العلاقات بين الصين ودول المغرب العربي: التحولات والرهانات الاستراتيجية
د. المصطفى بنموسى
باحث مغربي، دكتوراه في العلاقات الدولية والعلوم السياسية، رئيس المركز الدولي للأبحاث والدراسات التربوية والعلمية (فرنسا)
الملخص
تتناول هذه الورقة البحثية العلاقات بين الصين ودول المغرب العربي في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، حيث يبحث في طبيعة هذه العلاقات وآفاقها الاستراتيجية وانعكاساتها على مستقبل المنطقة.
حاولت الدراسة معالجة الإشكالية المتمثلة في: إلى أي مدى تمثل الشراكة الصينية-المغاربية فرصة لتعزيز الاستقلال الاستراتيجي والتنمية الاقتصادية لدول المغرب العربي، أم أنها قد تؤدي إلى إعادة إنتاج أنماط جديدة من التبعية في إطار نظام دولي غير متكافئ؟.
وانطلقت من فرضية رئيسية مفادها أن العلاقات مع الصين تُوفر فرصًا مهمة في مجالات الاستثمار والبنية التحتية والتكنولوجيا، لكنها في الوقت نفسه تنطوي على مخاطر مرتبطة بالاعتماد الاقتصادي واختلال موازين القوة، وبذلك يبقى نجاح هذه الشراكة رهينا بقدرة الدول المغاربية على تبني سياسات متوازنة وتعزيز التكامل الإقليمي.
عملت الدراسة على معالجة الموضوع من خلال ثلاثة محاور رئيسية؛ تناول المحور الأول تطور العلاقات الصينية–المغاربية وأسسها الاستراتيجية، مبرزًا انتقالها من التضامن السياسي إلى الشراكات الاقتصادية والاستراتيجية؛ كما ركز المحور الثاني على التحولات الجيوسياسية الراهنة، موضحًا كيف أصبحت المنطقة المغاربية جزءًا من التنافس الدولي المتصاعد بين الصين والقوى الغربية؛ في حين ناقش المحور الثالث الرهانات والتحديات الاستراتيجية، مثل فرص الاستثمار ونقل التكنولوجيا من جهة، ومخاطر التبعية الاقتصادية واختلال الميزان التجاري وضعف التكامل الإقليمي من جهة أخرى.
وخلصت الدراسة إلى أن تعظيم مكاسب هذه الشراكة يتطلب تبني رؤية استراتيجية واضحة، وتعزيز التعاون المغاربي، وتحسين شروط التفاوض مع الصين، ودعم نقل التكنولوجيا والمحتوى المحلي، مع تنويع الشراكات الدولية والحفاظ على استقلالية القرار الوطني، بما يضمن توظيف العلاقات مع الصين في خدمة التنمية المستدامة وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي لدول المغرب العربي.
المقدمة
شهدت العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب الباردة تحولات عميقة أعادت تشكيل بنية النظام الدولي واتجاهاته الكبرى، حيث تراجع منطق الأحادية القطبية تعدد مراكز القوة وتداخل الأبعاد الاقتصادية والاستراتيجية؛ وفي ظل هذه التحولات، برزت الصين بوصفها فاعلًا دوليًا صاعدًا استطاعت خلال العقود الثلاثة الأخيرة أن تنتقل إلى قوة عالمية مؤثرة في مسارات الاقتصاد والسياسة الدوليين.
وقد انعكس هذا الصعود على طبيعة علاقات الصين الخارجية، التي لم تعد تقتصر على محيطها الآسيوي، بل امتدت لتشمل مناطق حيوية في إفريقيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط، ضمن رؤية شمولية لإعادة تشكيل شبكات النفوذ والتأثير عالميًا؛ وفي هذا السياق، اكتسبت منطقة المغرب العربي أهمية متزايدة في الاستراتيجية الصينية، بالنظر إلى موقعها الجيوستراتيجي الذي يجعلها حلقة وصل بين إفريقيا وأوروبا، فضلا عن ما تزخر به من موارد طبيعية وإمكانات اقتصادية واعدة.
من هذا المنطلق تأتي أهمية تناول موضوع “العلاقات بين الصين ودول المغرب العربي: التحولات والرهانات الاستراتيجية في ظل نظام دولي متغير” كونه يتقاطع مع عدد من القضايا الجوهرية في العلاقات الدولية المعاصرة، من قبيل إعادة توزيع موازين القوة العالمية، وصعود القوى غير الغربية، وتزايد التنافس الدولي على الفضاءات الجيوستراتيجية؛
كما تبرز أهميته على المستوى الإقليمي، من خلال سعي دول المغرب العربي إلى تنويع شركائها الدوليين وتقليص اعتمادها التاريخي على الشركاء التقليديين، خاصة الاتحاد الأوروبي، في ظل تحديات سياسية واقتصادية متزايدة؛ ومن ثم، فإن دراسة العلاقات الصينية–المغاربية تتيح فهما أعمق لكيفية تفاعل هذه الدول مع التحولات الدولية، ومدى قدرتها على توظيفها بما يخدم مصالحها الوطنية والاستراتيجية.
انطلاقًا من ذلك، تتمحور إشكالية الدراسة حول التساؤل المركزي التالي: إلى أي مدى تمثل العلاقات بين الصين ودول المغرب العربي فرصة لتعزيز الاستقلال الاستراتيجي لهذه الدول؟، أم أنها تعيد إنتاج أنماط جديدة من التبعية في إطار نظام دولي غير متكافئ؟.
وتنطلق الدراسة من فرضية رئيسية تتمثل في كون العلاقات الصينية–المغاربية تحمل في طياتها فرصًا تنموية واستراتيجية مهمة، خاصة في مجالات الاستثمار والبنية التحتية ونقل التكنولوجيا، إلا أنها في الوقت ذاته تنطوي على مخاطر محتملة تتعلق باحتمالات الوقوع في تبعية جديدة؛ كما تفترض الدراسة أن استفادة دول المغرب العربي من هذه العلاقات يظل رهينا بقدرتها على تجاوز خلافاتها البنيوية وتبني سياسات وطنية وإقليمية متكاملة تقوم على التوازن في الشراكات، وتعزيز التكامل الإقليمي فيما بينها.
وتم الاعتماد في تناول هذه الدراسة على المنهج التحليلي الذي يتيح تفكيك أبعاد العلاقات الصينية–المغاربية واستكشاف دينامياتها المختلفة، مع توظيف المقاربة الجيوسياسية المقارنة لفهم موقع المنطقة في الاستراتيجية الصينية وفي التنافس الدولي الأوسع، كما تستند الدراسة على قراءة تركيبية تجمع بين البعد التاريخي والتحليل المعاصر، بما يسمح بتقديم رؤية شاملة لهذه العلاقات في سياق نظام دولي متغير ومتعدد الأقطاب.
المطلب الأول: تطور العلاقات الصينية–المغاربية وأسسها الاستراتيجية
شهدت العلاقات بين الصين ودول المغرب العربي مسارا تراكميا يمكن تتبعه تاريخيا منذ خمسينيات القرن العشرين، حيث ارتبطت بداياتها بسياق دولي موسوم بصراع المعسكرات وبروز حركات التحرر الوطني؛ فقد كانت الصين من أوائل الدول التي دعمت حركات الاستقلال في شمال إفريقيا([1]).
ومع حصول دول المغرب العربي على استقلالها تباعًا، دخلت العلاقات الصينية–المغاربية مرحلة جديدة اتسمت بإرساء علاقات دبلوماسية رسمية؛ فقد أقامت الصين علاقات مع المغرب سنة 1958، ومع تونس سنة 1964، ومع الجزائر سنة 1958، ومع ليبيا سنة 1978؛ وقد تميزت هذه المرحلة بغلبة الطابع السياسي–الأيديولوجي، حيث غلب على العلاقات الصينية المغاربية الخطاب المناهض للاستعمار، الذي تجسد من خلال حركة عدم الانحياز ومؤتمر باندونغ سنة 1955([2]).
غير أن التحول الحقيقي في طبيعة هذه العلاقات بدأ مع نهاية سبعينيات القرن العشرين، بالتزامن مع إطلاق الصين لسياسة “الإصلاح والانفتاح” سنة 1978 بقيادة “دنغ شياو بينغ”، حيث أعادت بكين توجيه أولوياتها الخارجية نحو الاقتصاد والتجارة والاستثمار؛ وقد انعكس ذلك تدريجيًا على علاقاتها مع دول المغرب العربي، التي بدأت تشهد ارتفاعًا في حجم التبادل التجاري، وإن ظل محدودًا في تلك المرحلة؛ فحسب بيانات البنك الدولي، لم يتجاوز حجم التجارة بين الصين ودول شمال إفريقيا مجتمعة 1 مليار دولار في بداية التسعينيات، لكنه بدأ في الارتفاع بشكل ملحوظ مع مطلع الألفية الثالثة([3]).
ومع بداية القرن الحادي والعشرين، دخلت العلاقات الصينية–المغاربية مرحلة نوعية جديدة، حيث تزايد الاهتمام الصيني بالقارة الإفريقية عمومًا، وهو ما تجسد في إنشاء منتدى التعاون الصيني–الإفريقي (FOCAC) سنة 2000، الذي وفر إطارًا مؤسسيًا لتطوير العلاقات الاقتصادية والسياسية، استفادت منه دول المغرب العربي، حيث ارتفع حجم المبادلات التجارية التي تجمع الطرفين بشكل كبير؛ فعلى سبيل المثال، بلغ حجم التجارة بين الصين والمغرب حوالي 7.6 مليار دولار سنة 2022، مقارنة بأقل من 1 مليار دولار سنة 2000([4]) أما الجزائر، فقد أصبحت الصين منذ سنة 2013 الشريك التجاري الأول لها، حيث تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 10 مليارات دولار سنويًا وفق إحصاءات 2022([5]).
من جهة أخرى، لا يقتصر التطور بين الطرفين على التبادل التجاري فقط، بل يشمل أيضًا الاستثمارات الكبرى في البنية التحتية، التي أصبحت تمثل أحد أهم مرتكزات الحضور الصيني في المنطقة؛ ففي الجزائر، شاركت شركات صينية في إنجاز مشاريع ضخمة مثل الطريق السيار شرق–غرب، الذي يمتد على أكثر من 1200 كيلومتر، بتكلفة قاربت 11 مليار دولار، كما ساهمت في بناء جامع الجزائر الأعظم، أحد أكبر المساجد في العالم، والذي افتتح سنة2020 ([6]) .
كما انخرطت الصين في مشاريع صناعية ولوجستية مع المغرب، من بينها مشروع “مدينة محمد السادس طنجة تيك”، الذي أُعلن عنه سنة 2017 بشراكة مع مجموعة صينية، باستثمار يُقدر بنحو 10 مليارات دولار على المدى الطويل([7]) وشهدت العلاقات مع تونس تطورًا ملحوظًا خاصة بعد سنة 2011، حيث وقعت تونس والصين اتفاقية شراكة استراتيجية سنة 2018، كما تزايدت المشاريع المرتبطة بالبنية التحتية، على غرار مشروع “المدينة الطبية” بالقيروان الذي أُعلن عنه سنة 2020 بقيمة تقارب 1.2 مليار دولار([8]).
علاوة على ذلك، حافظت الصين على علاقاتها مع ليبيا على الرغم من الاضطرابات السياسية التي شهدتها الدولة منذ 2011، وذلك من خلال انجاز الشركات الصينية أكثر من 50 مشروعًا قبل اندلاع الأزمة، بقيمة إجمالية تجاوزت 18 مليار دولار([9]).
ويمكن ارجاع الحضور المتنامي لصين في المنطقة إلى مجموعة من الأسس الاستراتيجية التي تبنتها والمتمثلة في مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، في هذا الاطار، أكد الرئيس الصيني “شي جين بينغ” في أكثر من مناسبة أن بلاده “تحترم سيادة الدول واختياراتها التنموية ولا تفرض نماذج جاهزة “([10])؛ وقد لقي هذا المبدأ قبولا لدى عدد من دول المغرب العربي التي تسعى إلى تنويع شركائها دون الارتباط بشروط سياسية صارمة.
أضف إلى ذلك، توظف الصين الدبلوماسية الاقتصادية كأداة رئيسية لتعزيز النفوذ، حيث تعتمد على تمويل المشاريع الكبرى، وتقديم القروض الميسرة، وتنفيذ مشاريع البنية التحتية عبر شركاتها الوطنية؛ في هذا الاطار، تشير تقديرات البنك الإفريقي للتنمية إلى أن الشركات الصينية نفذت ما يقارب 30% من مشاريع البنية التحتية في إفريقيا خلال العقد الأخير، ما يعكس حجم الحضور الصيني في هذا المجال في المنطقة المغاربية([11]).
علاوة على ذلك، يبرز الحضور الصيني في المنطقة المغاربية من خلال مبادرة “الحزام والطريق” التي أطلقها الرئيس شي جين بينغ سنة 2013، والتي تهدف إلى إعادة إحياء طرق التجارة القديمة عبر شبكة من الممرات البرية والبحرية؛ حيث انضمت جميع دول المغرب العربي إلى هذه المبادرة؛ حيث وقع المغرب مذكرة تفاهم سنة 2017، والجزائر سنة 2018، وتونس سنة 2018، مما يعكس إدماج المنطقة ضمن الرؤية الاستراتيجية الصينية الهادفة إلى ربط الأسواق العالمية وتعزيز سلاسل الإمداد([12]).
إضافة إلى ذلك، ركزت الصين على قطاعات محددة ذات بعد استراتيجي، مثل الطاقة، من خلال استيراد كميات معتبرة من النفط والغاز من الجزائر وليبيا، إضافة إلى اهتمامها المتزايد بالطاقة المتجددة في المغرب، الذي أصبح منصة مهمة لمشاريع الطاقة الشمسية والريحية؛ وبلغ إجمالي الاستثمارات الصينية في قطاع الطاقة بإفريقيا وفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية، أكثر من 50 مليار دولار بين 2010 و2020 ([13]).
يمكن القول أن الصين بدول شمال أفريقيا ترتبط عبر نوعين من الشراكات، شراكات استراتيجية وشراكات استراتيجية شاملة؛ حيث تتّصف العلاقات بين البلدان الشريكة تبعًا للشراكات الاستراتيجية بالخصائص الأربع الآتية: تتخطى العلاقات الدبلوماسية النموذجية، فتتضمن اجتماعات ثابتة بين المسؤولين الحكوميين والوكالات الحكومية لتنمية التواصل والثقة؛ لا تقع ضمن حدود التحالفات القائمة على المعاهدات؛ يحركها الهدف أكثر مما يحركها التهديد، فتركز إجمالًا على مجالات التعاون المتبادل في الاقتصاد والثقافة والأمن والتكنولوجيا؛ تتميز بتركيزها على السلوك والعمليات المؤسسية.
أما الشراكات الاستراتيجية الشاملة فتتضمن مستوى أعلى من التواصل المؤسسي، بما فيها اجتماعات منتظمة عالية المستوى بين كبار الأعضاء القياديين، كما يجدر استيفاء شروط ثلاثة قبل إبرام اتفاقية حول شراكة استراتيجية شاملة، وهي الثقة السياسية، والروابط الاقتصادية الكثيفة والتبادلات الثقافية، والعلاقات الحسنة في القطاعات الأخرى([14]).
وانطلاقا من هذا المسار التاريخي، يتضح أن العلاقات الصينية–المغاربية لم تعد مجرد علاقات دبلوماسية تقليدية، بل تحولت إلى شراكة متعددة الأبعاد تقوم على تداخل الاقتصاد بالسياسة والجغرافيا الاستراتيجية؛ في المقابل ، يطرح هذا التحول رغم ما يتيحه من فرص، تساؤلات حول طبيعته وحدوده، خاصة في ظل اختلال موازين القوة بين الطرفين؟.
المطلب الثاني: التحولات الجيوسياسية في العلاقات الصينية–المغاربية
عرفت العلاقات الصينية–المغاربية خلال الفترة الممتدة من 2020 إلى 2026 تحولات جيوسياسية عميقة، لم تعد تقتصر على بعدها الاقتصادي التقليدي، بل أصبحت جزءا من إعادة تشكيل موازين القوى في الفضاء المتوسطي–الإفريقي، في ظل اشتداد التنافس بين القوى الكبرى، خاصة بين الصين من جهة، والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى؛ وقد تسارعت هذه التحولات بفعل ثلاثة عوامل رئيسية: تداعيات جائحة كوفيد-19، تصاعد التنافس الجيوسياسي العالمي، وتزايد أهمية سلاسل الإمداد والطاقة.
في هذا السياق، شكلت سنة 2020 نقطة مفصلية، حيث كشفت جائحة كوفيد-19 عن هشاشة سلاسل التوريد العالمية، ما دفع الصين إلى تعزيز حضورها في مناطق استراتيجية، من بينها المغرب العربي؛ فقد لعبت الصين دورا بارزا في ما اطلق عليه ب “دبلوماسية اللقاحات”، من خلال تزويد دول مثل المغرب وتونس والجزائر بكميات كبيرة من اللقاحات والمعدات الطبية، بشكل عزز من صورتها كشريك موثوق مقارنة ببعض الشركاء الغربيين([15])؛ على سبيل المثال، وقَّع المغرب، اتفاقا مع شركة “سينوفارم” الصينية سنة 2021يقضي بإنتاج اللقاحات محليا، في خطوة تعكس انتقال التعاون بين الطرفين إلى المستوى الصناعي–التكنولوجي.
واستمر النمو في المبادلات التجارية رغم الأزمة العالمية، حيث بلغ حجم التجارة بين الصين ودول المغرب العربي مجتمعة حوالي 19.1 مليار دولار سنة 2020، مقارنة بـ742 مليون دولار فقط سنة 2000، ما يعكس تحول الصين إلى أحد أبرز الشركاء التجاريين للمنطقة؛ ما يوحي بانتقال الصين من فاعل اقتصادي إلى شريك استراتيجي، لكن مع غياب التوازن في العلاقات بين الطرفين؛ إذ تميل كفة الميزان التجاري بشكل واضح لصالح الصين، حيث تمثل صادراتها أكثر من 90% من حجم التجارة مع بعض الدول على غرار المغرب، ما يعكس سيادة نمط من العلاقات غير المتكافئة بين الطرفين.
وشهدت المنطقة المغاربية زخما متناميا للمشاريع الاستراتيجية والتي تشمل مشاريع الطاقة، التكنولوجيا، والبنية التحتية؛ خاصة مع إطلاق المرحلة التنفيذية لمبادرة الحزام والطريق سنة 2020؛ وفي هذا الاطار، وقع المغرب مع الصين خطة تنفيذ مشتركة للمبادرة، ليصبح أول بلد في شمال إفريقيا يدخل هذا المستوى من التعاون المؤسسي، ما يعكس إدماجه في الرؤية الصينية للممرات اللوجستية العالمية([16]).
وعززت الجزائر موقعها كشريك محوري للصين في المنطقة، خاصة بعد توقيع اتفاقيات سنة 2023 شملت مجالات الأمن والطاقة والبنية التحتية، على غرار إقامة مشروع إنشاء شبكة سكك حديدية على مسافة تمتد 6000 كيلومتر، كما وقّعت الجزائر خلال زيارة الرئيس “عبدالمجيد تبون” مع الصين 19 اتفاقية ومذكّرة تفاهم تغطي مختلف جوانب التعاون الثنائي؛ وتعّهدت الصين باستثمارات تفوق قيمتها 36 مليار دولار في الجزائر، مع التركيز على قطاعات التصنيع والتكنولوجيا والنقل والزراعة([17]) ما يعكس تطور التعاون بين الطرفين ليشمل مجالات ذات بعد استراتيجي وأمني واقتصادي؛ في هذا الاطار،تؤكد تقارير أن الجزائر تمثل “مرتكزًا رئيسيًا” للاستراتيجية الصينية في المغرب العربي، نظرًا لحجم اقتصادها ومواردها الطاقية.
وعملت الصين على تعزيز حضورها في تونس عبر مشاريع البنية التحتية والاتفاقيات التكنولوجية، خاصة في مجالات الاتصالات والطاقة؛ في هذا الاطار، أشار تقرير لمعهد الدراسات الاستراتيجية إلى أن الصين باتت فاعلا رئيسيا في مشاريع ” التحول الرقمي” في شمال إفريقيا، بما في ذلك شبكات الجيل الخامس، الأمر الذي يمنحها نفوذا طويل الأمد في البنية التحتية الرقمية في المنطقة([18]).
من جانب اخر، حافظت الصين على اهتمامها الاستراتيجي بدولة ليبيا على الرغم من ضعف الاستقرار السياسي، خاصة في قطاع الطاقة، حيث عملت الصين على تأمين إمداداتها النفطية على المدى الطويل؛ في هذا السياق، أشارت بعض التقارير إلى أن الشركات الصينية قبل 2011 نفذت مشاريع تجاوزت قيمتها 18 مليار دولار، وحاليا تعمل على العودة تدريجيًا خاصة في ظل تحسن الأوضاع الأمنية في ليبيا [19].
من جانب اخر، تعكس هذه التطورات انتقال الصين من فاعل اقتصادي إلى شريك استراتيجي يسعى إلى إعادة تشكيل التوازنات في المنطقة؛ في هذا الاطار، أشار تقرير إلى أن تعميق العلاقات الصينية مع كل من المغرب والجزائر منح هذين البلدين “هامش مناورة أكبر في علاقاتهما مع القوى الأوروبية”، خاصة فرنسا؛ حيث برز ذلك جليا في خضم التوترات الدبلوماسية التي شهدتها المنطقة سنة 2024، بشكل دفع الجزائر إلى إعادة تقييم العلاقات التي تربطها مع باريس، في ظل تنامي البدائل الدولية وعلى رأسها الصين.
أضف إلى ذلك، ارتبطت هذه التحولات بصعود مفهوم “التعددية القطبية غير المتكافئة”، حيث سعت دول المغرب العربي إلى استثمار التنافس بين القوى الكبرى لتحقيق مكاسب استراتيجية؛ خاصة وأن الصين تقدم لهذه الدول خيارا بديلا يتيح لها تنويع شراكاتها دون الخضوع لشروط سياسية صارمة [20] .
ذلك أن الصين تتنافس مع الولايات المتحدة الأمريكية على مركز القوة كوجه جديد للنظام العالمي الراهن، حيث حقق اقتصادها في سنة 2014 نسبة أكبر من الاقتصاد الأمريكي؛ كما تعمل الصين بصورة حثيثة كأولوية استراتيجية على إزاحة الولايات المتحدة عن موقعها كأكبر قوة عالمية، لذلك، تستخدم الأساليب الدبلوماسية بصورة مستمرة ومتغيرة وفقًا للأهداف والظروف الدولية[21]
في المقابل، لا يخلو هذا التحول من تعقيدات، إذ إن الحضور الصيني المتزايد في المنطقة المغاربية يثير قلق القوى الغربية، خاصة في ظل ارتباطه بمشاريع استراتيجية مثل الموانئ والبنية التحتية الرقمية، ذات الأبعاد الأمنية؛ في هذا الاطار، أشار تقرير معهد ORFصدر سنة 2024 إلى أن اتفاقيات الحزام والطريق في المنطقة المغاربية تشمل قطاعات حساسة مثل الطاقة والاتصالات، ما يعزز النفوذ الصيني طويل الأمد [22].
إضافة إلى ذلك، شهدت هذه الفترة تحولا في طبيعة الأدوات التي تستخدمها الصين، حيث انتقلت من الاعتماد على القروض الكبرى إلى استخدام نماذج أكثر مرونة تشمل الشراكات الصناعية والاستثمارات المباشرة، ما يعكس “تعديلا استراتيجيا في سياسة المخاطر”، حيث يهدف هذا التحول إلى ضمان استدامة النفوذ الصيني في ظل الانتقادات المتزايدة لما سمي ب “دبلوماسية الديون”.
إلى جانب ذلك ، تعمل الصين على لعب دور في الازمة المغربية الجزائرية من خلال القيام بالوساطةبين الطرفين، مستحضرة بذلك مجموعة من الحسابات السياسية والاقتصادية، ويقودها طموح تقوية نفوذها في القارة الأفريقية لمنافسة القوى التقليدية أو الوافدة على القارة[23] .
عموما، يمكن القول إن الفترة الممتدة من 2020 إلى 2026 مثلت مرحلة إعادة تموضع استراتيجي للعلاقات الصينية–المغاربية، حيث انتقلت من منطق التعاون الاقتصادي إلى منطق التفاعل الجيوسياسي المركب، بشكل تداخلت فيه اعتبارات الطاقة، والأمن، وسلاسل الإمداد، والتنافس الدولي؛ ما جعل هذه العلاقات جزءًا لا يتجزأ من التحولات الأوسع التي يشهدها النظام الدولي، ويفتح المجال أمام تساؤلات أعمق حول رهاناتها وتحدياتها المستقبلية.
المطلب الثالث: الرهانات والتحديات الاستراتيجية
يُظهر مسار العلاقات الصينية–المغاربية خلال الفترة الممتدة من 2020 إلى 2026 أن هذه الشراكة لم تعد مجرد خيار اقتصادي ظرفي، بل تحولت إلى رهان استراتيجي تتقاطع فيه اعتبارات التنمية والسيادة مع تحديات التبعية وإعادة إنتاج الاختلالات البنيوية في النظام الدولي؛
وقد تزامنت هذه المرحلة مع أزمات عالمية كبرى-جائحة كوفيد-19، الحرب في أوكرانيا منذ 2022، اضطرابات سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة- وهي عوامل دفعت دول المغرب العربي إلى البحث عن بدائل وشراكات مرنة، في وقت كثّفت فيه الصين حضورها مستفيدة من هذا السياق.
فعلى مستوى الرهانات، برزت مسألة جذب الاستثمارات كأحد أهم المكاسب المحتملة للعلاقات مع الصين؛ فخلال الفترة 2020–2025، شهدت المنطقة توقيع عدد من الاتفاقيات الكبرى؛ فعلى سبيل المثال، وقع المغرب في مارس 2022 خطة التنفيذ المشتركة لمبادرة الحزام والطريق، شملت مشاريع في البنية التحتية والطاقة والصناعة، مع تقديرات باستثمارات مستقبلية تتجاوز 10 مليارات دولار[24]؛كما شهدت منطقة طنجة–تطوان تعزيز الاستثمارات الصناعية الصينية، خاصة في قطاع السيارات والبطاريات الكهربائية، في سياق توجه الصين نحو نقل جزء من سلاسل إنتاجها إلى الخارج لتجاوز القيود الأوروبية [25].
إلى جانب ذلك، شهدت الجزائر كثافة أكبر من حيث حجم المشاريع الموقعة مع الصين، حيث تم في 2023 الإعلان عن مشاريع خاصة بالبنية التحتية، من بينها مشروع تطوير ميناء الحمدانية بشرشال، والذي تُقدر تكلفته بنحو 6 مليارات دولار، بشراكة مع شركات صينية، بهدف تحويله إلى منصة لوجستية إقليمية [26]؛كما وقّعت الجزائر اتفاقيات في قطاع الطاقة مع شركات صينية لتعزيز إنتاج الغاز والنفط، في ظل الطلب الأوروبي المتزايد بعد الحرب في أوكرانيا.
إضافة إلى ذلك، عمدت تونس منذ 2021 على إبرام شراكات مع الصين بخصوص مشاريع استراتيجية مثل البنية التحتية الرقمية والطاقة المتجددة؛ في هذا الاطار، تشير بيانات وزارة الاقتصاد التونسية إلى أن حجم التمويلات الصينية الموجهة للمشاريع التنموية قد تجاوز 1.5 مليار دولار بين 2020 و2024، كما تم التركيز خاص على مشاريع الاتصالات والطرق[27] .
وفي ليبيا، بدأت منذ 2023 محاولات إعادة استقطاب الشركات الصينية، خاصة في قطاع إعادة الإعمار، في هذا الاطار، قدرت وزارة التخطيط الليبية حجم المشاريع المحتمل إنجازها في حال استقرار الأوضاع بأكثر من 30 مليار دولار[28] .
إضافة إلى ذلك، أضحى الرهان على نقل التكنولوجيا أكثر حضورا بعد جائحة كوفيد-19، خاصة في مجالات الصحة والرقمنة؛ في هذا الباب، شكّل اتفاق المغرب مع شركة “سينوفارم” سنة 2021 لإنتاج اللقاحات محليا نموذجا على انتقال التعاون من الاستيراد إلى التوطين الصناعي الجزئي،الامر الذي يعتبر تحولا نوعيا في طبيعة الشراكة الصينية الإفريقية؛ كما توسع التعاون في مجال الاتصالات، حيث أصبحت شركات صينية مثل “هواوي” فاعلا رئيسيا في شبكات الاتصالات في المنطقة، من خلال إقامة مشاريع الجيل الخامس، بشكل يعزز من القدرات الرقمية لدول المغرب العربي.
كما برز اشكال اخر يتمثل في استغلال اليد العاملة الصينية الرخيصة لتشييد مشاريع البناء ذات التمويل الصيني؛ حيث انتُقدت المشاريع الصينية بسبب ممارسات العمل المشبوهة،[29] كما طُرحت أسئلة حول مدى دعم مشاريع البناء هذه فعلياً أسواق العمل المحلية أو تشجيعها للازدهار الاقتصادي المتشاطر؛ وقد سبق أن ولّدت ممارسات العمالة هذه الاستياء لدى بلدان متعددة ومن المرجح أن تزيد الانتقادات تجاه الطبيعة المتمحورة حول الصين التي تتسم بها الكثير من هذه المشاريع، بالإضافة إلى افتقارها إلى الشفافية والتنظيم[30]
في مقابل هذه الرهانات الإيجابية، برزت تحديات استراتيجية عميقة، أولها اختلال الميزان التجاري؛فخلال الفترة 2020–2025، ظل العجز التجاري لصالح الصين مرتفعا بشكل لافت؛ ففي المغرب، بلغت الواردات من الصين حوالي 8.5 مليار دولار سنة 2023 مقابل صادرات لم تتجاوز 1.2 مليار دولار، أي بعجز يفوق 7 مليارات دولار [31]؛ وفي الجزائر، ورغم ارتفاع صادرات الطاقة، فإن الواردات الصناعية من الصين ظلت مهيمنة بشكل كبير ، مما عمق الاعتماد على السلع المصنعة الصينية[32].
علاوة على ذلك، يعد خطر التبعية الاقتصادية من التحديات الكبيرة التي تواجهالعلاقات المغاربية الصينية ، خاصة في ظل نمط التعاون القائم على تمويل المشاريع الكبرى عبر قروض أو تنفيذها من قبل شركات صينية باستخدام عمالة وتقنيات صينية؛ في هذا السياق، أشار تقرير أصدره البنك الإفريقي للتنميةأن “نسبة المحتوى المحلي في بعض المشاريع الصينية بإفريقيا لا تتجاوز 30%”، مما يحد من تحقق الأثر التنموي الحقيقي في هذه الدول[33]؛كما أعاد هذا الأمر مسألة “دبلوماسية الديون” واثارها الجانبية السلبية، علىرغممن شروعالصين منذ 2022 في تعديل سياستهاالمالية من خلال التوجه نحو استبدال هذه الديون بإقامة مشاريع استثمارية أكثر مرونة.
فضلا عن ذلك،يشكل ضعف التكامل الإقليمي بين دول المغرب العربي تحديا جديا، بشكل يعيق من قدرتها على التفاوض الجماعي مع الصين؛فغياب سوق مغاربية موحدة جعل كل دولة تتفاوض بشكل منفرد، ما عزز من اختلال موازين القوة؛ في هذا الاطار، أشار تقريرصادر عن اللجنة الاقتصادية لإفريقيا إلى أن “حجم التجارة البينية المغاربية لا يتجاوز 5% من إجمالي التجارة الخارجية”، ما يشكل أدنى المعدلات عالميًا [34]؛ الأمر الذي يقلل من فرصالدول المغاربية من الاستفادة الجماعية من المشاريعالصينية الكبرى المرتبطة بالحزام والطريق.
إضافة إلى ذلك، يشكل التنافس الدولي تحد اخر للدول المغاربية، حيث أصبحت المنطقة مجالا تتقاطع فيه استراتيجيات القوى الكبرى؛ في هذا الاطار، عبرت الولايات المتحدة في أكثر من مناسبة عن قلقها من التوسع الصيني في مجال البنية التحتية الرقمية وفي قطاع الموانئ، وما قد يحمله من أبعادًا أمنية؛ في هذا الباب، صدر تقرير عن الكونغرس الأمريكي سنة 2023، حذرفيه من “تزايد النفوذ الصيني في شمال إفريقيا وما يشكله من تأثير على المصالح الغربية[35] ؛ كما سعى الاتحاد الأوروبي إلى إعادة تموقعه عبر أطلاق مبادراتعلى غرار”البوابة العالمية” (Global Gateway) التي أُطلقت سنة 2021 لمنافسة مشروع الحزام والطريق.
إلى جانب ذلك، طرح التعاون في المجال الرقمي تحديات سيادية، خاصة مع اعتماد بعض دول المنطقة المغاربية على التكنولوجيا الصينية في شبكات الاتصالات؛ في هذا السياق، أثارت مشاريع الجيل الخامس التي أنجزتها شركات صينية نقاشا حول الأمن السيبراني وحماية البيانات، في ظل تحذيرات وجهتها دول غربية من المخاطر المحتملة التي قد يتعرض لها المستخدميننتيجة هذه المشاريع، على الرغم من عدم وجود أدلة قاطعة على حدوث تلك المخاطر [36].
من جانب اخر، يشكل الاستقرار السياسي الداخلي محددا أساسيا يبرز مدى استفادة دول المغرب العربي من الشراكة التي تربطها مع الصين؛فعلى سبيل المثال، تظهر التجربة الليبية كيف تعطل الأزمات الداخلية أنجاز المشاريع الاستراتيجية الكبرى، في المقابل،يظهر كيف ساهم الاستقرار النسبي في المغرب والجزائر في استقطاب الاستثمارات الكبرى، في هذا الاطار، أشار التقريرالصادر عن صندوق النقد الدولي سنة 2024 إلى أن “جاذبية الاستثمار الأجنبي في شمال إفريقيا ترتبط بشكل مباشر بمؤشرات الاستقرار السياسي والإصلاحات الاقتصادية”[37].
ومن خلال عرض بعض من المعطيات، يتضح أن العلاقات الصينية المغاربية خلال الفترة 2020–2026 شكلت فضاء مركبا من الفرص والتحديات، حيث اتاحت إمكانيات مهمة لتطوير البنية التحتية وتعزيز النمو الاقتصادي، لكنها في الوقت ذاته حملت مخاطر إعادة إنتاج التبعية في أشكال جديدة، خاصة إذا لم تُواكب بسياسات وطنية وإقليمية فعالة؛
وانطلاقا من ذلك، يظل الرهان الأساسي متوقف على قدرة دول المغرب العربي على الانتقال من موقع المتلقي إلى موقع الشريك الفاعل، عبر تحسين شروط التفاوض، وتعزيز المحتوى المحلي، وتطوير التكامل الإقليمي، بما يضمن توظيف شراكتها مع الصين في خدمة التنمية المستدامة والاستقلال الاستراتيجي.
الخاتمة
تُفضي قراءة مسار العلاقات الصينية–المغاربية، خاصة خلال العقدين الأخيرين وبشكل أوضح في الفترة ما بين 2020 و2026، إلى جملة من الاستنتاجات التي تعكس طبيعة التحول الجاري في بنية النظام الدولي من جهة، وموقع دول المغرب العربي ضمن هذا التحول من جهة أخرى.
في هذا الباب، يتضح أن العلاقات الصينية–المغاربية تمثل فرصة حقيقية لدول المنطقة لتنويع شركائها الدوليين وتعزيز هامش استقلالها الاستراتيجي، حيث مكنت هذه الشراكة دول المغرب العربي من استقطاب استثمارات مهمة في مجالات البنية التحتية والطاقة والصناعة، كما فتحت آفاقًا جديدة للتعاون في مجالات التكنولوجيا والرقمنة؛ غير أن هذه الفرصة تظل نسبية ومشروطة بطبيعة إدارة هذه العلاقات.
أضف إلى ذلك، تكشف المعطيات أن هذه الشراكة لا تخلو من اختلالات بنيوية، أبرزها رجحان ميزان المبادلات التجارية لصالح الصين، واستمرار اعتماد الدول المغاربية على تصدير المواد الأولية واستيراد السلع المصنعة؛ والاعتماد في انجاز المشاريع على التمويل والتنفيذ الصيني، مما يطرح تساؤلات حول مدى مساهمته الفعلية في نقل التكنولوجيا وبناء القدرات المحلية مستدامة، الأمر الذي يعزز فرضية إعادة إنتاج أشكال جديدة من التبعية وإن اختلفت أدواتها.
علاوة على ذلك، يتبين أن التحولات الجيوسياسية العالمية، خاصة تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، قد منحت دول المغرب العربي هامشًا أوسع للمناورة، لكنها في الوقت ذاته جعلتها مجالًا لتقاطع الاستراتيجيات الدولية، بما قد يحمل مخاطر على استقرارها في حال عدم القدرة على إدارة هذا التوازن بحذر؛ مما يفرض على دول المغرب العربي تبني مقاربات دقيقة تضمن تحقيق مصالحها دون الانخراط في استقطابات حادة.
توصيات الدراسة
انطلاقًا من هذه الاستنتاجات، تبرز مجموعة من التوصيات التي يمكن أن تسهم في تعظيم الاستفادة من العلاقات مع الصين وتقليل مخاطرها:
أولًا، ضرورة تطوير رؤية استراتيجية وطنية وإقليمية تجاه هذه الشراكة، تقوم على تحديد الأولويات التنموية، بشكل تربط المشاريع الصينية بأهداف اقتصادية طويلة المدى بدل الاكتفاء بمنطق الاستجابة للفرص الظرفية.
ثانيًا، تعزيز التكامل الإقليمي بين دول المغرب العربي، باعتباره شرطًا أساسيًا لتحسين القدرة التفاوضية مع الشركاء الدوليين، بما في ذلك الصين؛ فالتفاوض الجماعي أو التنسيق الإقليمي في المشاريع الكبرى يمكن أن يساهم في تحقيق شروط أفضل، سواء من حيث نقل التكنولوجيا أو تعزيز المحتوى المحلي أو تقاسم المنافع.
ثالثًا، العمل على تقليص الاختلال في الميزان التجاري من خلال دعم الصادرات ذات القيمة المضافة، وتشجيع الشراكات الصناعية التي تسمح بنقل المعرفة والتكنولوجيا، بدل الاكتفاء بدور السوق الاستهلاكية للمنتجات الصينية.
رابعا، يجب أن تَجري المفاوضات حول التمويل الصيني بشفافية، نظراً إلى السوابق الرديئة التي أطلقتها المشاريع الصينية في جنوب آسيا وأمريكا اللاتينية؛ فقد يكون للدَين الصيني أثرٌ مضرّ في التنمية ويجدر مقاربته بحذر؛ خاصة مع تنامي التمويل الصيني في شمال أفريقيا ومع انطلاق مشاريع بنى تحتية مهمة.
خامسا، على بلدان الشمال أفريقية التي تستقبل الشركات الصينية في أرضها أن تتخذ الاحتياطات اللازمة للحرص على ألّا تتحوّل المشاريع الاقتصادية نحو جمع المعلومات الاستخباراتية والمراقبة، كما أظهر مثل ميناء هامبانتوتا في سريلانكا
سادسا، تبني مقاربة حذرة ومتوازنة في التعامل مع التنافس الدولي، تقوم على تنويع الشراكات وعدم الارتهان لأي طرف، مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني؛ مما يتطلب من دول المغرب العربي العمل على تحويل موقعها الجيوستراتيجي من مصدر ضغط إلى مصدر قوة تفاوضية.
[1] دعمت الصين جبهة التحرير الوطني الجزائرية خلال حرب الاستقلال (1954–1962)، حيث تشير بعض التقديرات إلى أن بكين قدمت مساعدات مالية وعسكرية معتبرة، كما اعترفت بالحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية سنة 1958،
John Garver, China’s Quest: The History of the Foreign Relations of the People’s Republic of China, Oxford University Press, 2016, p. 215.
[2] محمد علي زريول، مقوّمات دبلوماسية الوساطة الصينية في الأزمة المغربية – الجزائرية، موقع مركز دراسات الوحدة العربية، 1 فبراير، 2025، تاريخ الزيارة 15مايو 2026، متوفر على الرابط https://caus.org.lb/%D8
[3] -World Bank, World Development Indicators, 2005.
[4] -Ministry of Industry and Trade, Morocco, Annual Report 2023, p. 67.
الصحيفة، المغرب والصين.. مبادلات تجارية بـ 7.6 مليار دولار واستثمارات ضخمة لبيكين بالمملكة في قطاع السيارات الكهربائية ومشاريع الطاقة، 22 نونبر 2024، متوفر على الرابط : https://www.assahifa.com/
[5] -Direction Générale des Douanes Algériennes, Rapport Annuel 2022, p. 45.
[6]– Yang Sheng, “China, Algeria to inherit, promote traditional friendship for ‘better global governance,” Global Times, July 17, 2023, https://www.globaltimes.cn/page/202307/1294528.shtml.
[7] – Agence Marocaine de Développement des Investissements, Rapport 2018, p. 23.
[8] -Ministère du Développement, Tunisie, Rapport 2021, p. 51.
[9] -Deborah Brautigam, The Dragon’s Gift, Oxford University Press, 2009, p. 278.
[10]– Xi Jinping, Speech at FOCAC Beijing Summit, 2018, Xinhua News Agency.
[11] -African Development Bank, African Economic Outlook, 2020, p. 89.
[12] -Nadège Rolland, China’s Eurasian Century?, National Bureau of Asian Research, 2017, p. 102.
[13] -IEA, World Energy Investment Report, 2021, p. 134.
[14] -عادل عبد الغفار وآنا جاكوبس، بكين تنادي: تقييم حضور الصين المتنامي في شمال أفريقيا، مركز بروكنز الدوحة، موجز السياسة، 23 أيلول/سبتمبر 2019، متوفر على الرابط: . https://tinyurl.com/bde8dtbt
[15] – لماذا تحرص الصين على تعميق الشراكة مع المغرب؟، موقع الجزيرة، 24/10/2024، متوفر على الرابط: https://www.aljazeera.net/ebusiness/2024/10/24/
[16] -Mordechai Chaziza, “China Partnership Diplomacy with Morocco”, The Maghreb Review, Vol. 49, No. 2, Maghreb Publications, 2024, p. 103.
[17] -Chinedu Okafor, China is set to invest $36 billion in some of Algeria’s key economic sectors, Business Insider, July 21, 2023, https://africa.businessinsider.com/local/markets/china-is-set-to-invest-dollar36-billion-in-some-of-algerias-key-economic-sectors/l4l8p5k.
[18]– Tunisia Strengthens Its Presence in the Chinese Market,” Tunisie Numérique, May 31, 2025, https://news-tunisia.tunisienumerique.com/tunisia-strengthens-its-presence-in-the-chinese-market/.
[19]– Bilal Abdullah, “Calculations and Future of China’s Role in Libya,” Emirates Policy Center, December 13, 2024, https://epc.ae/en/details/scenario/calculations-and-future-of-china-s-role-in-libya.
[20] -Yahia H. Zoubir, Expanding Sino-Maghreb Relations, Chatham House, London, 2020, p. 12 .
[21] – Jean-Pierre Cabestan, La Politique Internationale de la chine (Paris: Editeur Presses de sciences po, 2022).
[22] -ORF, The Dragon in the Maghreb, 2024 .
[23] محمد علي زريول، مقوّمات دبلوماسية الوساطة الصينية في الأزمة المغربية – الجزائرية، موقع مركز دراسات الوحدة العربية، 1 فبراير، 2025، تاريخ الزيارة 15مايو 2026، متوفر على الرابط
[24] -Ministère de l’Industrie et du Commerce, Maroc, Rapport 2023, p. 72.
[25] – مصطفى شلش، العلاقات المغربية- الصينية.. نمو رابح لكل الأطراف ، 1ديسمبر 2024، متوفر على الرابط https://eurasiaar.org/%D8
[26] -Thierry Pairault, La Chine et l’Afrique: Nouvelles Routes de la Soie, Karthala, Paris, 2022, p. 201-.
[27] -Ministère de l’Économie, Tunisie, Rapport 2024, p. 64-.
[28] -World Bank, Libya Economic Monitor, 2024, p. 37.
[29] Xinhua, ”Feature: China Cultural Center in Morocco’s Rabat launched,“ Xinhuanet, December 18, 2018, http://www. xinhuanet.com/english/2018-12/18/c_137682999.htm
[30]– Emily Feng, ”China’s Global Construction Boom Puts Spot light On Questionable Labor Practices,“ National Public Radio, March 30, 2019, https://www.npr.org/2019/03/30/707949897/ chinas-global-construction-boom-puts-spotlight-on-question able-labor-practices
[31] -Office des Changes, Maroc, Rapport Annuel 2024, p. 33.
[32] – صالح زياني ويوسف بوعندل، العلاقات الجزائرية الصينية ومشروع شراكة استراتيجية شاملة وواعدة في ضوء مبادرة طريق الحرير الجديد، المجلة الجزائرية للأمن والتنمية، السنة 12، العدد 1 (كانون الثاني/يناير 2023)، ص 66.
[33] -African Development Bank, African Economic Outlook, 2023, p. 112.
[34] -UNECA, North Africa Economic Outlook, 2022, p. 48.
[35] -U.S. Congressional Research Service, China’s Engagement in North Africa, 2023, p. 9.
[36] -Nadège Rolland, China’s Vision for a New World Order, NBR, Washington, 2020, p. 173.
[37]– Cabestan, J.-P. (2022). Demain la Chine (p. 156). Gallimard.




