مبادرة الحزام والطريق كأداة لتعزيز أمن الطاقة وإعادة التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط

د سهام بوهالي
كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية، جامعة الجزائر -3-
الباحثة كريمة قرناوط
كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية، جامعة الجزائر -3-
الملخص:
أدى تسارع النمو الاقتصادي الصيني خلال العقدين الماضيين إلى ارتفاع غير مسبوق في الطلب على الطاقة، مما دفع الصين إلى تعميق اعتمادها على واردات النفط الخام والغاز الطبيعي، ولاسيما من منطقة الشرق الأوسط بوصفها أحد أهم مراكز إنتاج الطاقة عالمياً. وفي هذا السياق، تنظر النخب البحثية الصينية إلى مبادرة الحزام والطريق باعتبارها إطارا استراتيجيا لمعالجة ما يُعرف بـ”معضلة الطاقة”، خاصة ما يتعلق بأمن طرق الإمداد وتقليل الاعتماد المفرط على الممرات البحرية الحساسة مثل مضيق ملقا.
تكتسب هذه الإستراتيجية أهمية خاصة بالنسبة للشرق الأوسط، الذي يشكل ركيزة أساسية في أمن الطاقة الصيني، حيث تعمل الصين من خلال مبادرة الحزام والطريق على تعزيز استثماراتها في الموانئ، والمناطق الصناعية، وشبكات النقل والطاقة في دول المنطقة، بما يضمن استمرارية تدفق النفط والغاز، ويعزز الترابط الاقتصادي بين الطرفين.
مقدمة:
شهد النظام الدولي خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة ارتبطت بصعود قوى دولية جديدة، في مقدمتها الصين التي عززت حضورها الاقتصادي والاستراتيجي على الصعيدين الإقليمي والدولي. وفي هذا السياق، برزت مبادرة الحزام والطريق كإطار استراتيجي شامل يهدف إلى إعادة تشكيل أنماط الترابط الاقتصادي العالمي، من خلال تطوير البنى التحتية وتعزيز شبكات التجارة والاستثمار. ويكتسي هذا التوجه أهمية خاصة في ظل التزايد المستمر في الطلب الصيني على الطاقة، ما جعل من أمن الطاقة أحد المحددات المركزية للسياسة الخارجية الصينية، خاصة تجاه منطقة الشرق الأوسط التي تعد من أهم مراكز إنتاج النفط والغاز عالمياً.
في هذا الإطار، تسعى الصين إلى معالجة ما يُعرف بمعضلة الطاقة عبر تنويع مصادر الإمداد ومسارات النقل، وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة، وعلى رأسها مضيق ملقا، من خلال توظيف مبادرة الحزام والطريق كأداة جيو-اقتصادية متعددة الأبعاد. ولا يقتصر هذا التوجه على البعد الطاقي فحسب، بل يمتد ليشمل أهداف أوسع تتعلق بإعادة التوازن الاستراتيجي وتعزيز النفوذ الصيني في المناطق الحيوية، وفي مقدمتها منطقة الشرق الأوسط، بما ينعكس على طبيعة التفاعلات الإقليمية وبنية النظام الدولي ككل، حيث تقوم الرؤية الصينية لمعالجة هذه المعضلة على مسارين رئيسيين: الأول يتمثل في تطوير البنية التحتية للموانئ البحرية، لاسيما في المحيط الهندي، مثل ميناء جوادر في باكستان وميناء كولومبو في سريلانكا، بما يتيح للصين بدائل إستراتيجية لنقل الطاقة، ويعزز أمن طرق الإمداد في ظل التوترات الجيوسياسية وعدم الاستقرار في بحر الصين الجنوبي؛ أما المسار الثاني فيرتكز على إنشاء شبكات أنابيب برية عابرة للحدود، مثل خطوط أنابيب النفط والغاز التي تربط غوادر بكاشغر، وخليج البنغال بإقليم يونان عبر ميانمار، إضافة إلى خطوط الأنابيب في إطار الممر الاقتصادي بين الصين وروسيا ومنغوليا، وهو ما يسهم في تنويع مسارات الطاقة وتقليص المخاطر المرتبطة بالنقل البحري.
إذن، إلى جانب البعد الطاقي، تسعى الصين من خلال المبادرة تعزيز نموذج جديد من العولمة أكثر إنصافا، من وجهة نظرها، مقارنة بالنظام الاقتصادي الدولي السائد. فعلى الصعيد المحلي، تسعى الصين إلى دعم النمو الاقتصادي القائم على تنشيط الاستهلاك الداخلي؛ أما على الصعيد الإقليمي، تعمل على تنمية الأقاليم الغربية وربطها بآسيا الوسطى والشرق الأوسط عبر شبكات التجارة والطاقة؛ في حين تسعى الصيندوليا إلى لعب دور فاعل في إعادة التوازن الاقتصادي العالمي، مستفيدة من تزايد خيبة أمل العديد من الدول النامية من أداء المؤسسات الاقتصادية الغربية التقليدية.
تكمن الأهمية العلمية لهذه الدراسة في تحليل مبادرة الحزام والطريق كأداة لإعادة تشكيل النظام الدولي، من خلال الربط بين الاقتصاد والسياسة والطاقة ضمن إطار تحليلي متكامل. أما أهميتها العملية، فتتجلى في تقديم رؤى لفهم طبيعة التحولات الجارية في المنطقة، واستشراف مستقبل العلاقات الصينية–الشرق أوسطية في ظل التنافس الدولي المتصاعد، منذ 2014.
عليه، توظف الصين مبادرة الحزام والطريق كأداة اقتصادية وطاقوية لتعزيز أمنها الطاقي، ولاسيما في الشرق الأوسط، وفي الوقت ذاته دعم نموها الاقتصادي الداخلي وإعادة صياغة أنماط الترابط الإقليمي والدولي في ظل التحولات الجيوسياسية العالمية، من هذا المنطلق يمكن طرح الإشكالية التالية:
إلى أي مدى تشكل مبادرة الحزام والطريق أداة إستراتيجية للصين لتعزيز أمنها الطاقوي في الشرق الأوسط، وفي الوقت ذاته تحقيق لأهدافها الاقتصادية والجيوسياسية على المستويين الإقليمي والدولي؟
تنبثق عن هاته الإشكاليةالفرضية الرئيسيةالآتية:
تشكل مبادرة الحزام والطريق أداة إستراتيجية فعّالة تمكن الصين من تعزيز أمن الطاقة من خلال تنويع مصادر ومسارات الإمداد وتقليل المخاطر الجيوسياسية.
تستند هذه الدراسة إلى إطار نظري مركب يجمع بين نظرية الاعتماد المتبادل لتفسير تشابك المصالح الاقتصادية والطاقوية بين الصين ودول الشرق الأوسط، والمقاربة الجيو-اقتصادية لفهم كيفية توظيف الأدوات الاقتصادية (كالاستثمار والبنية التحتية) لتحقيق أهداف إستراتيجية، تم اختيار هذا الإطار لأنه يسمح بتحليل الظاهرة المدروسة من زوايا متعددة، حيث لا يمكن فهم الإستراتيجية الصينية فقط من منظور اقتصادي أو سياسي، بل من خلال التفاعل بينهما ضمن سياق دولي يتسم بإعادة تشكيل موازين القوة.
أما الإطار المنهجي، فتعتمد الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي لرصد تطور الحضور الصيني في المنطقة، خاصة في مجالات البنية التحتية والطاقة من جهة، ومن خلال تفكيك أبعاد الإستراتيجية الصينية في الشرق الأوسط، وتحليل أدواتها الاقتصادية والطاقية ضمن مبادرة الحزام والطريق، بما يسمح بفهم العلاقات السببية بين المتغيرات (الطاقة–الاستثمار–النفوذ الجيوسياسي)، من جهة أخرى؛ كما توظف الدراسة منهج دراسة الحالة من خلال التركيز على الشرق الأوسط كحالة تطبيقية تجسد التفاعل بين المصالح الصينية والتحولات الإقليمية، فقد تم اختيار هذا التكامل المنهجي لأن الموضوع يتسم بالتعقيد والترابط بين أبعاد اقتصادية وجيوسياسية، مما يستدعي الجمع بين الوصف الدقيق والتحليل العميق لفهم ديناميكيات الإستراتيجية الصينية وأهدافها بعيدة المدى.
بناء على ذلك، تم تقسيم الدراسة إلى ثلاثة محاور رئيسية: يتناول المحور الأول الإطار المفاهيمي والاستراتيجي لمبادرة الحزام والطريق وأمن الطاقة، بينما يركز المحور الثاني على أدوات الإستراتيجية الصينية في تعزيز أمن الطاقة، في حين يعالجالمحور الثالثانعكاسات هذه الإستراتيجية على دول الشرق الأوسط والتوازنات الإقليمية والنظام الدولي.
المحور الأول: الإطار المفاهيمي والاستراتيجي لمبادرة “الحزام والطريق”
يشكل أمن الطاقة أحد المحددات الأساسية في رسم السياسات الخارجية للدول الكبرى، حيث يرتبط بقدرتها على ضمان تدفق مستقر ومستدام لموارد الطاقة، خاصة في ظل التغيرات المتسارعة في النظام الدولي؛ وفي هذا السياق، برزت مبادرة “الحزام والطريق” كإطار استراتيجي تسعى من خلاله الصين إلى تأمين احتياجاتها الطاقية وتعزيز حضورها العالمي.
- جذور إستراتيجية “الحزام والطريق”
غالبا ما يتلازم ذكر صعود الصين مع مبادرة الحزام والطريق؛ فمنذ صعود شي جين بينغ إلى السلطة عام 2012، أكدت الصين وجودها في آسيا وفي أجزاء أخرى من العالم عسكريا واقتصاديا، وتعتبر مبادرة الحزام والطريق أفضل تأكيد على هذا الأخير فقد استثمرت الصين المليارات في مشاريع البنية التحتية المصممة لربط البلاد بشكل أفضل بآسيا وأوروبا وإفريقيا وأجزاء من أمريكا الجنوبية، وتأتي مع هذه المبادرة الضخمة فكرة أن الصين تستخدمها كوسيلة لإقناع الدول المشاركة بالانضمام إلى مجال نفوذها. هذا الإقناع هو ما يمكن وصفه بالقوة الناعمة، أو استخدام وسائل غير القسرية للحصول على ما تطمح إليه([1]).
كما أن مفهوم “طريق الحرير الطاقوي” يعكس هذا التوجه، حيث تسعى الصين إلى دمج البعد الطاقي ضمن إستراتيجيتها الكبرى، بما يحقق التكامل بين الأمن الاقتصادي والأمن الاستراتيجي، فطريق الحرير ينطلق من الصين عبر تركستان وخراسان وكردستان وسوريا إلى مصر ودول شمال إفريقيا، مرورا بأوروبا، ويمتد الطريق من المراكز التجارية في شمال الصين حيث ينقسم إلى فرعين شمالي وجنوبي؛ يمر الفرع الشمالي من منطقة بلغار- كيبتشاك وعبر شرق أوروبا وشبه جزيرة القرم وحتى البحر الأسود وبحر مرمرة والبلقان وصولا للبندقية؛ ويشق الفرع الجنوبي تركستان وخراسان وعبر بلاد ما بين النهرين وكردستان والأناضول وسوريا عبر تدمر وأنطاكية إلى البحر الأبيض المتوسط أو عبر دمشق وبلاد الشام إلى مصر وشمال إفريقيا([2]).
يمكن تتبع نشأة إستراتيجية “الحزام والطريق” – المعروفة أيضا باسم مبادرة الحزام والطريق – إلى ثلاثة أحداث عامة جديرة بالذكر وقعت على التوالي في الجزء الأخير من عام 2013؛ ففي 7 سبتمبر، وفي خطاب ألقاه في جامعة نزارباييف بكازاخستان، اقترح الرئيس الصيني (شي جين بينغ) بناء الحزام الاقتصادي لطريق الحرير، وفي خطابه أمام البرلمان الإندونيسي في 3 أكتوبر، أوصى بأن تعمل الصين ودول جنوب شرق آسيا معا لإحياء طريق الحرير البحري؛ وفي 24-25 أكتوبر، في منتدى عمل حول “دبلوماسية المحيط” عقده الحزب الشيوعي الصيني في بكين، أكد (شي جين بينغ) أن الصين ملتزمة بإقامة علاقات ودية ومتبادلة المنفعة مع جيرانها، بحيث يستفيدون من التنمية الصينية وتستفيد الصين من جوار مزدهر، وبهذه الطريقة، ربط الرئيس مفهوم “الحلم الصيني” بالتنمية الإقليمية، وقد مثل هذا المؤتمر الميلاد الرسمي لـ”إستراتيجية طريق الحرير” الصينية.
بعد عام، بدأت الإستراتيجية تتضح معالمها؛ ففي أكتوبر 2014، خصصت بكين 50 مليار دولار لتأسيس البنك الآسيوي الجديد للاستثمار في البنية التحتية AIIB))، بالتعاون مع عدد من الدول الشريكة، ويهدف البنك إلى جمع 100 مليار دولار لمشاريع البنية التحتية في جميع أنحاء آسيا. وفي 8 نوفمبر 2014، أعلن (شي جين بينغ) أنّ الصين ستساهم بمبلغ 40 مليار دولار في صندوق طريق الحرير الجديد، المصمم لتحسين روابط التجارة والنقل في آسيا، وفي كلمته الرئيسية في منتدى بواو الآسيوي 2015، شرح (شي جين بينغ) لأول مرة بالتفصيل رؤية الصين لمبادرة الحزام والطريق الاقتصادي وطريق الحرير البحري، وخلال المنتدى، أصدرت اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح الصينية، بالتعاون مع وزارتي الخارجية والتجارة، خطة عمل لمبادرة الحزام والطريق.
إذن، وفقا لخطة العمل، سيمتد مشروع الحزام والطريق عبر آسيا وأوروبا وإفريقيا، رابطا بين الاقتصاديات الآسيوية الشرقية من جهة والاقتصاديات الأوروبية من جهة أخرى. ويركز الحزام الاقتصادي لطريق الحرير- وهو سلسلة من مشاريع البنية التحتية البرية، تشمل الطرق والسكك الحديدية وخطوط الأنابيب- على تعزيز الروابط بين الصين وآسيا الوسطى وروسيا وأوروبا (وخاصة بحر البلطيق)، كما ذكرنا آنفا، وستتمكن الصين من الوصول بشكل أفضل إلى الخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط عبر آسيا الوسطى وغرب آسيا، وإلى المحيط الهندي عبر جنوب شرق آسيا وجنوب آسيا، أما طريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين، فقد صمم كمسارين: أحدهما من الساحل الصيني إلى أوروبا عبر بحر الصين الجنوبي والمحيط الهندي، والآخر من الساحل الصيني عبر بحر الصين الجنوبي إلى منطقة جنوب المحيط الهادئ.
تتماشى مبادرة الحزام والطريق مع مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وهي تدعم المبادئ الخمسة للتعايش السلمي: الاحترام المتبادل للسيادة والسلامة الإقليمية، وعدم الاعتداء المتبادل، وعدم التدخل المتبادل في الشؤون الداخلية، والمساواة والمنفعة المتبادلة، والتعايش السلمي، وتهدف المبادرة إلى أن تكون شاملة وأن تتبع مبادئ السوق([3]).
- أهداف إستراتيجية “الحزام والطريق”
تهدف المبادرة إلى “تحقيق التجديد العظيم للأمة الصينية” من خلال تحقيق هدفي الذكرى المئوية، أي مضاعفة دخل الفرد من الناتج المحلي الإجمالي وبناء مجتمع مزدهر بحلول عام 2021 عندما يحتفل الحزب الشيوعي الصيني بمرور 100 عام على تأسيسه؛ وتحويل الصين إلى دولة حديثة ومتقدمة اجتماعيا بحلول عام 2049 عندما تحتفل جمهورية الشعب بالذكرى المئوية لتأسيسها، وتشير مبادرة الحزام والطريق إلى إقامة الحزام الاقتصادي الجيوسياسي والجيو-اقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين الذي يربط الصين بأمريكا وأوروبا عن طريق البر والبحر([4]).
كما تستهدف الصين من خلال “طريق الحرير الاقتصادي”، إنشاء ثلاثة طرق تربط الصين بأوروبا من خلال آسيا الوسطى، والخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط من خلال غرب آسيا، والمحيط الهندي من خلال جنوب آسيا مع الربط بين الممرات المائية على المستوى الإقليمي من خلال “طريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين”، إلى جانب ربط “الدائرة الاقتصادية الحيوية لشرق آسيا”، وتعزيز انضمام الدول الإفريقية إلى “الدائرة الاقتصادية الأوروبية” من خلال إشراك نحو 65 دولة في المناطق التي أظهرت اهتمامها بالطريق، وعليه سيضمن الطريق مشاركة دول تستحوذ على نحو 55 % من الناتج الإجمالي العالمي، و75 % من احتياطيات البترول وهو ما يخدم 4.4 مليارات نسمة أو بمعنى آخر 63 % من سكان العالم([5]).
تؤكد إستراتيجية “حزام واحد، طريق واحد” على التعاون الدولي وفقا للأولويات الخمس التالية: ([6])
1. تنسيق السياسات؛
2. ربط المرافق؛
3. التجارة دون عوائق؛
4. التكامل المالي (ربط الاقتصاديات من خلال مؤسسات مثل: البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، وبنك التنمية الجديد لمجموعة البريكس، وصندوق طريق الحرير)؛
5. الروابط بين الشعوب (توفير الدعم الشعبي للتنفيذ).
إذا، يعد التنسيق الاستراتيجي للصين مع العالم العربي جزء مهما من رؤيتها “مبادرة الحزام والطريق”، وقد اقترحت الصين استراتيجية تعاون شاملة تعرف باسم 1+2+3؛ يشير “الأول” إلى الحاجة إلى زيادة التعاون في مجال الطاقة، والذي يغطي مجموعة من القضايا التي تشمل إنتاج النفط والغاز الطبيعي، وضمان سلامة طرق نقل الطاقة، وإقامة علاقة طاقة صينية عربية طويلة الأجل ومتبادلة المنفعة؛ يرمز “الثاني” إلى جناحي تطوير البنية التحتية والبناء وتيسير التجارة/الاستثمار؛ يتعلق “الثالث” بالاختراقات التي يجب تحقيقها في مجالات التكنولوجيا المتقدمة للطاقة النووية، وأقمار الفضاء، والطاقة الجديدة من أجل الارتقاء بالتعاون العملي بين الصين والعالم العربي.
كذلك تسعى الصين إلى توسيع دورها الخارجي من خلال، تعزيز تحقيق السلام وزيادة رصيد بكين من القوة الناعمة في العالم، والترويج Win-Win Philosophy لفلسفتها القائمة على استفادة الجميع وسوف يعزز هذا المفهوم من القوة الناعمة للصين، وهو ما تحاول تحقيقه من خلال التوسع في إنشاء معاهد كونفوشيوس في الدول المشاركة في الطريق؛ وكذلك، فإن استخدام الصين كلمات مثل” Proposal” مقترح، و ” Framework” إطار،” Vision “ رؤية بدلا من” “Strategy يعطي للمبادرة خصوصية مختلفة عن المبادرات الأخرى في كونها غير مفروضة على الدول المشاركة فيها، ولا تضع أي نوع من أنواع المشروطية السياسية عليها، وتقع الدوافع البيئية في سياق هذا الهدف الاستراتيجي، وذلك في محاولة تقليل اعتماد الصين على الفحم الملوث، وبناء عليه تستهدف الصين التحول من استخدام الفحم إلى الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة المستوردة من آسيا الوسطى وروسيا، في إطار التعاون المفتوح والأخضر والنظيف([7]).
يعتبر تأمين استقرار إمدادات الطاقة، أهم أهداف المبادرة، فقد دفع النمو الاقتصادي الصيني خلال العقدين الماضيين الصين إلى زيادة الاعتماد على واردات الطاقة، وخاصة النفط الخام والغاز الطبيعي ويرى الباحثون الصينيون أن مشاريع مبادرة الحزام والطريق يمكن أن تحل معضلة الطاقة من خلال بناء الموانئ، وخاصة في المحيط الهندي كمشروع جوادر (باكستان) وكولومبو (سريلانكا) الذي سيوفر خيارات جديدة للصين وبالتالي يقلل ضغط النقل عبر ملقا ويساعد في توفير “أمن طريق الطاقة”، وهو أمر ضروري في ظل عدم الاستقرار في بحر الصين الجنوبي([8]).
المحور الثاني: أدوات الإستراتيجية الصينية في تعزيز أمن الطاقة
تعتمد الصين على مجموعة من الأدوات لتحقيق أهدافها الطاقية والتي تعكس مقاربة جيواقتصادية واضحة، حيث يتم توظيف الاقتصاد لخدمة الأهداف الإستراتيجية، ما انجر عنه تحولا في طبيعة القوة الدولية من العسكرية إلى الاقتصادية، ومن أبرز هذه الأدوات تطوير البنية التحتية للموانئ، وإنشاء شبكات نقل حديثة، بالإضافة إلى مد خطوط الأنابيب العابرة للحدود.
- البنية التحتية البحرية:
بالنسبة للفرع البحري للطريق فيبدأ من فوجو الواقعة في الصين ويمر عبر فيتنام وإندونيسيا وبنغلاديش والهند وسريلانكا وجزر المالديف وشرق إفريقيا على طول الساحل الإفريقي، متجها إلى البحر الأحمر مارا عبر قناة السويس إلى البحر المتوسط نحو أوروبا حتى يصل إلى الساحل الصيني ويتكون من خطين رئيسين، هما( [9]):
– الخط الأول: يبدأ من موانئ الصين الجنوبية، ويتجه نحو المحيط الهندي مارا بمضيق ملقا والهند، ومنها يتجه إلى الشرق باتجاه الخليج العربي والبحر الأحمر وسواحل شرق إفريقيا؛
– الخط الثاني: يربط موانئ الصين الجنوبية بجنوب المحيط الهادي.
يهدف هذا التوجه إلى إنشاء شبكات نقل فعالة تربط الموانئ الرئيسة في مختلف الدول، مع تطوير ممر اقتصادي يمتد عبر المحيط الهندي، بما يعزز الربط بين الصين وجنوب شرق آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا وصولا إلى البحر المتوسط، كما يشمل تطوير موانئ إستراتيجية مثل غوادر وكولومبو لضمان تأمين سلاسل الإمداد وتحسين كفاءة النقل.
وتظهر الدراسات أن هذه الأدوات تُمكن الصين من تقليل اعتمادها على الممرات البحرية الحساسة، وعلى رأسها مضيق ملقا الذي يُعد نقطة اختناق إستراتيجية في تجارة الطاقة العالمية، حيث يمر عبره نحو 23.2 مليون برميل يوميا خلال النصف الأول من عام 2025، أي ما يقارب 29.1% من تجارة النفط البحرية العالمية. ويربط هذا المضيق بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي، ما يجعله ممرا حيويا لشحنات النفط المتجهة إلى الصين واليابان وكوريا الجنوبية، غير أن ضيقه وكثافة الملاحة فيه تجعله عرضة للازدحام والتوترات الجيوسياسية.
في السياق ذاته، يُعد مضيق هرمز شريانا أساسيا لنقل الطاقة، إذ يمر عبره حوالي 20.9 مليون برميل يوميا خلال الفترة نفسها، وهو ما يمثل قرابة خمس الاستهلاك العالمي للنفط، ويربط المضيق بين الخليج العربي وخليج عمان وبحر العرب، ويتمتع بقدرة استيعابية كبيرة تسمح بمرور أضخم ناقلات النفط، كما أن نحو 84% من النفط العابر عبره يتجه إلى الأسواق الآسيوية، خاصة الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، وبالنظر إلى اعتماد صادرات الخليج عليه، فإن أي اضطراب فيه قد يؤدي إلى تقلبات حادة في أسعار النفط العالمية، مما يجعله من أبرز نقاط الاختناق الإستراتيجية. لذلك، تسعى الصين إلى تقليل هذه المخاطر من خلال تطوير بدائل برية ضمن مبادرة الحزام والطريق، بهدف تعزيز أمن الطاقة وتنويع مسارات الإمداد.
إلى جانب ملقا وهرمز، تؤدي ممرات أخرى دورا مهما في تدفقات النفط العالمية، حيث تنقل قناة السويس وخط أنابيب سوميد نحو 4.9 مليون برميل يوميا، رابطين بين البحر الأحمر والبحر المتوسط، في حين يمر عبر مضيق باب المندب ما يقارب 4.2 مليون برميل يوميا، واصلا البحر الأحمر بخليج عدن، وهو ما يعزز من أهميته كحلقة وصل إستراتيجية في تجارة الطاقة العالمية.[10]
- خطوط الأنابيب البرية: تقليل الاعتماد على النقل البحري، فبعد مبادرة عام 2013 من الناحية الجغرافية أصبح للفرع البري من المبادرة ستة ممرات هي( [11]):
-” الجسر البري الأوراسي الجديد الذي يمتد من غربي الصين إلى روسيا الغربية؛
– ممر الصين / منغوليا / روسيا، الذي يمتد من شمالي الصين إلى الشرق الروسي؛
– ممر الصين / آسيا الوسطى / آسيا الغربية، الذي يمتد من غربي الصين إلى تركيا؛
-ممر الصين / شبه جزيرة الهند الصينية، الذي يمتد من جنوبي الصين إلى سنغافورة؛
– ممر الصين / باكستان، الذي يمتد من جنوب غربي الصين إلى باكستان؛
– الممر البري الأخير الذي هو ممر بنغلاديش/ الصين / الهند / ميانمار الذي يمتد من جنوبي الصين إلى الهند”.
خريطة (01): البنية التحتية للنفط في الصين

Source: Center for Energy Studies, “China Energy and Infrastructure Map”, retrieved: 26/02/2026, available on: < https://bit.ly/47yXutg >
ركزت الخريطة في الأصل على البنية التحتية للنفط، مع طبقات لخطوط أنابيب النفط الخام، وخطوط أنابيب المنتجات المكررة، والمصافي، ومرافق التخزين، وموانئ النفط، وقد نمت لتشمل نطاقا أوسع من أصول الطاقة، بما في ذلك البنية التحتية للغاز الطبيعي، والفحم، والطاقة النووية، وطاقة الرياح، ومحطات الطاقة الشمسية، والبنية التحتية للهيدروجين، مما يوفر صورة أكثر اكتمالا لنظام الطاقة في الصين.
3- الاستثمارات الطاقية عبر تعزيز الشراكات مع دول الشرق الأوسط
رغم بناء احتياطات إستراتيجية، إلا أن ذلك لا يعوض الصين عن الاعتماد البنيوي على الخارج، وهذا ما يفسر مركزية الشرق الأوسط في الإستراتيجية الطاقية الصينية، باعتباره الضامن الأساسي لاستدامة النمو الاقتصادي، حيث تمثل هذه المنطقة أكثر من نصف وارداتها النفطية، حيث تظهر الخرائط الجيوطاقية أن معظم هذه الإمدادات تمر عبر ممرات بحرية حساسة، وعلى رأسها مضيق هرمز، الأمر الذي يعرض أمن الطاقة الصيني لمخاطر جيوسياسية متعددة، وفي هذا السياق، تسعى الصين إلى تعزيز إستراتيجيتها من خلال تطوير البنية التحتية للطاقة وتنويع طرق الإمداد، وهو ما يتجلى بوضوح في مشاريع مبادرة الحزام والطريق التي تهدف إلى خلق بدائل برية وبحرية أكثر أماناً واستقراراً.
إنّ الاستثمارات الصينية في قطاع الطاقة والبنية التحتية في الشرق الأوسط تسهم في تعزيز الترابط الاقتصادي، وتوفير بيئة مواتية لتدفق الموارد الطاقية بشكل آمن ومستقر؛ وفي هذا السياق، تشير بعض الدراسات إلى أن هذه الإستراتيجية تواجه تحديات مرتبطة بعدم الاستقرار الأمني في المنطقة، ما يستدعي تبني مقاربات أكثر مرونة في إدارة المخاطر.
- سياسة الصين في مجال الطاقة في الشرق الأوسط
يُعد الموقع الاستراتيجي للشرق الأوسط – الذي يربط الشرق بالغرب- ومكانته كأكبر مُصدر للطاقة التقليدية في العالم، من الأسباب الرئيسية لتركيز الصين المتزايد على المنطقة في سياستها، ويتم تسهيل واردات الصين من النفط من الخليج العربي عبر مبادرة طريق التنمية، التي تكمل مبادرة الحزام والطريق الأوسع نطاقا، وتتماشى هذه الجهود مع نهج بكين التنموي الذي تقوده الدولة، حيث تُحرك الطموحات الوطنية إلى حد كبير من خلال الأهداف الاقتصادية في ظل الشركات المملوكة للدولة (الشركات متعددة الجنسيات والسياسة الخارجية)، وبدلا من التعامل مع المنطقة ككيان جماعي، أين تفضل الصين بناء علاقات ثنائية مع دول الشرق الأوسط بشكل منفرد، الأمر الذي يشكل في الواقع تحديا للنفوذ الاستراتيجي الأمريكي في المنطقة.
في أعقاب إعلان مبادرة الحزام والطريق في عام 2013، استخدمت الولايات المتحدة عقوبات متعددة واستراتيجيات دبلوماسية لعرقلة انخراط الصين المتزايد في الشرق الأوسط، كما سعت الولايات المتحدة إلى مواجهة النفوذ الإقليمي لبكين من خلال تعزيز التحالفات مثل الممر الاقتصادي لمجموعة العشرين بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، تعكس هذه التطورات اشتداد المنافسة الاقتصادية العالمية بين واشنطن وبكين، والتي تتشكل بشكل متزايد بفعل البنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي والتعاون الدفاعي الاستراتيجي؛ كما يعزز اعتماد الصين على الطاقة انخراطها في العالم العربي فهي أكبر مستهلك للوقود الأحفوري في العالم، حيث تستورد حوالي 70% من نفطها و40% من غازها الطبيعي لضمان أمن الطاقة على المدى الطويل، وقد وقعت الصين صفقة بقيمة 60 مليار دولار مع قطر لتوريد الغاز الطبيعي، وأصبحت الشريك التجاري الأول للعالم العربي بحلول عام 2020؛ وفي عام 2021، وقعت بكين اتفاقية شراكة إستراتيجية مدتها 25 عاما مع إيران، الأمر الذي أثار انتقادات واسعة في العواصم الغربية نظرا لتداعياته الجيوسياسية؛ إضافة إلى ذلك، أقامت الصين شراكات مماثلة مع أكثر من اثنتي عشرة دولة عربية، محافظة على علاقات متوازنة حتى مع القوى الإقليمية المنافسة.
وفقا لمبدأ عدم التدخل، تحافظ الصين على “توازن إيجابي” في سياستها تجاه الشرق الأوسط، بينما توسع نفوذها الدبلوماسي بشكل غير مباشر، وقد أعربت بكين عن استعدادها لتيسير الحوار في نزاعات مثل تلك التي تشمل فلسطين والعراق وليبيا والسودان واليمن، مما يدل على اهتمامها المتزايد بالوساطة والاستقرار العالميين، كما أن مشاركتها في المحادثات النووية الإيرانية توضح تحول السياسة الخارجية الصينية من المشاركة السلبية إلى التأثير الدبلوماسي الاستباقي ضمن النظام العالمي متعدد الأقطاب (اتفاقيات المقايضة التجارية وتكامل العملات الرقمية).
منذ عام 2013، تم إنجاز أكثر من 200 مشروع هام في مجال الطاقة والبنية التحتية في المنطقة، محققة العديد من أهداف “الترابط المادي” و”الترابط غير المادي” لمبادرة الحزام والطريق على الرغم من التحديات الكبيرة التي واجهت تنفيذها، وقد قامت شركات صينية في الشرق الأوسط ببناء أو رعاية العديد من الموانئ والسكك الحديدية والطرق السريعة ومحطات توليد الطاقة وخطوط الأنابيب والمجمعات السكنية والمناطق الصناعية ومناطق التجارة الحرة التي تربط الشرق بالغرب من الخليج العربي إلى البحر الأبيض المتوسط، وتستفيد جميع هذه المشاريع من ظاهرة تعرف باسم “المحور”. وتشمل هذه الشبكات مراكز إنتاج وتوزيع اللقاحات، وعمليات إطلاق الأقمار الصناعية المشتركة، واستكشاف القمر، والتعاون في نظام الملاحة عبر الأقمار الصناعية.
يزور مسؤولون من الشرق الأوسط بكين بشكل متكرر لتعزيز مبادرة الحزام والطريق، مع التركيز على التواصل السياسي والتجارة والتكامل المالي والروابط الشعبية، وقد اندمجت مبادرة الحزام والطريق مع خطط التنمية الإقليمية مثل رؤية المملكة العربية السعودية وقطر ومصر 2030، رابطة مصيرها بالصين، تنظر الصين إلى الشرق الأوسط كقوة موازنة للهيمنة المفرطة لكوريا الشمالية، لاسيما في المسائل المتعلقة بمصالحها الأساسية، بما في ذلك تايوان والتبت وهونغ كونغ وشينجيانغ. إن إشادة منظمة التعاون الإسلامي بوزير الخارجية الصيني تجعل اتهامات الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية أقل إيلاما، حيث ترى المنظمة الشرق الأوسط كقوة موازنة ([12]).
كما يحتوي الشرق الأوسط على 60% من احتياطيات النفط المؤكدة في العالم، وبالتالي يلعب دورا حاسما في أسواق الطاقة الدولية، هذا من جهة، من جهة أخرى شهد التطور الاقتصادي للصين تقدما سريعا منذ أن بدأت الحكومة إصلاحات لفتح الاقتصاد، مما أدى إلى زيادة كبيرة في الطلب على الطاقة في الصين في السنوات الأخيرة. ولذلك، أصبحت العلاقات المستقرة مع دول الشرق الأوسط ذات أهمية متزايدة لأمن الطاقة الصيني، ويُعد استمرار تطوير هذه العلاقات وحمايتها جوهر إستراتيجية “الحزام والطريق”.
في وقت مبكر من عام 1993، ومن خلال إستراتيجية “الخروج إلى الخارج”، شجعت الحكومة الصينية شركات الطاقة الثلاث الكبرى لديها – شركة البترول الوطنية الصينية، ومجموعة سينوبك، وشركة النفط البحرية الوطنية الصينية – على التوجه إلى الخارج وتأمين إمدادات النفط والغاز من خلال الاستثمار والاستكشاف والحفر وبناء المصافي وخطوط الأنابيب، ومن عام 1990 إلى عام 2000، شكل نفط الشرق الأوسط ما بين 45 و50 % من واردات الصين من النفط. وفي عام 2011، استوردت الصين 130 مليون طن من النفط من الشرق الأوسط، واستمر الحجم في الازدياد، ليصل إلى 146.54 مليون طن في عام 2013، وعلى العكس من ذلك، أهمية الصين كسوق تصدير رئيسي لمنتجي النفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
استجابة لتزايد اعتماد الصين على الطاقة من الشرق الأوسط، تجري بكين تعديلات على سياستها في مجال الطاقة تم تشجيع إنتاج الطاقة في الجزء الغربي من البلاد، وأُعيد تشكيل هيكل استهلاك الطاقة، وتم إنشاء نظام احتياطي وطني للطاقة، وأصبح توفير الطاقة أولوية قصوى، وتم التركيز بشكل متزايد على تطوير الطاقة النشط في الخارج، ولضمان تنويع واردات النفط والغاز وطرق نقلها، استثمرت الصين في عشرات المشاريع الكبرى للطاقة حول العالم، في آسيا الوسطى وسيبيريا، وإندونيسيا وأستراليا، وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية( [13]).
الجدول (01): نسب واردات الصين من بعض دول الشرق الأوسط
| حصة الصين من واردات النفط الخام في عام 2024 | الدولة |
| العراق | %10 |
| المملكة العربية السعودية | %14 |
| إيران | %11 |
| عمان | %7 |
| الإمارات العربية المتحدة | 6% |
| أخرى | 17% |
Source: Tasmin Lockwood, “Mapped: Where China Gets Its Oil”, March 6, 2026, retrieved: 15/03/2026, available on < https://bit.ly/4dkgy23/>
وعليه، تسعى الصين لتحقيق الهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة من أجل ضمان الوصول بأسعار معقولة وموثوقة مستدامة وحديثة، “فالطاقة للجميع”، وقد يسرع النهج“البراغماتي” المتبع في مجال الطاقة من عملية الانتقال في المنطقة، ولكن فقط إذا كان ذلك مناسبا القدرات التصنيعية والصناعية الصلبة يتم تطوير القواعد بالتوازي مع نشر مصادر الطاقة المتجددة( [14]).
- الاستثمار الصيني في الشرق الأوسط
أصبحت الصين الآن شريكا تجاريا رئيسيا ومستثمرا أجنبيا في الشرق الأوسط، بعد أن زادت بشكل كبير من بصمتها السياسية والاقتصادية والأمنية منذ 2013؛ ففي عام 2017، افتتحت الصين أول قاعدة عسكرية لها في جيبوتي، بالقرب من قناة السويس ومضيق باب المندب، وقد منح هذا النهج بكين نفوذا سياسيا كبيرا، مما سهل إنشاء القاعدة، ويعتبر الخبراء العسكريون الصينيون جيبوتي نقطة قوة إستراتيجية لتأمين طرق التجارة.
ومع توسع مصالح الصين، قد تبني معقلا ثانيا في المنطقة لحماية تجارتها على طول مضيق هرمز الذي يعد الممر المائي منطقة محورية معروفة للمخططين العسكريين الصينيين، إذ يمر عبره ما يقارب ثلث النفط الخام المنقول بحرا سنويا، وقد أنشأت الصين العديد من المنشآت في ميناء خليفة بالإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى خط أنابيب نفط يمتد إلى ميناء الفجيرة؛ كما تستثمر مليارات الدولارات في ميناء الدقم حديث التطوير في سلطنة عُمان، تُفيد هذه الاستثمارات الصين وحلفاءها اقتصاديا على المدى القصير، ولكنها قد تُمهد الطريق أيضا أمام جيش التحرير الشعبي الصيني لتعزيز نفوذه في منطقة مضيق هرمز؛ ففي عام 2021، استوردت الصين ما قيمته 128 مليار دولار من النفط الخام من دول مضيق هرمز والخليج العربي، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف إجمالي واردات النفط الخام من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مجتمعة، ووفقا لمحللين هناك، يمرّ ما يصل إلى 45% من واردات الصين النفطية عبر المضيق، ونتيجة لذلك، دعوا إلى زيادة التنسيق مع الدول المجاورة لضمان النقل الآمن لموارد الطاقة، استثمرت الشركات المملوكة للدولة في الصين أموالا طائلة في محاولة لحل مشكلة هرمز، ويقع خط أنابيب النفط حبشان-الفجيرة، الذي يتجنب هرمز بالمرور 380 كيلومترا من الإمارات العربية المتحدة، داخل ميناء الفجيرة، وقد بنته شركة هندسة وبناء البترول الصينية بين عامي 2008 و2012.
على الرغم من وجود تأخيرات متعددة أثناء البناء، فقد تم الانتهاء من خط الأنابيب الذي بلغت تكلفته 3.3 مليار دولار في نهاية المطاف، وتسيطر شركة سينوبك، وهي شركة حكومية كبيرة أخرى، بنسبة 50% على محطة الفجيرة الرئيسية التي تدير 36 خزانا لتخزين النفط والبنزين والمواد الكيميائية الأخرى، وتم بناء ميناء الغُون على ساحل الخليج العربي في العراق، ومن المقرر أن يصبح الميناء، الذي يضم مناطق صناعية وخدمات، أكبر ميناء للحاويات في الشرق الأوسط مع 90 رصيفا مخططا لها، أين تبلغ الطاقة الاستيعابية السنوية المقدرة لميناء الغُون 99 مليون طن، ويمتد على مساحة تزيد عن 16 كيلومترا مربعا كجزء من مشروع “طريق التنمية”، تربط شبكة طرق وسكك حديدية بطول 1200 كيلومتر ميناء البصرة بتركيا، حيث يهدف هذا المشروع الذي تبلغ تكلفته 17 مليار دولار أمريكي إلى إنشاء ممر للنقل من آسيا إلى أوروبا، ويبدأ طريق التنمية من البصرة ويمتد عبر محافظات الموصل وبغداد وكربلاء والنجف، ومن المتوقع أن يصل إلى تركيا عبر ميناء مرسين، حيث يمكنه الربط بأوروبا في وقت أقل من قناة السويس، وقد صرحت الحكومة الصينية أنها تعتزم تقديم مساهمات مالية لكلا المشروعين بالإضافة إلى التوصل إلى اتفاقية بقيمة 10 مليارات دولار مع العراق([15]).
المحور الثالث: انعكاسات السياسة الصينية في مجال الطاقة في الشرق الأوسط
أفرزت الإستراتيجية الصينية في الشرق الأوسط مجموعة من الانعكاسات الجيوسياسية المهمة، حيث أسهمت في تعزيز النفوذ الصيني في المنطقة، وتكريس نمط جديد من العلاقات الدولية قائم على الاعتماد المتبادل. في هذا الإطار، تشير تقارير حديثة إلى أن مبادرة الحزام والطريق ساهمت في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، من خلال تعزيز دور الصين كفاعل اقتصادي واستراتيجي بديل للقوى التقليدية، كما أن التوسع الصيني في مشاريع البنية التحتية والطاقة يعكس توجها نحو إعادة صياغة النظام الدولي في اتجاه أكثر تعددية، خاصة في ظل تراجع الثقة في المؤسسات الاقتصادية الغربية.
على الرغم من الفرص التي تتيحها هذه الإستراتيجية لدول الشرق الأوسط، إلا أنها تطرح في الوقت ذاته تحديات تتعلق بالسيادة الاقتصادية والتنافس الدولي، ما يفرض على هذه الدول تبني سياسات متوازنة تضمن تحقيق مصالحها الوطنية، حيث أدت هذه الإستراتيجية إلى؛ تعزيز النفوذ الصيني في الشرق الأوسط؛ تعميق الاعتماد المتبادل مع دول المنطقة؛ إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية؛ إلى جانب بروز نمط جديد من العولمة قائم على البنية التحتية.
- تحديات السياسة الصينية في الشرق الأوسط
تواجه سياسة الصين في مجال الطاقة في الشرق الأوسط عدة تحديات؛ أولا، بسبب الاضطرابات الأخيرة في اليمن، والحرب الأهلية السورية، والصراع الصهيوني- الفلسطيني طويل الأمد، فإن استثمارات الصين وشراكاتها في الشرق الأوسط معرضة للخطر؛ ثانيا: تسعى المنظمات الإرهابية إلى مهاجمة ناقلات النفط وقنوات النقل، لا يهدد تنظيم داعش بزعزعة جهود الصين في إنشاء روابط بين الشرق والغرب فحسب، بل أعلن أيضا أن شينجيانغ جزء من خلافته، وقد أجبرت التهديدات التي يشكلها تنظيم داعش في العراق العديد من الشركات الصينية في العراق على تعليق أعمالها أو التفكير في الإغلاق؛ ونتيجة لذلك، اتخذت الصين موقفا حازما ضد الجماعة الإرهابية؛
ثالثا، قد تثبت العوامل غير الاقتصادية، وخاصة قضايا الفساد في بعض البلدان، أنها ضارة بمصالح المستثمرين الصينيين؛رابعا، أدت العقوبات التي تقودها الولايات المتحدة والمفروضة على إيران بسبب الملف النووي إلى تقييد سياسة الطاقة الصينية في المنطقة، فقبل تشديد العقوبات، كانت إيران ثالث أكبر مورد للنفط الخام إلى الصين بعد المملكة العربية السعودية وروسيا، وللحفاظ على علاقات دبلوماسية قوية مع الولايات المتحدة وأوروبا بعد فرض العقوبات، خفضت الصين وارداتها من إيران. أخيرا، لا شك أنّ تصاعد التنافس السعودي- الإيراني قد زاد من تعقيد جهود الصين للحفاظ على علاقاتها في مجال الطاقة في المنطقة وتطويرها.
مع ذلك، فإن التعاون في مجال الطاقة بين الصين والشرق الأوسط يرتكز على أساس متين، إذ تُعد الصين مستهلكا ضخما للطاقة، ويستمر طلبها على الطاقة في الارتفاع، ويحرص موردو الشرق الأوسط على توسيع حصصهم السوقية في الصين وفي آسيا ككل. علاوة على ذلك، تمتلك الصين الآن أكثر من 3.7 تريليون دولار من احتياطيات النقد الأجنبي وهي موارد يمكن استخدامها ليس فقط كدفعة مقابل واردات النفط والغاز، ولكن أيضا للاستثمار في سوق الطاقة في الشرق الأوسط.
تمتلك شركات الطاقة الصينية الخبرة اللازمة للمشاركة في مشاريع تطوير الطاقة في الشرق الأوسط، في حين أصبحت الصين نفسها بيئة جاذبة للمستثمرين من القطاعين العام والخاص من المنطقة، لاسيما في قطاع البتروكيماويات، فبشكل عام، تمكنت الصين من تطوير علاقات سياسية جيدة مع جميع دول الشرق الأوسط، بما في ذلك إيران، مما خلق أساسا استراتيجيا سليما للتعاون الصيني الشرق أوسطي في مجال الطاقة.
عليه، في إطار إستراتيجية “الحزام والطريق” الواسعة، تسير سياسة الطاقة الصينية في الشرق الأوسط وفقا لإطار التعاون في مجال الطاقة المعروف باسم “1+2+3″، الذي ذكرناه أعلاه، والذي يسعى إلى بناء علاقة تعاون إستراتيجية موثوقة بين الصين والدول العربية تقوم على الصداقة طويلة الأمد، ولتجنب الاعتماد المفرط على موارد الطاقة في الشرق الأوسط، ستواصل الصين أيضا البحث عن مصادر طاقة وقنوات نقل أخرى في الخارج.
على الرغم من المخاطر والتحديات المرتبطة بواردات الطاقة من الشرق الأوسط، فقد طورت الصين علاقات قوية مع دول المنطقة، وستعمل على تطوير هذه الروابط الاقتصادية بشكل أكبر في السنوات المقبلة( [16]).
عليه، تتمثل الأهداف الرئيسة لمبادرة الصين وأدوات قوتها الناعمة في الشرق الأوسط في تعزيز الاستقرار وإعادة الإعمار وترسيخ السلام، وقد برز هذا التوجه بوضوح من خلال دورها في استئناف العلاقات الدبلوماسية بين إيران والمملكة العربية السعودية في مارس 2023، حيث تعكس هذه الخطوة قناعة صينية بأهمية بناء علاقات ودية وتعزيز مفاهيم الأمن المشترك في المنطقة، ورغم حفاظ الصين على مسافة نسبية من المخاطر المباشرة، إلا أنها تواجه تحديات محتملة، خاصة في ظل مآلات المفاوضات النووية مع إيران.
في هذا السياق، وسعت الصين علاقاتها الثنائية مع إيران عبر توقيع اتفاقية تعاون تمتد لـ25 عاما، إلى جانب تكثيف مجالات التعاون بينهما مؤخراً، كما عززت حضورها الاقتصادي مع عدد من دول الخليج، مثل الكويت والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر وعُمان والبحرين، لاسيما في قطاعات الطاقة والبنية التحتية للاتصالات والتكنولوجيا، وإمتد هذا الدور ليشمل مصر، حيث ساهمت الصين في تنفيذ مشاريع كبرى.
قد أظهرت مبادرة الحزام والطريق وجود مصالح مشتركة، وأسهمت في دعم مشاريع مرتبطة بالإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، إذ يعد تطوير طريق الحرير وتوسيعه حجر الأساس في هذه المبادرة، بهدف ربط الصين بالبحر الأبيض المتوسط عبر مسارات بحرية وتجارية إستراتيجية، ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في ظل الحاجة المتزايدة للصين إلى تأمين إمدادات الطاقة، نتيجة تسارع وتيرة النمو الاقتصادي وارتفاع الاستهلاك، ما يجعل الشرق الأوسط شريكا أساسيا نظرا لاحتياطياته النفطية الكبيرة.
في ظل التنافس الإقليمي على النفوذ، برزت الصين كفاعل استراتيجي متصاعد، حيث عززت موقعها ووسعت انخراطها مستفيدة من التحولات الأمنية وتزايد التوترات، ومنذ عام 2015، عملت الحكومة الصينية والشركات المملوكة للدولة على تطوير البعد الصناعي لمبادرة الحزام والطريق، استناداً إلى وثيقة إستراتيجية تحدد أولويات التعاون ومجالاته، إلى جانب تصميم ممرات صناعية متكاملة.
تهدف المبادرة إلى دعم التجارة الحرة، وتعزيز التكامل المالي، وتوسيع التعاون السياسي، وربط البنى التحتية، بما يسهم في توطيد العلاقات مع الدول المشاركة، وقد حظيت المبادرة باهتمام دولي واسع، خاصة مع انخراط أكثر من 130 دولة فيها، وهو ما تجلى في مؤتمرها الافتتاحي في بكين عام 2017، كما ترتبط هذه المبادرة برؤية القيادة الصينية وأهداف سياستها الخارجية بعيدة المدى، بما يتماشى مع المبادئ المعلنة في دستور الحزب الشيوعي الصيني.
في هذا الإطار، سعت الصين إلى بناء علاقات متينة مع دول آسيا والشرق الأوسط لضمان أمنها الطاقي مستقبلا، في انسجام مع نهجها القائم على عدم التدخل، والحفاظ على علاقات متوازنة ومرنة مع مختلف الفاعلين في المنطقة([17]).
مع أنه أصبحت استثمارات الصين في مشاريع البنية التحتية الرئيسية في دول المنطقة كافة محركا أساسيا لنموها؛ ومع ذلك، تعيق القدرات التمويلية لعددٍ من دول هذه المنطقة توسيع استثمارات الصين، ما يثير المخاوف حول احتمال وقوع بعض الدول المقترضة في فخ الديون، لكن تبقى الطاقة جزءا أساسيا من اقتصاديات بعض من دول المنطقة، على الرغم من الجهود المبذولة لتنويع العلاقات الاقتصادية، ولا تزال بكين تتصدر قائمة مستوردي النفط في العالم، ما يجعل من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا شريكا اقتصاديا لا غنى عنه،كما تفتح الطاقة آفاقا لتطوير العلاقات الإستراتيجية بين الصين والقوى الإقليمية، وبالنظر إلى المستقبل، ستحافظ الطاقة على أهميتها، إلا أن الجهود العالمية لتسهيل تحول الطاقة وجهود الصين لزيادة الاكتفاء الذاتي من الطاقة ستكون محورية في مستقبل العلاقات الاقتصادية بين الصين والمنطقة، كما أن وفرة إمدادات الغاز الطبيعي المسال في منطقة الخليج ستجعل منها شريكا هاما في هذا التحوّل، وستعزّز خطوات الصين في اعتماد الطاقة النظيفة على نطاق واسع تعاونها مع دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في تسهيل التحوّل في مجال الطاقة.
يساهم الاستحواذ على التكنولوجيا الصينية في تحديث اقتصاديات دول المنطقة وفي زيادة استقلالية القوى الإقليمية الإستراتيجية، كما وأنّ التكنولوجيا الصينية محوريّة في خطط التنمية الوطنية الطموحة في عدد من هذه القوى، بما في ذلك رؤية المملكة العربية السعودية 2030، بيد أنّ الضغوط المتزايدة التي تمارسها الولايات المتحدة على المنطقة للحدّ من تعاونها التكنولوجي مع الصين قد تعقّد العلاقات بين بكين ودول المنطقة،وستختبر هذه الضغوط التوازن الذي تسعى دول المنطقة للحفاظ عليه في علاقاتها مع بكين من جهة وواشنطن من جهة أخرى، ما يصعّب على هذه الدول الاستعانة بالتكنولوجيا الصينية. [18]
أيضا، تواجه مشاريع الممرّات الاقتصادية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، جملة من التحديات التي تعيق تقدّمها، إذ غالباً ما تعجز هذه المشاريع عن معالجة جذور عدم الاستقرار السياسي والتوترات الكامنة في المنطقة، ومن أبرز هذه التحديات الصراع بين الكيان الصهيوني وإيران، إلى جانب تأثير الحملة العسكرية على قطاع غزة في إضعاف الجهود الأميركية الرامية إلى تطبيع العلاقات بين الكيان وعدد من الدول العربية، فضلا عن استمرار التنافس السعودي- الإيراني، ووجود نزاعات حدودية معقّدة بين بعض الدول العربية.
كما تُبدي بعض الدول اعتراضها على استبعادها من بعض المشاريع، مثل مصر والعراق وعُمان وتركيا في إطار الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، في حين تفضّل دول أخرى، كالسعودية والإمارات، إتباع مسارات مستقلة بما يتوافق مع مصالحها الإستراتيجية، سواء داخل هذه المشاريع أو خارجها، بما في ذلك مبادرة الحزام والطريق، وبناء على ذلك، يظل تنفيذ الممرّات الاقتصادية العابرة للقارات عبر الشرق الأوسط مهمة معقدة، سواء تعلق الأمر بالمبادرة الصينية أو بالممر الاقتصادي المنافس.
في سياق متصل، تمثل “حرب الظل” المستمرة بين إيران والكيان الصهيوني أحد أخطر التهديدات للاستقرار الإقليمي، حيث يستهدف الكيان الصهيوني بشكل متكرر مجموعات مسلحة موالية لإيران في عدة مناطق، ورغم تجنب طهران الانخراط المباشر في الحرب التي اندلعت في السابع من أكتوبر، فإن حلفاءها في غزة ولبنان واليمن نفذوا هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، كما استهدفت فصائل أخرى في العراق وسوريا قواعد عسكرية أميركية. وفي السياق ذاته، شنّت جماعة أنصار الله (الحوثيون) هجمات على سفن تجارية في البحر الأحمر، ما أدى إلى تصاعد التوترات البحرية وتعزيز الوجود العسكري الأميركي وحلفائه في المنطقة.
لذا أسهمت هذه التطورات، إلى جانب التهديدات بإغلاق بعض الممرات الحيوية، في خلق حالة من عدم اليقين بشأن أمن طرق التجارة الدولية، وهو ما يشكل تحديا كبيرا أمام مشاريع الممرّات الاقتصادية، وفيما يخص مبادرة الحزام والطريق، فإنّ أي تصعيد محتمل بين إيران والسعودية قد يؤدي إلى تعطيل حركة التجارة وزيادة المخاطر المرتبطة بعمليات النقل والشحن؛ فعلى الرغم من الجهود الدبلوماسية، بما فيها الوساطة الصينية لتقريب وجهات النظر بين طهران والرياض، فإن هذه المساعي لم تُنهِ بشكل كامل احتمالات اندلاع أزمات إقليمية، سواء بسبب البرنامج النووي الإيراني أو استمرار الصراع غير المباشر في اليمن. وفي ضوء ذلك، من المرجح أن تؤثر المخاوف الاقتصادية الناجمة عن التوترات الجيوسياسية على قرارات الاستثمار والشراكات المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق، مما قد يؤدي إلى تأخير تنفيذ مشاريع البنية التحتية أو حتى إعادة النظر فيها([19]).
أيضا ستتغير ديناميكيات الشرق الأوسط بسبب التصعيد العسكري على إيران وغلق مضيق هرمز في مارس 2026، وما انجرّ عنه من انخفاض حاد في حركة السفن والناقلات وارتفاع لأسعار النفط، وبالتالي يعد أكبر اضطراب في إمدادات الطاقة منذ سبعينات القرن العشرين.
في هذا السياق، قاللين جيان، المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية([20]):
“لقد أدى الوضع في الشرق الأوسط إلى تعطيل أمن الطاقة العالمي”.
كما قال: “ينبغي على الدول المعنية وقف العمليات العسكرية على الفور لمنع عدم الاستقرار الإقليمي من أن يكون له تأثير أكبر على التنمية الاقتصادية العالمية”، مضيفا أنه: “لا ينبغي “المساس” بسلامة الممرات المائي”.
دون أن يسمي مضيق هرمز.
من جانبه، قال وانغ جين، الباحث البارز في نادي بكين للحوار الدولي، وهو مركز أبحاث تابع لوزارة الخارجية الصينية، “إنّ إغلاق مضيق هرمز يسلط الضوء أيضا على الموثوقية النسبية للطاقة المتجددة، مقارنة بالاعتماد على الوقود الأحفوري في الخليج، بما في ذلك الطاقة النووية وقطاعات الطاقة الخضراء الأخرى التي تُعد بكين رائدة عالميا فيها“.
أضاف وانغ: “تأمل الصين في تطوير علاقات إيجابية وصحية ومتسقة للغاية – لاسيما علاقات الطاقة – مع الجميع“.
- تقييم إستراتيجية “الحزام والطريق”
تبنت بكين سياسة خارجية أكثر حزما لتعزيز مصالحها الإقليمية والعالمية؛ وبالتالي، فإنّ مبادرة الحزام والطريق مدفوعة بقوة بثلاثة عوامل( [21]):
أولا، تستخدم الصين المبادرة كوسيلة لتحقيق التوازن الناعم لتقويض القوة الأمريكية من خلال إنشاء اعتماد متبادل غير متكافئ، وتعزيز الطمأنينة الإستراتيجية لدى شركائها في أوراسيا، وردع تشكيل أي تحالف مناهض للصين؛
ثانيا، تسعى الصين إلى تعزيز القوة الناعمة وبناء دورها كقوة معيارية وتأكيد شرعية قوتها الصاعدة؛
ثالثا، تعتزم الصين إعادة تشكيل الحوكمة العالمية وتحويل النظام الدولي الحالي بطريقة تعكس قيمها ومصالحها ومكانتها.
إنّ الصين من خلال مبادرة الحزام والطريق مدفوعة بقوة بإستراتيجية كبرى متعددة الأوجه في البحث عن الأمن والقوة والمكانة، فإنّ المبادرة بمثابة مناورة إستراتيجية لبكين لتعزيز أهداف سياستها الخارجية نظرا لأن التعاون الإقليمي متعدد الأطراف يوفر طريقة سلمية لتغيير النظام الدولي الحالي وتجنب “فخ ثوسيديديس” الكلاسيكي، وهو نمط قاتل من الإجهاد الهيكلي ينتج عندما تتحدى قوة صاعدة السلطة الحاكمة، هذه الظاهرة القديمة قدم التاريخ نفسه حول الحرب البيلوبونزية التي دمرت اليونان القديمة، قد تتكرر اليوم مع اقتراب الصين، التي لا يمكن إيقافها، من أمريكا الثابتة ووعد كل من شي جين بينغ ودونالد ترامب بجعل بلديهما “عظيمين مرة أخرى”، ما لم تكن الصين على استعداد لتقليص طموحاتها أو تقبل واشنطن أن تصبح رقم 2 في المحيط الهادئ([22]).
لكن نجاح المبادرة ليس حتمية مسلم بها، فعلى الرغم من أنها تهدف لتعزز دور الصين على المسرح الدولي بشكل كبير، إلّا أن هذه المبادرة الطموحة تواجه تحديات محتملة بما في ذلك التنافس الجيوسياسي والتهديدات الأمنية والنزاعات الإقليمية والمخاطر السياسية؛ فنظرا لأنّ اقتصاد الصين يعتمد بشكل كبير على الأسواق الآسيوية والأوروبية والأمريكية، فإنّ نية الولايات المتحدة لإعادة تشكيل نظام التجارة العالمي هي تقييد وصول الصين إلى تلك الأسواق، و”خنق” نموها الاقتصادي، وتقويض قدرة بكين على توسيع نفوذها إقليميا وعالميا، وتقييد صعودها المستمر؛ ويوضح موقف نيودلهي السلبي تجاه الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان ومقاطعتها لمنتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي هذه النقطة([23]).
كما قد تؤدي التهديدات الأمنية المحتملة إلى إضعاف الاتصال والتعاون الإقليميين في الفضاء الأوراسي حيث تغطي مبادرة الحزام والطريق مناطق غير مستقرة مثل الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، في حين أن النزاعات الإقليمية، خاصة في بحر الصين الجنوبي، يمكن أن تقوض جهود بكين لتعزيز التعاون الإقليمي متعدد الأطراف بين البلدان الواقعة على طول مبادرة الحزام والطريق نظرا لأن بحر الصين الجنوبي يقع في قلب طريق الحرير البحري، فتداخل مطالبات السيادة على الجزر والمياه المتنازع عليها قد يشكل عقبة كبيرة أمام التعاون متعدد الأطراف بين الصين والدول الآسيوية الأخرى، كما يُظهر الاضطراب السياسي في الدول المتنازعة والفاشلة على طول مبادرة الحزام والطريق المخاطر السياسية وعدم اليقين في تنفيذ مشاريع الحزام والطريق([24]).
كما تركز الصين على تعزيز مكانتها الإقليمية، والتأكيد على التعددية في النظام الدولي فعلى المستوى الإقليمي، تعمل الصين على إنشاء مناطق جديدة يُعتقد أنها تدعم هيمنتها الإقليمية وبالتالي تدعم مكانتها الدولية، وإن كان ذلك تدريجيا، مثل مبادرتها لإنشاء البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية (AIIB) عام 2015، والذي يرى الكثيرون أنه منافس للبنك الدولي وأحد أدوات الصين لموازنة النفوذ الأمريكي في العالم، إذ تمتلك الصين في البنك الدولي 4.78٪ من قوة التصويت مقارنة بـ 16٪ للولايات المتحدة، بينما في AIIB تتمتع بكين بقوة تصويت 30.3٪، في حين أن واشنطن ليست عضوًا على الإطلاق. والأهم من ذلك، أن البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية يسمح للصين باستخدام الأموال للترويج للمشاريع في الشرق الأوسط وكذلك في آسيا، وإذا كان (AIIB) ناجحا، فقد يقدم قروضا خلال خمس سنوات تقدر بـ 20 مليار دولار سنويا بالتساوي مع إقراض البنك الدولي للإنشاء والتعميرIBRD)) بالإضافة إلى كونها من دول (BRICS) والتي يمكن أن تعمل كثقل موازن لمجموعة (G8)([25]).
كما تظهر العديد من الاستطلاعات فقد تركت سياسات الصين والقوة الناعمة المستمدة من النجاح الاقتصادي الصيني انطباعا قويا في إفريقيا ولعبت دورا مهما في تشكيل التصور الإيجابي للصين، فقد أظهر استطلاع أجرته وكالة (Afrobarometer) أجري في 36 دولة في القارة وتم نشره في عام 2016 أن الصين تحتل المرتبة الثانية كنموذج للتنمية الوطنية (24٪ من المستجوبين) بعد الولايات المتحدة (30٪).
يرى 63٪ من الأفارقة الذين شملهم الاستطلاع أن تأثير الصين إيجابي “إلى حد ما” أو “للغاية”، بينما يرى 15٪ فقط أنه سلبي “إلى حد ما” أو “للغاية”، كما اعتبر 56٪ من المستجوبين أن مساعدات التنمية الصينية فعالة “إلى حد ما” أو “للغاية” في تلبية احتياجات بلادهم. وبحسب جريدة لوموند Le Monde، “يبدو أن هذه الدبلوماسية الصينية الناعمة تؤتي ثمارها، والصين اليوم تعتبر نموذجا لربع سكان القارة الإفريقية”.[26]
عليه، فقد سعت السياسة الصينية إلى تحقيق القوة الاقتصادية بناء على علاقات طاقوية- ريعية مع دول الشرق الأوسط، وقوامها في ذلك القوة الناعمة.
الخاتمة :
حاولنا من خلال هذه الورقة البحثية دراسة أبعاد الحضور الصيني في الشرق الأوسط من خلال تحليل مبادرة الحزام والطريق بوصفها أداة إستراتيجية لتعزيز أمن الطاقة وإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية، تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أنّ تزايد الطلب الصيني على الطاقة، خاصة النفط والغاز، دفع بكين إلى تبني استراتيجيات متعددة لتأمين إمداداتها، عبر تنويع طرق النقل وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة مثل مضيق ملقا.
تخلص الدراسة إلى أن المبادرة لا تقتصر على بعدها الاقتصادي، بل تمثل أداة لإعادة تشكيل أنماط الترابط الدولي وتعزيز موقع الصين كفاعل مركزي في النظام العالمي.
من حيث النتائج، تظهر الدراسة أنّ صعود الصين كفاعل دولي رئيسي ارتبط بقدرتها على توظيف أدوات اقتصادية وإستراتيجية مبتكرة، وفي مقدمتها مبادرة الحزام والطريق، التي تحولت إلى ركيزة أساسية في سياستها الخارجية، وقد تبين أنّ هذه المبادرة تمثل آلية فعّالة لتعزيز أمن الطاقة من خلال تنويع طرق الإمداد وتقليل الاعتماد على النقاط الجيوستراتيجية الحساسة.
كما أن الإستراتيجية الصينية في الشرق الأوسط تقوم على مقاربة شاملة تجمع بين الاستثمار في البنية التحتية، وتطوير شبكات النقل والطاقة، وتعزيز الشراكات الاقتصادية، وهو ما أدى إلى تعميق الترابط الاقتصادي بين الطرفين، وفي المقابل، أظهرت النتائج أنّ هذا التوسع الصيني لا يخلو من تحديات، أبرزها التنافس الدولي، وعدم الاستقرار الإقليمي، والمخاطر المرتبطة بالمشاريع طويلة المدى.
أمّا على المستوى الأوسع، تؤكد الدراسة أنّ مبادرة الحزام والطريق تتجاوز كونها مشروعا اقتصاديا لتصبح أداة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية، بما يعكس تحوّلا تدريجيا نحو نظام دولي أكثر تعددية.
عليه، بناء على النتائج المتوصل إليها، يمكن تقديم التوصيات التالية:
- ضرورة تبني استراتيجيات تفاوضية متوازنة مع الصين بما يضمن تحقيق المصالح الوطنية وتقليل مخاطر التبعية الاقتصادية، بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط؛
- تنويع الشراكات الدولية لتفادي الارتهان لقوة واحدة؛
- تعميق البحث في العلاقة بين أمن الطاقة والتحولات الجيوسياسية العالمية.
إذن، يمكن القول إنّ مبادرة الحزام والطريق تمثل أحد أبرز تجليات التحول في أدوات القوة الدولية، حيث تمكنت الصين من توظيفها لتعزيز أمن الطاقة وترسيخ حضورها في الشرق الأوسط، بما يسهم في إعادة رسم ملامح النظام الدولي في اتجاه أكثر توازنا وتعددية، ولكن في المقابل دول المنطقة في تبعية تامة سواء لها أو للقوى الغربية التقليدية.
[1] -John W. Bush, “China’s Soft Power in the Context of the Belt and Road Initiative”, UVM Honors College Senior Theses, New England, University of Vermont, 2021, p.2.
[2] -Sadik Ridvan and Suleyman Cem Karaman, “Bridging Civilizations from Asia to Europe: The Silk Road”, Chinese Business Review, n° 12 (2014), p.731.
[3] -Xuming Qian, The “One Belt, One Road” Strategy and China’s Energy Policy in the Middle East, Middle East Institute, May 20, 2015, retrieved: 15/02/2026, available on:< https://bit.ly/48kk2OD >
[4] -B.R. Deepak, China’s Global Rebalancing and the New Silk Road (Springer Nature Singapore Pte Ltd, 2018), p.14.
[5] -Michael Fleet, ” China’s Belt and Road Initiative: Harnessing Opportunities for Canada”, in: Cracks in the Liberal International Order: 2018 Global Trends Report (Waterloo: Balsillie School of International Affairs, 2017), pp. 95- 96.
[6] -Xuming Qian, Op.cit;
[7] -Justyna Misiągiewicz and Marcin Misiągiewicz, “China’s ‘One Belt, One Road’ Initiative: The Perspective of the European Union,” Annales Universitatis Mariae Curie-Skłodowska, sectio K-Politologia, vol. 23, no. 1 (2016), p.34.
[8] -Wang Yiwei, Challenges and Opportunities of “One Belt, One Road”,(Beijing: Renmin University Press, 2015), p.68.
[9] -عمار شرعان،مبادرة الحزام والطريق الصينية: مشروع القرن الاقتصادي في العالم، (برلين، المركز الديمقراطي العربي للدراسات الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية، 2019) ، ص 19.
[10] -Bruno Venditti, Mapped: The World’s Oil Chokepoints, March 5, 2026, retrieved: 10/03/2026, available on < https://bit.ly/4bRBr27>
[11] -عمار شرعان، مرجع سبق ذكره، ص 19
[12]-Syed Shuja Uddin and all; “China’s Belt and Road Initiative in the Middle East: Energy Security, Strategic Realignment, and Geopolitical Implications”, Advance Social Science Archive Journal, Vol. 04 No. 01. )July-September 202), p. 4605.
[13] -Xuming Qian, Op.cit;
[14] -Davide Giacomo Zoppolato and Shisong Jiang, “China-MENA Energy Cooperation under the Belt and Road Initiative: Megaprojects, Economic Planning, and a Pragmatic Approach to the ‘Green’ Transition”, The Journal of World Energy Law & Business, Vol. 16, Issue 2, (April 2023), retrieved: 15/02/2026, available on <https://doi.org/10.1093/jwelb/jwac042>
[15] Syed Shuja Uddin and all; Op.cit; p. 4606.
[16] -Xuming Qian, Op.cit;
[17] -Syed Shuja Uddin and all; Op.cit; p. 4606
[18]– مجلس الشرق الأوسط للشؤون الاقتصادية، “مبادرة الحزام والطريق بعد عقد على إطلاقها: الصين والشرق الأوسط في ظل مشهد جيوسياسي متغير”، أكتوبر 2024، تاريخ الإطلاع: 12/03/2026 متاح على: < https://bit.ly/4bHNSyW>
[19] -عبد الله باعبود، “العوائق الجيوسياسية للتنمية الاقتصادية في الشرق الأوسط”، تقرير لمركز كارنيغي الشرق الأوسط، 06 مارس 2024، تاريخ الإطلاع: 16/03/2026، متاح على:
<https://carnegieendowment.org/ar/research/2024/03/the-geopolitics-of-economic-development-in-the-middle-east>
[20] -Liz Lee and Joe Cash, “China calls for end to Gulf conflict, offers to ease Southeast Asia energy crunch”, Reuters, March 19, 2026, retrieved: 15/02/2026, available on <reuters.com/business/energy>
[21] -Theresa Fallon, “The New Silk Road: Xi Jinping’s Grand Strategy for Eurasia”, American Foreign Policy Interests, Vol. 37, n°3, (2015), pp. 140-147.
[22] -Graham Allison Destined for War: Can America and China Escape Thucydides’s Trap? (Boston: Houghton Mifflin Harcourt, 2017), p.59.
[23] -Michael J. Green and Matthew P. Goodman, ‘After TPP: The Geopolitics of Asia and the Pacific”, The Washington Quarterly, Vol. 38, no. 4 (2015), pp. 19-34.
[24] -William A. Callahan, ‘China’s, “Asia Dream”: The Belt Road Initiative and the New Regional Order”, Asian Journal of Comparative Politics, n°3, (2016), p.226.
[25] -Islam Ayyadi, “China’s Rise in Current International Order: Levels and Dilemmas”, Journal of the Arab American University, Vol. 4. n°2 (2018), p.39.
[26] -Xu Xin, «La promotion de l’image d’un pays à travers le soft power – Étude du cas chinois: Enjeux et perspective», Communication des Institutions Publiques, Sorbonne Université, 2017 /2018, p.48.




