أوراق و دراساتاقتصادية

الحرب الروسية – الأوكرانية: إعادة رسم خريطة الغاز العالمية

د. صباح أحمد فرج

باحث ممتاز بالهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة

باحث متخصص في شئون الاستثمار والطاقة

مقدمة:

اندلعت الحرب الروسية -الأوكرانية بعد سلسلة من التصعيد والتهدئة بين روسيا من ناحية وأوكرانيا والدول الأوروبية من ناحية أخرى، منذ أزمة القرم في 2014، وحين اتخذت روسيا قرارها في 24 من فبراير 2022 بإطلاق عملياتها العسكرية في منطقة دونباس شرق أوكرانيا لتندلع على إثرها حرب شاملة بين البلدين، ألقت بظلالها على كل دول  العالم.

وجاء اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا في وقت كان الإقتصاد العالمي يحاول جاهداً الخروج من النفق الذي دخل إليه مع جائحة كورونا، فبعد عام طويل من المعاناة التي بدأت تنقشع تدريجياً خلال عام 2021، وجدت الدول نفسها أمام التحدي الذي فرضته الحرب على الجميع مؤثرة بشكل أو بآخر على سلاسل الإمدادات ومعروض السلع الأولية والعرض والطلب على مصادر الطاقة بأنواعها.

تحاول الورقة البحثية التعرف على إنعكاسات الحرب الروسية–الأوكرانية على خريطة الغاز العالمية، وذلك باعتبار أن ملف الطاقة يعتبر أحد أبرز الملفات المرتبطة بالحرب قبل اندلاعها وأثناء تطورها وحتى في مرحلة ما بعد الحرب، وهو ما تحاول الدراسة الإجابة عليه من خلال مجموعة من التساؤلات الآتية:

1-ماهية ملامح خريطة الغاز العالمية قبيل الحرب الروسية – الأوكرانية؟

2-ما هو موقع كل من روسيا والدول الأوروبية على هذه الخريطة؟

3-ما هي طبيعة العلاقة بين كل من روسيا والدول الأوروبية في مجال إنتاج الغاز وتصديره؟

4-ما هي ملاح خريطة الغاز بعد الحرب الروسية –الأوكرانية؟ بمعنى آخر ما حجم التغيير الذي شهدته الخريطة وتأثيره على مستقبل أسواق الغاز العالمية خلال الفترة القادمة؟.  

تقدم الدراسة تصور لملامح خريطة الغاز العالمية قبل وبعد الحرب لتحديد حجم وطبيعة التغيرات التي شهدتها، وموقع دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على تلك الخريطة وفرصها للاستفادة من تلك التغيرات.

ويعد ملف الطاقة الملف الأبرز بين الملفات ذات الصلة بالحرب من حيث الأسباب والتداعيات، إذ إرتبطت المعطيات قبل الحرب وأثناءها بشكل أو بآخر بملف الطاقة وإداراته من الجانبين، كما أثارت الحرب وتطوراتها العديد من التساؤلات بشأن الضغوط التي فرضتها على أسواق الطاقة العالمية، وما تشهده خريطة الطاقة العالمية من تغيرات.

تتناول هذه الورقة البحثية أزمة الطاقة العالمية التي تسببت بها الحرب الروسية-الأوكرانية مع التركيز على الغاز الطبيعي باعتباره الملف الأكثر تأثراً، وذلك بداية برصد خريطة الغاز العالمية قبل الحرب الروسية- الأوكرانية، وأسباب التصعيد الأوروبي–الروسي، وأخيراً ملامح خريطة الغاز العالمية وما شهدته من تغيرات بعد مرور عام على الحرب مع محاولة استشراف الوضع خلال الفترة القادمة. 

أولاًملامح خريطة الغاز العالمية قبل الحرب الروسية-الأوكرانية:

استقرت ملامح خريطة الطاقة العالمية قبل الحرب عبر ممارسات استمرت لسنوات قامت خلالها الدول المنتجة للنفط والغاز بالبحث عن مستوردين لتصريف إنتاجها، في المقابل حاولت الدول المستهلكة تكوين شبكة موردين تضمن إستمرار تدفق إحتياجاتها من النفط والغاز دون توقف يهدد أمن طاقتها، ما جعل ملامح تلك الخريطة لا تتغير كثيراً في ضوء إتفاقيات طويلة المدى نسبياً لتصدير الغاز بين المصدرين والمستهلكين، وسياسات تديرها منظمة أوبك وشركاءها لأعوام، ولم تشهد تلك الخريطة تغيرات مفاجئة من شأنها الإخلال بمنظومة حركة النفط والغاز حول العالم حتى أوقات الأزمات.

وبالنظر إلى خريطة الغاز العالمية قبيل الحرب نجد أنها استقرت نسبياً على قيام روسيا من خلال شبكة أنابيب ممتدة من أراضيها عبر دول الجوار بإمداد مستوردي الغاز باحتياجاتهم، نجحت في الاستثمار في تلك الشبكة لعقود.

وقبيل الحرب مباشرة كانت روسيا تمد الدول الأوروبية بنحو 40% من إحتياجاتها من الغاز، بواقع 155 مليار متر مكعب، يتم نقلها إلى أوروبا عبر خمسة خطوط رئيسية، تتمثل في:

-خط أنابيب “نورد ستريم 1″، الذي بدأ  تشغيله في عام 2012، حيث  ينقل نحو 55 مليار متر مكعب سنوياً من الغاز الروسي من خلال أنبوبين يمران عبر بحر البلطيق ومنه إلى ألمانيا.

-خط أنابيب يمر عبر الأراضي الأوكرانية إلى كل من النمسا، إيطاليا، سلوفاكيا وعدد من الدول في شرق أوروبا، وينقل 77 مليون متر مكعب من الغاز يومياً.

-خط أنابيب “يامال–أوروبا”، الذي يمر عبر أراضي روسيا البيضاء وبولندا ومنها إلى ألمانيا حيث ينقل 33 مليار متر مكعب من الغاز سنويا[1]، كما يمد تركيا بجزء من إحتياجاتها من الغاز، ودخل حيز التشغيل عام 2006.

-خط أنابيب “ترك ستريم”،  الذي ينقل 31.5 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً عبر البحر الأسود، ومنه إلى تركيا ثم إلى جنوب أوروبا من خلال أبنوبين متوازيين بطاقة استيعابية متساوية، ودخل حيز التشغيل في بداية عام 2020[2].

-خط أنابيب “بلو ستريم”، وينقل الغاز الروسي عبر البحر الأسود إلى تركيا بطاقة استيعابية تبلغ 16 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، ودخل حيز التشغيل عام 2005.

-بالإضافة إلى خط سادس وهو خط أنابيب “نورد ستريم 2″، والذي ما لبث أن توقف قبل أن يبدأ،  وينقل الغاز عبر بحر البلطيق إلى ألمانيا من خلال أنبوبين تبلغ سعتهما 55 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، وكان مقررا أن يدخل حيز التشغيل في ديسمبر 2021. 

لم تكن الأوضاع قبيل الحرب مستقرة تماماً في أوروبا حيث شهد عام 2021 موجات متتالية من إرتفاع أسعار الغاز الناجمة عن تزامن شتاء قارس، مع تراجع معدلات توليد الكهرباء من مصادرها المتجددة وارتفع استهلاك الغاز بمعدلات غير مسبوقة، مع استعادة الإقتصاد العالمي نشاطه ومحاولات التعافي بعد جائحة كورونا، وجاءت روسيا في النصف الثاني من العام لتقلص إمدادات الغاز إلى الدول الأوروبية ما تسبب في الحد من قدرة الدول الأوروبية على ملئ خزاناتها قبل فصل الشتاء، وإرتفعت أسعار الغاز في مختلف الأسواق بمعدلات وصلت إلى سبعة أضعاف ما كانت عليه في بداية العام مسجلة 33 دولار لكل مليون وحدة حرارية مقارنة ب 4.9 دولار في بداية عام 2019 ، وتسارعت وتيرة الارتفاع بشكل كبير لتعكس الضغوط الكبيرة التي تتعرض لها أسواق الغاز واتساع الفجور بين العرض والطلب بشكل كبير فيما استقرت نسبياً أسعار النفط والفحم[3].

ثانياً- تصعيد أوروبي-روسي وأزمة غاز عالمية:

ألقت الحرب الروسية-الأوكرانية بظلالها على ملف تجارة الغاز العالمية بين مختلف الأطراف، وإن كان تأثيرها أشد وطأة على طرف دون الآخر، وامتد هذا التأثير في دائرة أخذت في الإتساع لتشمل مختلف دول العالم بشكل أو بآخر.

فعلى الجانب الأوروبي، وجدت دول الإتحاد الأوروبي نفسها أمام تهديد واضح لأمن طاقتها الذي ظلت لعقود حريصة على عدم المساس به، حيث انقطعت نحو 80% من إمدادات الغاز الروسي المستخدم لأغراض التدفئة والأنشطة الصناعية وتوليد الكهرباء لترتفع على إثرها أسعار الغاز بنحو 15 ضعفاً مقارنة بما كانت عليه بداية عام 2021، وخرج بالفعل نحو 17% من استهلاك الغاز الأوروبي وواردات دول الإتحاد من الأسواق نتيجة الأزمة، وإنتقل هذا الإرتفاع بدوره إلى أسعار الكهرباء، وتكلفة إنتاج معظم السلع والخدمات،  ووجدت الأسواق الأوروبية نفسها أمام تقلبات حادة في الأسعار ما جعل الكثيرون يتوقفون مرغمين عن استهلاك الطاقة، مع احتمالات تأثر الأسواق على المدى الطويل بما تم تقديمه من دعم قد يحمل الدول الأوروبية من أعباء مالية تصل إلى تريليون دولار أي ما يعادل 6% من إجمالي ناتجها المحلي السنوي، وقد ترتفع تلك التكلفة مع مرور الوقت لاعتياد الأفراد والشركات عليها، لاسيما إذا ما استمرت الحرب أكثر من ذلك، وهو ما يتوقع معه ارتفاع كبير في معدلات التضخم تصحبه سياسات نقدية متشددة، وتأثر السيولة المراد توجيهها للاستثمار في أنشطة الطاقة [4]

ورغم نجاح الموردين في إعادة توجيه جزء من شحنات الغاز المسال من آسيا وأوروبا إلى الدول التي تعاني من إنقطاع الإمدادات، مع زيادة إمدادات كل من الجزائر، أذربيجان،النرويج وكذا الولايات المتحدة الأمريكية بهدف الاستفادة من فرق الأسعار وتلبية إحتياجات السوق الأوروبية، فلا تزال هناك فجوة واضحة بين الطلب والمعروض المتاح لتلبيته.

ورغم ذلك فقد أطلقت الدول الأوروبية العنان لسلسلة متواصلة من العقوبات تعمدت خلالها التصعيد المستمر دون أن تحسب حساب لنتائج هذا التصعيد، فقد بدأت العقوبات الغربية على روسيا مباشرة عقب إندلاع العمليات العسكرية على أوكرانيا، حيث أطلقت الدول الأوروبية حزمتها الأولى من العقوبات والتي جاءت في جزء منها استكمالاً للعقوبات التي فرضت على روسيا منذ عام 2014، وتلا ذلك فرض حزم من العقوبات بشكل متتالي وصل حتى الحزمة التاسعة التي فرضت في منصف شهر ديسمبر 2022، واستهدفت خلالها قطاع الطاقة بطرق مختلفة، فقد حظرت الحزمة الثانية من العقوبات بيع أو توريد أو نقل أو تصدير سلع وتقنيات معينة إلى روسيا في مجال تكرير النفط، فيما تضمنت الحزمة الرابعة من العقوبات حظر ضخ أي استثمارات جديدة في قطاع الطاقة الروسي، ورغم إستمرار العقوبات على قطاع الطاقة الروسي مع التركيز على النفط، فلم تتناول الغاز صراحة ضمن تلك العقوبات بقدر ما تضمنت النفط أكثر من غيره.

ثالثاً- اتجاهات الحرب وإعادة رسم خريطة الغاز العالمية: 

بإلقاء نظرة فاحصة على واقع الحال بعد فترة اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية نجد أن الوضع أصبح يختلف كثيراً عما كان عليه قبل إندلاعها، ومعدل التغير سار بشكل أسرع كثيراً مما إعتادت عليه الأسواق في السابق، جزء من تلك التغيرات يرجع إلى سياسات الدول الغربية إتجاه روسيا بصفة خاصة، وإتجاه الأزمة بصفة عامة وسبل إدارتها، وجزء آخر يرجع إلى ردود أفعال روسيا وباقي الدول التي تدور في دائرة الأزمة من قريب أو من بعيد.

على المستوى الداخلي، شرعت الدول الأوربية منذ بداية الأزمة في تنفيذ عدد من الإجراءات بهدف تخفيف تداعيات الحرب وما أسفرت عنه من إنقطاع الإمدادات وتراجع المعروض من مصادر الطاقة خاصة الغاز. فقد وضعت دول الإتحاد الأوروبي خططها لتقليص استهلاك الغاز الطبيعي بنسبة 15%، بحيث تقل تلك النسبة أو تزيد تبعاً لوضع كل دولة واعتمادها على واردات الغاز الروسي، وذلك بالتزامن مع محاولات ملئ خزانات الغاز بها لتصل نسبة الإمتلاء إلى 80% لتتجاوز فصل الشتاء دون نقص كبير في المعروض الذي يؤثر على أمنها واستقرارها في ظل انقطاع إمدادات الغاز الروسية، مع تطبيق تعليمات صارمة بشأن ترشيد الإستهلاك مثل تحديد حد أدنى وأقصى لمكيفات الهواء، وإغلاق المتاجر أبوابها في وقت مبكر وتقليل الإضاءة في الشوارع، وإطفاء الأماكن العامة والأثرية ليلاً [5].  

وعادت الدول الأوروبية من جديد تشجع توليد الكهرباء من مصارها المتجددة بما فيها المفاعلات النووية، رغم أن بعضها أطلق خططاً للتخلص من تلك المفاعلات تدريجياً، وإحلال الغاز الطبيعي محلها كمصدر لتوليد الكهرباء.

إختلفت أبعاد الأزمة وحدتها من دولة إلى أخرى، فقد إستطاعت دولة مثل إسبانيا من خلال سياسة التسعير تحجيم الزيادة في أسعار الغاز بوضع حد أقصى لسعر الغاز المستخدم في توليد الكهرباء، لإحتواء الزيادة في أسعار الكهرباء.

على المستوى الإقليمي، بداية تم إفراغ شبكة أنابيب النفط والغاز الممتدة من روسيا إلى الدول الأوروبية  والتي استغرقت عقوداً لبنائها وتطويرها وتوسيعها من مضمونها بعد أن أضحت تهدد أمن الطاقة الأوروبي أكثر مما تفيده، وبعد أن إستخدمتها روسيا منذ بداية الأزمة للضغط على الدول الأوروبية لإختبار قدرتها على تحمل إنقطاع إمدادات النفط والغاز الروسية في ضوء محدودية مرونة توفير بدائل مع قرب دخول فصل الشتاء.

فقد بدأت روسيا في تخفيض إمدادات النفط عبر أنبوب نورد “ستريم 1” بنسبة 40% من قدرته الاستيعابية في شهر يونيو 2022 إلى 20% في شهر يوليو من العام نفسه بدعوى إجراء صيانة وصعوبة الإنتهاء منها مع عدم توافر قطع الغيار في ظل العقوبات الغربية عليها، لينتهي الأمر بوقف كامل للغاز عبر الأنبوبين بشكل كامل خلال شهر سبتمبر، كما أضحت تضخ عبر أنابيب الغاز المختلفة نحو 20% فقط من سعتها الاستيعابية ووجهت الجزء الأكبر نحو مستوردين آخرين[6]، وجاءت تلك الخطوة بالتزامن مع قطع كامل للإمدادات الروسية إلى كل من بلغاريا والدنمارك وهولندا وبولندا بدعوى عدم الالتزام بسداد قيمة النفط بالروبل وفقاً للقرار الذي أعلنت عنه روسيا بإلزام الدول غير الصديقة بسداد قيمة ما تستورده من نفط وغاز روسي بالعملة الروسية.

وفتحت تلك التغيرات الباب أمام التعاون الأوروبي–الأوروبي في مجال الطاقة بأنشطته المختلفة، بداية بإستخدام الدول الأوروبية خطوط أنابيب الغاز في الأجزاء الموجودة داخل أراضيها في إتجاه معاكس لنقل الغاز بينها بعيداً عن روسيا لمحاولة تخفيف ضغوط إنقطاع الغاز، وضمان حد أدني من الاستقرار للإمدادات، كما أدت تلك التغيرات أيضاً إلى إتخاذ قرارات جديدة من دول أوروبية منتجة للنفط والغاز مثل هولندا والنرويج وبريطانيا لزيادة طاقتها الإنتاجية وتوجيه جزء منها نحو الدول التي تعتمد بشكل رئيسي على إمدادات الغاز الروسية.

كما لجأت تلك الدول لتنفيذ مشروعات جديدة لبناء موانئ لإستقبال الغاز المسال من الأسواق وإعادة توجيه للسوق المحلية بعد أن كان الاعتماد الرئيسي على الغاز الطبيعي،  جاءت ألمانيا في مقدمة الدول التي أعلنت عن بناء أول محطة للغاز المسال داخل أراضيها تسهم في تعويض 20% من وارداتها من الغاز الروسي، على أن ينتهي العمل بالمحطة والبدء في تشغيلها نهاية 2023، وهذه المحطة واحدة من بين خمس مشروعات أعلنت عنها ألمانيا خلال عام 2022 لتسييل الغاز تتضمن كذلك إنشاء خطوط لربط تلك المحطات بالبنية التحتية للغاز الروسي داخل ألمانيا [7].

على المستوى الدولي، تغيرت كثيراً خريطة إمدادات الطاقة العالمية مع توقعات بأن تشهد مزيداً من التغيرات في ضوء معطيات جديدة، فقد وجد الكثير من منتجي ومصدري الغاز الطبيعي والمسال أنفسهم أمام فرصة لا يمكن إضاعتها لضمان حصة أكبر في أسواق الغاز الأوروبية بعد خروج روسيا منها، ودخول تلك الدول في منافسة لا يحسمها سوى قدرتها على المنافسة وتقديم مزايا تنافسية للدول الأوروبية تجعلها قادرة على حسم القرار بشأن شبكة مورديها الجدد.

جاءت الدول الإفريقية ودول شرق المتوسط في المقدمة، وتثير تلك المنافسة تساؤلات عدة حول قدرة الدول الإفريقية وفرصتها في الاستحواذ على حصة كبيرة في السوق الأوروبية والمنافسة التي قد تواجهها من الولايات المتحدة الأمريكية، يضاف إلى ذلك الفرص المتزايدة لدول شرق المتوسط والتي تشهد في السنوات الأخيرة.

وتمتلك إفريقيا إحتياطيات مؤكدة من الغاز الطبيعي تبلغ 625 تريليون قدم مكعب من الغاز وفقاً لتقديرات 2021، يتوقع معها زيادة إنتاج الغاز في إفريقيا إلى 470 مليار متر مكعب بنهاية عام 2023، وهو ما يغطي نحو 75% من إمدادات الغاز الروسية.

فدولة مثل الجزائر كانت تورد لأوروبا 11% من إحتياجاتها مقارنة بنحو 45% من روسيا وفرصتها في زيادة تلك النسبة كبيرة في ضوء الإتفاقيات الجديدة التي وقعتها عقب إندلاع الحرب مع عدد من الشركات الأوروبية وحكومات تلك الدول لضخ مزيد من الإستثمارات لزيادة صادرات الجزائر من الغاز إلى أوروبا، خاصة وأن الجزائر تمتلك البنية التحتية التي تؤهلها لذلك من خطي أنابيب تصلها بالأسواق الأوروبية، وتخطط الجزائر لزيادة صادراتها من الغاز إلى السوق الأوروبية من 9 مليار متر مكعب إلى 15 مليار بنهاية عام 2023 ثم إلى 18 مليار بنهاية 2024، وتمتلك الشركات الأوروبية استثمارات ضخمة في عدد كبير من الدول الإفريقية في قطاعي النفط والغاز تمكنها من زيادة إمدادات الغاز إلى دولها، فشركة إيني الإيطالية تعمل في نحو 14 دولة إفريقية يتوقع أن تساعدها في توفير كميات إضافية من الغاز إلى أوروبا. فبعد أن وقعت الشركة إتفاقية مع الجزائر لزيادة الإمدادات وقعت إتفاقية مماثلة مع مصر لتصدير 3 مليار متر مكعب في 2022، كما إتفقت الشركة مع الكونغو وموزمبيق على تصدير كميات إضافية من الغاز من مشروعات مشتركة، في الوقت الذي أعلنت فيها بعض الدول الإفريقية عن مشروعات مشتركة تمكنها من زيادة حصتها من الغاز إلى الدول الأوروبية مثل نيجيريا وشراكتها مع المغرب لإنشاء خط أنابيب لنقل الغاز من نيجيريا إلى أوروبا عبر المغرب، فيما تخطط السنغال لتصدير الغاز لأوروبا عام  2024[8].

وفي المقابل حاولت الولايات المتحدة الأمريكية دخول المنافسة بقوة موجهه شحنات كبيرة من الغاز المسال إلى الدول الأوروبية رغم أسعارها المرتفعة والتي تجعل فرصها في المنافسة مستقبلاً محدودة مقارنة بالدول الإفريقية ودول جنوب شرق المتوسط، حيث ارتفعت أسعار الغاز المنتجه من أمريكا إلى أوروبا بنسبة 35%، ورغم إرتفاع أسعار الغاز المسال المتجه من أمريكا إلى أوروبا فقد زادت وارادات أوروبا من الغاز الأمريكي المسال من 28% عام 2021 إلى 45% عام 2022 في محاولة لتوفير أكبر قدر ممكن من الغاز في مدى زمني قصير لمساعدة الدول الأوروبية على تخطي أزمتها [9].

ونجحت الولايات المتحدة في إستغلال الإحتياج الأوروبي للغاز في توقيع إتفاق مع الدول الأوروبية يقضي بتصدير 50 مليار متر مكعب سنوياً إلى السوق الأوروبية، بهدف تغطية ثلث واردات الغاز الروسي المتوقفة، حيث تبدأ أمريكا في إمداد السوق الأوروبية بـ 15 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً تضاف إلى 24 مليار متر مكعب تم تصديرها عام 2021 ثم ترتفع بعدها إلى السقف المتفق عليه[10].  

وعلى الجانب الآخر نجد أن روسيا وإن نجحت في الحفاظ على متوسط إنتاج وتصدير للغاز بشكل كبير فإنها قد لا تنجح في ذلك خلال عام 2023، حيث إنخفض إنتاج الغاز الروسي عام 2022 بنسبة 11.66% إلى 673.8 مليار متر مكعب فيما تراجعت الصادرات بنسبة 25.1% إلى 184.4 مليار متر مكعب مقارنة بمستويات عام 2021، في الوقت ذاته تسعى روسيا لزيادة إنتاجها من الغاز المسال للتغلب على معضلة نقل الغاز عبر خطوط الأنابيب والتي شكل توقفها نتيجة السياسات الروسية والأوروبية إلى خسارة شبكة الأنابيب التي أقامتها لسنوات، ما يعني حاجتها لإقامة بنى تحتية تدعم إنتاج المزيد من الغاز المسال لتنظم روسيا إلى قائمة منتجي ومصدري الغاز المسال حول العالم،  كما قررت روسيا تغيير خريطة مستوردي النفط والغاز بعيداً عن أسواق أوروبا التي كانت حتى وقت قريب سوقاً إستراتيجية لها، فقد إتجهت روسيا صوب دول آسيا والمحيط الهادي بكثافة لتصريف جزء كبير من إنتاجها وتوجيه كميات منه إلى إفريقيا وأمريكا اللاتينية[11]، وبناءاً عليه زادت من صادرات الغاز إلى الصين في عام 2022 لتتجاوز التعاقدات بين البلدين نسبة 18.7%، مع زيادة حجم الغاز المنقول عبر أنبوب ” قوة سيبيريا 1″ الواصل بين البلدين بشكل تدريجي ليصل إلى طاقته الاستيعابية القصوى بحلول عام 2025.

وفي إطار ذلك تعتزم روسيا بناء خطّ أنابيب يعرف باسم “قوّة سيبيريا 2” لإمداد الصين بالغاز عبر منغوليا إبتداءاً من سنة 2024، وتستند روسيا في قراراها على توقعات بأن تكون دول آسيا مسئولة عن الحصة الأكبر من نمو الطلب العالمي على الغاز وهو ما يمكن روسيا من تصريف جزء كبير من إنتاجها من الغاز والذي تم إيقاف تصديره إلى دول أوروبا، وسبق ذلك ضخ كميات أكبر من الغاز الروسي إلى الصين عبر خط أنابيب الغاز “قوة سيبيريا 1″، يتوقع أن تتضاعف مع إقامة الأنبوب الجديد لتصل إلى نحو 100 مليار متر مكعب” من الغاز الروسي إلى الصين[12].

الخاتمة:

لم تختبر وتغير الحرب الروسية الأوكرانية توازنات القوى السياسية فقط، وإنما شكلت إختباراً مهماً لتوازنات القوى الاقتصادية في مجال الطاقة، والتي تعد أبرز الملفات ذات الصلة بالحرب وبمسارها سواء على الجانب الروسي أو الأوروبي، وحتى في دول ومناطق أخرى بعيدة جغرافياً عن مكان النزاع.

ونتيجة لذلك فقد تسببت الحرب في أحداث كبيرة في أسواق الغاز العالمية بعد أن تسببت في توقف إمدادات الغاز الروسي وإختبار قدرة أوروبا على تخطي تلك الأزمة وتأمين إحتياجاتها من موردين آخرين.

كما منحت الحرب فرصة لموردين جدد لزيادة صادراتهم من الغاز إلى الأسواق الأوروبية في مقدمتهم إفريقيا ودول جنوب شرق المتوسط، إلا أن تلك الدول لا تزال بحاجة إلى ضخ إستثمارات ضخمة لتوفير الطاقة الإنتاجية اللازمة لتلبية الطلب الأوروبي على الغاز في الوقت الذي تتضاءل فيه فرص الولايات المتحدة الأمريكية مع ارتفاع تكلفة الغاز المصدر منها إلى السوق الأوروبية.

ورغم ذلك لم تكلل جهود أوروبا بالنجاح بشكل كبير على طريق تأمين احتياجاتها من الغاز دون التأثر بغياب الغاز الروسي حيث لا تزال تعاني من محدودية مرونة الحركة في أسواق الغاز التي تربط منتجي النفط ومستورديه اتفاقيات طويلة المدى، في مقابل نجاح نسبي لروسيا في تحمل أعباء التصعيد الأوروبية وتشديد العقوبات، فضلاً عن نجاحها في توجيه جزء كبير من صادراتها من الغاز إلى أسواق بديلة جاء في مقدمتها السوق الآسيوية مثل الصين والهند، ولكن قد يصبح الإستمرار فيه صعب مع إستمرار التضييق الأمريكي الأوروبي وحاجة روسيا إلى تنويع قائمة عملائها دون التركيز فقط على دولة أو إثنتين.     


[1] – أحمد شوقي، “بالأرقام والخرائط.. خطوط أنابيب نقل الغاز الروسي إلى أوروبا بعد إغلاق نورد ستريم 1 (تقرير)”، 9/9/2022، تم زيارة الموقع في 4/3/2023، على الرابط التالي:

https://urlz.fr/lXBQ

[2] – المرجع السابق.

[3] – مارتن شتومر، أندريا بيسكاتوري،” من الوفرة إلى الظمأ”، مجلة التمويل والتنمية، ديسمبر 2022، على الرابط التالي:

https://www.imf.org/ar/Publications/fandd/issues/2022/12/from-abundance-to-thirst-Pescatori-Stuermer

[4] – التغلب على أزمة الطاقة الأوروبية، مجلة التمويل والتنمية، ديسمبر 2022، على الرابط التالي:

https://www.imf.org/ar/Publications/fandd/issues/2022/12/beating-the-european-energy-crisis-Zettelmeyer

[5] – ستيفاني هيغارتي،  أزمة الطاقة: سبعة حلول تلجأ إليها الدول للتغلب على ارتفاع أسعارها؟، BBC NEW ، 30/8/2022، على الرابط التالي:

https://urlz.fr/lXBY

[6] – وقف جديد للغاز الروسي يضيق الخناق على الطاقة في أوروبا، العربية، 31 أغسطس 2022، على الرابط التالي:

https://urlz.fr/lXCa

[7] – محطات جديدة للغاز في ألمانيا تحل مكان خطوط الأنابيب الروسية، 2/10/2022، على الرابط التالي:

https://urlz.fr/lXCc

[8] – اسراء أحمد فؤاد، “عام على الحرب الأوكرانية يغير خريطة إمدادات الطاقة لأوروبا”، صحيفة اليوم السابع، 24/2/2023، تمت زيارة الموقع في 1/3/2023 على الرابط التالي:

https://urlz.fr/lXCg

[9] – باسل الخطيب،” أمريكا تتاجر بأزمة أوروبا.. رفعت أسعار الغاز 4 أضعاف”، سكاي نيوز عربية، 2/1/2023، على الرابط التالي:

https://urlz.fr/lXCk

[10] – روسيا وأوكرانيا: الاتحاد الأوروبي يوقع اتفاقا لشراء الغاز الأمريكي للحد من الاعتماد على روسيا، (بي بي سي)،  25 /3/2022، على الرابط التالي:

https://urlz.fr/lXCo

[11] – روسيا تتوقع تراجع إنتاج الغاز وصادراته “بنسبة ضخمة” في 2022، سكاي نيوز عربية، بتاريخ 28/12/2022، وتمت زيارة الموقع في 4/3/2023، على الرابط التالي:

https://urlz.fr/lXCu

[12] – انخفاض صادرات الغاز الروسي إلى خارج الدول السوفياتية سابقًا بنسبة 45,5% في 2022، العربية الحدث،  بتاريخ 2/1/2023، وتمت زيارة الموقع في 3/3/2023، على الرابط التالي:

https://urlz.fr/lXCv

Admin

مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية: مؤسسة فكر وتخطيط استراتيجي تقوم على إعداد التقديرات وتقديم الاستشارات وإدارة المشروعات البحثية حول المتوسط وتفاعلاته الإقليمية والدولية. لا يتبنى المركز أية توجهات مؤسسية حول كل القضايا محل الاهتمام، والآراء المنشورة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى