السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط
المحددات الاستراتيجية والأطر التفسيرية في ظل التحولات الدولية
عبد الحكيم حجوجي (المغرب)
الملخص
تتناول هذه الدراسة السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط في ظل التحولات الدولية المتسارعة خلال الفترة (2023–2026)، من خلال تحليل المحددات الاستراتيجية والأطر النظرية المفسرة للسلوك الصيني في المنطقة؛ وتنبع أهمية الموضوع من تصاعد الحضور الصيني في الشرق الأوسط، وتزايد دوره الاقتصادي والدبلوماسي، خاصة بعد نجاح بكين في رعاية الاتفاق السعودي–الإيراني سنة 2023، وما أثاره ذلك من نقاش أكاديمي حول طبيعة الدور الصيني وحدوده.
تنطلق الدراسة من إشكالية رئيسة تتمثل في تحديد المبادئ الحاكمة للسياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط، والكشف عن المحددات الداخلية والخارجية المؤثرة في صياغتها، وتقييم مدى قدرة النظريات المختلفة في العلاقات الدولية على تفسير هذا السلوك؛ واعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي والمقاربة التفسيرية المقارنة، مع الاستفادة من الأدبيات الحديثة ذات الصلة.
وتبين النتائج أن السياسة الصينية لا يمكن تفسيرها من خلال عامل واحد، بل هي نتاج تفاعل مركب بين أمن الطاقة، ومتطلبات التنمية الاقتصادية، ومبادرة الحزام والطريق، والتحولات البنيوية في النظام الدولي، والتنافس الاستراتيجي مع الولايات المتحدة؛ كما أظهرت الدراسة أن الصين وسّعت حضورها في المنطقة عبر أدوات اقتصادية ودبلوماسية متنامية، دون أن تتجه نحو تحمل أعباء أمنية واسعة أو الحلول محل الولايات المتحدة بوصفها الضامن الأمني الرئيس للإقليم.
وتخلص الدراسة إلى أن المقاربات الأحادية تظل غير كافية لفهم السلوك الصيني، وأن المقاربة التفسيرية المركبة، التي تجمع بين الواقعية والليبرالية والبنائية ونظرية انتقال القوة، تمثل الإطار الأكثر قدرة على تفسير السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط، بما يعكس تداخل اعتبارات القوة والمصلحة والهوية والتحولات الدولية في صياغة هذا السلوك.
الكلمات المفتاحية:
السياسة الصينية؛ الشرق الأوسط؛ أمن الطاقة؛ مبادرة الحزام والطريق؛ انتقال القوة؛ التنافس الأمريكي–الصيني؛ العلاقات الدولية.
مقدمة
أربعة عقود؛ هذا كل ما احتاجته الصين لتُعيد رسم خريطة النظام الدولي؛ فبعد أن أمضت عقوداً تبني نفسها من الداخل وتُهيئ اقتصادها للمنافسة، أصبحت ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وفاعلاً لا يمكن تجاوزه في معظم الملفات الدولية الكبرى، ضمن هذا الصعود المتسارع، وجد الشرق الأوسط نفسه في قلب الاهتمام الصيني؛ فالمنطقة لم تعد مجرد خزان نفطي تستمد منه بكين وقودها الاقتصادي، بل باتت تمثل فضاءً جيو-اقتصادياً حيوياً يمتد من خلاله طريق الحرير الجديد، ومسرحاً لتوسيع النفوذ الصيني في أبعاده الاقتصادية والتكنولوجية والدبلوماسية معاً؛ وباتت الصين تتعامل مع المنطقة بعقلية استراتيجية مغايرة، تضع في حسبانها الأسواق والممرات التجارية وشبكات الشراكة الإقليمية على قدم المساواة مع الموارد الطاقية.[1]
وأضفى نجاحُ الصين في رعاية الاتفاق السعودي–الإيراني في مارس 2023 على هذا النقاش كله زخماً استثنائياً؛ فقد رأى كثير من الباحثين في هذا الحدث دليلاً ملموساً على أن بكين لم تعد تكتفي بدور الشريك الاقتصادي، بل باتت تطمح إلى موقع الوسيط السياسي الذي يُشكّل مسار الأحداث؛ غير أن ما تلا ذلك من تطورات — وفي مقدمتها الحرب المتواصلة على غزة — كشف أن لهذا النفوذ حدوداً واضحة، وأن الانتقال من ثقل اقتصادي إلى ضامن أمني يظل مساراً شاقاً بالنسبة لبكين.
كما تتجلى في هذه التطورات ملامح جدل أكاديمي حقيقي لا يهدأ، فثمة من يرى أن الصين تتحول تدريجياً إلى لاعب جيوسياسي بامتياز، وثمة من يُصرّ على أن سياستها لا تزال في جوهرها براغماتية اقتصادية تتحاشى الأعباء الأمنية؛ وثمة رأي ثالث يذهب إلى أن الصين تبني نموذجاً مختلفاً تماماً للقوة الدولية، قوامه المال والدبلوماسية لا الجيوش والتحالفات.
انطلاقاً من هذا الجدل، تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عن سؤال مركزي: إلى أي حد يمثل الحضور الصيني المتنامي في الشرق الأوسط تحولاً من قوة اقتصادية إلى قوة جيوسياسية، وما هي المبادئ والعوامل التي تفسر السلوك الصيني في المنطقة خلال الفترة 2023–2026؟
أيضا، تنطلق الدراسة من فرضية جوهرية مفادها أن السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط لا تُفسَّر بمفتاح واحد، بل هي نتاج تفاعل مركب ومتشابك بين ضرورات أمن الطاقة، وطموحات التنمية الاقتصادية، والتحولات البنيوية في النظام الدولي، واستراتيجية صينية حريصة على توسيع النفوذ دون الانزلاق إلى مستنقع الأعباء الأمنية.
إشكالية الدراسة
على الرغم من الكم الهائل من الدراسات التي تناولت الدور الصيني في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، لا يزال الباحثون منقسمين في تشخيص طبيعة هذا الدور وغاياته الاستراتيجية؛ فبينما يذهب فريق إلى أن الحضور الصيني ليس سوى انعكاس طبيعي لاحتياجات اقتصادية متصاعدة من الطاقة والأسواق، يرى فريق آخر أن بكين تعمل بهدوء ومنهجية على إعادة رسم التوازنات الإقليمية والدولية بما يخدم مشروع صعودها العالمي. [2]
هذا الجدل يكتسب راهنيةً حادة في ضوء المتغيرات المتلاحقة التي شهدتها المنطقة بين عامَي 2023 و2026: الاتفاق السعودي–الإيراني، وحرب غزة، والتنافس الأمريكي–الصيني المتصاعد، والاستثمارات الصينية المتنامية في قطاعات التكنولوجيا واللوجستيات؛ وقد دفعت هذه المتغيرات مجتمعةً كثيراً من الباحثين إلى إعادة النظر في مدى قدرة الصين الفعلية على الانتقال من دور الشريك الاقتصادي إلى دور الفاعل السياسي والأمني المؤثر.
كما تتمحور الإشكالية الجوهرية للدراسة حول التساؤل الآتي: ما هي المبادئ الحاكمة للسياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط، وما المحددات المؤثرة في صياغتها، وما مدى قدرة الأطر النظرية المختلفة على تفسير السلوك الصيني خلال الفترة 2023–2026؟.
فرضيات الدراسة
تنطلق الدراسة من منظومة من الفرضيات المترابطة:
– لا يزال أمن الطاقة يُشكّل العصب الأكثر ثباتاً واستمراراً في السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط.
– أسهمت مبادرة الحزام والطريق في توسيع دائرة المصالح الصينية لتتخطى قطاع الطاقة، فتشمل البنية التحتية والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.
– لا تسعى الصين في المدى المنظور إلى إزاحة الولايات المتحدة من موقعها بوصفها الضامن الأمني الرئيس للمنطقة، بل تنتهج توسيع نفوذها عبر الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية.
– يستلزم فهم السلوك الصيني اعتماد مقاربة نظرية مركبة تجمع بين الواقعية والليبرالية والبنائية ونظرية انتقال القوة.
منهج الدراسة
تستند الدراسة إلى المنهج الوصفي في رصد مسار تطور السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط، فيما تُوظّف المقاربة التفسيرية لاستجلاء العلاقة بين المتغيرات الداخلية والخارجية المُشكِّلة للسلوك الصيني. ويُضاف إلى ذلك التحليل المقارن عند مناقشة الأطر النظرية المتعددة.
أهمية الدراسة
تستمد هذه الدراسة مشروعيتها من ثلاثة اعتبارات متكاملة:
أولاً: تصاعد وتيرة الحضور الصيني في الشرق الأوسط حتى بات متغيراً حاكماً لا يمكن إغفاله في تفاعلات الإقليم.
ثانياً: الحاجة الماسة إلى تجديد الأدبيات العربية المعنية بالسياسة الصينية في ضوء المستجدات الجذرية للفترة الممتدة بين 2023 و2026.
ثالثاً: اختبار مدى صلاحية النظريات المختلفة في العلاقات الدولية لفهم سلوك القوى الصاعدة داخل بيئات إقليمية بالغة التعقيد.
المطلب الأول: الأطر النظرية للدراسة:
شهدت سنوات قليلة مضت موجة متصاعدة من الإنتاج الأكاديمي المتعلق بالسياسة الصينية في الشرق الأوسط، تزامنت مع تصاعد الحضور الصيني وتنامي أهمية المنطقة في الحسابات الاستراتيجية لبكين؛وإذا كانت الدراسات التي سبقت عام 2020 قد آثرت الاقتصار على تحليل أبعاد الطاقة والتجارة، فإن الأدبيات اللاحقة كسرت هذا السقف لتستكشف الأبعاد الجيوسياسية والدبلوماسية والأمنية بعمق أكبر، لا سيما في أعقاب الاتفاق السعودي–الإيراني.[3]
ما يلفت الانتب هو أن الباحثين لا يتفقون على تشخيص واحد للدور الصيني وأهدافه البعيدة؛ ويمكن رصد ثلاثة تيارات تفسيرية رئيسة، يحمل كل منها جملة من الافتراضات والمنطلقات التي تُميّزه.
الأول: الاتجاه الاقتصادي–البراغماتي
يحتل هذا التيار موقعاً بارزاً في الأدبيات المعاصرة؛ ويقوم على فرضية مفادها أن ما يحرك السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط هو في جوهره منطق اقتصادي وتجاري، وأن معظم التحركات الصينية في المنطقة يمكن ردّها إلى الحاجة إلى تأمين الموارد والأسواق وسلاسل الإمداد .
كما لا يُختلف في أن أمن الطاقة يظل متغيراً محورياً في هذه المعادلة؛ فالصين تتصدر قائمة أكبر مستوردي النفط في العالم، وتأتي حصة وافرة من وارداتها من الخليج العربي، مما يجعل استقرار الشرق الأوسط مسألة تمس صميم اقتصادها الوطني.
إضافة إلى ذلك، يُشير Chaziza (2025) إلى أن العلاقة الصينية مع دول مجلس التعاون الخليجي نمت بوتيرة متسارعة خلال العقد الأخير، مدفوعةً بتقاطع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية من الجانبين[4]؛ فالاستثمارات الصينية في المنطقة لا تستهدف النفط وحده، بل تمتد لتشمل التكنولوجيا والملاحة البحرية والبنية التحتية[5].
أيضا، تذهب دراسات موازية إلى أن مبادرة الحزام والطريق هي الترجمة الأوضح لهذا التوجه الاقتصادي، وأن الشرق الأوسط يُقدَّم فيها بوصفه حلقة وصل لا غنى عنها بين آسيا وأوروبا وأفريقيا. [6]
خلاصة هذا التيار، أن الحديث عن تحول الصين إلى قوة جيوسياسية أو أمنية في المنطقة ينطوي على مبالغة، لأن بكين لا تزال تتجنب الالتزامات العسكرية المباشرة، مفضّلةً الاستناد إلى رأس المال الاقتصادي في توسيع حضورها.
الثاني: الاتجاه الجيوسياسي:
حيث يرى عدد من الباحثين أن التركيز على العامل الاقتصادي وحده لم يعد وافياً بالغرض، فالصعود الصيني، في نظر هؤلاء، ليس مجرد ظاهرة اقتصادية، بل ينطوي على أبعاد سياسية واستراتيجية عميقة مرتبطة بإعادة هندسة موازين القوى في النظام الدولي. [7]
كما يستمد هذا التيار سنده النظري من أدبيات الواقعية ونظرية انتقال القوة، اللتين تُرسّخان فكرة أن القوى الصاعدة تسعى بطبيعتها إلى توسيع نفوذها وترسيخ مكانتها الدولية [8]؛ فالموانئ والشبكات اللوجستية والبنية الرقمية التي تبنيها الصين في المنطقة لا تُقرأ في هذا الإطار باعتبارها مشروعات اقتصادية عابرة، بل باعتبارها لبنات في صرح نفوذ استراتيجي طويل الأمد[9].
أضف إلى ذلك، يستشهد أنصار هذا التيار بالوساطة الصينية في الاتفاق السعودي–الإيراني، مؤكدين أنه لا يمكن تفسيرها بمنطق اقتصادي صرف، إذ تجسّد انخراطاً مباشراً في ملف سياسي وأمني شائك، وتكشف عن استعداد صيني متنامٍ لتجاوز الأدوار الخجولة التي كانت تقتصر عليها في السابق؛[10]كما يرى بعضهم أن التراجع النسبي للانخراط الأمريكي في بعض ملفات المنطقة فتح أمام الصين نافذة أوسع لتعزيز حضورها السياسي، دون أن يعني ذلك بالضرورة المجازفة بمواجهة مباشرة مع واشنطن[11].
الثالث: الاتجاه النقدي
يرى أصحابه أن الحماس الذي يصطبغ به الحديث عن “الصعود الصيني الشامل” ينطوي أحياناً على تضخيم لحجم النفوذ الصيني الفعلي على أرض الواقع، ويُشير هذا التيار إلى أن الصين، رغم نجاحاتها الاقتصادية اللافتة، ما زالت تُعرض عن تحمل الأعباء الأمنية والسياسية المرتبطة بإدارة الصراعات الإقليمية؛ وتُقدّم الحرب في غزة نموذجاً صارخاً على ذلك؛ فبكين أطلقت خطاباً سياسياً نشطاً، لكنها ظلت عاجزة عن التأثير الفعلي في مسار الصراع. [12]
أيضا، يظل النفوذ الأمريكي متفوقاً في الميدان الأمني والعسكري بصورة لا تحتمل جدلاً؛ فواشنطن تمتلك شبكة من القواعد والتحالفات المتجذرة في ربوع المنطقة، في حين لا تزال البنية الأمنية الصينية في طور النشأة. [13]
من هذا المنظور، فإن نجاح الوساطة الصينية لا يعني بالضرورة تحولها إلى ضامن أمني للاستقرار الإقليمي، بل يعكس قدرتها على توظيف علاقاتها المتوازنة مع الأطراف المتنازعة، مع إبقاء نفسها بمنأى عن أي التزامات أمنية مُلزِمة.
وتكشف هذه المراجعة عن ثلاث ملاحظات جديرة بالتأمل، أولها، لا يزال الانقسام سيد الموقف بين التفسيرات الاقتصادية والجيوسياسية، دون أن يلوح في الأفق توافق حول طبيعة الدور الصيني، وثانيها: تميل شريحة من الدراسات إلى التركيز على حالات بعينها -كالاتفاق السعودي -الإيراني أو مبادرة الحزام والطريق- دون ربطها بإطار تفسيري أشمل وأكثر تماسكاً، وثالثها أن ثمة حاجة ماسة إلى دراسات تُجسّر الهوة بين التنظير والميدان، لا سيما في ضوء الوتيرة المتسارعة للتحولات التي أعقبت عام 2023.
يتضح مما سبق أن السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط باتت في قلب اهتمامات دراسات العلاقات الدولية المعاصرة؛ بيد أن الجدل لا يزال محتدماً حول ماهية هذا الدور وحدوده الحقيقية؛ فبينما يتمسك فريق بأولوية المصالح الاقتصادية وأمن الطاقة، يُشير فريق آخر إلى تنامٍ متصاعد في الأبعاد السياسية والاستراتيجية للحضور الصيني؛ وفي كلتا الحالتين، يبقى أي تحليل موضوعي رهيناً بتجاوز التفسيرات الأحادية، واعتناق مقاربة متعددة المستويات تستطيع استيعاب تعقيد السلوك الصيني في منطقة لا تهدأ توتراتها.
وفي إطار هذه الاتجاهات تنتهج هذه الدراسة مقاربة نظرية مركبة تقوم على توظيف أربعة أطر تفسيرية متكاملة: الواقعية، والليبرالية، والبنائية، ونظرية انتقال القوة؛ والمنطق الكامن وراء هذا الاختيار هو أن كل نظرية تُضيء جانباً من المشهد، في حين لا تستطيع أيٌّ منها إفشاء سره كاملاً بمفردها.
1- المقاربة الواقعية: المصالح والقوة في تفسير السلوك الصيني
الواقعية نظرة صارمة إلى عالم تهيمن عليه الفوضى، حيث تجد كل دولة نفسها مضطرة إلى حماية أمنها وتعظيم قوتها في بيئة تنافسية لا ترحم؛ وحين نطبق هذه العدسة على الاهتمام الصيني بالشرق الأوسط، تتضح الصورة بجلاء: الصين دولة تعتمد بصورة متصاعدة على واردات الطاقة من المنطقة، فاستقرار الشرق الأوسط ليس رفاهية دبلوماسية بالنسبة لها، بل حاجة اقتصادية ووجودية[14].
في هذا الاطار، يرى Mearsheimerأن القوى الكبرى تميل بطبيعتها إلى مدّ نفوذها الخارجي كلما ازدادت قدراتها المادية؛ وهذا ما يفسر توسع الاستثمارات الصينية في الموانئ والمشروعات اللوجستية وشبكات النقل: إنها ليست مشروعات اقتصادية عابرة، بل قطع في رقعة شطرنج استراتيجية يلعبها الصينيون بصبر وبُعد نظر، كما تكشف الواقعية حرصَ بكين على إقامة علاقات متوازنة مع الرياض وطهران في آنٍ واحد، ومع مختلف الأطراف الإقليمية الأخرى، دون الانزلاق إلى تحالفات حصرية؛ فهذا التوازن الدقيق هو ما يُجسّد منطق تعظيم المصالح وتقليص المخاطر الذي تصفه الأدبيات الواقعية. [15]
لكن الواقعية تُخفق في تفسير الخطاب الصيني القائم على التعاون والتنمية المشتركة وعدم التدخل، ولا تُقدّم تفسيراً مقنعاً لتفضيل بكين المستمر للأدوات الاقتصادية والمؤسساتية على حساب الأدوات العسكرية.
2- المقاربة الليبرالية: الاعتماد الاقتصادي المتبادل وأولوية التعاون
تقدم الليبرالية صورة أكثر تفاؤلاً ومرونة للعلاقات الدولية؛ فهي ترفض اختزال الشأن الدولي في منافسة الصراع، وتُعلي من قيمة التعاون الاقتصادي والمؤسسات الدولية وشبكات الاعتماد المتبادل.[16]
في هذا الإطار، تبدو العلاقات الصينية مع الشرق الأوسط في جوهرها علاقات تجارية واستثمارية متجذرة؛ فالصين أصبحت اليوم شريكاً تجارياً رئيسياً لعدد كبير من دول المنطقة، وباتت استثماراتها حاضرة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والاقتصاد الرقمي، كما أن شبكات الاعتماد المتبادل تُقلّص احتمالات الصراع وتُرسّخ حوافز التعاون المستدام؛ ومن هذا المنطلق، تُقرأ مبادرة الحزام والطريق باعتبارها مشروعاً لخلق بنية من المصالح المشتركة التي تجعل السلام أكثر ربحاً من التوتر[17].
أيضا، تُفيد الليبرالية في تفسير ميل الصين المُزمن إلى الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية بديلاً عن التدخل العسكري؛ فبكين تمد نفوذها عبر المال والتكنولوجيا والتجارة، لا عبر الحاملات والقواعد العسكرية. [18]
بيد أن الليبرالية هي الأخرى لا تخلو من قيود؛ فهي تميل إلى التقليل من وطأة المنافسة الجيوسياسية، ولا تُقدّم إجابة شافية عن كيفية تعامل الصين مع التحديات الأمنية الكبرى في منطقة كالشرق الأوسط.
3- المقاربة البنائية: دور الهوية والخطاب في السياسة الصينية
تُقدّم البنائية منظوراً مغايراً تماماً، إذ تنتقل من عالم المادة والقوة إلى عالم الأفكار والهويات والتصورات المشتركة؛ فالمصالح في نظر البنائيين ليست حقائق موضوعية ثابتة، بل هي تشكّلات اجتماعية تنبثق من التفاعلات والتصورات المتبادلة، من هذه الزاوية، يكتسب الخطاب الرسمي الصيني أهمية تحليلية استثنائية؛ فبكين لا تتوقف عن إعادة إنتاج منظومة من المفاهيم: التنمية المشتركة، المنفعة المتبادلة، الاحترام المتبادل، عدم التدخل في الشؤون الداخلية، بناء مجتمع المصير المشترك للبشرية؛ وهذه المفاهيم ليست زخرفة بلاغية، بل تُشكّل جوهر الهوية الدبلوماسية التي تسعى الصين إلى ترسيخها في نظر العالم.[19]
أيضا، من منظور بنائي، يُفسَّر ترحيب كثير من دول الشرق الأوسط بالشراكة الصينية من خلال الصورة الإيجابية التي أفلحت بكين في بنائها لنفسها: شريك اقتصادي لا يفرض شروطاً سياسية، ولا يربط تعاونه بمعايير الحوكمة أو حقوق الإنسان على النحو الذي يُلاحظ أحياناً في العروض الغربية.[20]
كما تُساعد البنائية في تفسير المهارة الصينية في الحفاظ على علاقات متوازنة مع أطراف متنافسة، إذ يقوم خطابها الدبلوماسي على تجنب الانحيازات الأيديولوجية الحادة وتوسيع الأرضية المشتركة مع الجميع؛ غير أن البنائية وحدها لا تُوفي الغرض، لأنها قد تُهوّن من شأن المصالح المادية والحسابات الاستراتيجية التي تظل محركاً أساسياً في السياسة الخارجية لأي دولة.
4- نظرية انتقال القوة: الصين وصعود القوى الكبرى
تمثل نظرية انتقال القوة أحد أكثر الأطر توظيفاً في تحليل صعود الصين ومكانتها في النظام الدولي؛ فقد طوّر Organski (1958)هذه النظرية انطلاقاً من فرضية أن النظام الدولي يشهد دورات من الصعود والتراجع بين القوى الكبرى، وأن التوترات تتصاعد حتماً حين تقترب قوة صاعدة من منافسة القوة المهيمنة.
في السياق الراهن، لا تزال العلاقات الأمريكية–الصينية تُقدَّم باعتبارها أبرز تطبيق حي لهذه النظرية؛ فالصين تمثل القوة الصاعدة الأكثر وزناً في النظام الدولي المعاصر، بينما تمثل الولايات المتحدة القوة المهيمنة منذ نهاية الحرب الباردة.[21]
من هذا المنظور، يُقرأ التوسع الصيني في الشرق الأوسط باعتباره جزءاً من عملية أوسع لإعادة توزيع النفوذ العالمي؛ فتعزيز الحضور الاقتصادي والدبلوماسي الصيني في المنطقة لا يقتصر على تحقيق مكاسب اقتصادية مباشرة، بل يُسهم أيضاً في تعزيز المكانة الدولية للصين وتوسيع نطاق تأثيرها[22]
غير أن تطبيق هذه النظرية على الحالة الصينية يستوجب الحذر، لأن بكين لا تتبع بالضرورة النموذج التاريخي نفسه الذي سلكته قوى صاعدة سابقة؛ فهي تسعى إلى توسيع نفوذها الدولي عبر أدوات اقتصادية ومؤسساتية أكثر من اعتمادها على التوسع العسكري التقليدي[23]
وتكشف مناقشة الأطر النظرية أن أي محاولة لتفسير السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط بمنظور أحادي ستظل قاصرة؛ فالواقعية تفسر أهمية المصالح الاستراتيجية وأمن الطاقة؛ والليبرالية توضح دور التجارة والاعتماد المتبادل؛ والبنائية تبرز أثر الخطاب والهوية؛ بينما تساعد نظرية انتقال القوة في فهم السياق البنيوي الأوسع لصعود الصين.
بناء على ذلك، تعتمد هذه الدراسة مقاربة تفسيرية مركبة تنطلق من التكامل بين هذه النظريات الأربع، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن السلوك الصيني في الشرق الأوسط هو نتاج تفاعل معقد بين القوة والمصلحة والهوية والتحولات البنيوية في النظام الدولي.
المطلب الثاني: تطور السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط (2001–2022)
لا يمكن فهم السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط في الفترة 2023–2026 دون العودة إلى المسار التاريخي الذي تشكّلت عبره هذه السياسة منذ مطلع القرن الحادي والعشرين؛ فما نشهده اليوم ليس وليد المصادفة، ولا نتاج تحولات مفاجئة، بل هو امتداد لمسار تراكمي ارتبط عضوياً بصعود الصين الاقتصادي وتنامي حاجتها إلى الأسواق والموارد الخارجية؛ وقد انتقلت بكين تدريجياً من موقع الفاعل الاقتصادي المحدود الحضور إلى مكانة أحد أهم الشركاء التجاريين والاستثماريين لدول المنطقة، مع توسع متدرج في أدوارها السياسية والدبلوماسية.[24]
يُظهر التحليل التاريخي أن هذه السياسة مرت بثلاث مراحل رئيسية متميزة: مرحلة التركيز على أمن الطاقة (2001–2012)، ومرحلة التوسع الاقتصادي والاستراتيجي في ظل مبادرة الحزام والطريق (2013–2020)، ثم مرحلة الانخراط الدبلوماسي المتزايد (2021–2022).
أولاً: مرحلة تأمين الطاقة وترسيخ الحضور الاقتصادي( 2001–2012)
مثّل انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية سنة 2001 لحظة تحول في مسار اندماجها في الاقتصاد العالمي؛ فقد أدى النمو المتسارع إلى ارتفاع حادّ في الطلب على الطاقة والمواد الأولية، مما دفع صانعي القرار في بكين إلى البحث المحموم عن مصادر مستقرة تُغذّي احتياجات الاقتصاد الوطني المتصاعدة. [25]
في هذا السياق، اكتسب الشرق الأوسط أهمية خاصة بوصفه أحد أكبر الأقاليم المنتجة للنفط والغاز في العالم؛ وقد شهد اعتماد الصين على الواردات النفطية من المنطقة ارتفاعاً مطرداً خلال تلك السنوات، حتى بات أمن الطاقة أحد أهم محددات السياسة الخارجية الصين [26].
كما اتسمت السياسة الصينية خلال هذه المرحلة بثلاث خصائص جوهرية: التركيز شبه الكامل على العلاقات الاقتصادية والتجارية مدخلاً للتفاعل مع دول المنطقة، مع تجنب واعٍ للانخراط في نزاعاتها السياسية المعقدة، التمسك الراسخ بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو مبدأ ظل ركيزة أساسية للسياسة الخارجية الصينية منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية سنة 1949، والسعي الدؤوب إلى بناء علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف الإقليمية، فحافظت الصين على علاقات جيدة مع الدول العربية وإيران وإسرائيل في آنٍ واحد، متجنبةً الانحياز إلى أي محور إقليمي. [27]
خلال تلك المرحلة، كان الدور الصيني محدوداً من الناحية السياسية والأمنية، إذ فضّلت بكين تركيز جهودها على تحقيق أهدافها الاقتصادية، تاركةً إدارة الترتيبات الأمنية للقوى التقليدية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.
ثانيًا: مرحلة مبادرة الحزام والطريق والتوسع الاستراتيجي( 2013–2020)
شكّل وصول شي جين بينغ إلى السلطة وإطلاق مبادرة الحزام والطريق سنة 2013 منعطفاً جوهرياً في السياسة الخارجية الصينية عمومًا، وفي سياستها تجاه الشرق الأوسط على وجه الخصوص، فقد انتقلت الصين خلال هذه المرحلة من التركيز على الطاقة وحدها إلى رؤية أوسع تهدف إلى إعادة رسم شبكات الترابط الاقتصادي العالمية من خلال الاستثمار الضخم في البنية التحتية والنقل والاتصالات والموانئ. [28]
كما أصبح الشرق الأوسط يحتل موقعاً مركزياً في هذه المبادرة لجملة من الأسباب المتشابكة: الموقع الجغرافي الاستراتيجي للمنطقة بوصفها حلقة وصل بين القارات الثلاث، وأهمية ممراتها البحرية المرتبطة بمضيق هرمز وقناة السويس، فضلاً عن وفرة الفرص الاستثمارية في الطاقة والبنية التحتية والاقتصاد الرقمي؛كماشهدت هذه المرحلة توسعاً لافتاً في حجم الاستثمارات الصينية في المنطقة، مع بروز الشركات الصينية لاعباً رئيسياً في تنفيذ مشاريع الموانئ والطرق والسكك الحديدية وشبكات الاتصالات.
وشهدت هذه المرحلة تحولاً تدريجياً من “دبلوماسية الطاقة” إلى “دبلوماسية الترابط الاقتصادي”، حيث أصبحت المصالح الصينية أكثر تنوعاً وتشابكاً مما كانت عليه في العقد السابق؛ مع ذلك، استمرت الصين في تجنب الانخراط العسكري المباشر، مفضّلةً الاعتماد على قوتها الاقتصادية ودبلوماسيتها الناعمة، مما يعكس استمرار سريان مبدأ عدم التدخل حتى في مواجهة اتساع المصالح الخارجية[29].
ومثّلت أحداث الربيع العربي منذ عام 2011 اختباراً صعباً للسياسة الصينية في الشرق الأوسط؛ فقد كشفت هذه الأحداث بجلاء عن هشاشة بعض الأنظمة السياسية في المنطقة، وأثبتت أن الاستقرار الداخلي للدول لا يمكن افتراضه مُسلَّماً به على المدى البعيد، في هذا الاطار، تابعت بكين هذه التطورات بحذر بالغ، ليس فقط بسبب انعكاساتها على المصالح الاقتصادية الصينية، بل أيضاً بسبب حساسيتها التقليدية العميقة تجاه قضايا التغيير السياسي والاحتجاجات الشعبية.[30]
من المنظور الصيني، عزّزت هذه الأحداث القناعة بأن الاستقرار السياسي شرط لا تنمية بدونه؛ كما دفعت صانعي القرار الصيني إلى إدراك أن حماية المصالح الاقتصادية الخارجية تستلزم فهماً أعمق للديناميات السياسية والأمنية في المنطقة، وهو ما أسهم لاحقاً في توسيع الحضور الدبلوماسي الصيني، وابتداءً من منتصف العقد الثاني للقرن الحادي والعشرين، باتت العلاقات بين الصين والولايات المتحدة تتسم بمنافسة استراتيجية متصاعدة امتدت تداعياتها إلى مناطق عديدة، بما فيها الشرق الأوسط. [31]
ففي الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تُعيد توجيه جزء من اهتمامها الاستراتيجي نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، كانت الصين تواصل توسيع حضورها الاقتصادي في الشرق الأوسط عبر التجارة والاستثمار والبنية التحتية، غير أن بكين حرصت على تقديم أنشطتها في المنطقة باعتبارها جزءاً من رؤية للتعاون الاقتصادي والتنمية المشتركة، لا تحدياً مباشراً للنفوذ الأمريكي (Sun, 2024) بيد أن الدوائر الغربية السياسية والأكاديمية بدأت تقرأ هذا التوسع بعين أكثر ريبة، خاصة في القطاعات التكنولوجية واللوجستية ذات الأهمية الاستراتيجية.[32]
ثالثًا: مرحلة ما قبل التحول الدبلوماسي (2021–2022)
يمثل عاما 2021 و2022 مرحلة انتقالية بالغة الأهمية، فقد شهدت تلك الفترة مزيداً من التوسع في العلاقات الصينية مع دول المنطقة على مستويات التجارة والاستثمار والتعاون التكنولوجي؛ كما عمدت بكين إلى تعزيز حضورها في الأطر متعددة الأطراف وتطوير شراكات استراتيجية مع عدد متنامٍ من الدول الإقليمية؛ ومن أبرز مؤشرات هذا التحول انعقاد القمم الصينية–العربية والصينية–الخليجية، التي عكست رغبة صينية متصاعدة في إضفاء طابع مؤسسي ودائم على علاقاتها مع المنطقة؛ كما مهدت كل هذه التطورات الطريق أمام الدور الذي لعبته الصين في استئناف العلاقات السعودية–الإيرانية سنة 2023، والذي يُعدّ بحق إحدى المحطات الأكثر دلالة في تاريخ الانخراط السياسي الصيني في الشرق الأوسط.[33]
ومن هنا يمكن القول إن السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط تطورت تدريجياً من التركيز على تأمين الطاقة إلى تبنّي مقاربة أكثر شمولاً تجمع بين الأبعاد الاقتصادية والاستراتيجية والدبلوماسية؛ ومع ذلك، لم يؤدِّ هذا التطور إلى التخلي عن المبادئ الجوهرية للسياسة الخارجية الصينية: البراغماتية، وعدم التدخل، والسعي إلى تحقيق المصالح عبر أدوات اقتصادية ودبلوماسية بالأساس.
المطلب الثالث: محددات السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط
إذا كان التطور التاريخي للسياسة الصينية يكشف عن انتقال تدريجي من الحضور الاقتصادي المحدود إلى الانخراط الاستراتيجي الأوسع، فإن تفسير هذا التحول يقتضي النظر إلى ما وراء الأحداث، وتحليل المحددات التي تُشكّل عملية صنع القرار الصيني؛ فالسلوك الخارجي للدول لا ينتج فقط عن التفاعلات الدولية، بل يتشكّل أيضاً بفعل اعتبارات داخلية تتعلق بطبيعة النظام السياسي والأولويات الاقتصادية وإدراكات النخب الحاكمة [34].
وفي الحالة الصينية، تتداخل عوامل داخلية وخارجية متعددة في صياغة سياسة يصعب ردها إلى سبب واحد؛ وتُجمع الأدبيات الحديثة على أن أمن الطاقة، والتنمية الاقتصادية، والتنافس مع الولايات المتحدة، ومبادرة الحزام والطريق، وطبيعة النظام السياسي الصيني، تمثل مجتمعةً أهم هذه المحددات[35].
أولاً: المحددات الداخلية
(1) أولوية التنمية الاقتصادية واستدامة النمو
منذ إطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح أواخر سبعينيات القرن الماضي، ارتبطت شرعية النظام السياسي الصيني بصورة وثيقة بقدرته على تحقيق النمو الاقتصادي وتحسين مستويات المعيشة؛ وهذا يعني باختصار أن أي خلل في مسار التنمية قد يُهدد الاستقرار الداخلي ذاته[36].
من هذه الزاوية، يُنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره منطقة ذات أهمية اقتصادية استراتيجية متصاعدة: فيه الطاقة، وفيه الأسواق، وفيه الفرص الاستثمارية، وفيه الموقع الجغرافي الذي يربط شبكات التجارة العالمي[37]؛ ومن ثم فإن الحفاظ على علاقات مستقرة مع دول المنطقة يغدو جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية التنمية الوطنية الصينية طويلة المدى.
(2) أمن الطاقة بوصفه محدداً استراتيجياً دائماً
مع تحول الصين إلى أحد أكبر مستوردي النفط في العالم، أصبحت استمرارية تدفق الطاقة تمثل قضية أمنية قومية بامتياز، لا مجرد مصلحة اقتصادية؛ كما لا تزال منطقة الخليج العربي تحتل مكانة الصدارة بين مصادر النفط الخام للصين، وهو ما يفسر حرص بكين على تطوير علاقاتها مع الدول المنتجة الكبرى، السعودية، والإمارات، والعراق، وإيران، ولم يعد أمن الطاقة مجرد اعتبار اقتصادي، بل أصبح متغيراً يدخل في صميم تعريف الصين لأمنها القومي[38].
(3) مركزية القيادة السياسية ودور الحزب الشيوعي الصيني
تتميز عملية صنع القرار في الصين بدرجة عالية من المركزية؛ حيث يلعب الحزب الشيوعي دوراً محورياً في رسم التوجهات الكبرى للسياسة الخارجية، في ظل إطار استراتيجي تحدده القيادة العليا، ففي عهد شي جين بينغ، ازدادت هذه المركزية تعمقاً، وتجلّت في رؤية طموحة تقوم على توسيع الحضور الدولي للصين وتعزيز دورها في إدارة الشؤون العالمية؛ في إطار هذه الرؤية، لم يعد الشرق الأوسط مجرد مصدر للموارد، بل غدا جزءاً من التصور الصيني لمكانتها بوصفها قوة عالمية صاعدة، يظهر ذلك جلياً في الخطابات الرسمية التي تربط بين مبادرة الحزام والطريق ومشروع “النهضة الوطنية الصينية”.[39]
(4) دور الشركات والمؤسسات الاقتصادية الصينية
أصبحت الشركات الصينية الكبرى فاعلاً مؤثراً في السياسة الخارجية، بعد أن حوّل توسّعها الخارجي الضخم المصالح الاقتصادية الصينية إلى حضور حقيقي على الأرض في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والاتصالات والتكنولوجيا.[40]
لقد أفرز ذلك ما يمكن وصفه بـ”الدبلوماسية الاقتصادية”، حيث تعمل المؤسسات الاقتصادية والمالية الصينية جنباً إلى جنب مع الأجهزة الدبلوماسية في تعزيز النفوذ الخارجي؛ وتبرز أهمية هذا العامل بصورة خاصة في الشرق الأوسط، حيث تتولى الشركات الصينية تنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى في الموانئ والنقل والطاقة والاقتصاد الرقمي.
ثانياً: المحددات الخارجية
(1) التحولات البنيوية في النظام الدولي
صعود الصين ليس مجرد خبر اقتصادي، بل هو أحد أهم مظاهر التحول البنيوي الذي يشهده النظام الدولي؛ فقد وجد كثير من الباحثين في نظرية انتقال القوة إطاراً مناسباً لفهم العلاقة بين التوسع الخارجي الصيني وإعادة توزيع النفوذ العالمي؛ فمن هذا المنظور، فإن تعزيز الحضور الصيني في الشرق الأوسط لا ينفصل عن هذه العملية الأوسع: فكلما ازدادت القدرات الصينية، ازدادت الحاجة إلى تأمين شبكات المصالح الخارجية وتوسيعها[41].
(2) التنافس الأمريكي–الصيني
يُشكّل التنافس بين القوتين أحد أهم المتغيرات المُشكّلة للسياسة الصينية المعاصرة. فقد تخطّت المنافسة بينهما حدود الاقتصاد لتمتد إلى التكنولوجيا والتجارة والنفوذ الجيوسياسي؛ ففي الشرق الأوسط، تحرص الصين على توسيع حضورها دون الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن، متبعةً استراتيجية تقوم على انتهاز الفرص الاقتصادية مع الابتعاد عن الترتيبات الأمنية التي قد تُصعّد التنافس مع الولايات المتحدة، حيث يُفسّر هذا التوازن الدقيق الطابع الحذر المتأني للسياسة الصينية في المنطقة[42].
(3) البيئة الإقليمية المعقدة في الشرق الأوسط
يُمثل الشرق الأوسط أحد أكثر الأقاليم تعقيداً في النظام الدولي: تعدد الفاعلين، وتداخل الصراعات، وتقلب التحالفات؛ مما يضع الصين أمام تحدٍّ دائم: كيف تحمي مصالحها دون أن تنزلق إلى نزاعات لا تنتهي؟؛ في هذا الاطار، آثرت بكين حلاً يقوم على التوازن الدقيق بين مختلف الأطراف، مع الحفاظ على خطاب دبلوماسي يُعلي من قيمة الحياد وعدم التدخل. وهذه الاستراتيجية تُقلّص مخاطر الاستقطاب، لكنها تفرض في الوقت ذاته حدوداً واضحة على قدرة الصين في إدارة الأزمات الأمنية الحادة [43].
(4) مبادرة الحزام والطريق: محدد داخلي وخارجي في آنٍ واحد
تُعدّ مبادرة الحزام والطريق من أكثر المحددات تعقيداً، لأنها تجمع في آنٍ واحد بين بُعدين متلازمين: البُعد الداخلي المرتبط بأهداف التنمية الوطنية الصينية، والبُعد الخارجي المرتبط بإعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية الدولية [44]؛ فمن خلال هذه المبادرة، أصبح الشرق الأوسط عقدة في شبكة واسعة من الممرات التجارية والاستثمارية التي تنسجها الصين بصبر وأناة؛ ولهذا السبب يصعب الفصل بين تحليل المبادرة كأداة داخلية للتنمية وتحليلها كأداة خارجية للنفوذ.
خاتمة
شهدت السياسة الصينية تطوراً تدريجياً ولافتاً، من التركيز التقليدي على تأمين الطاقة إلى تبني مقاربة أكثر شمولاً تجمع التجارة والاستثمار والبنية التحتية والتكنولوجيا والدبلوماسية متعددة الأطراف؛ غير أن هذا التطور لم يُفضِ إلى تغيير جذري في أسس السياسة الخارجية الصينية التي ما زالت قائمة على ثالوث راسخ: البراغماتية، وعدم التدخل، وتجنب الانخراط العسكري المباشر.
لقد بات جلياً أيضاً أن الدور الصيني في الشرق الأوسط لا يُفهم بمعزل عن التحولات البنيوية الكبرى في النظام الدولي؛ فصعود الصين قوةً عالمية أوجد ديناميات جديدة انعكست على طبيعة حضورها في المنطقة؛ ففي الوقت نفسه، يفرض تعقيد البيئة الإقليمية واستمرار التنافس الأمريكي–الصيني حدوداً موضوعية على قدرة بكين على التحول إلى فاعل أمني رئيسي في المدى المنظور.
أما على المستوى النظري، تؤكد الدراسة أن المقاربات الأحادية لا توفر تفسيراً وافياً؛ فالواقعية تُضيء أهمية المصالح والقوة؛ كما تُبرز الليبرالية دور الاعتماد الاقتصادي المتبادل؛ والبنائية توضح أثر الخطاب والهوية؛ بينما تساعد نظرية انتقال القوة في فهم السياق البنيوي الأشمل لصعود الصين؛ ومن ثم فإن المقاربة التفسيرية المركبة تبدو الأجدر والأكثر إيفاءً بمتطلبات الفهم الحقيقي لهذا السلوك في منطقة لا تهدأ.
وتكشف دراسة المحددات الداخلية والخارجية أن السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط هي نتاج تفاعل معقد بين ضرورات التنمية الاقتصادية وأمن الطاقة من جهة، والتحولات البنيوية في النظام الدولي والتنافس بين القوى الكبرى من جهة أخرى؛ كما يتأكد أن بكين لا تنظر إلى المنطقة من منظور أحادي، بل باعتبارها فضاءً تتقاطع فيه مصالح اقتصادية واستراتيجية وسياسية متعددة ومتشابكة؛ كما تؤكد هذه النتيجة الفرضية الجوهرية للدراسة: تفسير السلوك الصيني يتطلب لا محالة مقاربة متعددة المستويات تجمع بين العوامل الداخلية والخارجية، بدلاً من الاكتفاء بتفسير أحادي البعد.
في إطار هذه النتائج انتهى الباحث إلى عدد من الخلاصات الأساسية:
(1) لا يمكن تفسير السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط بمفتاح واحد. فهي في جوهرها نتاج تفاعل مركب بين محددات اقتصادية واستراتيجية وسياسية وأيديولوجية متشابكة؛
(2) يظل أمن الطاقة أكثر المحددات ثباتاً وتأثيراً، رغم اتساع المصالح الصينية لتشمل التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والبنية التحتية؛
(3) أعادت مبادرة الحزام والطريق تعريف مكانة الشرق الأوسط في الاستراتيجية الصينية، محوّلةً إياه من مصدر للطاقة إلى فضاء مركزي في شبكات الترابط الاقتصادي العالمية؛
(4) أن المقاربة النظرية المركبة أكثر قدرة على تفسير السلوك الصيني من المقاربات الأحادية، لأن الواقعية والليبرالية والبنائية ونظرية انتقال القوة تُكمّل بعضها البعض في الإحاطة بأبعاد الظاهرة المدروسة.
[1]– Sun, Y. (2024). China’s Middle East strategy in an era of great power competition. Brookings Institution Report, 1–24.
[2]– Baba, M. & Ranjan, A. (2025). China’s mediation diplomacy and the Saudi–Iran rapprochement: Implications for Middle East geopolitics. Asian Journal of Middle Eastern and Islamic Studies, 19(1), 1–18.
[3] -Sun, Y. (2024) China’s Middle East strategy in an era of great power competition. Brookings Institution Report, 1–24.
[4]– International Energy Agency. (2024). World energy outlook 2024. International Energy Agency.
[5] – Chaziza, M. (2025). China’s expanding role in the Middle East: Economic pragmatism and strategic influence. Contemporary Review of the Middle East, 12(1), 35–58.
[6]– Jaffal, A. (2025). The Belt and Road Initiative in the Middle East: Connectivity, infrastructure and strategic implications. Middle East Policy, 32(1), 72–91.
[7] – Luzyanin, S., & Alekseeva, A. (2024). China’s strategic presence in the Middle East in the context of global transformation. Vestnik RUDN. International Relations, 24(2), 211–228.
[8] – Organski, A. F. K. (1958). World politics. Alfred A. Knopf
[9] – Blackwill, R. D., & Harris, J. M. (2016). War by other means: Geoeconomics and statecraft. Harvard University Press.
[10] – Baba, M., & Ranjan, A. (2025). China’s mediation diplomacy and the Saudi–Iran rapprochement: Implications for Middle East geopolitics. Op.cit.
[11] -Sun, Y. (2024) China’s Middle East strategy in an era of great power competition,op.cit.
[12] -Ibid.
[13] -Mearsheimer, J. J. (2019). The great delusion: Liberal dreams and international realities. Yale University Press
[14]– International Energy Agency. (2024). World energy outlook 2024. Op.cit.
[15]– Brebdane, A., & Nahro, M. (2024). China’s energy security and strategic engagement in the Gulf region. Journal of Contemporary China Studies, 13(2), 45–67.
[16] – Keohane, R. O., & Nye, J. S. (2012). Power and interdependence (4th ed.). Longman.
[17]– World Bank. (2024). Global economic prospects 2024. World Bank
[18]– Jaffal, A. (2025). The Belt and Road Initiative in the Middle East: Connectivity, infrastructure and strategic implications. Op.cit.
[19] – Wendt, A. (1999). Social theory of international politics. Op.cit
[20] – Chaziza, M. (2025). China’s expanding role in the Middle East: Economic pragmatism and strategic influence. Op.cit
[21]-Allison Op.cit.n, G. (2017). Destined for war: Can America and China escape Thucydides’s trap?. Op.cit
[22] – Blackwill, R. D., & Harris, J. M. (2016). War by other means: Geoeconomics and statecraft .op .cit.
[23] -Sun, Y. (2024) China’s Middle East strategy in an era of great power competition,op.cit.
[24]– Scobell, A., & Nader, A. (2016). China in the Middle East: The wary dragon. RAND Corporation.
[25] – Keohane, R. O., & Nye, J. S. (2012). Power and interdependence . Op.cit
[26] – International Energy Agency. (2024. . Op.cit
[27] – Scobell, A., & Nader, A. (2016). China in the Middle East: The wary dragon. op.cit.
[28]– Blackwill, R. D., & Harris, J. M. (2016). War by other means: Geoeconomics and statecraft op.cit.
[29] – Chaziza, M. (2025). China’s expanding role in the Middle East: Economic pragmatism and strategic influence. Op.cit
[30]– Scobell, A., & Nader, A. (2016). China in the Middle East: The wary dragon. op.cit.
[31]– Allison Op.cit.n, G. (2017). Destined for war: Can America and China escape Thucydides’s trap?. op.cit.
[32] -Blackwill, R. D., & Harris, J. M. (2016). War by other means: Geoeconomics and statecraft op.cit.
[33]-Sun, Y. (2024) China’s Middle East strategy in an era of great power competition,op.cit.
[34]– Rose, G. (1998). Neoclassical realism and theories of foreign policy. World Politics, 51(1), 144–172.
[35] -Sun, Y. (2024) China’s Middle East strategy in an era of great power competition,op.cit.
[36] – Scobell, A., & Nader, A. (2016). China in the Middle East: The wary dragon. op.cit
[37]-Jaffal, A. (2025). The Belt and Road Initiative in the Middle East: Connectivity, infrastructure and strategic implications. Op.cit.
[38] -Sun, Y. (2024) China’s Middle East strategy in an era of great power competition,op.cit.
[39]– Callahan, W. A. (2016). China’s “Asia Dream”: The Belt Road Initiative and the new regional order. Asian Journal of Comparative Politics, 1(3), 226–243.
[40] – Chaziza, M. (2025). China’s expanding role in the Middle East: Economic pragmatism and strategic influence. Op.cit
[41]-Allison Op.cit.n, G. (2017). Destined for war: Can America and China escape Thucydides’s trap?. Op.cit
[42] -Sun, Y. (2024) China’s Middle East strategy in an era of great power competition, op.cit.
[43]– Scobell, A., & Nader, A. (2016). China in the Middle East: The wary dragon. op.cit.
[44]-Jaffal, A. (2025). The Belt and Road Initiative in the Middle East: Connectivity, infrastructure and strategic implications. Op.cit.



