ترجماتمنتدى المتوسط

ترامب ونهاية الطريق للاستثنائية الأمريكية

في يناير 2021، نشرت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية مقالاً لإيشان ثارور، وهو محلل سياسي بالصحيفة وكاتب عمود متخصص في الشؤون الخارجية، بعنوان: “نهاية الطريق للاستثنائية الأمريكية”، من بين ما جاء فيه

ناشد السناتور تشارلز إي شومر (وهو سيناتور عن الحزب الديمقراطي من نيويورك) في قاعة مجلس الشيوخ بعد ظهر الأربعاء قيم المثل الأعلى الأمريكي. وقال شومر: “بينما نتحدث، تتجه أنظار العالم إلى هذه القاعة، وتتساءل عما إذا كانت أمريكا لا تزال المثال الساطع للديمقراطية، المدينة المشرقة علي التل” (في إشارة إلى مبنى الكونجرس الموجود على قمة التل). “ما هي الرسالة التي سنرسلها إلى الديمقراطيات الوليدة، التي تدرس دستورنا، وتحتذي بقوانيننا وتقاليدنا، على أمل أن تتمكن هي أيضاً من بناء بلد محكوم برضا المحكومين؟”

ولكن مجموعة من المشرعين اليمينيين عارضوا خلال جلسة مشتركة للكونجرس، التصديق على الأصوات الانتخابية التي تؤكد فوز الرئيس المنتخب جو بايدن. وقد كان من المفترض أن يكون هذا إجراءً شكلياً، لكن الرئيس ترامب مهّد الطريق لحدوث مواجهات غاضبة من خلال رفضه قبول الحكم الصادر في انتخابات نوفمبر وترويجه الخاطئ لنظريات المؤامرة زاعماً وجود تزوير جماعي لأصوات الناخبين. ولدغدغة مشاعر قواعدهم الانتخابية – وكذلك اغتناماً لفرصة سياسية قبل بدء الدورة الرئاسية المقبلة – قرر عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين البارزين أيضاً قيادة الهجوم نيابة عن ترامب.

وبعد لحظات فقط، اقتحم حشد من أنصار ترامب من اليمين المتطرف تدابير الحماية حول مبنى الكابيتول، والتي اتضح أنها كانت ضئيلة بشكل صادم، واقتحموا المبنى وأغرقوا الإجراءات التي كانت تجري – والبلاد جميعاً – في الفوضى. حيث مات ما لا يقل عن أربعة أشخاص في هذه الاضطرابات. واضطر المشرعون الأمريكيون إلى البحث عن مأوى لهم، والانزواء تحت المكاتب، والاختباء وراء عدد قليل من حراس الأمن المسلحين. لقد انتشر الغوغاء في قلب الديمقراطية الأمريكية المهيب، وداهموا مكاتب الكونجرس مع اعتقاد واضح بالإفلات من العقاب على ما يبدو.

لقد عانى بعض المعلقين والسياسيين الأمريكيين كثيراً في البحث عن تعبيرات لغوية يمكن أن تصف ما كان يحدث. أشار بعضهم إلى أنه كان يشبه كثيرا حالة عدم الاستقرار في مناطق الحرب بالشرق الأوسط عندما تحدثوا عن غضب الجماهير. وأشار آخرون إلى فساد الطغاة الوضيعين في جمهوريات الموز عندما تحدثوا عن تحريض ترامب على التمرد. وقال آخرون إن ما حدث كان يشبه “نمط العالم الثالث في الفوضى المعادية لأمريكا” ولكن في قاعات الكونجرس، حيث كانت تصرفات الغوغاء بمثابة تدنيس للشخصية الأمريكية نفسها. وقال بايدن في تصريحات أدلى بها في وقت لاحق الأربعاء إن الأحداث “لا تعكس أمريكا الحقيقية. ولا تمثل من نكون “.

ومع تدفق بيانات الصدمة والفزع من حلفاء الولايات المتحدة، حزن أركان السياسة الخارجية في واشنطن على ما حدث لصورة أمريكا في العالم. فغرد ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية قائلاً: “هناك الكثير يجب عمله من أجل الانتقال السلمي للسلطة، والاستثناء الأمريكي، ولكوننا المدينة المشرقة علي التل”.

كما أن ما حدث في مبنى الكابيتول أعطى خصوم واشنطن المفترضين الكثير من الحجج لإدانة عقود من الخطاب الأمريكي والسياسة الأمريكية. فقد كتب رئيس زيمبابوي إيمرسون منانجاجوا على تويتر، منتقداً العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب على بلاده، “أظهرت أحداث الأمس أن الولايات المتحدة ليس لها حق أخلاقي في معاقبة دولة أخرى تحت ستار دعم الديمقراطية”.

وقال الرئيس الإيراني حسن روحاني إن الأحداث الدرامية التي وقعت في مبنى الكابيتول “أظهرت مدى ضعف الديمقراطية الغربية”. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية هوا تشون ينغ، مع تلميح لا يخلو من عجرفة، إن زملائها “يأملون في أن ينعم الشعب الأمريكي بالسلام والاستقرار والأمن في أسرع وقت ممكن”.

لكن الصحفية والمؤرخة الأمريكية آن أبلباوم كتبت في مجلة ذا أتلانتك تقول: “بعد ما حدث الأمس، سيكون قد فقدوا واحداً من مصادر الأمل لهم، وحليفاً كان يمكنهم الاعتماد عليه”، في إشارة إلى الحركات المعارضة الغاضبة التي تكافح ضد الأنظمة الاستبدادية. “إن قوة النموذج الأمريكي ستكون أكثر قتامة مما كانت عليه من قبل؛ وسيكون من الصعب الاستماع إلى الحجج الأمريكية “.

لكن هل هذا صحيح بالفعل؟

إن الحديث بورع حول “المثال” الأمريكي من البعض والعجز الواضح للأميركيين البارزين عن الحديث عن فوضى الأربعاء عند آخرين، كما لو كان من العادي أن يحدث – حسناً، لقد حدث بالفعل – هما وجهان لقصر النظر نفسه، فأحدهما يبالغ في التأثير الأخلاقي لأمريكا في العالم، والآخر يقلل من عمق الخلل المتأصل بالفعل في نظام الولايات المتحدة.

ما حدث في مبنى الكابيتول كان أمريكياً خالصاً، مرتبطاً بتقاليد طويلة من جنون العظمة اليميني والعنصرية المتأصلة المرتبطة بالقومية. كان البعض في حشود الشغب يلوح بأعلام الكونفدرالية؛ لقد تم تحريضهم من قبل رئيس استغل جزءًا عميقاً من المظالم كان موجوداً قبل فترة طويلة من توليه السلطة.

فهناك استطلاعات رأي تُظهر بالفعل أن جيل الشباب من الأمريكيين أقل تقبلاً للاعتقاد بالطبيعة “الاستثنائية” لبلادهم وأكثر ميلاً إلى أن تلعب الولايات المتحدة دوراً محدوداً ومتواضعاً على المسرح العالمي. لكن يبدو أن الأكبر منهم سناً، بما في ذلك الشخصيات الرئيسية في مؤسسة واشنطن، هم الذين يشعرون بالحاجة إلى التمسك بأساطير “الاستثناء” الأمريكية.

يعتبر الكثيرون في الخارج أن رؤية “المدينة المشرقة على التل” قد ماتت ألف مرة. فبالنسبة للبعض، كان من الوهم دائماً إخفاء الانقلابات التي دبرتها واشنطن والأنظمة العسكرية العميلة التي حددت سياساتها الوطنية لعقود. وبالنسبة لآخرين، فإن إيمانهم بالمثال الأمريكي قد انسحق في عنابر التعذيب في أبو غريب والتريليونات العديدة من الدولارات التي أُنفقت خلال العقدين الأخيرين على الحروب المدمرة للولايات المتحدة.

ثم جاء ترامب، الذي شكك صراحةً في صحة رؤية الاستثناء الأمريكي قبل أن يستخدمها كعصا قومي فاضح لمهاجمة المعارضين من اليسار. وتحت ولايته، أصبحت أمريكا في الأغلب استثنائية ولكن في حجم معاناتها خلال جائحة كورونا. وعلى الحدود الشمالية وعبر المحيط الأطلسي، بإمكان الناس هناك أن يجدوا أسباباً للاعتزاز بالرعاية الصحية الشاملة في بلدانهم وهم يشاهدون الويلات الصحية التي تشهدها أمريكا. ويمكنهم أن يروا في الاضطرابات العرقية التي استمرت أسابيع في الولايات المتحدة الصيف الماضي، بالإضافة إلى وشوم النازيين الجدد التي يرتديها بعض مثيري الشغب في الكابيتول، دليلاً على أن تجارب مجتمعاتهم مع الديمقراطية متعددة الثقافات ربما كانت تتمتع بوضع أفضل.

وبينما قال رئيس الوزراء البولندي السابق دونالد تاسك على تويتر: “هناك ترامب في كل مكان، لذا يجب على الجميع الدفاع عن الكابيتول”، محوّلاً ترامب إلى استعارة للمخاطر التي تواجه الديمقراطيات الليبرالية؛ حذّر رودريغو مايا، رئيس مجلس النواب البرازيلي من احتمال حدوث تمرد مماثل في بلاده إذا خسر الرئيس اليميني المتطرف جاير بولسونارو، حليف ترامب، في انتخابات عام 2022، وبعيداً عن المدينة المشرقة على التل، أصبحت الولايات المتحدة نذير شؤم لأيام مظلمة قادمة.

Admin

مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية: مؤسسة فكر وتخطيط استراتيجي تقوم على إعداد التقديرات وتقديم الاستشارات وإدارة المشروعات البحثية حول المتوسط وتفاعلاته الإقليمية والدولية. لا يتبنى المركز أية توجهات مؤسسية حول كل القضايا محل الاهتمام، والآراء المنشورة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى