القوة الناعمة الصينية في الشرق الأوسط
الأدوات الثقافية والإعلامية وتشكيل الصورة الذهنية
د. ياسر الطيب: باحث أكاديمي، خبير متخصص في الدراسات الأمنية والاستراتيجية، السودان.
ملخص
تتناول هذه الدراسة توظيف الصين لأدوات القوة الناعمة في سياستها تجاه الشرق الأوسط، باعتبارها أحد المسارات الرئيسية التي تعتمدها بكين لتعزيز نفوذها الخارجي في بيئة دولية تزداد فيها حدة التنافس بين القوى الكبرى وتنطلق الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن الصين، في ظل صعودها الاقتصادي والعسكري، باتت تدرك محدودية الاعتماد على أدوات القوة الصلبة وحدها، وتسعى بالمقابل إلى بناء نفوذ رمزي طويل الأمد يستند إلى الجاذبية الثقافية، والتعليم، والإعلام، والذاكرة التاريخية، وخطاب التنمية القائم على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
تعتمد الدراسة إطارًا نظريًا يرتكز على مفهوم القوة الناعمة في العلاقات الدولية، مع إعادة تكييفه وفقًا للخصوصية الصينية .وتبين الدراسة كيف أن بكين لا تكتفي بتبني المفهوم بصيغته الغربية، بل تعيد إنتاجه ضمن سردية حضارية وتنموية تستلهم تاريخها الطويل، وتجربتها مع الاستعمار، ونموذجها التنموي الخاص وفي هذا السياق، تبرز مفاهيم مثل “النهوض السلمي” و”مجتمع المصير المشترك للبشرية” بوصفها مكونات مركزية في الخطاب الصيني الموجه إلى الشرق الأوسط، مما يعكس محاولة صينية لإضفاء طابع أخلاقي وحضاري على حضورها المتصاعد في المنطقة.
تحلل الدراسة أدوات القوة الناعمة الصينية من خلال خمسة محاور رئيسة: التفاعل الحضاري والذاكرة التاريخية، ودور مراكز الفكر في دعم السياسة الخارجية، والمراكز الثقافية ومعاهد كونفوشيوس وبرامج المنح التعليمية، والإعلام الصيني الناطق بالعربية، وأخيرًا توظيف التعاون الاقتصادي بوصفه رافعة رمزية داعمة للقوة الناعمة كما تعتمد الدراسة دراسات حالة تطبيقية تشمل دولًا عربية مختارة، بهدف رصد كيفية تفعيل هذه الأدوات على أرض الواقع، وقياس مستوى التلقي والتفاعل معها لدى النخب والجماهير على حدٍ سواء.
تخلص الدراسة إلى أن الصين حققت نجاحات نسبية في بناء صورة إيجابية بوصفها شريكًا تنمويًا غير استعماري، خصوصًا على مستوى النخب السياسية والأكاديمية، إلا أن هذا النجاح يظل محدودًا على المستوى المجتمعي الأوسع، بفعل تحديات تتعلق بالمصداقية، وصراع الايدلوجيات الدولية، وحساسية الرأي العام العربي تجاه بعض القضايا السياسية والحقوقية. كما تؤكد أن مستقبل القوة الناعمة الصينية في الشرق الأوسط سيبقى مرهونًا بقدرة بكين على المواءمة بين خطابها القيمي وممارساتها الفعلية، وعلى إدراك خصوصيات المجتمعات العربية وتنوعها الداخلي، وهو ما يتطلب مقاربة أكثر مرونة تستوعب تعقيدات المشهدين الإقليمي والدولي.
تكشف التحليلات الموسعة التي تقدمها هذه الدراسة أن التحدي الأكبر أمام الاستراتيجية الصينية لا يكمن فقط في تطوير الأدوات الناعمة ذاتها، بل في قدرتها على تحويل هذه الأدوات إلى تأثير حقيقي ومستدام في الوعي الجمعي العربي، فالصورة الذهنية الإيجابية للصين تظل هشة ما لم تستند إلى تفاعلات يومية ملموسة تلامس حياة المواطن العادي، وما لم تتزامن مع انفتاح أكبر على القضايا المصيرية التي تشغل الرأي العام العربي، كقضايا الحرية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية وفي ظل تنامي الوعي العربي بضرورة تنويع الشراكات الدولية، تبقى المبادرة الآن في مسرح بكين لإثبات أن نموذجها التنموي يمكن أن يشكل بالفعل بديلًا جاذبًا، لا على المستوى الرسمي فحسب، بل وعلى المستوى الشعبي أيضًا، وذلك من خلال تبني خطاب أكثر صدقية وانفتاحًا، وبناء شراكات ثقافية ومعرفية حقيقية تتجاوز منطق البروباغاندا إلى فضاء الحوار الإنساني العميق.
الكلمات المفتاحية: القوة الناعمة، الصورة الذهنية، الشرق الأوسط، السياسات الصينية، مراكز كونفوشيوس، الإعلام الموجه باللغة العربية.
المقدمة
شهد النظام الدولي منذ مطلع القرن الحادي والعشرين تحولات بنيوية عميقة، أعادت تشكيل موازين القوى وأنماط التفاعل والعلاقات بين الدول، وكان أبرز ملامح هذا التحول صعود الصين بوصفها فاعلًا رئيسيًا في المشهد الدولي، فلم يعد هذا الصعود مقتصرًا على المؤشرات الاقتصادية أو العسكرية، بل امتد ليشمل اهتمامًا متزايدًا ببناء أدوات التأثير غير القسرية، وفي مقدمتها القوة الناعمة، التي تتيح للصين تعزيز حضورها الدولي بوسائل أكثر مرونة واستدامة.
وفي هذا السياق، برز الشرق الأوسط كإقليم ذي أولوية خاصة في السياسة الصينية، نظرًا لموقعه الجيوسياسي المهم، ودوره المحوري في أمن الطاقة العالمي، وموقعه كملتقى طرق تجارية كبرى، إضافة إلى كونه ساحة تفاعل وتنافس بين القوى الدولية. ومع تزايد الحضور الصيني في المنطقة، تجاوزت السياسة الصينية الإطار الاقتصادي والاستثماري إلى آفاق أرحب شملت أبعادًا ثقافية وإعلامية وتعليمية، تهدف بشكل أساسي إلى إعادة تشكيل الصورة الذهنية للصين لدى النخب والجمهور العربي الواسع.
تسعى الصين، عبر توظيف أدوات القوة الناعمة إلى تقديم نفسها كشريك تنموي يحترم السيادة الوطنية ويتجنب التدخل في الشؤون الداخلية، كما تطرح نموذجًا بديلًا عن النماذج الغربية التي ارتبطت في الذهنية العربية بالتدخل وزعزعة الاستقرار ويكتسب هذا التوجه أهمية مضاعفة في ظل التنافس الدولي المحموم على كسب “القلوب والعقول” في المنطقة، وتنامي دور الرأي العام والإعلام في توجيه السياسات الخارجية.
تأتي أهمية هذه الدراسة من محاولة لتقديم تحليل متكامل لأدوات القوة الناعمة الصينية في الشرق الأوسط وربطها بالسياقات الإقليمية والدولية الأوسع، كما تهدف إلى توفير إطار تحليلي يساعد الباحثين وصناع القرار العرب على فهم طبيعة النفوذ الصيني، واستشراف حدوده، والتفاعل معه بطريقة أكثر وعيًا وتوازنًا. ويظل الشرق الأوسط بما يحمله من مميزات مسرحًا مهمًا لاختبار فاعلية هذا النموذج الصيني في بناء النفوذ عبر الثقافة والتنمية، بعيدًا عن الصور النمطية المرتبطة بالقوى الكبرى التقليدية.
من هنا، تستكشف هذه الدراسة آليات توظيف الصين للقوة الناعمة في الشرق الأوسط، عبر تحليل أدواتها الثقافية والفكرية والإعلامية، وكيفية توظيفها في بناء صورة ذهنية مغايرة للصورة التقليدية المرتبطة بالقوى الكبرى، وتسعى الدراسة إلى الإجابة عن إشكاليات محورية تتعلق بكيفية استثمار الصين للذاكرة التاريخية والتفاعل الحضاري في تعزيز نفوذها، ودور مراكز الفكر والإعلام في دعم هذا التوجه، مع رصد حدود هذه الاستراتيجية وتحدياتها على المستويين الرسمي والشعبي كما تعتمد الدراسة على منهج تحليلي يستند إلى أدبيات القوة الناعمة، ودراسات حالة عربية تسهم في فهم أعمق لمدى نجاح هذه السياسات في الفضاء العربي، وسط تنافس دولي متصاعد على تشكيل الوعي والتأثير في الاتجاهات والأفكار.
أولًا: الإطار العام للدراسة
تتمثل مشكلة الدراسة في وجود فجوة معرفية بين التوسع الفعلي للحضور الصيني في الشرق الأوسط من جهة، ومحدودية الدراسات العربية التي تُحلل بشكل منهجي كيفية توظيف أدوات القوة الناعمة في تشكيل صورة ذهنية إيجابية للصين في المنطقة من جهة أخرى.
وتهدف الدراسة إلى تحليل مكونات وأدوات القوة الناعمة الصينية في منطقة الشرق الأوسط، مع التركيز على المجالات الثقافية (المعاهد والمنح الدراسية)، الفكرية (مراكز الأبحاث والخطاب السياسي)، والإعلامية (شبكات التلفزة والمنصات الرقمية)، وقياس مدى تفاعل وتلقي مجموعات محددة من المجتمعات العربية (النخب الأكاديمية والإعلامية، فضلًا عن فئات من الرأي العام) لهذه السياسات والرسائل الصينية.
وكذلك تقديم إطار تحليلي لفهم آليات عمل هذه الأدوات وتأثيرها، مما يسهم في سد الفجوة المعرفية حول الموضوع في الأدبيات العربية، والخروج بفهم شامل لطبيعة النفوذ الصيني في المنطقة، واستشراف آفاقه المستقبلية، مع تحديد الفرص والتحديات التي تفرضها هذه الادوات الجديدة على العلاقات العربية-الصينية.
وتنطلق الدراسة من فرضية محورية مفادها أن الصين، في ظل صعودها الاقتصادي والعسكري، باتت تدرك أن الاعتماد على أدوات القوة الصلبة وحدها لم يعد كافيًا، وتسعى إلى بناء نفوذ رمزي طويل الأمد يستند إلى الجاذبية الثقافية، والتعليم، والإعلام، والذاكرة التاريخية، وخطاب التنمية وعدم التدخل.
وفي إطار هذه الفرضية تسعى الدراسة للإجابة على عدد من التساؤلات البحثية: كيف توظف الصين التفاعل الحضاري والذاكرة التاريخية في تعزيز قوتها الناعمة؟ ما الدور الذي تؤديه مراكز الفكر والدراسات في دعم السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط؟ كيف تُستخدم المراكز الثقافية والمنح التعليمية والإعلام الناطق بالعربية في بناء النفوذ الرمزي والقوة الناعمة؟
ويستند الإطار النظري إلى مفهوم القوة الناعمة كما صاغه جوزيف ناي، مع محاولة تكييفه مع السياق الصيني، انطلاقًا من سؤال مركزي مفاده: إذا كانت هذه النظرية قد وُلدت في بيئة غربية ديمقراطية، فإلى أي مدى يمكن تطبيقها بالمنطق نفسه على دولة ذات نظام سياسي مختلف مثل الصين؟
المنهج التحليلي: القائم على تحليل الخطاب السياسي والإعلامي الصيني لفهم كيف تقدم الصين نفسها للعرب، وما هي الرسائل التي تحاول إيصالها.
مراجعة الأدبيات: تحليل الأدبيات العربية والأجنبية حول القوة الناعمة والدبلوماسية الثقافية الصينية، ليس بهدف التكرار، بل للبناء على ماسبق ورصد الفجوة.
دراسات الحالة: تحليل أمثلة تطبيقية من الواقع الشرق أوسطي (قطر، الامارات، السعودية، ومصر).
حدود الدراسة
الحدود الموضوعية: تركز الدراسة على أدوات القوة الناعمة (الثقافية ،الفكرية والإعلامية) في السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط، ولا تتناول بالتفصيل أدوات القوة الصلبة إلا في سياق تكاملها مع الناعمة.
الحدود المكانية: يقتصر نطاق الدراسة على منطقة الشرق الأوسط، مع التركيز على دول عربية مختارة كدراسات حالة.
الحدود الزمانية: تركز الدراسة على فترة ما بعد مطلع القرن الحادي والعشرين، ولا سيما العقدين الأخيرين، تزامنًا مع صعود الصين وإطلاق مبادرات كبرى مثل مبادرة “الحزام والطريق”.
ثانيًا: الإطار المفاهيمي للدراسة
عرّف جوزيف ناي القوة الناعمة بأنها القدرة على تحقيق الأهداف عبر الجاذبية بدلًا من الإكراه أو الحوافز المادية، مستندةً إلى الثقافة والقيم والسياسات ذات الشرعية[1]، وقد شكّل هذا المفهوم أساسًا لتحليل سلوك القوى الكبرى في مرحلة ما بعد الحرب الباردة[2]. غير أن هذا المفهوم لم يبقَ حبيس صيغته الأولى، بل شهد تطورات نقدية مهمة. فقد وسع ستيفن لوكس المفهوم ليشمل “البعد الثالث للقوة”، أي القدرة على تشكيل رغبات الآخرين ومعتقداتهم قبل أن يدركوا وجود بدائل أخرى[3]. أما بارنت ودوفال فقد قدما تصنيفًا أكثر تعقيدًا للقوة في العلاقات الدولية، يميز بين القوة الإجبارية، والقوة المؤسساتية، والقوة البنيوية، والقوة الإنتاجية، وهو تصنيف يتيح فهمًا أدق لآليات عمل القوة الناعمة في سياقات متعددة[4].
ويختزل تعريف جوزيف ناي للقوة الناعمة جوهر المفهوم في معادلة بسيطة لكنها عميقة: إنها القدرة على تحقيق الأهداف المرجوة ليس عبر الإكراه (القوة الصلبة) أو الإغراء المالي (القوة الاقتصادية)، بل من خلال الجاذبية؛ أي قدرة الدولة على إقناع الآخرين بأن قيمها وثقافتها وسياساتها جديرة بالاحترام والمحاكاة. هذا الإطار التحليلي، الذي نشأ وتبلور في سياق غربي ليبرالي، أصبح أداة أساسية لفهم التنافس الدولي في القرن الحادي والعشرين.
غير أن تزايد أهمية هذا المفهوم تزامن مع صعود قوى غير غربية، في مقدمتها الصين، مما يطرح تساؤلًا جوهريًا لا يمكن تجاوزه: هل يمكن تطبيق النموذج النظري للقوة الناعمة بآلياته الغربية على دولة ذات نظام سياسي مغاير، تعيد تعريف “الجاذبية” ليس فقط في الشكل ولكن في المضمون، وفق رؤيتها الحضارية وأولوياتها التنموية؟ هذا السؤال هو المدخل الطبيعي لفهم خصوصية التجربة الصينية.
وفي الحالة الصينية، جرى توسيع المفهوم وربطه بخطاب “النهوض السلمي” و”مجتمع المصير المشترك للبشرية”، بما يعكس محاولة صينية لإعادة إنتاج القوة الناعمة ضمن إطار حضاري غير غربي[5]، ويلاحظ عدد من الباحثين أن الصين لا تسعى فقط إلى تبنّي المفهوم، بل إلى إعادة تعريفه بما يخدم تجربتها التاريخية ونموذجها السياسي.[6] الصين هنا تُعيد صياغة مفهوم القوة الناعمة، بحيث لا تبقى مجرد أداة مستوردة، بل تتطور في إطار يتماشى مع خصوصية تجربتها. فالشعارات التي تطرحها ليست وليدة الصدفة، بل تعكس محاولة منهجية لربط نفوذها المتزايد بجذورها الحضارية العميقة، وتجربتها التنموية المعاصرة، وخياراتها السياسية الراهنة. وهذا التوجه يمنحها حضورًا متكاملًا يجعلها أقرب إلى قوة ذات بُعد حضاري، قادرة على منافسة النموذج الغربي على أسس ثقافية وسياسية متكاملة.
ولا يمكن فهم كيفية عمل القوة الناعمة في الشرق الأوسط بالاعتماد فقط على النظريات الغربية، فلهذه المنطقة خصوصياتها التي تفرض علينا مقاربة مختلفة. إن الصور الذهنية التي تكونها الشعوب العربية عن القوى الدولية لا تنشأ في فراغ، بل تتشكل عبر عوامل معقدة: ذاكرة الاستعمار التي لا تزال حية، والمواقف من قضايا مصيرية مثل فلسطين، وأخيرًا مدى اتساق ما تقوله هذه القوى مع ما تفعله على الأرض[7].
ثالثًا: أدوات القوة الناعمة الصينية في الشرق الأوسط
(1) الذاكرة التاريخية والتفاعل الحضاري
تستحضر الصين إرث طريق الحرير بوصفه رمزًا للتفاعل الحضاري السلمي مع الشرق الأوسط، وتوظّف هذا الإرث في خطاب مبادرة الحزام والطريق لإضفاء شرعية تاريخية على حضورها المعاصر[8]. كما توظف بكين سردية الحرب العالمية الثانية ومقاومة الاحتلال الياباني لإبراز مساهمتها في النظام الدولي المعاصر، وتقديم نفسها قوة حضارية عانت من الاستعمار مثل شعوب المنطقة[9].
بالإضافة إلى هذين المحورين الرئيسيين، تعمل الصين على دمج واستثمار هذه الروايات التاريخية في أطر أوسع وأكثر تعقيدًا، لتطوير نسق متكامل للقوة الناعمة يرتكز على الحتمية التاريخية والأخوة المصيرية فهي لا تروج لرواية ثابتة عن الماضي، بل تعمل على بث الحياة في الذاكرة وجعلها قابلة للتطويع والتفاوض لخدمة حاجات العلاقات الثنائية والمتعددة الأطراف على سبيل المثال، في تعاملها مع أوروبا، قد تُبرز الصين جانب التبادل الفكري والعلمي على طريق الحرير، بينما في أفريقيا، تضع التركيز على تضامن ما بعد الاستعمار والنضال المشترك من أجل التنمية.
غير أن فعالية هذه الأداة الناعمة تواجه عقبات حقيقية، في مقدمتها تعدد الروايات المحلية في الشرق الأوسط والعالم، والتي قد لا تنسجم بالضرورة مع الخطاب الصيني الموحد كما أن الفجوة بين خطاب السلام التاريخي وسياسات الصين الفعلية في بحر الصين الجنوبي أو تجاه بعض الأقليات الداخلية، تخلق أزمة مصداقية يصعب ترميمها بالكلمات وحدها لذلك، تعمل بكين على تحويل هذه الخطابات إلى مكاسب ملموسة عبر ضخ الاستثمارات في البنى الثقافية كالمتاحف ومراكز الأبحاث المشتركة ومشاريع ترميم الآثار، إلى جانب إنتاج محتوى إعلامي وترفيهي كالأفلام والوثائقيات التي تعيد إنتاج هذه الرؤية بصريًا بهذا تتحول الذاكرة التاريخية إلى سلعة ثقافية ناعمة، تُوظَّف في خدمة المشروع الجيوسياسي الأوسع، ضمن معركة مفتوحة على جبهة التوجهات العالمية.
(2) مراكز الفكر الصينية ودورها في السياسة الشرق أوسطية
أصبحت مراكز الفكر الصينية خلال العقدين الأخيرين جزءًا أساسيًا من منظومة إنتاج المعرفة الداعمة للسياسة الخارجية، رغم استمرار هيمنة الحزب الشيوعي على القرار النهائي.[10] تُسهم هذه المراكز في تقديم تحليلات معمقة لصانع القرار حول ديناميكيات الشرق الأوسط، وتلعب دورًا في صياغة خطاب التنمية والاستقرار وعدم التدخل[11].
في هذا السياق، لا تكتفي مراكز الفكر والأبحاث الصينية بتقديم تحليلات سياسية راهنة، بل تعيد صياغة التاريخ لخدمة الأهداف الجيوسياسية الحديثة. فهي تنتج أبحاثًا معمقة تؤكد الاستمرارية بين قيم الحضارة الصينية القديمة وسياساتها المعاصرة، مثل الربط بين مبدأ عدم التدخل وروح التعاون الحضاري القديم، أو بين طريق الحرير التاريخي ومشاريع البنى التحتية اليوم. وبهذا تتحول هذه المراكز من مجرد منتج للمعرفة إلى جهة تُضفي الشرعية، حيث تقدم الخيارات السياسية والاقتصادية كنتائج حتمية لمسار تاريخي وثقافي فريد، وتُعيد تعريف مفاهيم عالمية كالتنمية والاستقرار من زاوية صينية خالصة.
من ناحية أخرى، تعمل هذه المؤسسات الفكرية كقناة حيوية للقوة الناعمة عبر الوساطة الثقافية والفكرية مع نظرائها في الشرق الأوسط والعالم فهي لا تخاطب صناع القرار فحسب، بل تتوجه أيضًا إلى النخب الأكاديمية والإعلامية لتشكيل الإدراك العام من خلال تنظيم المؤتمرات المشتركة، وبرامج التبادل البحثي، وإصدار منشورات بلغات متعددة. تقوم هذه المراكز بنقل وإعادة إنتاج السرديات التاريخية الصينية – مثل سردية طريق الحرير والتضامن ضد الاستعمار – بطريقة مقبولة ومتناغمة مع الخطابات المحلية في دول الشرق الأوسط . هذا الدور الوسيط يضفي مصداقية أكاديمية على الخطاب السياسي، ويخلق شبكات من المثقفين والخبراء الذين يفهمون ويتبنون، جزئيًا على الأقل، الرؤية الصينية للعالم.
(3) المراكز الثقافية ومعاهد كونفوشيوس والمنح التعليمية
تُعدّ معاهد كونفوشيوس من أبرز أدوات الدبلوماسية الثقافية الصينية، حيث تنتشر في عدد من الدول العربية وتعمل على تعليم اللغة الصينية وتنظيم أنشطة ثقافية مشتركة.[12] غير أن وظيفتها أعمق من مجرد تقديم الأنشطة الثقافية، لتتحول مع غيرها من القنوات كالمنح الدراسية إلى أدوات فاعلة لتحويل الخطابات والأفكار التاريخية إلى تأثير ثقافي ملموس، فهي لا تكتفي بتعليم اللغة فقط، بل تصمم أنشطتها لإعادة إنتاج روايات القوة الناعمة الصينية، كالتركيز على مواضيع طريق الحرير والتضامن الآسيوي، لتصبح بذلك منصات لنشر “ديبلوماسية الذاكرة”، حيث يُستدعى تاريخ مشترك لبناء أساس عاطفي للعلاقات الحالية، مما يحول التفاعل الحضاري المجرد إلى أداة تطبيقية تعمق التأثير على الشباب والمهتمين بالثقافة الصينية.
وتأتي برامج المنح التعليمية لتكمل هذا الدور، ليس عبر تقديم فرص دراسية فحسب، بل من خلال تكوين نخب عربية مطلعة على المجتمع الصيني، وهو ما يساهم في بناء شبكات علاقات طويلة الأمد تخدم القوة الناعمة الصينية. غير أن هذه البرامج تمثل استراتيجية أعمق لبناء رأسمال بشري واجتماعي موالٍ للرؤية الصينية على المدى الطويل، إذ تلتقط النخب الواعدة (الطلاب، الباحثين، الإداريين) في مرحلة تكوينهم وتقدم لهم تجربة معايشة متكاملة في الصين، لا يتلقون خلالها المعرفة الأكاديمية فقط، بل يخضعون أيضًا لـ”تجربة حية” مُدارة بعناية تُقدّم المجتمع الصيني على أنه تجسيد ناجح لتناغم الحداثة مع الأصالة، والوحدة مع التنوع.
ويزداد أثر هذه البرامج عمقًا مع عودة هؤلاء الطلاب إلى بلدانهم، حيث يصبحون سفراء غير رسميين ليس فقط للغة والثقافة الصينيتين، بل أيضًا للتفسير الصيني للتاريخ وللمبادئ التي تحكم السياسة الخارجية الصينية. وبالتالي، تساهم هذه البرامج في قيام شبكات علاقات متينة تتخلل المؤسسات الحكومية والأوساط الأكاديمية والقطاع الخاص في بلدانهم، مما يضمن استمرارية التأثير الناعم الصيني عبر الأجيال، ويُرسي دعمًا طويل الأمد للمصالح الصينية ضمن أطر من التفاهم والمصلحة المتبادلة.
(4) الإعلام الصيني الناطق بالعربية
تواجه هذه المؤسسات الإعلامية تحديًا كبيرًا، يتمثل في الموازنة بين هدفها الطموح لتقديم محتوى موضوعي ومتوازن ينافس الإعلام الغربي، وبين التزامها بالمعايير الصارمة للنظام الإعلامي الصيني. ونجاحها في بناء تأثير حقيقي يعتمد بشكل أساسي على قدرتها على تجاوز صورة “الناقل الرسمي للسياسات”، وكسب ثقة الجمهور على المدى الطويل من خلال المصداقية.
هذا الهدف يتطلب خطوات عملية على الأرض، مثل معالجة أكثر انفتاحًا للقضايا الحساسة محليًا وعالميًا، وتقديم محتوى تحليلي يعكس فهمًا عميقًا لتعقيدات المجتمعات العربية وتنوع آرائها، بدلًا من الاكتفاء بترجمة الخطابات الصينية. لذلك يصبح التحدي الأكبر هنا هو تقديم نموذج إعلامي جذاب يركز على القصص الإنسانية والنجاحات التنموية الملموسة، مع ترك مساحة للنقاش النقدي البناء.
في المحصلة، فإن مصير هذه الوسائل الإعلامية سيتحدد بمدى قدرتها على خلق حوار حقيقي والتفاعل مع قضايا المواطن العربي اليومية، بعيدًا عن الأجندة الدعائية المباشرة. فإما أن تظل مجرد أدوات للبث الأحادي الاتجاه، أو تتحول إلى منصات تأثير ناعم فاعلة ومقبولة جماهيريًا.
(5) البعد الاقتصادي بوصفه رافعة للقوة الناعمة
رغم أن الاقتصاد يُصنَّف تقليديًا ضمن أدوات القوة الصلبة، فإن الصين نجحت في إعادة تأطير حضورها الاقتصادي في الشرق الأوسط ضمن خطاب تنموي يخدم القوة الناعمة[13]، فقد قُدِّمت مشروعات البنية التحتية والاستثمار ضمن مبادرة الحزام والطريق بوصفها شراكات طويلة الأمد تقوم على المنفعة المتبادلة، لا على التبعية أو الإكراه[14].
ما يميز المقاربة الصينية هو ذكاء توظيفها للاقتصاد كأداة ناعمة، حيث تتحول مشاريع الموانئ والسكك الحديدية ومحطات الطاقة من مجرد بنية تحتية مادية إلى رموز تحمل معاني ثقافية وتاريخية ففي الخطاب الرسمي والإعلامي، تُربط هذه المشاريع دائمًا بروح طريق الحرير القديم، وكأنها استعادة معاصرة لذاك الزمن الذي جمع الشعوب بالتجارة والتبادل لا بالاحتلال والهيمنة ولعل أخطر ما في هذه المقاربة الذكية، أن الصين تقدم نفسها من خلال هذه المشاريع الضخمة كشريك مختلف، لا يفرض على الحكومات شروطًا سياسية أو وصفات تقشفية قاسية على غرار ما يفعله صندوق النقد الدولي.
غير أن تحويل الاقتصاد إلى قوة ناعمة حقيقية ليس بالمهمة السهلة، فهناك فجوة بين الصورة البراقة التي تروجها بكين والواقع على الأرض، فخطاب “المنفعة المتبادلة دون شروط” قد يبدأ بالتآكل عندما تتحول بعض المشاريع إلى مصدر ديون ثقيلة، أو عندما تستقدم شركات صينية عمالتها من الداخل بدلًا من تشغيل أبناء المنطقة، أو حين تتجاهل المعايير البيئية الأساسية. كل هذه الممارسات تثير انتقادات محلية قد تتحول مع الوقت إلى رأي عام معادٍ.
نجاح الاقتصاد الصيني كأداة ناعمة مرهون بقدرة بكين على إدارة توقعات شركائها، وتخفيف التوترات التي تصاحب مشاريعها، والأهم من ذلك، ضمان وصول فوائد هذه المشاريع إلى المجتمعات المضيفة وليس فقط إلى النخب الحاكمة فإذا نجحت الصين في ترجمة استثماراتها إلى تنمية حقيقية يشعر بها الناس العاديون، فقد تتحول علاقتها بالعالم العربي من مجرد مصلحة مؤقتة إلى ولاء دائم ومكانة راسخة في الوجدان الجمعي أما إذا بقيت العلاقة أسيرة صفقات النخب، فإن أول أزمة أو ظهور بديل منافس قد يكون كفيلًا بتقويض كل ما بنته بكين على مدى سنوات.
رابعًا: قياس فعالية القوة الناعمة الصينية في الشرق الأوسط
يمثل قياس فعالية القوة الناعمة إحدى الإشكاليات المنهجية في دراسات العلاقات الدولية، نظرًا لطبيعتها الرمزية وغير الملموسة[15] ومع ذلك، يمكن الاستعانة بمؤشرات كمية ونوعية للاقتراب من تقدير أثر الاستراتيجية الصينية في الشرق الأوسط.
تشير استطلاعات رأي دولية، مثل تلك الصادرة عن مركز “الباروميتر العربي”[16]– شبكة بحثية غير حزبية تأسست عام 2005 يقع مقرها الرئيسي في واشنطن العاصمة، ولديها شراكات مع مراكز أبحاث وجامعات مرموقة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا-إلى تباين ملحوظ في نظرة الرأي العام العربي تجاه الصين، حيث يظهر إعجاب نسبي بالنموذج التنموي الصيني مقابل تحفظات تتعلق بالقضايا السياسية وحقوق الإنسان[17]. كما تُظهر المقارنة الزمنية أن التحسن في صورة الصين غالبًا ما يرتبط بالأحداث الاقتصادية الكبرى أو المبادرات التنموية، أكثر من ارتباطه بالأنشطة الثقافية البحتة، ما يعكس الطابع الاقتصادي–الرمزي للقوة الناعمة الصينية[18].
يكشف التباين في نتائج استطلاعات الرأي عن تفاوت طبقي وعمري في تلقي القوة الناعمة الصينية، مما يعقّد من قياس فعاليتها الحقيقية فبينما تبدو الصورة إيجابية على مستوى الحكومات والنخب الاقتصادية المستفيدة من الشراكة، قد تبقى التحفظات قوية لدى النخب الثقافية والسياسية والأجيال الشابة الأكثر ارتباطًا بالروايات الغربية حول الحكم الرشيد والحريات كما أن السياق المحلي لكل دولة عربية يلعب دورًا حاسمًا، ففي الدول التي تشهد توترًا مع الغرب أو أزمات تنموية حادة، يكون استقبال النموذج الصيني أكثر ترحيبًا، بينما في الدول ذات العلاقات التقليدية المتينة مع الغرب، يظل التأثير الصيني هامشيًا أو مقتصرًا على الجانب الاقتصادي البحت.
من ناحية أخرى، تواجه القوة الناعمة الصينية اختبارًا مصيريًا يتمثل في القدرة على الصمود أمام الأزمات، وتستند فعاليتها الحالية إلى سلسلة من الوعود: وعد التنمية، وعد عدم التدخل، وعد الشراكة الحضارية المتكافئة لكن هذه الوعود تظل رهينة بانتظار الاختبار فتعثر مشروع ضخم هنا، أو موقف سياسي يتعارض مع خطاب الاحترام المتبادل هناك، أو حتى توترات داخلية في الصين تنعكس على صورتها الخارجية، كلها قد تكون كفيلة بتبديد الرصيد الرمزي الذي تراكم على مدى سنوات لهذا، فإن فعالية القوة الناعمة الصينية لا تقاس في المؤتمرات والاحتفالات، بل في قدرتها على تجاوز الأزمات، وفي مرونة خطابها حين يواجه لحظات الحقيقة فالمراجعة الصادقة، والقدرة على تفسير الأحداث وتبريرها للآخرين، هي وحدها القادرة على تحويل هذه القوة من أداة ظرفية إلى عنصر دائم وراسخ في الفضاء السياسي والثقافي العربي.
خامسًا: القوة الناعمة الصينية في سياق التنافس الدولي
يتطلب تحليل القوة الناعمة الصينية في الشرق الأوسط وضعها في سياقها التنافسي مع النماذج الأخرى المهيمنة في المنطقة، خاصة الأميركي والروسي فالولايات المتحدة توظف إرثها الثقافي والتعليمي وخطابها الليبرالي لتعزيز حضورها الناعم، في حين تفضل روسيا توظيف أدواتها العسكرية والسيادية المقترنة بخطاب أمني جامع، مما يخلق مشهدًا ثلاثي الأبعاد للتنافس على النفوذ. في المقابل، تقدم الصين نموذجًا مختلفًا يقوم على التنمية، وعدم التدخل، واحترام الخصوصيات السياسية، وهو خطاب يجد قبولًا لدى بعض الأنظمة، لكنه لا يحظى دائمًا بالجاذبية ذاتها لدى المجتمعات المدنية[19].
هذا المشهد التنافسي الثلاثي يكشف عن استراتيجية متوازنة، تمارسها النخب الحاكمة في الشرق الأوسط، حيث تتنقل بين خيارات متعددة، تنتقي من هنا ومن هناك ما يحمي كيانها ويحافظ على استقرارها. ففي الوقت الذي تتبنى فيه هذه الحكومات الخطاب الصيني العملي الذي لا يضع شروطًا مسبقة، تظل متمسكة بعلاقاتها الأمنية مع واشنطن، ولا تتردد في الاستفادة من الأدوات العسكرية الروسية حين تقتضي الضرورة.
هذا المزج الذكي يضع القوة الناعمة الصينية في موقف معقد، فهي لا تواجه فقط منافسة على كسب ود النخبة، بل تواجه تحديًا أكبر يتمثل في “تأثير غير مكتمل”، حيث قد ترحب الأوساط الرسمية بالشراكة الاقتصادية مع بكين، لكنها تظل محافظة على تحالفاتها القيمية والأمنية مع أطراف أخرى. لذلك، فإن المعيار الحقيقي لنجاح الصين لا يكمن فقط في حجم استثماراتها، بل في قدرتها على تقديم نفسها كشريك لا يجبر أحدًا على الاختيار بينه وبين غيره، شريك يمكن إضافته إلى قائمة العلاقات القائمة دون إرباك، وهذا وحده ما يجعلها خيارًا عمليًا وجاذبًا في نظر الحكام.
في الأمد الطويل، سيعتمد مصير هذا التنافس على قدرة كل نموذج على إنتاج نتائج ملموسة تتوافق مع خطابه. أما التحدي الذي يواجه النموذج الصيني، فهو ما إذا كان بإمكانه الانتقال من كونه خيارًا “سلبيًا” (عدم التدخل، عدم فرض القيم) إلى كونه قادرًا على تقديم “رؤية جاذبة إيجابية” للمواطن العادي في المنطقة، تتجاوز حسابات النخب. وفي الوقت الذي تتراجع فيه الجاذبية الأخلاقية للنموذج الأميركي في أعين الكثيرين بسبب سياسات الكيل بمكيالين (Double Standards)، والتدخلات العسكرية، فإن فشل المشاريع التنموية الصينية أو ارتباطها بمشاكل الديون والفساد قد يُفقد النموذج الصيني بريقه التنموي.
خلاصة القول، المعركة الحقيقية للقوة الناعمة في الشرق الأوسط ليست معركة خطابات فحسب، بل هي معركة على “القدرة على الإنجاز” وتقديم نموذج حوكمة وتنمية ناجح، قادر على الصمود أمام تحديات المنطقة المعقدة. وهذا هو الاختبار الأصعب لكل من الصين ومنافسيه.
سادسًا: دراسات حالة تطبيقية
تم اختيار الدراسات الحالية وفق معايير منهجية محددة، لتعكس شمولية القوة الناعمة الصينية في الشرق الأوسط. ركز الاختيار على الدول التي تجمع بين الشراكات الاستراتيجية الموثقة والحضور الثقافي الملموس. في المقابل، استُبعدت دول أخرى لأسباب منهجية، أبرزها: عدم الاستقرار السياسي الذي يحد من التأثير الثقافي، ومحدودية تناولها في الأدبيات البحثية المتاحة، إضافة إلى اعتبارات الحجم الاقتصادي والسكاني لما لها من تأثير على نطاق التطبيق.
(1) حالة الإمارات
تُعدّ الإمارات أكبر مستضيف للقوة الناعمة الصينية في العالم العربي، حيث تضم 11 معهد كونفوشيوس، إضافة إلى أكبر مجتمع صيني في المنطقة يبلغ تعداده 350 ألف نسمة،وفي إطار برنامج “مبادلة الشباب”، يُبتعث سنويًا عدد مقدر من الطلاب الاماراتيين للدراسة في الصين. أما على المستوى الثقافي، فقد استقطب مركز الصين في معرض إكسبو 2020 دبي نحو مليوني زائر، مما عزز الحضور الصيني في المشهد الإماراتي. وتعكس استطلاعات الرأي الصادرة عن مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center) عام 2025 – مؤسسة بحثية أميركية غير حزبية، تأسس رسميًا عام 2004 في واشنطن – هذا التقارب، حيث أظهرت تفضيل 71% من الإماراتيين للصين كشريك تكنولوجي أول، متقدمة بذلك على المنافسين التقليديين [20].
تفضيل الإمارات للصين كشريك تكنولوجيّ الأوّل يُظهر براعة بكين في استهداف “النخب العالميّة”، لكن الأهم من ذلك، أن هذا النجاح الإماراتي يطرح سؤالًا جوهريًا حول قابلية التعميم: هل يمكن تكرار هذا النموذج في بيئات عربية أقل استقرارًا أو أقل انفتاحًا؟ أم أن الحالة الإماراتية تظل استثناءً يفسره التقارب في الرؤى التنموية (الذكاء الاصطناعي، الفضاء، المدن الذكية) والمرونة السياسية التي تتيحها الإمارات في إدارة الشراكات الدولية؟
في المحصلة، تُظهر الإمارات أن القوة الناعمة الصينية قادرة على المنافسة بقوة حين تجد بيئة مؤسسية متطورة ورؤية تنموية متوافقة. لكن نجاحها هنا يضعها أمام اختبار التوسع الأفقي نحو مجتمعات عربية أخرى، وأمام اختبار التعمق الرأسي عبر تحويل هذا التفضيل التكنولوجي إلى نفوذ سياسي وثقافي دائم. (2) حالة السعودية
تضم المملكة حاليًا 7 معاهد كونفوشيوس موزعة على جامعاتها الرئيسية(الملك سعود، الملك عبدالعزيز، الأميرة نورة)، تخدم 15 ألف طالب سنويًا، مع برامج تبادل طلابي تصل إلى 2000 طالب سعودي في الصين سنويًا[21]، كما ساهمت مشاريع مثل نيوم والقدية (بشراكة شركات صينية بقيمة 5 مليارات دولار) في تعزيز الخطاب الصيني حول التنمية المستدامة.
في السياق السعودي، تلاقت القوة الناعمة الصينية مع أولويات رؤية 2030، خصوصًا في مجالات التعليم، والثقافة، والتكنولوجيا[22]، وأسهم هذا التلاقي في نشوء مساحة إيجابية لتقبّل الخطاب الصيني حول التنمية وعدم التدخل، وقد أظهر أستطلاع رأي أجرته مؤسسة غالوب الأميركية (Gallup) عام 2024 – المتخصصة في استطلاعات الرأي والتحليل الاحصائي – تفوق الصين على الولايات المتحدة بنسبة 12% في تفضيل النخب السعودية للشراكة الاستراتيجية.
ما يميز التجربة السعودية هو التلاقي العضوي بين الأدوات الصينية والأولويات الوطنية السعودية. فالصين لم تقدم نفسها كبديل للغرب، بل كشريك داعم لـ”رؤية 2030″ في مجالات التعليم، والتكنولوجيا، والتنويع الاقتصادي . هذا التوافق جعل النخب السعودية تنظر إلى الصين كشريك استراتيجي وليس مجرد مستثمر. لكن السؤال الأهم يظل مفتوحًا: هل يصمد هذا التأثير الإيجابي أمام اختبارات سياسية أو أمنية حادة؟ التجربة تقول إن العلاقات السعودية-الصينية تجاوزت بالفعل بعض الاختبارات المهمة.
(3) حالة مصر
تبرز الحالة المصرية دور الإعلام الصيني الناطق بالعربية، إلى جانب المراكز الثقافية والتعليمية، في بناء حضور رمزي طويل الأمد، وتُعدّ شبكة CGTN Arabic أبرز شواهد هذا الحضور الإعلامي، حيث يصل عدد متابعيها على منصة X وحدها إلى 15 مليون مستخدم عام 2025، مما يمنحها قاعدة جماهيرية عربية واسعة تنافس كبرى الشبكات الإقليمية[23].
على المستوى الأكاديمي، تضم مصر 12 معهد كونفوشيوس موزعة على جامعاتها المرموقة (القاهرة، عين شمس، الإسكندرية)، تخدم نحو 25 ألف طالب سنويًا وتُسهم برامج التبادل الطلابي والتعاون الأكاديمي في تعزيز الفهم المتبادل، وتوفير كوادر بشرية تمتلك أدوات التفاعل مع الثقافة الصينية.
هذا الحضور الإعلامي والأكاديمي لم يبقَ حبيس الفضاء الثقافي، بل استند إلى مشاريع ملموسة على الأرض. فاستثمارات صينية بقيمة 3 مليارات دولار في العاصمة الإدارية الجديدة، إضافة إلى مشروع محطة حمام-عين حلوان، منحت الخطاب الصيني مصداقية عملية، وحوّلت الوعود التنموية إلى واقع يلمسه المواطن. وقد انعكست هذه الجهود على صورة الصين في الأوساط النخبوية المصرية، فوفقًا لدراسة أجراها مركز الدراسات الإعلامية المصري عام 2023، أبدى 73% من الصحفيين والأكاديميين نظرة إيجابية تجاه الصين، مقابل 52% فقط تجاه الولايات المتحدة. هذا الفارق يعكس تحولًا مهمًا في موازين النفوذ الناعم داخل دوائر صناعة الرأي والتأثير في مصر، ويوسع قاعدة الداعمين للخيار الصيني بين النخب الاكاديمية والاعلامية.
(4) حالة دولة قطر
تُعدّ دولة قطر نموذجًا مهمًا لتجليات القوة الناعمة الصينية في الخليج، حيث يجمع التعاون بين البلدين بين البعد الاقتصادي، والثقافي، والتعليمي[24]، حيث أُنشئ معهد كونفوشيوس في جامعة قطر عام 2016، ويستقبل حاليًا حوالي 800 طالب سنويًا في دورات اللغة الصينية[25]، إلى جانب تخصيص منح دراسية لـ 500 طالب قطري سنويًا للدراسة في الجامعات الصينية. كما أسهم “العام الثقافي الصيني-القطري 2023-2024” في تعزيز التقارب عبر عروض فنية مشتركة، جذبت نحو 150 ألف متفرج، إضافة إلى التعاون الإعلامي بين قناة الجزيرة و CGTN ARABIC الذي غطى قمة الرياض الصينية-الخليجية 2022.
تعكس هذه الحالة قدرة الصين على توظيف الشراكات الاقتصادية (مثل استثمارات قطر في الحزام والطريق بقيمة 10 مليارات دولار) في تعزيز صورتها كشريك موثوق وغير متدخل، مع الحفاظ على حضور ثقافي منخفض الحساسية السياسية[26]، حيث حولت هذه الإستثمارات إلى جسر ثقافيّ وتعليميّ، فارتفعت نسبة القبول من 45% إلى 68% في عقد واحد[27]. هذا النهج “الهادئ” الذي يتجنّب الصدامات السياسية، مع الاستفادة من الجزيرة كمنصّة إقليمية، يُظهر براعة صينية في القوة الناعمة.
(5) حالة الكويت
تُظهر الكويت نموذجًا مميزًا للقوة الناعمة الصينية في الخليج، حيث تتداخل الشراكة الاقتصادية-العسكرية مع الجهود الثقافية والإعلامية[28]. في تطور لافت للوجود الثقافي الصيني في الخليج، افتُتح أول مركز ثقافي صيني في جامعة الكويت خلال عام 2025، إلى جانب معهد كونفوشيوس الذي يستقطب نحو 1200 طالب سنويًا لدراسة اللغة والثقافة الصينية، فضلًا عن توفير منح دراسية لـ 800 طالب كويتي للدراسة في الجامعات الصينية. وعلى الصعيد الإعلامي، غطت قناة CGTN العربية قمة الصين-الخليج 2023 من الكويت، مع تركيز واضح على مشروع ميناء مبارك الكبير، الذي تبلغ قيمة الاستثمارات الصينية فيه 7 مليارات دولار ضمن مبادرة الحزام والطريق.
تُقدّم حالة الكويت مثالًا واضحًا على مزج الصين بين أدوات القوة الصلبة والناعمة في بيئة خليجية صغيرة، لكنها عالية الحساسية استراتيجيًا. فالتداخل بين التعاون العسكري والاستثمارات البنيوية الكبرى من جهة، وبين الحضور الثقافي والتعليمي والإعلامي من جهة أخرى، يكشف عن مقاربة متكاملة تسعى فيها بكين إلى تحويل كل مشروع اقتصادي أو لوجستي إلى رصيد رمزي، يعمّق صورتها كشريك موثوق وغير استعماري في الوعي الكويتي، وعلى مستوى النخب بشكل خاص.
في الوقت نفسه، تُظهر استطلاعات الرأي تفضيل جزء كبير من النخب الكويتية للصين على الشركاء الغربيين، وهذا يشير إلى أن هذه المقاربة لا تقتصر على تحسين الانطباعات العامة، بل تفتح أيضًا هامشًا لإعادة توزيع موازين النفوذ في البيئة الخليجية.
سابعًا: تلقي القوة الناعمة الصينية في الرأي العام العربي
1- التباين في الصورة الذهنية: يتسم تلقّي القوة الناعمة الصينية في العالم العربي بالتباين بين الإعجاب بالنموذج التنموي، والتحفظ تجاه بعض الممارسات السياسية. و تشكل قضايا حقوق الإنسان، خاصة أوضاع الأقليات، أبرز معوقات القوة الناعمة الصينية في المنطقة، حيث تستخدمها وسائل إعلام محلية ودولية لتغذية أفكار نقدية تضعف جاذبية الخطاب الصيني. كما أن غياب الشفافية والاكتفاء بالنفي الخطابي دون نقاش معمق يوسع الفجوة بين الرسالة الرسمية (القائمة على عدم التدخل) والتصورات المتشككة لدى النخب الحقوقية والإعلامية العربية [29].
2- العوامل المؤثرة في تشكيل الصورة: تُسهم هيمنة القوى الغربية على النظام الإعلامي الدولي في تعزيز صورة الصين باعتبارها “قوة صاعدة مثيرة للقلق”، حيث يتم تأطير أنشطتها الاقتصادية والثقافية في إطار أدوات النفوذ بدلًا من فرص التعاون المتكافئ. وفي المقابل، فإن تركيز القوة الناعمة الصينية على النخب السياسية والاقتصادية – عبر المؤتمرات والمنح الدراسية – يحد من امتدادها نحو الجماهير الشعبية، التي تتشكل مواقفها غالبًا عبر الإعلام المحلي ومنصات التواصل الاجتماعي.
3- الطابع الوظيفي للعلاقة مع الصين: تتبع النخب الخليجية إزاء هذا الحضور مقاربة انتقائية، ترحب فيها بالمشاريع التنموية الصينية باعتبارها خيارًا موازنًا في علاقاتها مع الغرب. وبهذا المعنى، تُستقبل الصين كشريك وظيفي في المجالين السياسي والاقتصادي، لا كنموذج حضاري متكامل. كما أن خطابها الداعي إلى “احترام الخصوصيات” يُقرأ لدى النخب المدنية بصفته تأييدًا ضمنيًا للأنظمة القائمة. تتسم العلاقة إذًا بطابع براغماتي نقدي، يقوم على قبول التعاون الاقتصادي والتكنولوجي مع الاحتفاظ بإمكانية مراجعة النموذج السياسي. وهكذا يتحول الفضاء العربي إلى مختبر استراتيجي لاختبار قدرة الصين على التكيف مع تعددية فكرية وسياسية نادرة الوجود في مناطق نفوذها الأخرى.
ثامنًا: التحول الرقمي للقوة الناعمة الصينية
شهدت القوة الناعمة الصينية تحولًا ملحوظًا مع توسع الدبلوماسية الرقمية، واستخدام المنصات الإعلامية الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى الجمهور العربي[30]، غير أن هذا التحول يظل محدود الأثر مقارنة بالمنصات الغربية، بسبب فجوة الثقة، وحساسية الرقابة، وطبيعة المحتوى الموجّه[31].
ويكمن جوهر هذا التحول الرقمي في محاولة الصين إجراء قفزة نوعية في آلية تأثيرها الناعم، حيث تنتقل من نمط الإعلام التقليدي الذي يبث ولا يسمع، إلى نمط تفاعلي يزعم إنشاء “حوار” و”تواصل مباشر” مع الجمهور العربي، يستهدف بشكل أساسي الشباب العربي في أماكنهم الخاصة، على فيسبوك وتويتر ويوتيوب، عبر فيديوهات قصيرة وإنفوجرافيك وحتى منشورات باللهجة المحلية، وكأن الرسالة صادرة من صديق لا من مؤسسة رسمية المحتوى نفسه يدور حول قصص نجاح مبادرة الحزام والطريق، أو مشاريع التعاون في الطب والعلوم والثقافة، لكنها تُقدم بشكل عفوي بعيدًا عن الأطر الرسمية .
غير أن ما يتوارى خلف هذا الانفتاح الظاهري هو هدف أكثر عمقًا يتمثل في بناء مساحة رقمية موازية، تُعيد تشكيل النقاش العام العربي حول الصين والعالم، وتنافس الخطاب الغربي المهيمن، في محاولة لكسب معركة الرأي العام بهدوء. ومع ذلك فإن فعالية الدبلوماسية الرقمية الصينية تعترضها مفارقة أساسية: تناقض الوسيلة والرسالة، إذ يعتمد التواصل الرقمي الحقيقي على المصداقية والانفتاح، بينما النظام الصيني محكوم بالرقابة الحزبية، الأمر الذي ينتج فجوة ثقة لدى الجمهور العربي المُطَّلع الذي يرى فيها دعاية حكومية.
تاسعًا: سيناريوهات مستقبلية للقوة الناعمة الصينية في الشرق الأوسط
يعتمد مسار القوة الناعمة الصينية في المنطقة على تفاعل ثلاثة متغيرات رئيسية: الأداء الاقتصادي الصيني، إدارة الصورة الذهنية، وقدرة الدول العربية على الموازنة بين الشراكات الدولية وفي هذا الإطار يمكن تصور ثلاثة مسارات محتملة.
السيناريو الأول: التوسع الشامل وتعميق الحضور الثقافي
يقوم هذا السيناريو على استمرار الزخم الاقتصادي في الصين، إلى جانب استثمار منظم في مجالات التعليم والإعلام والتبادل الثقافي. وبفضل ذلك، تنجح المؤسسات الثقافية الصينية، بما في ذلك معاهد تعليم اللغة، في توسيع حضورها داخل الجامعات العربية الكبرى. ومع تزايد التعاون الأكاديمي والإعلامي، تُعاد صياغة صورة الصين كشريك تنموي يحترم الخصوصيات المحلية ولا يتدخل في الشؤون الداخلية.
النتائج المحتملة: يترسخ حضور الصين في الوعي الشبابي العربي بوصفها نموذجًا تنمويًا بديلًا، تتشكل شبكات خريجين وروابط أكاديمية ذات امتداد مهني وإعلامي طويل الأمد، تزداد القابلية الشعبية للمشروعات الاقتصادية الكبرى المرتبطة بالصين، بما فيها مبادرة الحزام والطريق.
المتطلبات: معالجة القضايا الحقوقية الحساسة بخطاب أكثر انفتاحًا، إنتاج محتوى إعلامي يعكس السياقات الثقافية المحلية، بناء شراكات ثقافية متبادلة لا تقتصر على اتجاه واحد.
السيناريو الثاني: الركود نتيجة أزمات المصداقية
يفترض هذا المسار تصاعد الجدل حول قضايا حقوق الإنسان، وتكثيف السرديات المنافسة التي تربط الاستثمارات الصينية بمخاطر سياسية او اقتصادية، يتزامن ذلك مع تراجع الثقة في بعض المؤسسات المرتبطة بالمشروعات الصينية، ما يضعف الجاذبية الرمزية للصين في المجال العام العربي.
النتائج المحتملة: تراجع البرامج الثقافية في عدد من الدول العربية، تراجع زخم الشراكات الأكاديمية وبرامج التبادل العلمي، زيادة الشكوك الشعبية تجاه المشروعات الاقتصادية الكبرى ذات الطابع الاستراتيجي.
المتطلبات: استمرار التوترات الصينية مع القوى الغربية، غياب استجابة إعلامية فعالة للسرديات الناقدة، تأثر الاستثمارات الخارجية بأي ضغوط اقتصادية داخلية.
السيناريو الثالث: توازن استراتيجي مستدام
يقوم هذا السيناريو على إدارة دقيقة للتوازن بين النفوذ الاقتصادي والحضور الثقافي، حيث تسعى الدول العربية إلى تبني سياسة تنويع شراكاتها الدولية بما يضمن استقلال قرارها وعدم انحيازها لطرف واحد. وفي هذا الإطار، يتطور التعاون الثنائي مع الصين في مجالات التنمية المستدامة والتكنولوجيا والحوكمة الرقمية، بما يعكس توجهًا نحو شراكة قائمة على المصالح المتبادلة والتكامل الحضاري.
النتائج المحتملة: تتشكل شراكة استراتيجية متوازنة لا تتسم بالهيمنة، تحتل الصين موقع الشريك الموثوق ضمن منظومة علاقات متعددة الأطراف، يتوسع التعاون في مجالات التكنولوجيا الخضراء والتنمية طويلة الأمد.
المتطلبات: إبقاء قنوات الحوار مفتوحة بشأن الملفات الحساسة، تفعيل برامج ثقافية متبادلة تشمل الحضور العربي داخل الصين، تنسيق مشترك لتفادي التوجهات الإعلامية التصادمية.
العوامل المؤثرة في تحقق السيناريوهات
توجد مجموعة من العوامل المشتركة التي قد تدفع نحو أحد المسارات السابقة:
– البيئة الإعلامية الدولية: هيمنة التوجهات الغربية على الفضاء الإعلامي العابر للحدود.
– القضايا الحقوقية والإنسانية: حضورها المستمر في النقاش العام العربي وتأثيرها على تشكيل الانطباعات.
– المنافسة الإقليمية: سعي قوى إقليمية إلى تعزيز نفوذها الثقافي والرمزي داخل المجال العربي.
غير أن المسار النهائي سيظل رهنًا بقدرة بكين على تحويل قوتها الاقتصادية إلى شرعية رمزية مستدامة، وبقدرة الدول العربية على إدارة علاقاتها الخارجية ضمن مقاربة تنويع استراتيجية واعية.
خاتمة الدراسة
تُظهر الدراسة أن القوة الناعمة الصينية في الشرق الأوسط تمثل استراتيجية واعية لبناء نفوذ رمزي يعتمد على منظومة متكاملة تشمل الذاكرة التاريخية، المؤسسات الثقافية، الإعلام العربي، والسردية التنموية القائمة على عدم التدخل واحترام الخصوصيات الوطنية. حققت نجاحًا ملحوظًا على مستوى النخب السياسية والاقتصادية، لكن تأثيرها المجتمعي يظل محدودًا بسبب قضايا المصداقية، التنافس السردي الدولي، والطابع النخبوي لأدواتها.
تؤكد دراسات الحالة أن فاعلية القوة الناعمة مرهونة بالنتائج الملموسة في التنمية والتعليم والتكنولوجيا، وأن أي فجوة بين الوعود والممارسة قد تُضعف رصيدها الرمزي بسرعة، لطبيعتها التراكمية والهشة معًا. كما يبرز الفضاء العربي كبيئة فاعلة تمارس سياسة انتقائية تستفيد من البعد التنموي الصيني مع الحفاظ على توازن استراتيجي.
ستظل فاعلية القوة الناعمة الصينية مرهونة بثلاثة محاور رئيسية: أولها، مواءمة الخطاب القيمي مع الممارسة الفعلية؛ ثانيها، نقل التأثير من النخب إلى المجتمع عبر تبادل ثقافي متبادل؛ ثالثها، إدارة الدول العربية لهذا الحضور ضمن استراتيجية تنويع متوازنة.
النتائج
1- ثبات الخطاب الاستراتيجي ومرونته: استطاعت الصين بناء إطار خطابي متماسك يقوم على مبدأي عدم التدخل والمنفعة المتبادلة، ما مكّنها من تعزيز قبولها لدى النخب الحاكمة في المنطقة، لا سيما في الدول الساعية إلى تنويع خياراتها الاستراتيجية وتقليص الاعتماد على الشريك الغربي التقليدي.
2- الفجوة في التأثير بين المستويين الرسمي والشعبي: حققت الصين حضورًا لافتًا في الدوائر السياسية والاقتصادية والأكاديمية، بفضل قدرتها على تقديم تمويل سريع بشروط سياسية منخفضة التكلفة، غير أن هذا النفوذ الرسمي لم يرافقه تأثير مماثل على المستوى الشعبي، حيث تظل الصورة العامة للصين محكومة بخطاب إعلامي محلي وغربي، باستثناء المناطق التي شهدت آثارًا تنموية ملموسة أو فرص عمل مباشرة.
3- إشكاليات بنيوية تعيق التمدد الناعم: تواجه القوة الناعمة الصينية أربعة قيود هيكلية مترابطة: أزمة مصداقية ناتجة عن التناقض بين خطاب الانفتاح الخارجي وممارسات الضبط الداخلي؛ هيمنة غربية على السرديات الإعلامية العالمية؛ تركيز الأدوات الناعمة على النخب دون الجماهير؛ واستمرار الضغوط الحقوقية كأداة لتقويض خطاب الشراكة غير المشروطة.
4- إعادة إنتاج النفوذ الرمزي: تعكس المعطيات سعي الصين إلى بناء نموذج ناعم بديل يقوم على التنمية والبنية التحتية بدلًا من التحالفات العسكرية، غير أن استدامة هذا النموذج تظل رهينة بقدرتها على تحقيق الاتساق بين الخطاب والممارسة، وتوسيع نطاق تأثيرها من النخب إلى الفضاءات المجتمعية الأوسع.
5- خصوصية النموذج ومحدودية الجاذبية العابرة للحدود: يستند الحضور الصيني إلى مفهوم الخصوصية الحضارية الذي يتيح مرونة في التعامل مع الأنظمة السياسية المختلفة، لكنه في الوقت نفسه يقيد قدرتها على تحقيق جاذبية شعبية عابرة للحدود. ومن ثم، فإن تعميق التأثير الصيني في المنطقة يقتضي تقليص الهوة بين الطموحات الخطابية والمخرجات الفعلية، ضمن بيئة إقليمية شديدة التنافس.
التوصيات
(أ) على المستوى الوطني العربي
– تبني عقيدة “التوازن الاستراتيجي” بدلًا من “التحالفات الأبدية”: على الدول العربية أن تتعامل مع الصين كشريك استراتيجي مهم، دون أن يعني ذلك التخلي عن العلاقات التقليدية مع الغرب المطلوب إدارة ذكية للعلاقات الدولية تقوم على تنويع الشراكات، وعدم الرهان على قطب واحد، بما يزيد هامش المناورة ويحمي السيادة الوطنية.
– إنشاء مراكز تميز وطنية للدراسات الصينية: تأهيل كوادر متخصصة على مستوى عالٍ في اللغة الصينية، والثقافة، والاقتصاد، والسياسة هذه الكوادر ستكون خط الدفاع الأول في المفاوضات مع الجانب الصيني، وضمان ترجمة الاتفاقيات الكبرى إلى عقود متوازنة تحمي المصالح الوطنية طويلة المدى.
– ربط المشاريع الصينية باستراتيجيات التنمية الوطنية: عدم التعامل مع الاستثمارات الصينية كصفقات منفردة، بل دمجها في الخطط التنموية الشاملة للدولة (كالسعودية مع رؤية 2030)، هذا يضمن أن تأتي هذه المشاريع مكملة للأولويات الوطنية، لا متجاوزة لها أو منفصلة عنها.
(ب) على المستوى الاقتصادي والتفاوضي
– فرض شروط وطنية ملزمة في عقود الشراكة: تضمين جميع الاتفاقيات مع الجانب الصيني بنودًا إلزامية تتعلق بنسبة العمالة المحلية، ونقل التكنولوجيا، ومعايير الاستدامة البيئية، والشفافية المالية هذه البنود ليست ترفًا، بل ضمانات لتحويل الاستثمارات إلى تنمية حقيقية يشعر بها المواطن العادي.
– بدلًا من الاكتفاء بموقف دفاعي أمام الانتقادات الدولية المرتبطة بالتعاون مع الصين في مجال حقوق الإنسان، يُمكن للدول العربية الدخول في مفاوضات ثنائية مع الإدراك التام للتحفظات العالمية الموجودة تجاه الصين. ويتمثل الهدف في التوصل إلى ترتيبات تعاونية تُحَقِّق توازنًا بين المصالح الاقتصادية والتنموية من جهة، وتعزيز مكتسبات الحوكمة الداخلية والالتزامات الدولية من جهة أخرى، بما يُعَزِّز الشرعية الدولية للشراكة مع بكين ويُقلِّص من مساحة الضغوط الإعلامية والدبلوماسية.
(ج) على المستوى الثقافي والإعلامي
– بناء فضاء ثقافي عربي موازٍ: استثمار الموارد العربية لإنشاء منصات إعلامية وثقافية مستقلة تقدم خطابًا عربيًا حول الصين يتجاوز الترويج الرسمي إلى التحليل الموضوعي والنقد البناء هذا يخلق رأيًا عامًا عربيًا واعيًا وقادرًا على فرز المعلومة من الدعاية.
– لمعالجة الطابع الأحادي لنقل الثقافة في الشراكة الصينية-العربية، يُوصى بتطوير آليات تبادل ثقافي متبادلة تشمل إقامة برامج تبادل أكاديمي وفني مشتركة تُبرز التراث والإبداع العربي للجمهور الصيني، وتعزيز ترجمة الأدب العربي والإنتاج الفني إلى اللغة الصينية لتوسيع دائرة التفاعل الثقافي، وتأسيس كراسي أكاديمية للغة العربية ودراساتها في الجامعات الصينية الرئيسية.
(د) على المستوى الاستراتيجي طويل المدى
– صياغة “رؤية عربية جماعية” للتعامل مع الصين: العمل على تنسيق المواقف العربية تجاه الصين عبر جامعة الدول العربية، لوضع إطار استراتيجي موحد للتعامل مع القوة الصاعدة، يضمن تحقيق مصالح عربية جماعية بدلًا من صفقات فردية قد تضع الدول العربية في موقع تنافسي مع بعضها.
– استشراف سيناريوهات المستقبل: إنشاء وحدات استشراف استراتيجي في مراكز الأبحاث العربية، مهمتها رسم سيناريوهات مستقبلية للعلاقة مع الصين في الأمدين المتوسط والبعيد، وتقديم توصيات استباقية لصناع القرار، بدلًا من التعامل بردود الأفعال.
– بناء نموذج تنموي عربي جاذب: الاستفادة من التجربة الصينية في مجالات محاربة الفقر والبنية التحتية والتصنيع، مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية والسياسية العربية، بهدف بناء نموذج تنموي عربي قادر على المنافسة والجذب، لا أن نكون مجرد متلقين لنماذج الآخرين.
[1] Joseph S Nye, Soft Power: The Means to Success in World Politics (New York: Public Affairs, 2004).
[2] Janice Bially Mattern, “Why ‘Soft Power’ Isn’t So Soft: Representational Force and the Sociolinguistic Construction of Attraction in World Politics,” Millennium: Journal of International Studies 33, no. 3 (2005): 583–612.
[3] Steven Lukes, Power: A Radical View, 2nd ed. (Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2005), 27-32.
[4] Michael Barnett and Raymond Duvall, “Power in International Politics,” International Organization 59, no. 1 (Winter 2005): 39- 75.
[5] أحمد يوسف أحمد، صعود الصين وتحولات النظام الدولي، السياسة الدولية، العدد 201.
[6] سمير قاسم، الصين وتوازن القوى في آسيا (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018).
[7] Telhami, Shibley, and Arab Barometer. Trends in Arab Public Opinion Toward China. Washington, DC: Brookings Institution, 2021.
[8] المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الصين ومبادرة الحزام والطريق (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020).
[9] إسراء خليل مجيد، الدبلوماسية والقوة الناعمة الصينية، مجلة كلية الإعلام، جامعة بغداد، 2023.
[10] David Shambaugh, China’s Future (Cambridge: Polity Press, 2016).
[11] Falk Hartig, “Communicating China to the World: Confucius Institutes and China’s Strategic Narratives,” Politics 35, nos. 3–4 (2015): 245–258.
[12] Falk Hartig, “Communicating China to the World: Confucius Institutes and China’s Strategic Narratives ,7.
[13] Peter Cai, Understanding China’s Belt and Road Initiative (Sydney: Lowy Institute for International Policy, 2017).
[14] Yu Chen and Alicia Garcia-Herrero, China’s Belt and Road Initiative: How to Respond to a Supply-Side Shock (Brussels: Bruegel, 2020).
[15] Joseph S. Nye, Public Diplomacy and Soft Power, The Annals of the American Academy of Political and Social Science 616 (2008): 94–109.
[16] الباروميتر العربي، استطلاعات الرأي العام العربي، موجات متعددة (2006-2024)، جامعة برينستون، جامعة ميشيغان. https://www.arabbarometer.org/
[17] Shibley Telhami and Arab Barometer, Trends in Arab Public Opinion Toward China, 6
[18] Wei Sun, The Political Logic of China’s Economic Statecraft in the Middle East, The Chinese Journal of International Politics (2019).
[19] Marc Lynch, The New Arab Order: Power and Violence in Today’s Middle East, Foreign Affairs 99, no. 5 (2020).
[20] خالد هاني نعمة، القوة الناعمة الصينية والعرب، 12.
[21] Si-Chen Sun, “Confucius Institutes: China’s Cultural Soft Power Strategy,” Journal of Culture and Values in Education 6, no. 1 (2023): 12-30, https://cultureandvalues.org/in
[22] Akbarzadeh and Saba, China’s Soft Power,12.>
[23] Sun, Confucius Institutes, 13.
[24] وليد حمد مخلف، وحيدر عبد الأمير عبد الراوي، وعلي عبد الرضا شنين، “القوة الناعمة الصينية وآثارها على الدول العربية: الخليج العربي نموذجاً”، مجلة الآداب، المجلد 136، العدد 2 (2019)، ص 45-67.
[25] خالد هاني نعمة، القوة الناعمة الصينية والعرب، سياسات عربية، (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات)، عدد 26 (مايو 2017)، https://siyasatarabiya.dohainstitute.org/en/issue026/Pages/art3.aspx.
[26] Shahram Akbarzadeh and Amir Saba, China’s Soft Power: Views from Saudi Arabia and the UAE, Global Studies Quarterly 5, no. 1 (2025): 23–41, https://doi.org/10.1093/isagsq/ksae090.
[27] خالد هاني نعمة، القوة الناعمة الصينية والعرب، 12.
[28] وليد حمد مخلف وآخرون، القوة الناعمة الصينية وآثارها على الدول العربية، 12.
[29] Akbarzadeh and Saba, China’s Soft Power, 14.
[30] Zhe Chen and Yih-Chyi Hong, “China’s Digital Public Diplomacy in the Middle East: Strategies and Limits,” Journal of Contemporary China (2023).
[31] Ghafour, M. A (2024) The Reception of Chinese State Media in the Arab Digital Sphere: A Critical Discourse Analysis Arab Media & Society.




