سياسية

تطور الموقف الصيني من القضية الفلسطينية بعد السابع من أكتوبر 2023

بشار شلبي

 باحث دكتوراه، في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، جامعة مينيسوتا الاسلامية (فلسطين)

الملخص:

تهدف هذه الدراسة لتقصي وتحليل تطور الموقف الصيني تجاه القضية الفلسطينية بعد عملية “طوفان الأقصى”، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي أفرزتها تلك العملية من أحداث منذ السابع من أكتوبر 2023. وتبرز أهمية الموضوع من كون الصين قوة عالمية صاعدة تمتلك إرثاً تاريخياً طويلاً من العلاقات مع هذه المنطقة، التي ما تزال ركيزة أساسية في المشاريع الصينية الاستراتيجية الكبرى، خاصة “مبادرة الحزام والطريق” . كما تهدف الورقة إلى فهم كيف توازن الصين بين مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية (خاصة الطاقة والأسواق)، وبين دورها كقطب دولي يسعى لتقديم رؤية مغايرة للنظام الدولي غير العادل الذي تقوده الولايات المتحدة.

تكشف هذه الدراسة عن الصعوبات التي تواجهها الصين في الانتقال في مواقفها من المستوى الخطابي إلى المستوى الاجرائي، ومن مستوى رد الفعل والاستجابة في حدها الأدنى -لضرورة مكانتها الدولية- إلى مستوى المبادرة واحتمال تكاليفها المختلفة.

لكن وفي الجانب الآخر تبيّن الدراسة أن تداعيات “طوفان الأقصى” التي لم تتوقف بعد، قد تنشئ واقعا إقليميا ودوليا، يتوجب على الصين أن لا تتجاهله، بل عليها اعتباره فرصة لتثبيت وتأكيد أطروحاتها حول طبيعة النظام الدولي وأهمية الإنتقال إلى نظام متعدد القطبية، فضلاً عن الجانب الأخلاقي المتعلق بالدور الذي يجب أن تقوم به القوى العظمى تجاه البشرية لتحقيق العدالة والسلم العالميين، وتحقيق قاعدة “الكل يربح”.

الكلمات المفتاحية: الصين، الولايات المتحدة، السابع من أكتوبر، المقاومة، الإبادة الجماعية.

مقدمة:

يعتبر فهم أهداف الصين الكبرى من “مبادرة الحزام والطريق” ومشروع “الحلم الصيني” أو ما يمكن اختصاره بـ “مسار الصعود الصيني”، من حيث أدواته ومحدداته، ضرورة أساسية لفهم مواقف الصين السياسية، ولاستشراف مواقفها. إذ لا يكفي ما تعبر عنه المواقف والأدبيات الصينية تجاه مشهد الإبادة الجماعية” الذي أوقعه العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة منذ أحداث السابع من أكتوبر- وما زال مستمرا بصور مختلفة-  لاعتبار أننا أمام تحول أو انعطافة جذرية في مقاربة الصين للقضية الفلسطينية.

 الموقف الصيني من القضية الفلسطينية انتقل من الثورية الجذرية المؤيدة للثورة الفلسطينية المسلحة ورفض الاعتراف بدولة الاحتلال “إسرائيل” إبّان حكم الزعيم “ماو تسي تونغ”، إلى محطات براغماتية متتالية بعد تبني نهج الإصلاح و الانفتاح ثم الصعود، تضمنت تلك المحطات تأييد الحلول السلمية وحل الدولتين، وبناء علاقات اقتصادية وتبادل التمثيل الدبلوماسي مع “إسرائيل”، وصولاً إلى استثمارات الموانئ على شواطئ البحر المتوسط، وشراكات تكنولوجية حساسة أجبرت الولايات المتحدة حليفها الأقرب “إسرائيل” على الانسحاب منها ووقفها.

إضافة إلى ما سبق ترتبط الصين بعلاقات بالغة الأهمية مع المنطقة -التي تطلق عليها “غرب آسيا” في إشارة واضحة إلى عمق الفجوة بين ثقافة شرقية تمثل أهل المنطقة، وثقافة وافدة استعمارية المضمون والغايات- علاقات ترتبط بالتجارة خاصة واردات الطاقة (الخليج يزود الصين بحوالي نصف حاجتها من الطاقة)، والأسواق الإستهلاكية للمنتجات الصينية، وترتبط بالمشروع الأهم للصين؛ “مبادرة الحزام والطريق”، وثالثاً -وهو الأكثر دقة وحساسية ربما- مسار التنافس مع القوة المهيمنة “الولايات المتحدة” في رحلة صعود تؤكد الصين دوما على وصفها بالصعود السلمي.

في المرحلة الراهنة، لم تعد  تدار العلاقات الدولية وفق منطق التحالفات التقليدية؛ الأيديولوجية أو الإلتزامات الشاملة. بل وفق حسابات المصلحة وتوازن القوى، وبالنسبة للصين فعند النظر إلى أي قضية لا تمثل لها مصلحة وجودية -كما تمثل تايوان أو بحر الصين الجنوبي حسب ما تعلنه-، يظهر التباين الواضح بين الدعم السياسي العلني وغياب الالتزامات المباشرة. ويظهر هذا النمط بوضوح في تعامل السياسة الصينية تجاه الأزمات الدولية التي شهدناها في السنوات القليلة الماضية، بالتوازي مع صعود الصين باتجاه العالمية؛ ففي حرب أوكرانيا، تبنت موقفاً سياسياً قريباً من روسيا دون تقديم دعم عسكري مباشر، كما قدمت لها دعماً دبلوماسياً واقتصادياً ملموساً.

اتخذت  الصين أيضاً موقفاً مشابهاً في تعاملها مع فنزويلا، عندما اختارت حماية مصالحها الاقتصادية في سياق قدر كبير من المرونة السياسية. لكن في الجهة الأخرى، قدمت لباكستان في مواجهتهاالأخيرة مع الهند، دعماً عسكرياً أكثر وضوحاً، نظراً لاعتبارات استراتيجية تتعلق بقربها الجغرافي من الصين، وأهميتها في موازنة النفوذ الهندي في جنوب آسيا. ويبدو واضحاً أن المقاربة الصينية من الأزمات الدولية عموماً ينحو باتجاه عدم الانحراط المباشر، خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى مواجهة شاملة مع الغرب قد تعطل مسيرتها التنموية، أو تورطها في صراع طويل الأمد.

يتفق محللون وخبراء وسياسيون كثر على أن أحداث السابع من أكتوبر -وما تلاها من حرب إبادة جماعية على قطاع غزة، وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية، وتصاعد عمليات التهويد والاعتداء على المقدسات وخاصة المسجد الأقصى، والاعتداءات المستمرة من قبل المستوطنين المدعومين من الحكومة الاسرائيلية الأشد تطرفاً- وامتداداتها إلى لبنان وإيران وشمولها سوريا والعراق واليمن، إنما أحدثت هزة كبيرة ذات ارتدادات مستمرة على الدول والمجتمعات الغربية خاصة، ولتطرح تساؤلات جوهرية حول مواقف القوى الدولية، ومن ضمنها، بل ربما في مقدمتهاالصين، من هذا الصراع الممتد. ففي الوقت الذي كان الموقف الأمريكي والغربي منحازا بالكامل لإسرائيل وروايتها، سعت الصين إلى نقد ذلك الموقف، ورفض وصف المقاومة بالإرهاب وتقديم خطاب مختلف يؤكد على وقف الحرب، والدعوة إلى الحلول السلمية، واحترام  القانون الدولي وحماية المدنيين. كما أن الأحداث ستترك آثارا عميقة على النظام الدولي نفسه ومؤسساته، سواء من ناحية فلسفة الأمن والاستخبارات أو وسائل وتقنيات الأجيال القادمة من الحروب والصراعات، أو جدوى المنظومة الأممية القائمة منذ نهاية الحرب العالمية والتي تتخذ من ضمان الأمن والسلم الدوليين مبررا لبقائها واستمرارها.

وكنموذج قادر على تقريب الصورة، تكشف الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران حدود الشراكات التي تبنيها القوى الكبرى في النظام الدولي المعاصر. فبالرغم من عمق العلاقات السياسية والاقتصادية بين الصين وإيران، يظهر الموقف الصيني قدراً كبيراً من الحذر يقوم على دعم طهران سياسياً واقتصادياً دون الانخراط في الدفاع العسكري المباشر عنها. ويعكس هذا النهج طبيعة الاستراتيجية الصينية القائمة على تجنب الصدام المباشر مع الولايات المتحدة، والحفاظ على توازن علاقاتها مع مختلف القوى الإقليمية، شريطة أن يبقى الصراع ضمن حدود لا تهدد مصالحها الإقتصادية أو أولوياتها الإستراتيجية.

أهمية الدراسة:

تكمن أهمية هذه الدراسة من حاجة الدراسات العربية عموما والفلسطينية خصوصاً، إلى فهم أعمق لطبيعة الموقف الصيني وتطوراته تجاه القضية الفلسطينية في ظل الصعود الصيني واحتمالات التأثير عليه سلبا بسبب الحرب العدوانية الشاملة التي تشنها “إسرائيل” بغطاء وشراكة غربية أمريكية، مع تغيرات محتملة في هياكل منظومات التحالفات الأمنية والعسكرية  في المنطقة، بما يوجب البحث عن أدوات قادرة على دفع المواقف الصينية لصالح المنطقة والقضية الفلسطينية، وإنهاء عقود من الاحتلال والانتهاكات بحق شعوب المنطقة وليس فقط الشعب الفلسطيني.

إشكالية الدراسة:

تكمن إشكالية هذه الدراسة في التساؤل الرئيسي التالي: إلى أي مدى شكلت أحداث السابع من أكتوبر 2023 وما تلاها، نقطة تحول في الموقف الصيني من القضية الفلسطينية على المستويين؛ الخطابي والعملي؟.

ويتفرع عن هذا التساؤل أسئلة فرعية هي:

  1. كيف تطور الموقف الصيني من القضية الفلسطينية منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، وحتى ما سبق أحداث السابع من أكتوبر؟.
  2. ما هي طبيعة ونوعية الخطاب السياسي والدبلوماسي الصيني تجاه أطراف الصراع، وتفاصيل مجرياته، بعد السابع من أكتوبر؟.
  3. كيف تعاطت الدبلوماسية الصينية مع المؤسسات الدولية ومجلس الأمن الدولي،  بخصوص الأحداث، وكيف ترجمت خطابها في تلك المحافل؟
  4. ما هي حدود الدور الصيني في التعامل مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والتأثير فيه، وما هي العوامل التي تفرض تلك الحدود؟.

فرضية الدراسة:

تنطلق الدراسة من فرضية أن الصين تعتبر أحداث 7 أكتوبر 2023 قد مثلت هزة عنيفة للموازين الإقليمية والدولية، وأحدثت ما يمكن وصفه بالصدمة الاستراتيجية، وأنها تشكل اختباراً جديداً لمنظومة العلاقات الدولية والنظام الدولي نفسه، خصوصاً مع الانحياز الغربي المطلق للرغبات الأمريكية ومدى انخراطهما ودعمهما للسياسة الإسرائيلية، ويعد مؤشراً للصين حول كيفية إدارة الصراعات الدولية ومدى فعالية مؤسسات المنظمة الدولية القانونية والسياسية، وأن مصلحة الصين تفرض عليها حضوراً فعالاً في ملفات المنطقة، لضمان مصالحها خاصة مبادرة الحزام والطريق.

منهجية البحث:

تتبنى الدراسة إطاراً يعتمد المنهج التاريخي التحليلي، وتحليل مضامين الخطاب السياسي، لربط الموقف بسياقه الجيوسياسي واستشراف اتجاهاته المستقبلية.

هيكلية الدراسة:

تحاول هذه الدراسة تقديم قراءة واقعية للموقف الصيني من القضية الفلسطينية بعد أحداث السابع من أكتوبر، وقد تم تقسيمها إلى ثلاثة أقسام؛يقدم المطلب الأول بعنوان، “التطورات الميدانية والتداعيات الاستراتيجية” قراءة للبيئة التي سبقت وأعقبت الحدث بما فيها تهميش القضية الفلسطينية، وفرض اتفاقيات تطبيعية على المنطقة، ثم “الابادة الجماعية” المرفوقة بالتصريحات الرسمية الاسرائيلية، وردود الفعل الدولية والشعبية عليها. في حين يتناول المطلب الثاني المعنون بــــــ “الموقف الصيني: الأداء والدور”، تمهيداً تاريخياً مختصراً للعلاقات الصينية بالقضية الفلسطينية (بطرفيها)، والموقف الصيني من الأحداث وتداعياتها، سواء الخطابي أو الدبلوماسي أو الاجراءات العملية. أما المطلب الأخير  “الاستنتاجات والرؤى المستقبلية”، فيتضمن محاولة فهم وتفسير للموقف الصيني، ثم بناء تصورات استنتاجية لمستقبل الدور الصيني في القضية الفلسطينية استنادا إلى مسار صعود الصين وتحدياته.

المطلب الأول: التطورات الميدانية والتداعيات الاستراتيجية

أولاً: توصيف البيئة الفلسطينية والإقليمية والدولية التي انفجرت فيها أحداث أكتوبر 2023

جاءت أحداث السابع من أكتوبر 2023 في سياق فلسطيني بالغ التعقيد، اتسم بتراكم أزمات سياسية وإنسانية وأمنية ممتدة، في ظل انقسام فلسطيني بلا آفاق لنهايته، وانسداد أفق التسوية السياسية، وفرض عزلة على السلطة الفلسطينية. مقابل تغول اليمين الاسرائيلي الأشد تطرفاً، تمثله حكومة تبنت سياسة الحسم تجاه قضايا الاستيطان والتهويد، لاسيما في الضفة الغربية ومدينة القدس والأقصى.

هذا السياق ساهم في خلق بيئة قابلة للانفجار، حيث ترافقت الضغوط السياسية مع تدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في قطاع غزة، واستمرار سياسة الحصار المفروضة عليه لأكثر من 17 عاماً. ويرى سياسيون أن المقاومة الفلسطينية وصلت إلى قناعة بأن هذا الوضع عبارة عن تصفية للقضية الفلسطينية في ظل غياب أي أفق للحل([1]).

إقليمياً ودولياً، تزامنت هذه التطورات مع تحولات لافتة في بنية نظام إقليمي عربي منهك، تمثلت في تصاعد مسارات التطبيع تحت مسمى “الاتفاقيات الإبراهيمية”، لدمج “إسرائيل” في المنطقة قفزا عن القضية الفلسطينية، التي تراجعت مركزيتها عند دول عربية، مقابل بروز أولويات أمنية واقتصادية. فضلاً عن الانشغال العالمي بالحرب الروسية الأوكرانية من جهة، وتنافس أمريكي صيني متصاعد من جهة أخرى، أديا إلى تراجع القضية الفلسطينية في أجندة القوى العظمى. كل ذلك أضعف فرص احتواء التصعيد عبر القنوات السياسية التقليدية، مما جعل العملية وسيلة لإعادة مركزية قضية فلسطين كشرط لأي استقرار إقليمي([2]).

أخيراً فإن ما عانته “إسرائيل” من انقسامات داخلية حادة بخصوص عدة قضايا، أبرزها “الإصلاح القضائي” و”تجنيد المتدينين”، أدت إلى تآكل في صورة مؤسسات الدولة والتماسك العسكري، وهو ما قد تكون استثمرته المقاومة في توقيت الهجوم([3]).

ثانياً: أهمية حدث 7 أكتوبر من منظور استراتيجي، في الإطار العسكري والأمني

رغم البيئة المحاصرة للقطاع، ووقوعه تحت الرقابة الصارمة لأكبر منظومة أمنية استخبارية في المنطقة، ومدعومة كلياً من أمريكا والنظام الغربي، جاء السابع من أكتوبر 2023 ليمثل زلزالاً جيوسياسياً، فرض إعادة صياغة المفاهيم العسكرية في العصر الحديث. لم تكن العملية هجوماً تكتيكياً تقليدياً، بل كانت “فشلاً استراتيجياً ذريعاً” لتلك المنظومة، إذ نجحت قوات محدودة العدد والتسليح في كسر هيبة جيش يصنف ضمن الأقوى في العالم([4]).وتكمن العبقرية العسكرية في العملية في استخدامها أدوات “بسيطة” مثل الطائرات الشراعية، والجرافات، وغيرها، لتحييد منظومات تكنولوجية متطورة استهلكت مليارات الدولارات (جدران ذكية فوق وتحت الأرض، مدافع رشاشة ذاتية الاطلاق، أجهزة رؤية ليلية حساسة وغيرها).

لقد نجحت المقاومة قبل يوم السابع من أكتوبر في عملية “خداع استراتيجي” محكمة، أقنعت أجهزة الاستخبارات والأمن (شاباك وأمان والموساد) بأنها غير معنية بالتصعيد. ثم نجحت بشكل لافت في يوم الهجوم عند استهداف مراكز الاتصال وكاميرات المراقبة بالمسيرات الانتحارية وغيرها، مما أحدث اضطراباً عميقاً في المستوى الميداني وعزل الوحدات الميدانية عن قيادتها([5]).

“إسرائيلياً” رأت الدوائر الأمنية في العملية “انهياراً لنظرية الردع”، إذ أنه لأول مرة منذ احتلال فلسطين عام 1948، يحدث قتال مواجهةٍ واسع إلى داخل “أراضي إسرائيل”. كما وصف السياسيون الإسرائيليون الحدث بأنه “فشل استخباري أعظم من فشل عام 1973″، حيث سقطت هيبة “فرقة غزة” وتهاوت الثقة المطلقة في التكنولوجيا الدفاعية أمام عنصر المباغتة البشرية([6]). وقال قائد “الفرقة 98” في الجيش الإسرائيلي: “إننا نطأطئ الرؤوس لفشلنا المدوي أثناء هجوم حماس القاتل في 7 أكتوبر 2023”.

أما الغرب وتحديداً الولايات المتحدة، فقد نظر إلى الهجوم كتهديد مباشر للنموذج الأمني الذي تروج له واشنطن وحلفاؤها في المنطقة، واعتبرت الدوائر العسكرية الغربية أن نجاح “قوات شعبية” في أسر جنود وضباط كبار يمثل خطراً “معدياً” قد يلهم حركات أخرى، مما دفع واشنطن لإرسال حاملات الطائرات فوراً لاستعادة التوازن النفسي قبل العسكري([7]).

الرئيس الأمريكي “جو بايدن” أخبر نتنياهو في مكالمة هاتفية أنه لو واجهت الولايات المتحدة مثل هذا الهجوم، فإن رده سيكون “سريعاً وحاسماً وساحقاً”، ما يعني ضوءاً أخضر مفتوحاً لممارسة كل أنواع الجرائم([8]). ولإيصال رسالة مباشرة عن تقديرها لخطورة عملية السابع من أكتوبر وأنها تشكل تهديداً وجودياً، استخدمت الولايات المتحدة بعد أسبوعين من القصف الشديد والحصار، حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن ضد مشروعَي قرارين لفرض هدنة وإيصال المساعدات؛ بحجة أنهما “لا يشيران بوضوح إلى حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”([9]).

بينما قرأت القوى الصاعدة هذا الفشل الاستراتيجي من زاوية الحاجة إلى التوجه نحو “تعدد القطبية”؛ فروسيا رأت في الحدث دليلاً واضحاً على فشل السياسة الأمريكية المنفردة في إدارة أزمات الشرق الأوسط، ووظفته إعلامياً لإشغال الغرب عن الجبهة الأوكرانية، كما وصف رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية سيرغي ناريشكين، اقتحام مقاتلي “حماس” مستوطنات غلاف غزة في 7 أكتوبر 2023، بأنه “فشل مطلق” للاستخبارات الإسرائيلية([10]).

 أما الصين فتعاملت ببراغماتية معهودة، من جهة اعتبرت أن “فائض القوة” الإسرائيلي لم يحقق الأمن لأنه تجاهل الحقوق السياسية، ومن جهة أخرى رأت في كسر الهيبة الأمنية الإسرائيلية (التي هي جزء من الهيبة الأمريكية) فرصة لتقديم نفسها قوة سلام “أكثر اتزاناً” وأقل انحيازاً، مؤكدة أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع استقراراً في ظل غياب العدالة([11]).

ثالثاً: ردود الفعل الدولية

1- الاستجابة الأولية

اتسمت المواقف الأمريكية والأوروبية في الأيام الأولى لعملية “طوفان الأقصى”، بالتبني الكامل للرواية الإسرائيلية. ووصفت واشنطن ولندن وبرلين وبركسيل العملية بأنها “هجوم إرهابي غير مبرر”، ومنحت إسرائيل ضوءاً أخضر تحت مسمى “حق الدفاع عن النفس”. تميزت هذه المرحلة بالتجييش الإعلامي الذي سوى بين المقاومة الفلسطينية وتنظيمات إرهابية عالمية، مما مهد الطريق لشرعنة العمليات العسكرية الواسعة غير المتماثلة.

الإدارة الأمريكية قادت عملية التجييش السياسي والإعلامي، فضلاً عن التحرك العسكري الضخم الذي بادرت به فوراً، ففي نفس يوم 7 أكتوبر أعربت إدارة “بايدن” عن إدانتها للعملية التي وصفتها بـ “الإرهابية”، وعن وقوفها التام مع “إسرائيل”، ودعمها لـ “حقها في الدفاع عن النفس”، وتقديم كل العون الذي تحتاج إليه. وفي خطاب ألقاه بايدن، بعد ثلاثة أيام من الحدث، وضع حركة المقاومة الإسلامية “حماس” التي قادت العملية، على قدم المساواة مع تنظيمَي “القاعدة” و”الدولة الإسلامية –داعش-“، ووصفها بـ “الشر مطلق”([12]).

لقد برز الموقف الأمريكي كداعم أساسي لاستمرارية الحرب من خلال الدعم العسكري والمالي، بتوفير جسر جوي من الذخائر التي استُخدمت في تدمير الأحياء السكنية، والحماية الدبلوماسية باستخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لمنع وقف إطلاق النار، ما اعتبره مراقبون “تواطؤاً” منح “إسرائيل” وقتاً إضافياً لاستمرار عملياتها الانتقامية. كما أنه لم يصدر عن الادارة الأمريكية أي موقف متحفظ تجاه عمليات القصف التي طالت كل أركان قطاع غزة، والحصار القاتل الذي فرضته عليه “إسرائيل” إلا بعد مضي أكثر من أسبوع على بدء تلك “الجرائم -كما وصفتها لاحقاً المحاكم الدولية-“، عندما أشارت –تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية والأممية والتغطية الإعلامية- إلى ضرورة احترام “إسرائيل” للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، لكن دون الاعتراف بأن عمليات القصف الوحشي التي تشنها إسرائيل ضد القطاع، والتي أوقعت آلاف الضحايا، وهجرت مئات آلاف المدنيين، ودمرت أغلب البنى التحتية، تُعدّ “جرائم حرب”([13]).

2– التحول نحو توصيف “الإبادة الجماعية”، وتصدعات الموقف الغربي

تصاعدت حدة القصف الإسرائيلي دون توقف، واستهدفت المدنيين والمستشفيات بشكل مباشر ومتعمد ومعلن عنه، فبدأ مصطلح “الإبادة الجماعية” يفرض نفسه في الحراك الشعبي العالمي، وفي التغطية الإعلامية والمحافل الدولية. كما أحدثت صور الضحايا من الأطفال والنساء والدمار الهائل في غزة تصدعات في الإجماع الغربي، فعلى المستوى الشعبي -ورغم محاولات المنع والترهيب بالقانون- اندلعت احتجاجات عارمة في كبريات الجامعات الأمريكية والمدن والعواصم الغربية (وأبرزها ما جرى في لندن وباريس وواشنطن) تندد بـ “الإبادة” وتطالب بوقف تسليح “إسرائيل”.

 أما في المستوى الرسمي فبدأت دول مثل إسبانيا وبلجيكا وأيرلندا، في انتقاد “العقاب الجماعي”، ودعت للاعتراف بالدولة الفلسطينية، مما خلق فجوة مع الموقف الأمريكي. فاتخذت دول أوروبية عديدة إجراءات عقابية ملموسة ضد “إسرائيل”، وهددت دول أخرى بالانضمام إلى تلك الإجراءات، إذا لم توقف “إسرائيل” جرائم الإبادة والتجويع في غزة، ووصفها رئيس الوزراء الإسباني “بيدرو سانشيز” بدولة الإبادة، كما دعتها بلاده في بيان مشترك مع 6 دول أوروبية أخرى للوقف الفوري لحربها في غزة وإنهاء حصار وتجويع سكانها متوعدين بأنهم لن يقفوا صامتين أمام المجازر المستمرة([14]).

3- موقف الصين:

أدى الانحياز الأمريكي الصارخ إلى تعميق الشعور بـ “المعايير المزدوجة” لدى المجتمع الدولي، خاصة في الجنوب العالمي. استغلت الصين (ومعها روسيا) هذا الموقف لتقديم نفسها كقوة تحترم القانون الدولي وتدعو للعدالة، وهو ما عزز من أطروحات الانتقال إلى نظام عالمي متعدد القطبية. ويرى باحثون أن الفشل الدولي في وقف الإبادة الجماعية قد وجه ضربة قاسية لمصداقية المنظومة الدولية التي تقودها الولايات المتحدة([15]).

وصاغت الصين موقفاً يجمع بين “الأخلاقية والبراغماتية”؛ إذ تجنبت الصدام المباشر في البداية، إلا أنها انتقلت تدريجياً لوصف ما يحدث بـ “الكارثة الإنسانية التي تتجاوز الدفاع عن النفس”، ودعت بوضوح لوضع حل للأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة وذلك من خلال تصريحات كبار مسئوليها، وسلوكها التصويتي في مجلس الأمن، حيث تم بشكل متكرر التنديد بــــــــ”إسرائيل” والموقف الأمريكي. ثم إن الصين وظفت توسع استخدام مصطلحي “الإبادة الجماعية” و”المعايير المزدوجة” لتعزيز صورتها الأخلاقية البديلة، مؤكدة باستمرار أن “الانحياز الأمريكي” هو أساس استمرار القتل، وأن تحقيق العدالة الدولية يستوجب “وقفاً فورياً دائماً”  لإطلاق النار. والاعتراف بالدولة الفلسطينية كحق تاريخي لا يسقط بالتقادم([16]).

رابعاً: مستوى ونوعية الخطاب الإسرائيلي وتداعيات الحرب على المدنيين والأعيان المدنية في غزة

ارتكز الخطاب السياسي والدبلوماسي الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر 2023 على استراتيجية “نزع الإنسانية” و”شرعنة الإبادة دفاعاً عن النفس” لتبرير استهداف المدنيين والبنى التحتية في قطاع غزة. سعى هذا الخطاب إلى خلق حالة من “الحصانة الدبلوماسية” التي تبيح انتهاك القوانين الدولية دون خوف من المساءلة، مستنداً إلى سردية “تهديد الوجود” والدعم الغربي اللامحدود.

 ولأن تلك السردية لم تصمد أمام فداحة الإبادة واستهداف المدنيين وقتلهم بكل أسلوب، فقد اضطرت المستويات الرسمية الغربية للتماثل (بنسب متفاوتة جدا) مع الحراكات الطلابية والشعبية، هذا الأمر لم يرق لقادة “إسرائيل”، فإنهالوا باتهامات معاداة السامية للأفراد والمؤسسات حتى الأمم المتحدة طالها هذا الاتهام، فضلاً عن الهجوم المباشر على قادة أوروبا ومسئوليها؛ في فرنسا واسبانيا وبلجيكا والنرويج، إضافة للمؤسسات والمنظمات الدولية وفي مقدمتها لجان حقوق الانسان والأونروا([17]).

1- “نزع الإنسانية” وتبرير القتل الجماعي

منذ بداية حرب الإبادة، توالت تصريحات القادة الإسرائيليين لتبريرها ودعمها. فوزير الدفاع “السابق يوآف غالانت” وصف الفلسطينيين في غزة بــــــــ “الحيوانات البشرية”، أما الرئيس الإسرائيلي فأعلن أنه “لا يوجد مدنيون أبرياء في غزة”. من طرفه رئيس الوزراء “بنيامين نتنياهو”، داوم على استحضار الأساطير التوراتية لتغذية حرب الإبادة([18]).

2- توظيف “الحق في الدفاع عن النفس” كصك براءة مطلق

دبلوماسياً، تم استخدام مصطلح “الدفاع عن النفس” ليتحول إلى “صك براءة” يبرر تدمير المشافي والمدارس ومراكز الإيواء. كما تم الإدعاء بشكل منهجي بوجود “دروع بشرية” أو “مقار عسكرية” أسفل تلك المنشآت، في سبيل التحلل من التزامات اتفاقية “جنيف الرابعة”، وتجنب الملاحقة الجنائية الدولية([19]).

في السياق نفسه يؤكد منسق برنامج البحث في “مركز الدراسات الشرقية”، “ماريك ماتوسياك”، أنه لا مجال لإنكار حدوث الإبادة الجماعية في غزة في الوقت الذي “يتحدث السياسيون الإسرائيليون بحرية عن تجويع سكان غزة وعن تطهير القطاع من سكانه، ويناقش الجنود الإسرائيليون علناً استهداف المدنيين، وينشرون مقاطع فيديو تُظهر أنفسهم وهم يفجرون الجامعات والمستشفيات والمساجد”([20]).

خامساً: الصين وتحدي السردية

في مقابل هذا الخطاب، برز خطاب دولي موازن (تقوده الصين وروسيا ودول الجنوب العالمي) يفكك السردية الإسرائيلية. ركز الموقف الصيني تحديداً على أن “الأمن لا يمكن أن يُبنى على جثث الأبرياء”، معتبراً أن التبرير الإسرائيلي للقتل يتناقض مع جوهر القانون الدولي. يرى باحثون أن هذا التحدي الدبلوماسي بدأ يقلص من قدرة الخطاب الإسرائيلي على الإقناع، مما وضع تل أبيب في عزلة أخلاقية غير مسبوقة([21]).

سادساً: الحراك العالمي وتفعيل أدوات القضاء الدولي، وصورة اسرائيل دولياً واقليمياً

تحولت الحرب الإسرائيلية على غزة أكتوبر 2023، إلى نقطة فارقة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي على الصعيد الدولي. فقد شهد العالم حراكاً شعبياً وقانونياً غير مسبوق، فتم وضع “شرعية” التصرفات الإسرائيلية تحت مجهر القضاء الدولي والرأي العام العالمي، مما أدى إلى تآكل الصورة الذهنية لإسرائيل التي رسمتها لعقود باعتبارها  “الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة”.

1-الحراك العالمي والاحتجاجات الشعبية

لم يمر وقت طويل على المجازر بحق المدنيين في غزة، إلا وقاد الشباب وطلبة الجامعات موجة غير مسبوقة من المظاهرات والاعتصامات المؤيدة لفلسطين. فإمتلأت ساحات أهم وأكبر الجامعات باللافتات الفلسطينية،حيث لم يشهد العالم من قبل هذا الحجم من المظاهرات تضامناً مع شعب بعيد جغرافياً، كما حدث مع فلسطين بعد أحداث أكتوبر 2023([22]). ومع استمرار المجازر الإسرائيلية في غزة دون رادع، اجتاحت الاحتجاجات المطالبة بوقف الإبادة وتحقيق العدالة كل العالم، رغم قرارات الحظر والملاحقات البوليسية واتهامات “معاداة السامية” التي أُطلقت في وجه المتضامنين، بينما كادت تختفي تماماً أي مظاهرات داعمة لإسرائيل خارج الفضاء الغربي الأطلسي([23]).

وفي اسبانيا تحوّل التعاطف الشعبي إلى فعل سياسي غير مسبوق، ما جعل “بيدرو سانشيز” رئيس الوزراء الإسباني، ليكون المسئول الأوروبي الأول الذي يصف ما يحدث صراحة بأنه “إبادة جماعية”.

2-تفعيل أدوات القضاء الدولي (محكمة العدل والجنائية الدولية)

مع تصاعد حركة الاحتجاج العالمي، بادرت “جنوب أفريقيا” بعد أقل من ثلاثة أشهر على حرب الإبادة، إلى تفعيل أحدى أدوات “العدالة الدولية”، فقدمت لمحكمة العدل الدولية في لاهاي دعواها ضد “إسرائيل”، بتهمة انتهاك “اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها”([24])، ليشكل ذلك تحولاً تاريخياً، وعلامة فارقة؛ إذ هي المرة الأولى منذ إعلانها في 1948، تجد دولة “إسرائيل”  نفسها في قفص الاتهام، وبتهمة هي الأشد خطورة في القانون الدولي. في ذات الإطار تم فعلياً كسر حاجز “الحصانة” لقادة “إسرائيل”، بتحرك المحكمة الجنائية الدولية وإصدارها مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء ووزير الدفاع وآخرين لم تعلن المحكمة أسماءهم.

تضررت صورة “إسرائيل” في العالم عموماً، لكن صورتها في الغرب، هوت من “القداسة” المصنوعة بالابتزاز أحياناً إلى الإهانة، وإلى وصفها بـــــــــ”الدولة المارقة” التي تنتهك القانون الدولي الإنساني. ومما يلقت الانتباه موقف الإعلامي الأمريكي “تاكر كارلسون”، أحد أبرز الأصوات اليمينية الداعمة -سابقاً- للصهيونية، إذ شن هجوماً حاداً على “إسرائيل”، وقال في بودكاسته:

“لا بد من تصحيح الفكرة التي تزعم أن هناك من يسمّون أنفسهم شعب الله المختار، هذه هرطقة غير مقبولة؛ فالإله لا يختار شعباً يقتل الأطفال والأبرياء. كل ما تقوم به “إسرائيل” هو ضد الإنجيل وضد تعاليم يسوع، فكيف يمكننا الموافقة على شيء كهذا؟”([25]).

كما تعثرت مشاريع التطبيع والاتفاقات الابراهيمية، واضطربت الحسابات السياسية والاقتصادية الإقليمية الكبرى، وعادت شعوب العالمين العربي والإسلامي بعد إضافة شعوب آسيوية ولاتينية وحتى غربية، لإعادة تعريف موقفهم من القضية الفلسطينية و/أو تأكيد مركزيتها. في المقابل تعرضت الحكومات المطبعة والمتجهة للتطبيع إلى حرج سياسي، واضطرت تحت وقع خطاب عنصري ديني متطرف يردده قادة ومسئولي الكيان الإسرائيلي، إلى إثارة أسئلة تعرف “إسرائيل” كعائق أمام الاستقرار الإقليمي([26]).

سادساً: مسار المفاوضات وصولاً إلى خطة ترامب واتفاق إنهاء الحرب في شرم الشيخ (أكتوبر 2025).

منذ أواخر عام 2023 حتى نهاية عام 2025، شهد ملف التفاوض بين المقاومة الفلسطينية و”إسرائيل” اضطرابات وعثرات بسبب البون الشاسع بين مواقف الطرفين. ففي نوفمبر 2023 كانت الهدنة الأولى التي حالت حكومة نتنياهو دون استمرارها، وأدت إلى تبادل محدود للأسرى، ثم جرى اتفاق آخر في 19/01/2024، تضمن ثلاث مراحل كل مرحلة 42 يوما، إلا أنه تم استئناف حرب الإبادة في 18/03/2025 قبل الانتقال للمرحلة الثانية، وبعد سلسلة من الإخفاقات، وبعد قرابة سنتين من الابادة برزت “خطة ترمب” أو “خطة النقاط العشرين” كإطار عملي لإنهاء الحرب، وبعد موافقة انتقائية للمقاومة[27]، وبتاريخ 10/10/2025، في “شرم الشيخ” المصرية تم التوقيع على الخطة التي وعدت بوقف الحرب والإنسحاب من القطاع وانهاء الحصار وإعادة الإعمار.

1- النقاط العشرون وقرار مجلس الأمن

قُدمت خطة الرئيس الأمريكي “دونالد ترمب” باعتبارها مخرجاً سياسياً تبناه المجتمع الدولي لإنهاء الحرب التي أثقلت كاهل العالم، وأحرجت الدول والسياسيين، والأهم –أمريكياً وغربياً- أنها حطمت صورة “إسرائيل” بردعها وغرورها الكاذب كصاحبة الجيش “الأكثر أخلاقية”، وديموقراطيتها المزعومة([28]). لم يوفر “ترمب” الفرصة لانتزاع قرار من مجلس الأمن تحت رقم 2803 “يرحب بتأسيس مجلس السلام” حسب خطته التي تحجّم المؤسسة الدولية نفسها، بما يشبه الإبتزاز. فقد وصل العالم لنقطة عدم احتماله استمرار الحرب، ولقناعته أن لا سبيل لذلك بغير قرار أمريكي. وأُقرت الخطة بلا اعتراض، بعد امتناع كل من “روسيا” والصين” عن التصويت ولم يستخدما “حق النقض” رغم الملاحظات الجوهرية لكل منهما.

2- ماهية “مجلس السلام”

بعد القرار الأممي قام “ترمب” بتشكيل “مجلس السلام” برئاسته مدى الحياة، ليقوم بالإشراف المباشر على تنفيذ الخطة، وإدارة أموال إعادة الإعمار، وضمان إلتزام الأطراف بالهدنة طويلة الأمد. الرئيس هو الشخص الوحيد المخوّل بإضافة أعضاء جدد، وهو كذلك الوحيد صاحب حق عزل الأعضاء وحل المجلس، وبكل الأحوال فإن جميع القرارات تتطلب موافقة الرئيس. كما أن اللافت أن ينص ميثاق مجلس السلام في الفقرة الأولى من ديباجته على أن السلام الدائم يتطلب “التخلي عن المناهج والمؤسسات التي فشلت مراراً وتكراراً”، في إشارة إلى الأمم المتحدة، حيث انتقدها ترامب “مراراً وتكراراً” بشدة، واصفاً إياها بالمنظمة الخاملة([29]). لذلك دفعت الكثير من المخاوف التي أحاطت بالمجلس وتشكيله وخطابات “ترمب” حول دوره ومستقبله، عددًا من أهم الدول، مثل الصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والنرويج وبلجيكا وسويسرا (والاتحاد الأوروبي) وأستراليا واليابان والهند وكوريا الجنوبية، إلى الامتناع عن الانضمام إلى المجلس، خشية أن يتحول إلى بديل من الأمم المتحدة. في حين تعاملت روسيا ببراغماتية تهدف إلى مقايضة واشنطن في ملفَي أوكرانيا والعقوبات([30]).

المطلب الثاني: الموقف الصيني :الأداء والدور

1- العلاقات الصينية الفلسطينية

ارتبط الموقف الصيني من القضية الفلسطينية بجملة من الاعتبارات الأيديولوجية والسياسية والاستراتيجية. فقد دعمت الصين في مراحلها الأولى حركات التحرر الوطني، واعتبرت القضية الفلسطينية جزءا من نضال شعوب العالم الثالث ضد الاستعمار والهيمنة الغربية، كما استقبلت بكين أول وفد رسمي للمنظمة في عام 1965، واعتبرت القضية الفلسطينية جوهر الصراع في الشرق الأوسط([31]).

رفضت الصين قرار مجلس الأمن رقم(242)، إذ لم تكن بعد عضوا فيه، واتخذت مواقف جذرية ضد اسرائيل تضمنت المقاطعة الشاملة لها، وعدم السماح لأي سفينة اسرائيلية أو أي سفينة مجرد (رست) بميناء اسرائيلي من الرسو بموانئ الصين([32]).

ومع التحولات التي شهدتها السياسة الخارجية الصينية منذ سبعينيات القرن الماضي، ولا سيما بعد تبني نهج الإصلاح والانفتاح، اتسم الموقف الصيني بدرجة أكبر من البراغماتية، حيث سعت بكين إلى الموازنة بين دعمها المبدئي للحقوق الفلسطينية، وبين بناء علاقات دبلوماسية واقتصادية مع مختلف أطراف الشرق الأوسط، بما في ذلك إسرائيل.

2- العلاقات الصينية الاسرائيلية

منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية 1949، كانت العلاقات الصينية-الإسرائيلية متدهورة بسبب دعم الصين للقضية الفلسطينية، حيث كانت “إسرائيل” جزءاً من المعسكر الإمبريالي الغربي، وتم استبعادها كلياً من مؤتمر باندونغ عام 1955([33]). وبعد سنوات قليلة جداً من تبوء الصين مقعدها في المنظمة الأممية صوتت عام 1975 لصالح قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم(3379)الذي يساوي بين الصهيونية والعنصرية.

 رسمياً بدأت علاقات الصين الديبلوماسية مع “إسرائيل” سنة 1992، وكانت ترى بكين أن هذه العلاقة ستساعد في تحسين صورتها في الغرب، وتمكنها من الحصول على التكنولوجيا العسكرية الغربية، حيث وصل التبادل التجاري بين الطرفين سنة 2022 إلى نحو 24.4 مليار دولار. لكن الواقع كشف خضوع “إسرائيل” أمام الضغط الأمريكي، فتم إلغاء عدة صفقات مدنية أو عسكرية([34]).

وجاء السلوك الإسرائيلي من الحرب الروسية الأوكرانية وتحالف الدول الغربية ضد موسكو ليعزّز القناعة لدى الصين أنّ “إسرائيل” متماهية مع المنظومة الأمريكية الغربية، كما أن مشاركة “إسرائيل” في مبادرة الممر الاقتصادي التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي السابق “جو بايدن” على هامش قمة العشرين في نيودلهي في سبتمبر 2023 واحتفاء نتنياهو بها، أعطى مؤشراً سلبياً؛ حيث ترى فيه الصين مشروعاً بديلاً عن مبادرة “الحزام والطريق” ويهدف لضربها([35]).

وبحسب مقال لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، يقول الكاتبان “توفيا جورينج” و”أوفير ديان”: “استمرت بكين في دعم خصوم إسرائيل خطابياً، وتوفير شريان حياة اقتصادي لإيران ووكلائها، ونشر الدعاية المعادية للصهيونية. ومع حملات التضليل المعادية للسامية من خلال آلة الدعاية الخاصة بها، سيكون من الصعب استعادة الثقة بين البلدين، ومنذ السابع من أكتوبر 2023، (برزت السياسة الصينية ناقدة صريحة لإسرائيل قولاً وفعلاً، وحليفة لأعدائها اللدودين)، وبما أن إسرائيل حليف قوي للولايات المتحدة، فقد قال محللون صينيون للكاتبين أن بكين ستواصل “استخدام إسرائيل كعصا لضرب الولايات المتحدة”([36]).

أولاً: تحليل الموقف الصيني من أحداث 7 أكتوبر ضمن سياقه التاريخي

لعل ما يوضح ثبات الموقف الصيني إزاء القضية الفلسطينية، هو إعادة الإعلام الصيني الرسمي نشر تصريحات سابقة لمسئول صيني أممي هو “قنغ شوانغ”، في خطابه في الأمم المتحدة في 27 سبتمبر2023، وقال فيه إن “التوسع المستمر للمستوطنات الإسرائيلية يعد تعدياً على الأراضي والموارد الفلسطينية، ويضغط على السكان الفلسطينيين”. وأضاف في نص الخطاب الذي أعيد نشره بعد ساعات فقط من هجمات السابع من أكتوبر ، أن “القضية الفلسطينية يجب أن تحظى بأولوية أعلى”، كما أكد موقف بلاده الداعم لإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية([37]).

وفي سياق الرد الأولي للصين على أحداث السابع من أكتوبر، وما تلاه من حرب شاملة ضد قطاع غزة، شددت بكين على إدانة جميع الهجمات على المدنيين، مع رفض تصنيف حماس منظمة إرهابية، بل تعتبرها جزءاً من المكون الوطني الفلسطيني. كما دعت إلى إعادة تنشيط الحوار بين الأطراف المتحاربة، ودعت إلى إنشاء دولة فلسطينية على أساس حدود 1967. بالنسبة للصين، فإن الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني للأراضي الفلسطينية هو أيضاً مصدر الهجمات”([38]).

لقد اتخذت الصين مواقف يمكن اعتبارها استمراراً لسياسة التوازن، وإعطاء الأولوية لتوفير البيئة الإقليمية والدولية الملائمة لنجاح وتقدم مشاريعها الكبرى وفي بؤرتها “مبادرة الحزام والطريق”، لكن ذلك لا يمنع من تتبع تحميل الصين المسئولية للاحتلال، وانتقادها لاستخدامه فائض القوة لفرض حلول تنتقص من حقوق الشعب الفلسطيني وتهدر تاريخه وكرامته. فقد أفردت وسائل الإعلام الصينية مساحة كبيرة للحديث عن مسببات الانفجار في الأوضاع، مع التركيز على انسداد أفق السلام في ظل الرعاية الأميركية المنحازة لــــــ “إسرائيل”، والحاجة إلى بدائل عملية ناجعة لإحلال الأمن والسلام في المنطقة([39]).

واعتبر “لو يانغ” الباحث في الشؤون الدولية بمركز “كانتون للدراسات الاستراتيجية”، في حديث مع “العربي الجديد” (أن التصعيد الأخير مرتبط بشكل مباشر بمخاوف فصائل المقاومة الفلسطينية من تهميش القضية الفلسطينية، في ظل الحديث عن مساع أميركية لدفع السعودية إلى تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، الأمر الذي من شأنه أن يفتح الباب أمام دول عربية أخرى للدخول في قطار التطبيع)([40]).

لقد أدرك الجانب “الإسرائيلي” مقدار وعمق التغير في الموقف الصيني تجاه القضية الفلسطينية، ففي استطلاع للرأي أجراه “معهد دراسات الأمن القومي” التابع لجامعة “تل أبيب”، أظهر أن 54% من الإسرائيليين يرون الصين دولة غير صديقة ومعادية لهم، في حين يراها 15% دولة صديقة وحليفة([41]).

إن الاستجابة الصينية لأحداث السابع من أكتوبر وما تلاها، سواء إعلامياً أو سياسياً ودبلومسياً، تظهر موقفاً أقرب إلى الجانب الفلسطيني، وباستعراض تلك المواقف والتفاعلات نجد ما يدل على وجود “إستراتيجية” قد تؤدي الى ابتعاد أكثر عن “إسرائيل” المتناغمة تماماً مع أمريكا وإمبرياليتها. لكن على الرغم من تصعيدها الواضح ضد سياسات الاحتلال، حافظت الصين على خطاب متماسك يرفض الانخراط العسكري، ويدعو إلى الحلول السياسية المتعددة الأطراف، ما يعكس سعيها إلى تقديم نفسها كقوة عقلانية وموازنة في وجه المحور الأميركي–الإسرائيلي، دون السقوط في فخ الاصطفاف الصدامي([42]). مع كل ذلك نجد مدير مشروع “تشاينا ميد” ومقره إيطاليا يقول عن موقف الصين: “إذا كان هناك حديث في أوكرانيا عن الحياد المؤيد لروسيا، فهو في هذه الحالة حياد مؤيد للفلسطينيين”([43]).

ثانياً: الوساطة والاتصال بالمقاومة وبقية الأطراف الفلسطينية

بقيت الصين محافظة على إرث “ماو تسي تونغ” بعلاقتها مع الفلسطينيين، ولها علاقة مع السلطة الفلسطينية منذ تأسيسها واتصالات مع معظم المكونات الفلسطينية، كما حرصت على علاقات مع حركة المقاومة الاسلامية “حماس” على مدى العقدين الماضيين بشكل أو بآخر. غير أنه منذ الحرب الأوكرانية، وعقب المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي في أكتوبر 2022، زادت الصين من اهتمامها بالمنطقة وخصوصاً فلسطين، وأظهرت استجابة هادئة لعلاقة أكثر قرباً مع “حماس”، ودعتها لزيارة بكين والتقت بقياداتها عدة مرات، ولم يكن هذا بعيداً عن سياق لقاءات القمة التي عقدها الرئيس الصيني في المنطقة الخليجية والعربية، ومحاولة الصين –التي نجحت بعد السابع من أكتوبر- للدخول على خط الوساطة بين حماس والسلطة الفلسطينية([44]).

 استطاعت الصين جمع الفصيلين المختلفين والأكبر فلسطينياً؛ حركة “حماس” التي تدير “قطاع غزة” منذ فوزها الكاسح في الانتخابات التشريعية عام 2006، ويقود جناحها العسكري “كتائب الشهيد عز الدين القسّام” للعمل المسلح، الذي  خطط ونفّذ عملية السابع من أكتوبر وما تبعها، وحركة “فتح” التي تحكم “الضفة الغربية” باسم “السلطة الفلسطينية” منذ الانقسام عام 2007، والمعترف  بها دولياً. نجحت الصين في جمع الفصيلين على طاولة التفاوض في بكين لدورتي حوار وطنى، خلال شهري إبريل ويونيو 2024، في خطوة تعكس الرغبة الصينية في التفاعل الايجابي مع القضية الفلسطينية.

وفي هذا الإطار، اجتمع 14 فصيلًا فلسطينياً من بينهم “حماس” و”فتح”، وصدر عن المجتمعين “إعلان بكين لإنهاء الانقسام وتعزيز الوحدة الوطنية”، متضمناً ثمان نقاط للعمل المشترك، تمثلت أهمها فى تشكيل حكومة وطنية مؤقتة، وتشكيل قيادة فلسطينية موحدة قبل الانتخابات المستقبلية، وإجراء انتخابات حرة لمجلس وطني فلسطيني جديد، بالإضافة إلى إعلان عام للوحدة في مواجهة الهجمات الإسرائيلية المستمرة([45]).

ثالثاً: الجهود الدبلوماسية الصينية

(لطالما دعمت الصين بقوة قضية الشعب الفلسطيني العادلة في استعادة حقوقه الوطنية المشروعة، وستظل ملتزمة بتعزيز وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب في غزة، وتعزيز الحل الشامل والعادل والدائم للقضية الفلسطينية في أقرب وقت ممكن استناداً إلى قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة وحل الدولتين)، حيث نقلت وكالة الأنباء الصينية الرسمية “شينخوا” هذا التعبير على لسان وزير الخارجية الصيني “وانغ إي” يشرح وجهة نظر الصين بشأن الصراع الفلسطيني الاسرائيلي([46]).

وفي سياق الشرح أكد وزير الخارجية على تطبيق مبدأ “حكم الفلسطينيين لفلسطين” تطبيقاً كاملاً، معتبراً أن “غزة والضفة الغربية” فلسطينيتان، ودعا إلى عضوية كاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة. وأضاف أن حياة الشعب الإسرائيلي وحياة الشعب الفلسطيني متساوية في قيمتها، وأن جميعها تستحق الاحترام والرعاية، ولا ينبغي تطبيق معايير مزدوجة في هذا الشأن، مشدداً أن استخدام العنف لمواجهة العنف لا يؤدي إلا إلى خلق المزيد من الكراهية وتراكمها.

ويمكن إجمال أهم التحركات الديبلوماسية الصينية فيما يلي([47]):

1- دعمت الصين قرارات محكمة العدل الدولية لإدانة إسرائيل، مؤكدة  في المحافل الدولية المختلفة على حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولة مستقلة والحصول على عضوية كاملة في الأمم المتحدة، فضلاً عن المطالبة بإنهاء الظلم التاريخي الذي تعرض له الشعب الفلسطيني، في المقابل انتقدت المواقف الأمريكية بنقض قرارات مجلس الأمن التي حاولت وقف اطلاق النار وايصال المساعدات للقطاع المحاصر.

2- أفشلت الصين (وروسيا) في 25 أكتوبر 2023، مشروع قرار أميركي في مجلس الأمن يدين “حماس”.

3- أبدت الصين استعدادها للوساطة بين “إسرائيل” و”حماس لوضع حد للحرب،  واجتمع مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، “تشاي جون”، بعدة أطراف بعد الأحداث مباشرة.

4- استضافت وزارة الخارجية الصينية وفداً من دول عربية واسلامية لمناقشة الوضع في غزة، لمحاولة الضغط على دول غربية لدفعها للتحرك لوقف اطلاق النار. 

5- في 29 نوفمبر2023، ترأس وزير الخارجية “وانغ أي” جلسة مجلس الأمن حول غزة، وخلالها طالب بتحويل الهدنة المؤقتة لوقف دائم لإطلاق النار، مؤكداً رفض بلاده التهجير القسري لسكان غزة.

6- دعمت الصين كل مشاريع القرارات الداعية لوقف الحرب، وإدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع المدمر، كما صوتت في الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح وقف إطلاق النار.

رابعاً: الموقف الصيني من “خطة ترمب للسلام”

جريا على منهج “الدبلوماسية الحذرة” امتنعت الصين عن التصويت على مشروع القرار المتعلق بخطة “ترمب” أو “مجلس السلام”، ومع ذلك تجنبت استخدام حق النقض “الفيتو” لعدم عرقلة وقف اطلاق النار ولعدم الإصطدام بموقف الإجماع العربي الاسلامي. لكنها في موقف حاسم رفضت الإنضواء تحت مجلس السلام، كما تحفظت على الهيمنة الأمريكية عليه، ورفضت أي مقايضة مقابل إنهاء الحصار و إعادة الاعمار وانقاذ الأوضاع الإنسانية([48]). ورغم استمرار الصين بإبداء تحفظاتها على الخطة، والتشكيك بقدرتها على تحقيق ما تم إقرارها من أجله، والتعريض بطريقة التشكيل والإدارة، ورغم الطموح الصيني المتصاعد في تحويل القناعة بالحاجة إلى تغيير المنظومات القائمة، فإن القيود التي تكبلها تحد من دورها وتأثيرها.

المطلب الثالث: الاستنتاجات والرؤية المستقبلية

أولاً: الرؤية الصينية للتفاعل الأمريكي الغربي مع الحرب.

ظهر تباين صارخ بين الموقف الغربي والأمريكي خصوصاً، مع موقف الصين (وروسيا)، إذ لم يعرب مسؤولو البلدين عن تعاطفهم مع أهالي قطاع غزة وحسب، ولكنهم رفضوا وصف المقاومة الفلسطينية وحماس بالإرهاب، واعتبرت الصين في مداخلتها أمام محكمة لاهاي أن “الفلسطينيين لهم الحق بالمقاومة المسلحة” ويكفله القانون الدولي([49])، كما دعوا صراحة إلى وقف إطلاق النار ووضع نهاية للحرب، سواء في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، أو في لقاءات صحفية متفرقة. والواضح، أن الصين رأت في الحرب على قطاع غزة، والدعم الغربي الصريح لإسرائيل، فرصة لتأكيد دعوتها إلى بناء نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، وفرصة أخرى لتعزيز موقعها ونفوذها في منطقة الشرق الأوسط([50]).

المؤسسة / المنظمةنوع التحرك / القرارالتاريخالقيمة الاستراتيجية للتحرك الصيني
مجلس الأمن الدولياستخدام حق النقضأكتوبر 2023إجهاض مشروع أمريكي لم يتضمن وقفاً فورياً لإطلاق النار.
مجلس الأمن الدوليمشروع القرار 2712نوفمبر 2023قيادة جهود إقرار أول قرار يدعو لهدن إنسانية أثناء الرئاسة الصينية.
مجلس الأمن الدوليالامتناع عن التصويتمنتصف 2025السماح بمرور “اتفاق النقاط العشرين” بشرم الشيخ مع التحفظ على الوصاية الأمريكية.
محكمة العدل الدوليةمرافعة قانونيةفبراير 2024التأكيد على شرعية المقاومة المسلحة ضد الاحتلال وتفنيد تهمة الإرهاب.
مجلس حقوق الإنسانقرار حظر الأسلحةأبريل 2024التصويت بـ “نعم” على منع تصدير الأسلحة لإسرائيل (جنيف).
منظمة بريكسالقمة الافتراضيةنوفمبر 2023دعوة “شي جين بينغ” لمؤتمر سلام دولي لخلق قطب موازن للغرب.
وزارة الخارجية الصينيةإعلان بكينيوليو 2024رعاية المصالحة بين 14 فصيلاً فلسطينياً لتوحيد التمثيل السياسي.
منظمة شنغهايالبيان الختامي للقمة2024 – 2025ربط أمن “أوراسيا” بإقامة الدولة الفلسطينية وعزل إسرائيل إقليمياً.

الجدول (1): مؤشرات الأداء الدبلوماسي الصيني تجاه حرب غزة (2023-2025

إن الصراع في غزة منح الصين فرصة لتعزيز سمعتها الدولية كقوة تسعى لإحلال السلام في الشرق الأوسط، مقابل تدهور سمعة الولايات المتحدة نتيجة لموقفها الداعم ل”إسرائيل” وتعنتها في تمرير قرارات وقف إطلاق النار في مجلس الأمن، ودعت الدول إلى إعلاء المسؤولية الأخلاقية على حساب المصالح الجيوسياسية ورفض المعايير المزدوجة([51]). ويبدو هنالك خيط ناظم هنا في المواقف الصينية تجاه الصراعات المختلفة، إذ أن الصين تبدأ برفض الرؤية الأميركية، وتتحفَّظ على الرواية التي يقدمها حلفاء واشنطن، ثم تمتنع عن أي إدانة علنية لمَن تعتبرهم واشنطن أعداءها، فاتحة الباب لموقف مغاير للموقف الأميركي، ولدور أكثر مصداقية بين كل الدول التي تقع خارج شبكة التحالفات الأميركية.

ثانياً: الصين والوضع الاقليمي

تراقب الصين المشهد الإقليمي حيث اتفاقات التطبيع مع إسرائيل مقابل شبه عزلة للسلطة الفلسطينية وحصار المقاومة الفلسطينة، بينما تقوم هي بالتواصل مع “حماس” و”فتح” وبقية الفصائل الفلسطينية وتعمل على المصالحة بينها (إعلان بكين 2024). وعند امتناعها عن التصويت لتمرير إقرار خطة ترمب للسلام، قدمت تفسيرا لذلك أنها استجابت للموقف العربي الذي قبل الخطة، رغم ما رأته فيها من ثغرات تضر بالقصية الفلسطينية أهمها التراجع عن القرارات الدولية السابقة. ما سبق يمنح بكّين غطاءً أخلاقياً ودبلوماسيّاً مريحاً تجاه مستوى انخراطها، فبينما تستمر بعض الأنظمة العربية في تعزيز علاقاتها مع “إسرائيل”، لا ترى بكين جدوى من تعريض نفسها لاحتكاكات سياسية عبر اتخاذ موقف أكثر صرامة[52].

من المؤكد يقظة العين الصينية على مشروع “اتفاقات إبراهام” الذي تبناه ويقود تطبيقه الرئيس الأمريكي “ترمب”، فالشكوك حول مستقبل هذه الاتفاقات -في حال نجاحها – كبيرة، بما فيها أن تتحول إلى (تحالف شبيه بحلف شمال الأطلسي يعزز التحالفات الأمنية التي تقودها الولايات المتحدة، بهدف تطويق الصين وحصارها)، حسب تقدير الباحث “تونغ تشاو”، ويضيف أن موقف بكين مدفوع إلى حد كبير بنيّة النيل من سمعة وشرعية نفوذ الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين([53]).

وبلا شك فقد منحت المقاومة الفلسطينية الصين مساحة أوسع للتحرك سياسيا في المنطقة، ومصداقية تفوق الولايات المتحدة بكثير([54]). في المحصلة، ورغم كل التحفظات التي لدى الصين من انخراط أوسع، أو التحفظات لدى المنطقة والمراقبين تجاه إمكانية تحرك الصين لملء فراغ التأثير الإيجابي في المنطقة، فإن من الملاحظ بوضوح أن متغيرات المنطقة واقتراب الصين أكثر منها، يكشفان عن (طموح صيني متصاعد للعب دور سياسي فاعل في قضايا الإقليم، وتكريس موقعها كقوة دولية تحمل رؤية بديلة للنظام الدولي، قائمة على رفض الهيمنة، ودعم السيادة، والدفاع عن القضايا العادلة، وفي مقدّمتها فلسطين)([55]).

ثالثاً: الصين وتوظيف الحدث لخدمة استراتيجياتها (مثل مشروع الحزام والطريق).

مع أنه يمكن لمستوى معين من الفوضى في الشرق الأوسط، أن يصرف انتباه الولايات المتحدة عن الوضع في المحيط الهادئ، كما يمكن أن يزيد من النفقات العسكرية للولايات المتحدة بشكل كبير، ويلحق الأذى بالاقتصاد الأميركي، ويزيد من خلافاتها الداخلية، بمعنى كل ما يلهي الغرب عن النظر إلى الصين باعتبارها التهديد العالمي الأساسي يخدم مصالح الصين. إلا أن النظرة الاستراتيجية ستعطي أي معارضة إقليمية تفضح النظام الأمني العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة فرصة للدخول في نظام أمني عالمي بديل تقوده الصين، ويحظى بتأييد واسع النطاق من قِبَل شركاء الصين في الشرق الأوسط ويطلق عليه اسم مبادرة الصين للأمن العالمي([56]).

وفي تحليل كتبه “مايكل سينغ” المدير الإداري ل”معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى” يقول: يبدو أن التركيز المتزايد على المنافسة مع الولايات المتحدة يؤثر أيضاً على استراتيجية الصين في التعامل مع النزاع الإسرائيلي الفلسطيني[57]. حيث يتزايد استياء الصين من الخطوات “الإسرائيلية” التي تتماشى مع الاستراتيجية الأميركية لاحتواء الصين، سواء عبر تقليص الاستثمارات الصينية، أو الانخراط في “الممر الاقتصادي: الهند–الشرق الأوسط–أوروبا”، الذي تراه بكين تهديداً مباشراً لمشروعها الأهم؛ مبادرة “الحزام والطريق”. أي أنه فيما تسعى الصين الى تعزيز الاستقرار في المنطقة خدمة لمبادرة الحزام والطريق ولمستقبل المشروع الصيني، فإن الدور “الإسرائيلي” في الاقليم يعمل على النقيض من ذلك، خاصة فيما يتعلق بالحرب على إيران، التي تحاصر الصين من حيث الطاقة، وقد تعرقل مسارات الحزام والطريق في حالة تغيير النظام او تدمير بنى الدولة بشكل كبير[58].

إن الهدف الاستراتيجي للصين كما تعلنه في كل مناسبة، هو ضمان السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، وحين تقوده قوة إقليمية مهيمنة واحدة، يمكن أن يؤدي ذلك إلى نوع من عدم الاستقرار في المنطقة. ولا توجد قوة خارجية كبرى في العالم لديها مصلحة- ونقطة ضعف استراتيجية- في تحقيق السلام والاستقرار في الخليج أكثر من الصين اليوم. ومن الممكن أن تؤدي الحرب الإقليمية التي تعطل إمدادات النفط إلى توقف عجلة الاقتصاد في الصين، وبالتالي توقف أو فشل “مشروع الحزام والطريق”[59]. وإذا تطورالصراع وأصبح تضرر المصالح الصينية مؤكداً، فلربما تُضطر الصين لمراجعة سياساتها لحماية مصالحها، وينطوي ذلك على تعزيز تواجدها العسكري ودعم حلفائها وأصدقائها في المنطقة.

وفي رسالة مباشرة في سياق إظهار الجدية والاستعداد لكل الإحتمالات بخصوص ملامح الانتقال الى نظام عالمي جديد، فقد شهد احتفال الصين بالعيد ال80 لنهاية الحرب العالمية الثانية نهاية 2025، حرص الصين على إظهار حضور قادة كل من دول: روسيا وكوريا الشمالية وإيران وبيلاروسيا لأول مرة، في إشارة الى بروز محور جديد يسعى إلى موازنة الهيمنة الغربية[60]. كما أن للحربين في “أوكرانيا” و”غزة” اللتين وجدت الصين نفسها متموضعة بشكل تلقائي ضد نفس الطرف فيهما، فكلتاهما تنذران بمنافسة جيوسياسية عالمية، مع محاولة لإعادة تشكيل “قرن التغيير”([61]).

رابعاً: فرص تبني الصين لمبادرة سلام مستقلة أو مشتركة

حاولت الصين (وروسيا) تبني مواقف أكثر توازناً منذ بداية أحداث السابع من أكتوبر، لكشف الخلل في النظام الدولي القائم على الأحادية القطبية، وللظهور كبديل للقطبية الأمريكية المنحازة، وهو سياق استراتيجي يوفر غطاءً دبلوماسياً نسبياً في المحافل الدولية لاحقاً فيما إذا قررت الصين طرح مبادرات سلمية.

في خضم حرب الإبادة، عرضت الصين التوسط بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وفي هذا الظرف، يمكن للمنطقة أن تستفيد من وجود لاعب خارجي بمقدوره فعلياً صنع السلام. ولكن نظراً (لعجز/عدم جاهزية) الصين لحشد النفوذ اللازم لدفع الإسرائيليين والفلسطينيين نحو تسوية سلمية، فثمة شكوك حول دور حقيقي قريب للصين. بدوره قال “نور الدين أكشاي”، من مركز الدراسات العالمية بجامعة شنغهاي: “نعلم أن بكين تريد منع تصعيد الأزمة، لكنني لا أعتقد أن لديها الأدوات الكافية لنزع فتيل الأزمة”. وأوضح “أن النفوذ المحدود للصين على إسرائيل يمثل عقبة رئيسية أمام نجاح بكين في تهدئة هذا الصراع من خلال الوسائل الدبلوماسية([62]).

ترى الصين مشهد المنطقة وتداعيات الحرب على غزة باعتبارها عوائق جدية لبرامجها واستثماراتها المتزايدة في مشاريع البنية التحتية واسعة النطاق في المنطقة، وهي مشاريع غير متنقلة أو سائلة، وشركاؤها الجدد في المنطقة (سوريا، والعراق، والسلطة الفلسطينية، إضافة لشريكتها القديمة إيران) ليسوا فقط في محيط غزة، بل إنهم أيضا معرضون للتحول إلى ضحايا جانبيين في حال تصاعدت وتيرة الحرب. لكل ما سبق ستصل الصين إلى مرحلة تدفعها فيها مصالحها التجارية إلى بذل كل ما في وسعها لاحتواء الحرب ريثما تتوسط للسلام([63]).

في الورقة الصادرة عن “مجلس الشرق الأوسط للشئون الدولية”، بعنوان: “سياسة الصين إزاء فلسطين و”إسرائيل”: نحو دور أكبر”، تذكر أن سخط غالبية الدول العربية إزاء سياسات الولايات المتحدة قد يدفع بها إلى انتظار أو البحث عن دور ديبلوماسي صيني أوسع في المنطقة، كما يمكن لبكين أن تبني على نجاح وساطاتها في مصالحة تاريخية بين السعودية وإيران في العام 2023. كما تشير الورقة إلى أن واشنطن قد تنحو إلى تخفيف قبضتها على عملية الوساطة السياسية، لتضمّ الجنوب العالمي إليها، وهو ما سيصبّ لمصلحة الفلسطينيين على طاولة المفاوضات. لكن الورقة نفسها تستدرك بالقول أنّ خطوة كهذه قد تكون عنيفة بالنسبة إلى قوّة حذرة مثل الصين. وتضيف: فقد استشرست واشنطن في حماية إسرائيل إلى حدّ التلويح بفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية احتجاجاً على إصدار مذكّرات اعتقال بحق نتنياهو ووزير دفاعه. لتستنج الورقة أنه قد تتردّد بكين في مواجهة الولايات المتحدة بهذا الشأن، فهي تدرك على الأرجح كيف ستقرأ واشنطن هذه الخطوة، حيث هناك من يطبّلون لحرب باردة جديدة مع الصين([64]).

وحسب نفس الورقة أعلاه، فالصين لا تزال تفتقر إلى “المظلة الأمنية” أو الرغبة في تقديم ضمانات عسكرية في المنطقة، كما أن سياسة عدم الانحياز تجعلها تتردد في الضغط الفعلي على الأطراف. أي أن الدور الصيني سيظل تكميلياً للدور الأمريكي وليس بديلاً عنه في المدى القريب، مع التركيز على الانخراط متعدد الأطراف عبر مجلس الأمن الدولي.

وكما يتضح، فإن الصين تتحرك على مسار شبه ثابت، يرتكز على أن أولويتها هي قضايا الامن القومي؛ تايوان وبحر الصين الجنوبي، ثم القضايا الإقليمية في محيطها. وأن الاستقرار الإقليمي، هو الذي يخدم “مبادرة الحزام والطريق” ويدعم مشروع “الحلم الصيني”، بينما الحروب والتوترات تعمل النقيض لهما. وهذا المسار له محددات؛ عدم الانحياز، وعدم التدخل في الشئون الداخلية، ثم تقديم الحلول السلمية، ومنح الوقت، وعلى ما يبدو فدائما يجب تجنب الصدام مع الولايات المتحدة ما أمكن.

الخاتمة والتوصيات:

تخلص هذه الدراسة إلى أن هناك فرصة قائمة أمام الصين بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023 بحيث يمثل موقفها من القضية الفلسطينية مرحلة انتقالية هامة في الاستراتيجية الصينية تجاه الشرق الأوسط بمجمله؛ إذ يبدو أن بكين اكتفت بانتقالها من “الدبلوماسية الهادئة” إلى “الدبلوماسية المشتبكة”، لكنها قادرة على الانتقال إلى “الدبلوماسية الهجومية” التي توظف الصراع لإعادة تعريف دورها كقطب دولي يوازن النفوذ الأمريكي. كما أثبتت الدراسة أن الصين ترددت كثيرا في استثمار الفراغ الأخلاقي والسياسي الناتج عن الانحياز الغربي مما أفقدها فرصة تحقيق مكاسب في “القوة الناعمة” لدى شعوب الجنوب العالمي، وفي الجهة المقابلة أوضحت الدراسة أن الصين –ولأسباب عديدة- لا تزال تواجه تحديات بنيوية تتعلق بمدى قدرتها على تقديم ضمانات أمنية وإجرائية فعلية تتجاوز سقف البيانات السياسية والمبادرات الخطابية.

وبناءً على ما تقدم، تضع الدراسة التوصيات الآتية:

1.على المستوى السياسي:

  • ضرورة متابعة وتفعيل “إعلان بكين” للمصالحة الفلسطينية من خلال إيجاد آليات تضمن تنفيذ بنوده، وعدم الاكتفاء بالدور الرمزي للوساطة.
  • الانخراط بشكل أوضح في مرحلة ما بعد وقف اطلاق النار في غزة، في الجانبين الانساني التنموي، والسياسي المتعلق بالكيانية الفلسطينية.

2.على المستوى الدولي:

  • يجب على الصين تكثيف ضغوطها داخل مجلس الأمن الدولي لفرض مسار إلزامي لإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس، وبقية النقاط الأربعة وتعديلاتها.
  • إلزام الاحتلال الاسرائيلي بتنفيذ القرارات الدولية بخصوص الدولة الفلسطينية وترابطها، وحقوق الشعب الفلسطيني الثابتة. وربط مصالح الاحتلال الاقتصادية مع القوى الإقليمية بمدى التزامه بإنهاء الصراع وفق القرارات الدولية.
  • دعم إجراءات المحاسبة الدولية، والمساهمة في جهود إعادة الإعمار، والضغط من أجل مسار سياسي لا يعتمد فقط على الجوانب الاقتصادية، بل يعالج جذور الصراع المتمثلة في الاحتلال، لضمان استقرار طويل الأمد يحمي استثماراتها الضخمة في المنطقة.

3. على المستوى البحثي: توصي الدراسة بإجراء مزيد من البحوث حول “مستقبل التنافس الصيني الأمريكي في مرحلة ما بعد حرب غزة”، وتأثير ذلك على الصراع الفلسطيني الاسرائيلي من جهة، وعلى مستقبل المنطقة في ظل التهديدات الاسرائيلية التي تتبنى تغيير شكل الشرق الاوسط واقامة ما يسمى بـ “إسرائيل الكبرى”، وعلاقة ذلك بأمن الطاقة واستقرار تدفق التجارة بأمان وحرية.


([1])-محمد مكرم بلعاوي، الموقف الصيني من الحرب على غزة، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2023، أنظر في: https://bit.ly/3vAt8lE . تاريخ التصفح: ( 11-02-2026).

([2])- عادل عبد الغفار وآخرون، سياسة الصين إزاء فلسطين وإسرائيل نحو دور أكبر، مجلس الشرق الاوسط للشئون الدولية، يوليو 2024، https://bit.ly/4bFUXyx. تاريخ التصفح: (14-02-2026).

([3])- ريهام عماد، الموقف الصيني من الحرب على غزة رؤية تحليلية، مركز ترو للدراسات، نوفمبر 2024، https://truestudies.org/1117/  تاريخ التصفح: (11-02-2026).

([4])- طوفان الأقصى لحظة انهيار الردع الاسرائيلي ومحاولات استعادته، مركز الجزيرة للدراسات، نوفمبر 2023، https://studies.aljazeera.net/ar/article/5781. تاريخ التصفح: (20-03-2026).

([5])-  المرجع السابق نفسه.

([6])-  محسن صالح، التغيرات في النظرية الأمنية الإسرائيلية وانعكاساتها الإقليمية، الجزيرة نت 25/06/2025، أنظر في الرابط: https://bit.ly/49Y1XwT      تاريخ التصفح: ( 13/03/2026).

([7] )- بكين والقضية الفلسطينية موازنات الدور والمكانة بعد طوفان الأقصى، مركز الجزيرة للدراسات، 2023، أنظر في الرابط:  https://bit.ly/3ICZ7mX         تاريخ التصفح: ( 13/03/2026).

([8])- موقف إدارة بايدن من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة: خلفيات الانحياز وحساباته، مركز الروابط أكتوبر 2023، أنظر في الرابط:  https://bit.ly/4avY59z         تاريخ التصفح: (21/02/2026).

([9])-  نفس المرجع السابق.

([10])- وثائق سرية تكشف تفاصيل جديدة عن خطة “حماس” لهجوم السابع من أكتوبر، موقع نبض، السبت، مارس 2024، أنظر في الرابط: https://nabdapp.com/t/134352797    تاريخ التصفح: (22/03/2026).

([11])-  عبد الغفار عادل وآخرون، مرجع سابق.

([12])-  موقف إدارة بايدن من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، مرجع سابق.

([13])- المرجع نفسه.

([14])- أحمد محمد فال، غزة تدفع أوروبا لخصام تاريخي مع إسرائيل، الجزيرة نت مايو/2025، أنظر في الرابط: https://bit.ly/49XqO7M           تاريخ التصفح: (26/03/2026).

([15])- عبد الغفار عادل وآخرون، مرجع سابق.

([16])- ريهام عماد، الموقف الصيني من الحرب على غزة، مرجع سابق. أنظر أيضا: تصريحات وزير الخارجية الصينية أمام الاجتماع السنوي للبرلمان الصيني مارس 2024، على الرابط https://bit.ly/49XqO7M.     تاريخ التصفح: ( 22/03/2026).

([17])- أحمد ابراهيم، انقلاب السردية؛ كيف عرّت حرب غزة المظلومية الاسرائيلية في الغرب، عربي بوست 07/10/2025، أنظر في الرابط: https://bit.ly/3TKw6Xy.     تاريخ التصفح: ( 07/10/2025).

 ([18])- المرجع نفسه.

([19])- هاني عضاضة، عن الجندي الإسرائيلي ومسار نزع الأنسنة عن الفلسطينيين، عربي بوست 29/06/2024، أنظر في الرابط: https://bit.ly/4avZ9Xp      تاريخ التصفح: ( 26/03/2026)

([20] )- أحمد فال، مرجع سابق.

([21])-  عادل عبد الغفار وآخرون، مرجع سابق.

([22])-  أحمد إبراهيم، مرجع سابق.

([23])- أحمد فال، مرجع سابق.

([24])- أحمد إبراهيم، مرجع سابق.

([25])- المرجع سابق.

([26])- صحافة عالمية: كيف غيرت حرب غزة نظرة العرب والسياسة الدولية وتاريخ العالم، الجزيرة نت 16/12/2023https://bit.ly/3TKw6Xy . تاريخ التصفح: (19/03/2026).

[27]  أبو مرزوق للجزيرة: حماس وافقت على خطة ترمب لكن، 04/10/2025، https://bit.ly/49XW8yL.   تاريخ التصفح: (19/03/2026).

([28])- دراسة إسرائيلية: 7 أكتوبر سبّب أزمة وجودية تهدد تماسك المشروع الصهيوني، الجزيرة نت 19/08/2025، أنظر في الرابط: https://bit.ly/3TKw6Xy . تاريخ التصفح: (19/03/2026).

([29])- الأمن الدولي، حرب غزة، ما موقف الدول الأوروبية من المشاركة في “مجلس السلام”؟، المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخباىات 21/01/2026،  https://bit.ly/4avY59z. تاريخ التصفح: (21/01/2026).

([30])- اجتماع “مجلس السلام” في واشنطن: نتائجه وإشكالاته، دراسات سياسية 26/02/2026، المركز العربي للدبحاث ودراسة السياسات، https://bit.ly/49XW8yL.   تاريخ التصفح: (21/01/2026).

([31])- ما يانتشه سيد، قراءة في الموقف الصيني من القضية الفلسطينية، منتدى آسيا والشرق الأوسط، 2022، https://bit.ly/4buiGmy.   تاريخ التصفح: (21/01/2026).

([32])- عميد فالح، الصين وفلسطين من البندقية إلى الحزام الطريق، موقع باب الواد، 14/06/2023،  https://bit.ly/3TKpU4V. تاريخ التصفح: (20/06/2024)

([33])- ريهام عماد، مرجع سابق

([34])- الصين واسرائيل علاقات جدية تهددها الحرب على غزة، موقع الخنادق، نوفمبر 2023، https://bit.ly/3vLreA1. تاريخ التصفح: (15/03/2026).

([35])- محمد مكرم بلعاوي، علاقات صينية إسرائيلية متطورة ولكن، نوفمبر 2023، مركز الزيتونة،  https://bit.ly/3vAt8lE. تاريخ التصفح: (15/03/2026).

([36])- السفير الاسرائيلي الجديد في إسرائيل، موقع الخنادق، يناير 2025،  https://bit.ly/49XhL2N. تاريخ التصفح: (15/03/2026).

([37])- طوفان الأقصى وحسابات حياد الصين، مرجع سابق.

([38])- الصين واسرائيل علاقات جدية، مرجع سابق.

([39])- طوفان الأقصى والصين، مركز الروابط اكتوبر 2023،  https://bit.ly/4avZ9Xp. تاريخ التصفح: (11/03/2026)

([40])- علي أبو مريحيل، طوفان الأقصى وحسابات حياد الصين، العربي الجديد 10/10/2023،  https://bit.ly/3TKw6Xy. تاريخ التصفح: (11/03/2026).

([41])- تشوان تيان وصهيب جاسم، الموقف الصيني من فلسطين وإسرائيل بعد 14 شهر على حرب غزة، الجزيرة نت 22-12-2024،  https://bit.ly/4rSmWkK. تاريخ التصفح: (11/03/2026) .

([42])- من الحياد الى المواجهة، مرجع سابق.

([43])-  الصين واسرائيل علاقات جدية، مرجع سابق.

([44])- محمد مكرم بلعاوي، مرجع سابق.

([45])- ريهام عماد، مرجع سابق.

([46])- وكالة أنباء شينخوا، 25/09/2025، https://bit.ly/4sxEGTH. تاريخ التصفح: (17/03/2026)

([47])-رنا علوان، موقف الصين من أحداث طوفان الأقصى، ساحة التحرير 17/12/2023، ، https://bit.ly/3TKw6Xy، تاريخ التصفح: ( 02/02/2026). أنظر أيضا: ما هو موقف الصين من معركة طوفان الأقصى؟، موقع الخنادق 10/01/2024، ، https://bit.ly/49XW8yL، بتصرف. تاريخ التصفح: (17/03/2026)

([48])- عادل عبد الغفار وآخرون، مرجع سابق.

([49])-قناة الجزيرة الإنجليزية 22/02/2024، https://bit.ly/4avZqdt. تاريخ التصفح: (01/03/2026)

([50])-طوفان الاقصى انهيار الردع، مرجع سابق.

[51] ريهام عماد، مرجع سابق.

([52])- رزان شوامرة، الصين والابادة الجماعية في غزة: نأي استراتيجي، شبكة السياسات الفلسطينية 16/09/2025، https://bit.ly/4avZj1v. تاريخ التصفح: (27/02/2026).

([53] )- عزت سعد، المستفيدون من حرب غزة، مجلة شؤون عربية، 01/03/2024، https://bit.ly/49XqO7M. تاريخ التصفح: 19/02/2026).

([54])- ماجدة معروف، 100 يوم على طوفان الأقصى، الجزيرة نت 14/01/2024، https://bit.ly/4avZ9Xp. تاريخ التصفح: (27/02/2026).

([55])- من الحياد الى المواجهة، مرجع سابق.

([56])- شير لي يو، سر اهتمام الصين بحرب غزة، المجلة، 28 اكتوبر 2023، https://bit.ly/3ICvMwa. تاريخ التصفح: (27/02/2026).

([57])- مايكل سينغ، لماذا تنحاز الصين ضد إسرائيل، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى 29/11/2023، شوهد في 23/03/2026، https://bit.ly/3TKw6Xy.  تاريخ التصفح: (23/2/2026).

([58])- محمد مكرم بلعاوي، مرجع سابق.

([59])- شير لي يو، مرجع سابق.

([60])- ياسر الطيب، احتفالات الصين بالعيد الثمانين لنهاية الحرب العالمية الثانية الاهداف والانعكاسات، مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية سبتمبر 2025، ، https://bit.ly/49XqO7M.  تاريخ التصفح: (27/02/2026).

([61])- شير لي يو، مرجع سابق.

([62])- الصين واسرائيل علاقات جدية، مرجع سابق.

([63])-  شير لي يو، مرجع سابق.

([64])- عادل عبدالغفار وآخرون، مرجع سابق.

Admin

مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية: مؤسسة فكر وتخطيط استراتيجي تقوم على إعداد التقديرات وتقديم الاستشارات وإدارة المشروعات البحثية حول المتوسط وتفاعلاته الإقليمية والدولية. لا يتبنى المركز أية توجهات مؤسسية حول كل القضايا محل الاهتمام، والآراء المنشورة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى