الحرب الباردة، وقد شكلت الصين في تلك الفترة مصدراً للدعم المادي واللوجستي للجماعات الثورية، خاصة أنها كانت تعتبر الشرق الأوسط منطقة التوازن بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وإتجهت الصين إلى أخذ الشرق الأوسط بجدية أكبر في منتصف الخمسينيات، ومؤتمر باندونغ في 1955 شهد بذل الصين جهداً أكبر لتطوير حضور إقليمي، واستخدم تشو إنلاي مهارته الدبلوماسية الكبيرة لزيادة مكانة الصين في العالم الأفروآسيوي، بما في ذلك الشرق الأوسط([8]).
ويفحص كالابريزي سبع فترات، موثقاً أن سياسة الصين ودوافعها في المنطقة تحولت بسبب التغيرات في علاقتها مع الولايات المتحدة و الاتحاد السوفيتي، أو بسبب اهتمامات داخلية، وبحلول نهاية الثمانينيات، يصف الزيادة الدراماتيكية في العلاقات الصينية الشرق أوسطية([9]).
وفي ثمانينيات القرن الماضي، تطورت العلاقات بين الجانبين، ما أدى إلى توافد العمالة والخبرات الصينية إلى منطقة الشرق الأوسط، ومساهماتها في كبرى المشروعات في دول مثل مصر والسودان والكويت والعراق، كما ارتكزت علاقات بكين مع دول المنطقة على تجارة الأسلحة، حيث أصبحت كل من مصر وإيران والعراق والسعودية من أكبر مستوردي الأسلحة من الصين، ولكن حدث تراجع في ذلك التوجه في أوائل التسعينيات، وكانت هناك محاولات من بعض دول الخليج لاختراق الأسواق الصينية عن طريق الاستثمار في بناء مصافي تكرير البترول، بيد أن هذه المشروعات لم تتحقق بسبب ضعف الروابط السياسية، ولكن أعادت السعودية الفكرة مرة أخرى بإبرامها اتفاقاً مع الصين في عام 2005 يقضي بإنشاء مصفاة تكرير في مقاطعة “فوجيان”([10]).
ولفترة طويلة كان الصينيون يُصورون كعنصر تخريبي ومقلق وخطر وغير مسؤول في الشرق الأوسط. بالنسبة لشيخور، كان هذا الرأي انعكاسا لسوء الفهم المتبادل. نظرت الصين إلى سياستها الإقليمية على أنها مدفوعة بعلاقاتها المتغيرة مع الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي ([11]).
ثانيا :الأبعاد السياسية والاستراتيجية للتعاون النفطي
يشكل التعاون النفطي ركيزة أساسية في العلاقات الدولية، حيث يُعد النفط محركاً رئيسياً للسياسات الخارجية، وأداة استراتيجية لضمان الأمن القومي، وتحقيق التنمية الاقتصادية، وتتجاوز أبعاده البعد التجاري البحت لتشمل التحالفات الجيوسياسية والتأثير المباشر في استقرار الإقتصاد العالمي.
1 –النفط كمدخل للنفوذ السياسي الصين:
أدركت الصين أن ضمان تدفق النفط يتطلب المحافظة على علاقات مستقرة مع جميع الأطراف الإقليمية، لذلك تبنت سياسة تقوم على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، احترام السيادة الوطنية، إقامة شراكات متوازنة مع مختلف الفاعلين، وقد ساعد هذا التوجه الصين على بناء علاقات إيجابية مع معظم دول المنطقة.
2 – أمن الممرات البحرية:
ترتبط المصالح النفطية الصينية بأمن الممرات البحرية الاستراتيجية، خاصة مضيق هرمز، باب المندب، قناة السويس، لأن الجزء الأكبر من النفط المتجه إلى الصين يمر عبر هذه المسارات([12]).
3 – التنافس الدولي في المنطقة:
أدى التوسع الصيني في الشرق الأوسط إلى زيادة التنافس مع القوى الكبرى خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، الاتحاد الأوروبي، غير أن الصين تسعى إلى تقديم نفسها كشريك اقتصادي وتنموي أكثر من كونها قوة عسكرية.
4- التكامل الإستراتيجي : التحول نحو الطاقة المتجددة :
تعمل الصين على توسيع قطاع الطاقة المتجددة بوتيرة متسارعة. ففي تقرير عمل الحكومة لعام 2025، رأى رئيس الوزراء لي تشيانغ أن على “الصين دعم الحفاظ على الطاقة وتسريع التحول نحو خفض الانبعاثات الكربونية في القطاعات الصناعية الرئيسية، والمضي قدماً في تطوير مصادر الطاقة الجديدة واستغلالها”، وفي عام 2024، بلغت الاستثمارات في المشاريع الرئيسية، مثل تخزين الطاقة الجديدة، وبنى الشحن والتبديل، وطاقة الهيدروجين، والمنظومات المتكاملة التي تجمع بين توليد الكهرباء والشبكات والأحمال والتخزين، نحو 200 مليار يوان (28 مليار دولار)، ما رسخ مكانة الصين كأكبر مستثمر في التحول الطاقي على مستوى العالم، ويستند هذا التوجه الصيني نحو الطاقة المتجددة إلى حسابات إستراتيجية معقدة، تنبع من سعي وطني إلى تحقيق توازن بين الاعتبارات الداخلية الملحّة والمسؤوليات الدولية ([13]).
وتتطلّب المرحلة المقبلة من الدول الخليجية والصين تعميق شراكتهما في مجال الطاقة وتمتينها، من خلال السعي إلى تحقيق تكامل على امتداد سلاسل القيمة، بالتوازي مع دفع مسار إزالة الكربون قدماً على نحو منهجي، سواء على مستوى تطوير موارد الطاقة المتجددة في المراحل الأولية، أو توسيع قدرات التصنيع وتحديث البنى التحتية في المراحل الوسطى، وصولاً إلى التطبيق النهائي في مجالات النقل النظيف و”الجزيئات الخضراء” (أي ناقلات الطاقة والمواد الأولية المنخفضة أو المنعدمة الكربون. (وبهدف الاستفادة المثلى من أوجه التكامل في هذه الشراكة الآخذة في التطور، ينبغي أن يركز صناع السياسات على بناء سلسلة متكاملة لصناعة طاقة الهيدروجين في الشرق الأوسط، ومن خلال تسخير البراعة التكنولوجية الصينية في إنتاج الهيدروجين وبناه التحتية، واستغلال وفرة الموارد المتجددة والموقع الجغرافي الإستراتيجي للدول الخليجية، يمكن لهذه الشراكة أن تضع المنطقة في موقع ريادي في مجال الهيدروجين. ولا يقتصر أثر ذلك على تحويل الشرق الأوسط إلى مركز لمعالجة الهيدروجين وتصنيعه، بل يمتد أيضاً إلى تعزيز قدراته التصديرية، الأمر الذي يتيح لدول المنطقة تنويع صادراتها من منتجات الطاقة بما يتجاوز منتجات الهيدروكربون التقليدية. الاندفاع الأخضر:زخم جديد للتعاون بين الصين والخليج في مجال الطاقة المتجددة([14]).
ثالثاً : جذور استراتيجية “حزام واحد، طريق واحد”
يمكن تتبع نشأة استراتيجية “حزام واحد، طريق واحد” -المعروفة أيضاً بمبادرة الحزام والطريق – إلى ثلاثة أحداث عامة بارزة تتابعت بسرعة في النصف الثاني من عام 2013. ففي 7 سبتمبر، وفي خطاب ألقاه في جامعة نزار باييف في كازاخستان، إقترح الرئيس الصيني شي جين بينغ بناء حزام طريق الحرير الاقتصادي، وفي 3 أكتوبر، وخلال مخاطبته البرلمان الإندونيسي، أوصى بأن تعمل الصين ودول جنوب شرق آسيا معاً لإحياء طريق الحرير البحري، وفي 24-25 أكتوبر، وفي منتدى عمل حول “الدبلوماسية المحيطية” عقدته الحزب الشيوعي الصيني في بكين، شدد شي على إلتزام الصين بإقامة علاقات ودية ومتبادلة المنفعة مع جيرانها، بحيث يستفيدون من التنمية الصينية وتستفيد الصين من جوار مزدهر. وهكذا، ربط الرئيس مفهوم “الحلم الصيني” بالتنمية الإقليمية، وقد مثل هذا المؤتمر الميلاد الرسمي لـ”استراتيجية طريق الحرير” الصينية([15]).
وبعد عام، بدأت الاستراتيجية تأخذ شكلها، ففي أكتوبر 2014، إلتزمت بكين بتقديم 50 مليار دولار لتأسيس بنك الاستثمار في البنية التحتية الآسيوي الجديد، إلى جانب عدة دول شريكة. ويهدف البنك إلى جمع 100 مليار دولار لمشاريع البنية التحتية في جميع أنحاء آسيا، وفي 8 نوفمبر 2014، قال شي إن الصين ستساهم بـ 40 مليار دولار في صندوق طريق الحرير الجديد، المصمم لتحسين الروابط التجارية والنقلية في آسيا. وفي كلمته الرئيسية في منتدى بوآو الآسيوي لعام 2015، شرح شي لأول مرة بعمق رؤية الصين لحزام طريق الحرير الاقتصادي وطريق الحرير البحري.
خلال المنتدى، أصدرت اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح في الصين، بالتعاون مع وزارتي الخارجية والتجارة، خطة عمل للحزام والطريق.وتهدف المبادرة إلى محاولة إحياء طريقي الحرير البحري (الحزام) والبري (الطريق) اللذين كانا يربطان الصين بالعالم قبل ثلاثة آلاف عام، ويتم من خلالهما تبادل السلع والمنتجات كالحرير والعطور والبخور والتوابل والعاج والأحجار الكريمة وغيرها، وكذلك تبادل الثقافات والعلوم. وتقوم المبادرة على مبادئ وميثاق الأمم المتحدة والمبادئ الخمسة للتعايش السلمي كالاحترام المتبادل للسيادة الوطنية، وسلامة الأراضي وعدم الاعتداء، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والمنفعة المتبادلة. (الرؤية والتحرك للدفع بالتشارك في بناء الحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين، 2015) ([16]).
وترتكز المبادئ الحاكمة لتطبيق المبادرة على التنسيق السياسي بين الدول وتعزيز التواصل والحوار والتجارة دون عوائق لتهيئة الظروف اللازمة للتنمية الاقتصادية. وتتضمن المبادرة نحو ألف مشروع ستنفذ تدريجياً، تسعى إلى ربط دول آسيا وإفريقيا وأوروبا عبر شبكة مواصلات معقدة من الجسور والطرقات والسكك الحديدية والطائرات والبواخر، وكذلك بناء موانئ ومطارات وإنشاء مناطق تجارة حرة. إلى جانب أنابيب النفط والغاز وخطوط الطاقة الكهربائية وشبكات الإنترنت والبنية التحتية. وقد لاقت المبادرة تجاوباً ومشاركة نشطة من نحو سبعين دولة مطلة على هذا الخط بما فيها دول عربية وشرق أوسطية. ويغطي نطاق المبادرة نحو 70 دولة في القارات الثلاث آسيا وإفريقيا وأوروبا، وينقسم إلى ثلاث مستويات([17]).
- المناطق المركزية: تضم كلا من الصين وروسيا ودول آسيا الوسطى الخمس.
- المناطق المحاذية: تشمل الدول الأعضاء الدائمين والمراقبين في منظمة تعاون شنغهاي والدول التسع للاتحاد الاقتصادي (الهند، باكستان، إيران، أفغانستان، منغوليا، روسيا البيضاء، أرمينيا، أوكرانيا ومولدافيا).
- المناطق التشعبية: تشمل دول غرب آسيا (الدول العربية) ودول الإتحاد الأوروبي، وتمتد أيضاً إلى اليابان وكوريا الجنوبية وغيرها من دول شرق آسيا.
ووفقاً لخطة العمل، سيمتد الحزام والطريق عبر آسيا وأوروبا وأفريقيا، رابطًا الفضاء الاقتصادي لشرق آسيا من أحد الطرفين بالاقتصادات الأوروبية من الطرف الآخر. ويركز حزام طريق الحرير الاقتصادي – وهو سلسلة من مشاريع البنية التحتية البرية تشمل الطرق والسكك الحديدية وخطوط الأنابيب – على تعزيز الروابط بين الصين وآسيا الوسطى وروسيا وأوروبا (ولا سيما منطقة البلطيق). وستحصل الصين على وصول محسن إلى الخليج الفارسي والبحر الأبيض المتوسط عبر آسيا الوسطى وغرب آسيا، وإلى المحيط الهندي عبر جنوب شرق آسيا وجنوب آسيا، أما طريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين فمُصمم عبر مسارين: الأول من ساحل الصين إلى أوروبا عبر بحر الصين الجنوبي والمحيط الهندي، والثاني من ساحل الصين عبر بحر الصين الجنوبي إلى منطقة جنوب المحيط الهادئ([18]).
تتوافق مبادرة الحزام والطريق مع مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة. وهي تتبنى مبادئ التعايش السلمي الخمسة: الاحترام المتبادل للسيادة والسلامة الإقليمية، وعدم الاعتداء المتبادل، وعدم التدخل المتبادل في الشؤون الداخلية، والمساواة والمنفعة المتبادلة، والتعايش السلمي. والمبادرة تهدف إلى أن تكون شاملة وتتبع مبادئ السوق([19]).
تؤكد استراتيجية “حزام واحد، طريق واحد” على التعاون الدولي وفق الأولويات التالية: تنسيق السياسات، ربط البنى التحتية، تسهيل التجارة، التكامل المالي، ربط الاقتصادات عبر مؤسسات مثل بنك الاستثمار، وفي البنية التحتية، وتسهيل التجارة والاستثمار. “الثلاثة” تتعلق بالاختراقات التي يجب تحقيقها في المجالات عالية التقنية للطاقة النووية والأقمار الصناعية الفضائية والطاقة الجديدة، من أجل الارتقاء بالتعاون العملي بين الصين والعالم العربي.
الخاتمة:
شهد النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة تحولات عميقة تمثلت في صعود قوى اقتصادية جديدة على رأسها الصين، التي استطاعت خلال فترة وجيزة التحول إلى ثاني أكبر اقتصاد عالمي وأحد أكبر المستهلكين للطاقة. وقد رافق هذا النمو الاقتصادي المتسارع ارتفاع غير مسبوق في الطلب على النفط والغاز، الأمر الذي دفع صانعي القرار في بكين إلى البحث عن مصادر مستقرة وآمنة لتلبية احتياجات الاقتصاد الوطني المتزايدة.
وفي هذا السياق برزت منطقة الشرق الأوسط باعتبارها إحدى أهم المناطق الاستراتيجية بالنسبة للصين، نظراً لاحتضانها أكبر الاحتياطات النفطية العالمية، فضلاً عن موقعها الجيوسياسي الحيوي الذي يربط بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، وقد أدى تزايد الاعتماد الصيني على النفط الشرق أوسطي إلى إعادة صياغة العلاقات بين الطرفين، لتنتقل من مستوى التعاون الاقتصادي المحدود إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة.
وعليه، أصبح النفط ليس مجرد سلعة اقتصادية متبادلة بين الصين ودول الشرق الأوسط، بل متغيرا استراتيجيا مؤثرا في توجهات السياسة الخارجية الصينية وفي طبيعة التفاعلات السياسية والاقتصادية والأمنية بين الجانبين.
إذ يعد أمن الطاقة أحد أبعاد الأمن القومي بالنسبة للدول المصدرة والمستوردة للطاقة على حد سواء، وقد ارتبط تحقيق هذا البعد الأمني لاسيما بالنسبة للدول الكبرى بالسياسة الخارجية للدولة كونها الأداة الدبلوماسية التي تعمل على تحقيق المصلحة العليا، و بالنسبة للصين فإن أمن الطاقة يرتبط بسياستها الخارجية لدرجة كبيرة، لاسيما بعد أن أصبحت إحدى الدول المستهلكة للطاقة من بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي أذ يعود ذلك إلى التقدم الاقتصادي الذي شهدته، وسعيها لمنافسة الولايات المتحدة الأمريكية، وقد وضعت الصين استراتيجيتها في هذا المجال وازداد اهتمامها بالمناطق والأقاليم المنتجة للنفط كالشرق الأوسط الذي يمتلك مكانة جيوستراتيجية بالنسبة للصين، واتخذت خطوات عدة في سبيل تعزيز وجودها في هذه المنطقة، كما عملت على تعزيز وجودها الطاقوي في أماكن اخرى تتخلل مبادرة الطريق والحزام التي اعلنت عنها الإدارة الصينية مؤخراً.
ففي إطار استراتيجية “حزام واحد، طريق واحد” الواسعة، تسير سياسة الصين الطاقوية في الشرق الأوسط وفقا لإطار التعاون الطاقوي المعروف باسم “1+2+3″، الذي يسعى إلى بناء علاقة تعاون استراتيجي صينية-عربية موثوقة قائمة على الصداقة طويلة الأمد، ولتجنب الاعتماد المفرط على موارد الطاقة في الشرق الأوسط، ستواصل الصين أيضاً البحث عن مصادر طاقة وقنوات نقل أخرى في الخارج. ورغم المخاطر والتحديات المرتبطة باستيراد الطاقة من الشرق الأوسط، فقد تمكنت الصين من بناء علاقات قوية مع دول المنطقة وستواصل تطوير هذه الروابط الاقتصادية في السنوات القادمة.
ويتضح أن النفط يمثل المتغير المركزي الذي أسهم في بناء وتطوير العلاقات الاستراتيجية بين الصين ودول الشرق الأوسط. فقد فرضت الحاجة الصينية المتزايدة للطاقة تعزيز التعاون مع الدول المنتجة للنفط، مما أدى إلى توسيع مجالات الشراكة لتشمل الاستثمار والتجارة والبنية التحتية والتعاون السياسي والدبلوماسي، كما أظهرت الدراسة أن أمن الطاقة أصبح أحد أهم محددات السياسة الخارجية الصينية، وأن الشرق الأوسط يحتل مكانة استراتيجية متقدمة في الحسابات الجيوسياسية لبكين. ورغم التغيرات التي يشهدها قطاع الطاقة العالمي، فإن النفط سيظل خلال المستقبل المنظور أحد أهم مرتكزات العلاقات الصينية الشرق أوسطية.
وقد أصبحت الصين بذلك لاعباً رئيسياً ومؤثراً في سوق الطاقة العالمي، فقد ترافق تزايد نصيب الصين في نمو الناتج الخام العالمي مع تزايد في نصيبها في الطلب العالمي على الطاقة، فما بين( 1980- 1990) ساهمت الصين بـ 15 %في نمو الطلب العالمي على الطاقة، وفي غضون العشرية الموالية ارتفعت تلك النسبة إلى 23% وابتداء من العشرية الأخيرة للقرن العشرين(1991- 2001) أصبحت الصين القطب الرئيسي في نمو الطلب العالمي على الطاقة متفوقة على الولايات المتحدة الأمريكية، بإسهامها بـ 52 %من نمو الطلب العالمي على الطاقة ما بين(2001- 2004).
([1])-زينب عبد الله، أمن الطاقة الصيني واستراتيجية الصين في السيطرة على مصادر الطاقة، قضايا سياسية ،جامعة النهرين،العراق ،2022،ص122 .
([2])- John Calabrese, China’s Energy Strategy and Its Implications for the Middle East, Middle East Institute . https://l1nq.com/umsoiev
([3] )-Vairon, Lionel , Defis Chinois: Introduction à une geopolitique de la Chine marketing , Ellipses édition,Paris,2006,p151
([5])- وليد عبد الحي، المكانة المستقبلية للصين في النظام الدولي.2010-1978، مركز الامارات للدراسات والبحوث،أبو ظبي، ص81.
([6])- Rui, Huaichuan, Globalization, Transition and development in China: The case of the coal, First published, London and New York,2005, pp26-27
([7])- منصور بن عبدالعزيز الحجيلي، “البراغماتية عرض ونقد”، مجلة الدراسات العقدية، العدد الرابع، الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة اﻷديان والفرق والمذاهب، 2008، ص 278 .
([8])- Harris, Lillian Craig، China Considers the Middle East. I.B. Tauris, London,1993, p86.
([9])- Calabrese, John, China’s Changing Relations with the Middle East, Pinter Publishers. London,1991, p3 -p17.
([10])- Meiden, Zha Daojiong and Michael, China and the Middle East in a New Energy Landscape, institute of East Asian Studies, London, October 2015.
([11]) -Shichor, Yitzhak, East Wind Over Arabia: Origins and Implications of the Sino-Saudi Missile Deal. Berkeley, Institute of East Asian Studies, University of California,1986, p6.
([14]) الاندفاع الأخضر:زخم جديد للتعاون بين الصين والخليج في مجال الطاقة المتجدّدة، مذكرة سياسات ،جانفي 2026
([15]) -إبراهيم عبد الكريم، الصين والشرق الأوسط: المصالح والاستراتيجيات، مركز دراسات الوحدة العربية ،بيروت.
([16])- الرؤية والتحرك للدفع بالتشارك في بناء الحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين، أنظر في الرابط:
http://arabic.china.org.cn/txt/2017-05/01/content_40727792.htm
([17]) -جانغ يون لينغ، الحزام والطريق: تحولات الدبلوماسية الصينية في القرن15، دار صفصافة للنشر والتوزيع، الجيزة،ص436.
([18])- Fulton, Jonathan, China’s Relations with the Gulf Monarchies, Routledge, London. 2020.
([19])- Alterman, Jon B, China’s Balancing Act in the Gulf, Center for Strategic and International Studies,2019.



