مستقبل العلاقات الصينية الجزائرية: مبادرة الحزام والطريق أنموذجا

د نوال منصوري ( الجزائر)
كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية، تخصص: دراسات إقليمية، جامعة الجزائر 3
حميد غاني ( الجزائر)
طالب دكتوراه، كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية، دراسات استراتيجية وأمنية، جامعة الجزائر3
الملخص:
تعتبر الصين من بين أكثر الدول التي تشكل تحدياً في مجال التنافس التجاري للولايات المتحدة الأمريكية، وذلك نظراً لقيمة المشاريع الاقتصادية الواعدة التي تطرحها الصين وتلقى رواجا واسعا، ولعل أبرزها مشروع مبادرة “الحزام والطريق”، القائم أساساً على أنقاض طريق الحرير الصيني إبان القرن التاسع عشر.
وفي إطار تعزيز التعاون الثنائي الجزائري الصيني على ضوء مبادئ ومرتكزات الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين، سعت الجزائر للانضمام إلى مبادرة “الحزام والطريق” بهدف استغلال أمثل للفرص الاقتصادية المتاحة والاندماج أكبر في الاقتصاد العالمي، وعلى هذا الأساس تسعى هذه الورقة البحثية إلى تسليط الضوء على انضمام الجزائر إلى هذه المبادرة وتأثير ذلك على الاقتصاد الجزائري.
الكلمات المفتاحية: الصين، الجزائر، الشراكة؛ مبادرة الحزام والطريق؛ التحديات؛ مستقبل وآفاق.
مقدمة:
شكلت المقاربة الاقتصادية الصينية دوراً بارزاً في تعزيز العلاقات الثنائية مع دول المغرب العربي (الجزائر، ليبيا، المغرب، تونس)، وذلك من خلال نسج شبكة متعددة من الشركات الاقتصادية الواعدة مع دول هذه المنطقة، تتصدرها مشاريع إعادة هيكلة البنية التحتية، المبادلات التجارية، الاستثمارات الموجهة، ومبادرة “الحزام والطريق” الذي يعكس واقع وحجم آفاق تطلعات تثبيت الحضور الصيني في المنطقة المغاربية، ويجسد الرؤية الاستراتيجية الصينية التي تسعى إلى رسم ملامح خارطة جيواستراتيجية تأسس إلى فرض نظام ثنائي أو متعدد الأقطاب على المدى المتوسط والبعيد.
هذا الأخير يتحقق وفق الرؤية الصينية عن طريق توسيع شبكات إقليمية ودولية تساهم في بناء مسارات وتوجهات اقتصادية تسمح لها بتنويع القنوات الدبلوماسية مع الدول المغاربية في إطار تجسيد الأهداف الصينية الرامية لتأمين الموارد وتنويع مصادرها، ومن ثم تطوير التجارة البينية التي تمهد إلى تعزيز تواجدها الاقتصادي والسياسي في المنطقة، وتكريس مبدأ الشراكة الاقتصادية الشاملة من بوابة “مبادرة الحزام والطريق”.
الجدير بالذكر في هذا الخصوص، أن الجزائر تعتبر أحد أهم الدعائم الاستراتيجية الأساسية التي ترتكز عليها الصين في تعزيز علاقاتها البينة مع الدول المغاربية، لاسيما على ضوء العلاقات التاريخية المتميزة التي تجمع البلدين والتي أسست لبناء علاقات تعاون وشراكة وثيقة في عدة مجالات بدايةً من مشاريع البنية التحتية وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري.
في سياق متصل لقد وقعت الصين مع الجزائر “اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة سنة 2014″، لتشكل قاعدة اقتصادية متقدمة للصين تسمح لهذه الأخيرة بتوسيع تجارتها واستثماراتها في المنطقة العربية والمغاربية.
بناءً على هذا الأساس تعتبر مبادرة الحزام والطريق فرصة سانحة لتعزيز التجارة العربية والمغاربية، كما تمثل الجزائر أنموذجاً بارزاً يعكس طريقة وكيفية الاستفادة الفعلية للدول العربية والمغاربية من مبادرة الحزام والطريق، باعتبارها قاطرة لتحقيق مشاريع التنمية المستدامة واللحاق بركب الدول المتقدمة والمتطورة.
وبناءً على هذا المنطلق الفكري نطرح الإشكالية التالية: كيف أثرت مبادرة الحزام والطريق على مستقبل العلاقات الصينية-الجزائرية؟
أهداف الدراسة: تهدف هذه الورقة البحثية إلى تحقيق جملة من الأهداف على النحو التالي:
- تحليل تحول وتطور السياسات الصينية تجاه دول المغرب العربي عامة والجزائر خاصة؛
- إبراز دور وأهمية مبادرة الحزام والطريق وانعكاساتها على اقتصاد الوطني الجزائري؛
- استشراف الآفاق المستقبلية للعلاقات الصينية-الجزائرية وتحدياتها في إطار مبادرة الحزام والطريق.
أهمية الدراسة: تتمثل أهمية هذه الدراسة فيما يلي:
- فهم وتحليل مسار العلاقات الثنائية الصينية الجزائرية؛
- إبراز أهم الفرص المتاحة للجزائر في سياق انضمامها إلى مبادرة “الحزام والطريق”، ومدى انسجامها مع التصورات الاستراتيجية لمستقبل العلاقات بين البلدين؛
- عرض أهم التحديات التي تواجه العلاقات الثنائية بين البلدية في إطار مبادرة “الحزام والطريق”،
منهجية الدراسة:
المنهج التاريخي: يهتم بدراسة خافية الظاهرة، مراحل تطورها وأهم الظروف والأسباب التي أدت إلى نشأتها، كما يركز في دراسة الظاهرة محل الدراسة على السياقات الكرونولوجية لفهم وتفسير الوضع الحالي للظاهرة محل الدراسة في وقتها الراهن، مع بناء تصورات للعوامل والاتجاهات المسببة لها في المستقبل([1]).
تم الاعتماد على هذا المنهج لتسليط الضوء على أهم المحطات التاريخية التي عرفتها العلاقات الصينية الجزائرية وتتبع مسارها، وكذا تفسير أهم العوامل والأحداث التاريخية التي ساهمت في نشأة وتطور هذه العلاقات، في سياق يسمح ببناء تصورات مستقبلية لمسار آفاق العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، ومدى إمكانية تجسيدها على أرض الواقع على ضوء تحديات البيئة الدولية.
منهج دراسة الحالة: أسلوب يكتسي طابع الوفرة والشمولية في جمع البيانات والمعلومات عن ظاهرة فردية واحدة أو مجموعة من الحالات يهتم بتقصي أعمق للظاهرة محل الدراسة، وإمكانية اسقاطها على الظواهر التي تقاسمها نفس المميزات والخصائص المدروسة([2]).
تم الاعتماد على هذا المنهج لدراسة حالة العلاقات الصينية الجزائرية كوحدة تحليل فردية في سياق واقعي معقد ومركب يعكس حجم التفاعلات الاقتصادية الاجتماعية السياسية والأمنية في بيئة دولية تنافسية تشكل إحدى التحديات التي تقف حائلا أمام الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستويات الاندماج الاستراتيجي.
المقاربات:
المقاربة الجيويوليتيكية: تهتم هذه المقاربة بدراسة تأثير الموقع الجغرافي على سلوك الدولة في محيطها الخارجي([3])، على هذا الأساس تم توظيف هذه المقاربة باعتبارها تركز على الموقع الجغرافي للدولة ومقوماتها الطبيعية، وهو ما جعل الصين تنسج علاقاتها الاقتصادية، بناء على المكانة الجيوبوليتيكية التي تتبوأها الجزائر على المستوى المغاربي والإفريقي، والذي يمثل أحد أهم المرتكزات الجيواستراتيجية للصين في الحفاظ على مبدأ توازن القوى مع الولايات المتحدة الأمريكية والتنافس الغربي على المنطقة.
هيكل الدراسة: للإجابة على إشكالية هذه الدراسة وتحقيق الأهداف المرجوة من هذه الورقة البحثية تم الاعتماد على الخطة الآتية:
المحور الأول: المرجعية التاريخية للعلاقات الصينية الجزائرية.
المحور الثاني: استراتيجية مشروع مبادرة الحزام والطريق وانعكاساتها على الاقتصاد الجزائري.
المحور الثالث: آفاق وتحديات العلاقات الصينية-الجزائرية في إطار مبادرة الحزام والطريق.
المحور الأول: الخلفية التاريخية للعلاقات الجزائرية الصينية
تتميز العلاقات الجزائرية الصينية بعمقها التاريخي وطابعها الاستراتيجي الشامل فهي علاقات متنوعة وليست وليدة اليوم بل تمتد لعقود من الزمن، حيث تجمع الدولتين روابط تاريخية نتيجة عوامل أساسية ميزت علاقتهما والتي من أهمها مساندة قضايا بعضهما البعض وتضافرهما في العديد من المواقف السياسية والدولية([4]).
أولا: مرحلة التقارب الإيديولوجي
للبعد الإيديولوجي دوراً هاماً في ترسيخ وتوطيد العلاقات الجزائرية الصينية، فمن الناحية التاريخية يعتبر العامل الايديولوجي أقدم من العامل الاقتصادي، مما أدى إلى تقريب وجهات النظر بين الطرفين وتمتين العلاقة بينهما، خاصة في فترة ما بعد استقلال الجزائر.
وتعتبر الصين أول دولة غير عربية إعترفت بحكومة الجمهورية الجزائرية المؤقتة في شهر ديسمبر 1958. وفي المقابل كانت الجزائر من المؤيدين للصين، حيث أنه بعد مؤتمر بان دونغ سنة 1955 تم الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية من قبل دول المغرب العربي وفي مقدمتها الجزائر([5]).
ثانيا: مرحلة التعاون الاقتصادي
بعدما كان نمط العلاقات التي تجمع الصين بالجزائر يركز على الخطاب الإيديولوجي تحولت السياسة الخارجية للطرفين إلى الاهتمام بالبعد الاقتصادي المتعلق بالتنمية المشتركة،هذا التغيير جاء في وضع دولي أفضت إليه الحرب الباردة ،والذي تميز بازدياد أهمية العامل الاقتصادي في العلاقات الدولية ومحاولة الصين من خلال إمكانياتها الاقتصادية تفعيل سياستها الخارجية بوسائل سلمية من أجل تعزيز مكانتها في النظام الدولي.
أما بالنسبة للدعم العسكري والمادي الصيني للجزائر، فقد تمثل في تغطية مالية وتجهيزات عسكرية، حيث أنه وفي سنة 1958 قدمت الصين للجزائر 4.9 مليون دولار، و12 مليون دولار سنة 1959، وفي نفس السنة سلمت الصين لممثلي جبهة التحرير الوطني 2 مليون فرنك فرنسي. ولقد استمرت المساعدات بعد فترة الاستقلال لتحقيق التنمية ومحاربة التخلف، وفي المقابل للجزائر دور تاريخي في استعادة الصين لموقعها في هيئة الأمم المتحدة والعضوية الدائمة في مجلس الأمن([6]).
سعت الصين كذلك إلى تعديل استراتيجيتها التنموية على المستويين الداخلي والخارجي، وذلك بعد وصول المحدثين إلى السلطة أواخر عام 1978، إذ تبنوا استراتيجية اقتصادية جديدة تهدف إلى مضاعفة الإنتاج في القطاعين الزراعي والصناعي. وقد انعكس هذا التحول على العلاقات الصينية الجزائرية، حيث تُعدّ الصين شريكًا للجزائر في مجال الطاقة ([7]).
وقد أصبحت الصين، منذ سنة 2013، المورد الأول للجزائر بمختلف السلع، منتزعة بذلك هذه المكانة من دول أوروبية ظلت مهيمنة على السوق الجزائرية لعقود، إذ بلغ حجم الصادرات الصينية إلى الجزائر نحو 8 مليارات دولار مع نهاية سنة 2019([8]).
المحور الثاني: استراتيجية مشروع مبادرة الحزام والطريق وانعكاساتها على الاقتصاد الجزائري
أولا: المسار التاريخي لمبادرة “الحزام والطريق” أو “طريق الحرير الجديد”
يعد مشروع طريق الحرير الجديد، أو ما عرف في البداية بمبادرة الحزام والطريق (The Belt and Road Initiative)، مبادرة تنموية تقوم على مجموعة من طرق التجارة التي ارتبطت قديما، عبر آسيا الوسطى، بحضارتين واقتصادين رائدين في العالم هما الصين وأوروبا. وقد سمي هذا الممر رمزيا بطريق الحرير، والغرض منه في الواقع بناء شبكة متكاملة من روابط النقل والطاقة في المنطقة التي تصل الشرق الأقصى بأوروبا، وربط اقتصادات الدول الأوروبية المتقدمة بالاقتصادات الناشئة في الصين وبعض الدول الآسيوية الأخرى.
يحمل طريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين في ثناياه استراتيجيتين من نوفمبر 2013 إلى آفاق 2045، تهدف إلى ضمان نمو اقتصادي مستقر وأكثر استقرارا في الصين وتعزيز علاقات الصين الاقتصادية والنقل مع جوارها في آسيا الوسطى، وكذلك مع أوروبا وجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا وأفريقيا من جانبها الاقتصادي.
- الممرات البحرية للمبادرة:
ينطلق هذا الممر من مدينة فوجو الصينية، مرورا بفيتنام وإندونيسيا وبنغلاديش والهند وسريلانكا وجزر المالديف، ثم شرق أفريقيا على امتداد الساحل الأفريقي، متجها نحو البحر الأحمر فقناة السويس، ومنها إلى البحر المتوسط باتجاه أوروبا، ليصل بعد ذلك إلى ساحل الصين([9]).
- الممرات البرية للمبادرة: يشمل الحزام البري ست ممرات وهي:
- ممر الصين-منغوليا-روسيا الذي يمتد من شمالي الصين إلى الشرق الروسي.
- الممر الاقتصادي الذي يمتد من غربي الصين إلى روسيا الغربية.
- ممر الصين-آسيا الوسطى-آسيا الغربية الذي يمتد من غربي الصين إلى تركيا.
- ممر الصين-شبه جزيرة الهند الصينية، الذي يمتد من جنوبي الصين إلى سنغافورة.
- ممر الصين-باكستان الذي يمتد من غربي الصين إلى باكستان.
- ممر بنغلاديش-الصين-الهند-ميانمار الذي يمتد من جنوبي إلى الهند([10]).
الخريطة رقم 01: أهم مسالك مبادرة الحزام والطريق (طريق الحرير الجديد)

المصدر: حسن ماهر بوكلي، محمد بومرزاق، مرجع سابق، ص229.
وقد وضعت الصين خمس أولويات رئيسية لتنفيذ المبادرة، هي: تنسيق السياسات، وربط البنية التحتية، والتجارة دون عوائق، والتكامل المالي، وتوثيق الروابط بين الشعوب. وتشمل المبادرة برامج استثمارية ضخمة في مشاريع البنية التحتية، كما تتحول إلى آلية لتنشيط التجارة بين الصين وشركاء المبادرة، ولا سيما في المنطقة العربية([11]).
أما من ناحية الأرقام، فإن مبادرة الحزام والطريق تشتمل على ما يلي :
يبلغ عدد المشاريع المطروحة 2631 مشروعا بقيمة إجمالية قدرها 3.7 تريليون دولار أمريكي، مع التعاقد مع 2600 شركة ومؤسسة دولية، كما جرى توقيع عدة مذكرات تعاون مشترك مع 126 دولة و29 منظمة دولية. وقد تجاوز حجم التبادل التجاري في إطار المبادرة 6 تريليونات دولار أمريكي، والأهم من ذلك كله أن المبادرة أسهمت في توفير 244 ألف وظيفة جديدة، كما صرف مبلغ 440 مليار دولار على مشاريع البنية التحتية. وإضافة إلى ذلك، أقدمت 11 بنكا صينيا على افتتاح 76 فرعا في 28 بلدا منضما إلى المبادرة، وفي المقابل افتتحت 50 بنكا تابعا لـ22 دولة منضمة فروعا لها([12]).
ثانيا: أهداف مبادرة “الحزام والطريق“
لقيت المبادرة تجاوبا ومشاركة نشطة من 123 دولة، بينها دول عربية وشرق أوسطية، ويشمل نطاقها نحو 70 دولة في القارات الثلاث: آسيا وأفريقيا وأوروبا. وبذلك تعد المبادرة محورا للعمل التعاوني والصداقة مع الدول الشريكة، حيث أشار الرئيس الصيني شي جينبينغ في خطابه الذي ألقاه في الجلسة الافتتاحية للدورة الأولى لقمة الحزام والطريق للتعاون الدولي، ببكين في 14 ماي 2017، قائلا: «إن روح المبادرة تعني التعاون السلمي والانفتاح والتسامح والاستفادة المتبادلة والمنفعة المتبادلة والكسب والمصير المشترك»([13]).
كما تشكل مبادرة”الحزام والطريق” إطار عمل رئيسي تسعى من خلاله الصين إلى نشر خطابها القائم على مفهوم “القوة الناعمة”، عبر تسهيل المشاريع والخطابات المرتكزة على المشاريع الاقتصادية التنموية المشتركة، والتعبير على أنها مختلفة عن الدول الغربية بالنظر لتاريخها الخالي من الظاهرة الاستعمارية لا سيما في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بالإضافة إلى إلتزامها الدائم بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ودعواتها المتكررة إلى التعاون والتضامن الدولي المتعدد الأطراف([14]).
وترتكز المبادرة على أهداف عدة، متمثلة أساسا في:
- تصدير منتجاتها إلى الخارج، خاصة بالنسبة للصناعات الثقيلة الحديد والمعدات والمواد الأولية.
- محاولة الصين لتبوء مكانة القطب الاقتصادي عبر تطوير البنية التحتية الأساسية للدول الأعضاء في مبادرة الحزام والطريق.
- دفع التبادلات الاقتصادية لتصل إلى مستويات عالية وإقامة المناطق الحرة([15]).
- إحياء طريق البري (الحزام) والطريق البحري (الطريق) اللذين كانا يربطان الصين بالعالم قبل ألاف السنين.
- التركيز على التنسيق السياسي بين الدول وتعزيز التواصل والحوار والتجارة دون عوائق لتهيئة الظروف اللازمة للتنمية الاقتصادية.
- ربط دول القارات الثلاث أسيا، أوروبا، افريقيا عبر شبكة مواصلات من الجسور والطرقات والسكك الحديدية، وكذلك بناء الموانئ والمطارات وانشاء مناطق التجارة الحرة([16]).
- تعزيز البحث العلمي والبيئي، خاصة أنشطة تربية وصيد الأسماك.
- تعزيز التعاون الاقتصادي مع تشجيع التجارة والاستثمار، وتسهيل عملية تحويل العملات بين الدول.
- دعم عملية التبادل الثقافي بين الشعوب.
كما تمتلك هذه المبادرة فرص نجاح كبيرة، وفي نفس الوقت تكتنفها فرص عديدة للفشل، وكلاهما يعتمد على مدى توافر أو انعدام العوامل المؤدية لكلا الاحتمالين([17]).
وبناء على ما سبق، يمكن القول بأنه رغم عدم تواجد الجزائر -بصورة مباشرة- ضمن الخطوط الرئيسة لمبادرة “الحزام والطريق”، إلا أنها تظل تحظى بأهمية ضمن هذه المبادرة. وذلك بسبب العلاقات الثنائية المتميزة بين البلدين منذ سنين، التي تترجمها الأرقام والإحصائيات المتعلقة بالتجارة والاستثمار؛ فضلا عن مكانة الجزائر في شمال أفريقيا وجنوب أوروبا، وكذلك بصفتها إحدى البوابات المهمة لغرب إفريقيا.
ثالثاً: انعكاسات مبادرة الحزام والطريق على الجزائر
1-المبادلات التجارية الصينية الجزائرية:
في عام 2019 بلغت الصادرات الصينية إلى الجزائر 7 مليارات دولار، في حين اقتربت صادرات الجزائر إلى الصين من 1.2 مليار دولار، ولقد تم تسهيل التبادل التجاري بشكل أكبر من خلال زيادة عدد الرحلات المباشرة والمتصلة([18]).Haut du formulaire
وفي هذا الإطار يرى الخبير الاقتصادي ومدير مخبر الاقتصاد السياسي، “علي قابوسة” في حوار لـ”الجزائر” أن “المشروع (مبادرة الحزام والطريق) سيكون بديلاً واعداً لإعادة رسم الجزائر ضمن خارطة الاقتصاد العالمي “.
وأوضح في هذا الشأن أن: “الجزائر باعتبارها بلدا قارة لها مساحة وامتداد واسع، فسوف تستفيد من شبكة الطرقات والخطوط نحو العمق الإفريقي بالخصوص والتي سوف يوفرها المشروع، في عمليات الاستيراد والتصدير ومختلف التبادلات التجارية والخدمات”.
وقد وقعت في مارس 2021 مذكرة تفاهم بين المؤسسة الوطنية للحديد والصلب «فيرال» وائتلاف شركات صينية، من أجل استغلال منجم الحديد في تندوف، على أن يكون تمويل المشروع جزائريا صينيا مشتركا. وقبل ذلك جرى تفعيل صفقة إنجاز ميناء الحمدانية بتيبازة، الذي يهدف إلى فك العزلة عن الدول الأفريقية التي لا تملك منافذ بحرية، وما يرافق ذلك من دفع قوي للحياة الاقتصادية وتوفير مناصب الشغل. وسينجز الميناء، حسب تقديرات وزارة الأشغال العمومية، بتمويل مشترك جزائري صيني، عبر قرض طويل الأجل من الصندوق الوطني للاستثمار والبنك الصيني “إكسيم بنك”([19]).
في عام 2022، وقع البلدان الخطة الخماسية الثانية للتعاون الاستراتيجي الشامل للفترة الممتدة بين عامي(2022 -2026)، ويشمل التعاون بين الجزائر والصين مجالات التجارة، الطاقة الزراعة والتكنولوجيا، بالإضافة إلى دعم جهود التنويع الاقتصادي وإجراء بحوث مشتركة في مجالات العلوم والفضاء والصحة، إلى جانب التبادلات الثقافية والتعليمية، ما يعكس عمق هذه الشراكة واتساع نطاقها.[20]
2-الاستثمارات الصينية في الجزائر:
يشكل الاستثمار مجالا آخر للتعاون بين الصين والجزائر إذ عملت بكين على تدعيم تواجد شركاتها بهذه المنطقة، حيث وقعت شركة صينية بالجزائر في سنة 2017 على إنشاء مصنع لتجميع السيارات من علامة “فاو” ([21]).
بلغ حجم التجارة الثنائية بين الصين والجزائر نحو 12,5 مليار دولار في عام 2024، وفي نفس السنة أطلق مشروع منجم الفوسفات في بلاد الحدبة، الذي تبلغ تكلفته 7 مليارات دولار بالتعاون مع شركتي”ووهوان” (Wuhuan) و”تيانان” (Tian’an) الصينيتين، ويركز هذا المشروع على التعدين وإنتاج الأسمدة، ويهدف إلى خلق أكثر من 12 ألف فرصة عمل وتعزيز قدرات الجزائر الصناعية.
كما عززت الجزائر والصين تعاونهما في قطاع صناعة السيارات، ومن أبرز الأمثلة على ذلك مصنع “جيتور (Jetour)للسيارات في ولاية باتنة بتكلفة 105 مليون دولار أمريكي وهو مشروع مشترك بين شركة”فوندال”(Fondal) الجزائرية وشركة جيتور الصينية الذي يهدف إلى إنتاج 270 ألف مركبة خلال خمس سنوات.
بالإضافة إلى هذه المشاريع، وُقعت أكثر من اثنتي عشرة اتفاقية بين أبريل ومايو 2025 بهدف ترسيخ التعاون في مجالات الطاقة والتصنيع والزراعة والبنية التحتية، كما أُبرمت ثماني اتفاقيات إضافية خلال منتدى الأعمال الجزائري الصيني الذي انعقد في أبريل 2025 وتركزت على الاستثمارات الصناعية والزراعية([22]).
وكخلاصة لهذا العنصر، يمكن القول بأن انضمام الجزائر إلى مبادرة الحزام والطريق من جهة فتح لها عدة مجالات للتعاون، ومن جهة أخرى عمق العلاقات الثنائية بين البلدين، كما استفادت الصين بدورها من وجود الجزائر في هذه المبادرة بحكم ما تتمتع به هذه الأخيرة من أهمية استراتيجية، وبذلك تكون هذه المبادرة بمثابة جسر تعاون جديد لتمتين وتوسيع العلاقات بين الجزائر والصين في عدة مجالات.
المحور الثالث: آفاق وتحديات العلاقات الجزائرية الصينية في إطار مبادرة الحزام والطريق
أولاً: تحديات الشراكة الاستراتيجية الشاملة الجزائرية الصينية في القرن الحادي والعشرين
في خضم التحولات الجيواستراتيجية الراهنة، تواجه العلاقات الصينية الجزائرية الكثير من العقبات والتحديات التي تقف حائلاً أمام تحقيق آفاق الشراكة الشاملة، لعل من أبرزها ما يلي:
1-التباين الاقتصادي وتداعياته على العلاقات الصينية الجزائرية:
حسب التقرير السنوي للعلاقات الاقتصادية الصادر في 25 ديسمبر 2021، والمتضمن العلاقات الاقتصادية بين الصين والدول الأفريقية على المستويين التجاري والاقتصادي رُجحت الكفة لصالح الصين واعتبرها علاقات غير متكافئة، وقد يعود السبب في ذلك لحجم الصادرات الصينية للجزائر التي قدرت بـــ7.9 مليار دولار، بينما قدرت صادرات الجزائر نحو الصين بـــ 1,2 مليار دولار.
وفي ظل تلك المؤشرات، يبرز فارق التفاوت في الميزان التجاري الذي يصب في مصلحة الصين التي تمثل المصدر الأول للجزائر بواردات تفوق قيمتها 841 مليار دولار سنوياً، وبحوالي أكثر من 18% من المجموع الكلي للواردات الجزائرية، بالمقابل سجلت الصادرات الجزائرية إلى الصين قيمة لا تتجاوز 333 مليون دولار سنوياً([23]).
2-على مستوى التنافس الاستراتيجي:
في ظل التنافس الاستراتيجي الدولي، تتجه عدد من الدول لطرح بعض المشاريع لتنافس مبادرة طريق الحرير الصيني، كالمقترح الهندي المتضمن تشييد ممر قاري جديد تحت مسمى (Afrique Roue De La Croissance Asie) “ممر النمور في آسيا وإفريقيا” كمشروع موازي لتوجه الاقتصادي الصيني عبر مبادرة الحزام والطريق.
وفي سياق متصل، تقدمت اليابان في شهر أوت من عام 2016 بمبادرة سميت بـــ: “محيط هادئ وهندي حر ومفتوح” التي تهدف لتوطيد العلاقات الجيو-اقتصادية والجيو-أمنية في المنطقة، ولقد دعمت كل من الهند، أستراليا والولايات المتحدة الأمريكية هذه المبادرة التي تشمل عدد من دول المناطق الأفريقية والآسيوية، لتعكس حجم طبيعة التنافس الاستراتيجي الصيني الياباني وكذا الصيني الهندي([24]).
3-العلاقات الثنائية الجزائرية الأمريكية
مع مطلع الألفية الثالثة برزت مساعي جزائرية حثيثة لتنويع المتعاملين والشركاء الاقتصاديين، وهذا ما يتجلى من خلال زيارة المستشار الأمريكي للجزائر([25]). من هذا المنطلق، تسعى الجزائر وواشنطن لبذل جهود أكبر لتعزيز التعاون بين البلدين في المجال العسكري والاقتصادي، كما تأتي هذه المبادرة لتعزز مساعي البلدين لإرساء معالم السلم والأمن الإقليمي والدولي، وتم تجسيد ذلك بتوقيع مذكرة تفاهم في مجال التعاون العسكري بين الجزائر والقيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا “أفريكوم”([26]).
4-التحديات الثقافية:
على المستوى الثقافي الجزائري، يُلاحظ ندرة استخدام اللغة الصينية مقارنةً بنظيرتها الفرنسية، مما يعكس التفوق الفرنسي على الصين في البعد الثقافي للعلاقات التي تجمع بين البلدين، إذ يمثل هذا المعطى مؤشر على توسع النفوذ الفرنسي وتواجده بشكل أكبر([27]).
ومن ناحية أخرى وتزامناً مع التطورات الحاصلة على المستوى الدولي، تعتبر اللغة الانجليزية من بين أكثر اللغات في العالم من حيث طلب تعليمها واكتسابها، نظراً لاستخدامها في العلاقات الدولية، بما في ذلك مختلف القطاعات الحيوية، هذا الأخير يعكس رغبة صانع القرار الجزائري دعمه فكرة اعتماد اللغة الانجليزية بدل الفرنسية في تدريس الطب([28]).
وعليه يبدو أن الجزائر تتجه تدريجياً نحو التخلي التام عن اللغة الفرنسية هي الأخرى وذلك باعتبار أن اللغة الإنجليزية الأولى عالمياً، لا سيما على ضوء ارتباطها بالتكنولوجيات الحديثة والثروة المعلوماتية، مما يجعلها مفتاح للتواصل الدولي والولوج إلى العالم([29]). في هذا الصدد، يرى الكاتب “جيفري جيل” من خلال كتابه “صعود اللغة الصينية” فكرة توفر الشواهد والمؤشرات التي تدل على استعمال اللغة الصينية في العديد من المواقف الدولية والعالمية إلى جانب اللغة الإنجليزية([30]).
ثانياً: التوجهات الاستراتيجية للعلاقات الجزائرية الصينية في إطار مبادرة الحزام والطريق
الصين قوة استراتيجية صاعدة تسعى لتوسيع نفوذها في أفريقيا، بناءً على ما تقتضيه مرتكزات استراتيجيتها المكرسة سنة 2006 تجاه القارة الأفريقية، إذ عملت الصين على خلق فرص جديدة للاستثمار ورفع مستوى المعاملات الاقتصادية والتجارية لترتقي بهذه العلاقات إلى مستوى التنسيق الأمني والعسكري([31])، من هذا المنطلق تعتبر الجزائر من بين أحد أهم الدول المغاربية والأفريقية التي تدخل ضمن حسابات الصين في إطار إنعاش مبادرة الحزام والطريق، مما جعل البلدان يوسعان شراكتهما لتشمل أهم القطاعات الحيوية ومختلف المجالات كما هو موضح فيما يلي:
1-البعد السياسي في العلاقات الصينية الجزائرية:
تتسم العلاقات الجزائرية الصينية بانسجام واضح في الرؤى، ويتضح ذلك جلياً من خلال استقراء مواقف البلدين إزاء مطالبتهما بإقامة نظام عالمي يتسم بالعدالة الإنسانية، فعلى ممر السنوات دعما البلدين فكرة التعاون جنوب جنوب كمقاربة للتصدي للفقر والتخلف، من هذا المنطلق، لطالما التزمت الجزائر بإتاحة الفرصة لاستقطاب الشركات الصينية لتعزيز وترقية مختلف المشاريع التنموية([32]).
2–التعاون العسكري الصيني الجزائري ومقاربة توطين التكنولوجيا العسكرية:
أفاد بيان وزارة الدفاع الجزائرية أنه في إطار تعزيز العلاقات الثنائية العسكرية الصينية الجزائرية قام السيد الفريق الأول، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي بزيارة إلى الصين تدخل ضمن التعاون العسكري بين جيوش البلدين، كما أفاد ذات البيان أن هذه الزيارة فرصة سانحة للطرفين للبحث عن سبل تعزيز أواصر علاقات التعاون العسكري للبلدين([33]).
3-على المستوى الاقتصادي
- في مجال الاستثمار: سجلت مجموعة الاستثمارات الصينية بالجزائر حوالي “06%” من مجمل الاستثمارات الصينية في أفريقيا، لتحتل بذلك الجزائر المرتبة الرابعة إفريقياً بعد كل من جنوب أفريقيا، زامبيا ونيجيريا، هذا المعطى يعكس أهمية ومكانة الجزائر في الاستراتيجية الاقتصادية الصينية، إذ تعتبر الجزائر أحد أهم وأبرز الدول المغاربية المستقبلة للاستثمارات الصينية بأفريقيا([34]).
ويعكس المشروع الاستثماري لإنشاء مركب صناعي بقيمة “1.6 مليار دولار” الذي أبدت الشركة الصينية “أسيا بوتاش انترناشيونال انفستمنت” رغبتها في تبنيه، مدى توافق الرؤى الاقتصادية للشركة الصينية وانسجامها مع الاستراتيجية الوطنية في مجال تطوير الطاقات المتجددة وتثمين الموارد المنجمية. وتأتي هذه المبادرة لتأكد على أن الجزائر تتمتع بالمقومات اللازمة والشروط الضرورية للارتقاء بهذا المشروع، خاصة في ظل توفر مادة الفوسفات والغاز الطبيعي في الجزائر مما يجعل هذا المشروع قابل للتجسيد([35]).
4-مبدأ الشراكة الاستراتيجية الشاملة في ظل مبادرة “الحزام والطريق”:
العلاقات الجزائرية الصينية لم تقتصر على الخلفية الايديولوجية، بل شملت علاقاتهما الثنائية البعد الاقتصادي كمحصلة لتحولات السياسة الخارجية لكلا الطرفين([36])،ومن مؤشرات تجسيد تلك التصورات، وقعت الصين على اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع الجزائر عام 2014، كتتويج لأول اتفاقية تبرم بين الصين وأحد البلدان العربية في خضم مساعيها لتبوء مكانة راقية دوليا تعكس حجم قدراتها الاقتصادية والتجارية، ولقد تم تجسيد تلك الشراكة بوضع ما يعرف بالمخطط الخماسي
للتعاون الاستراتيجي الشامل( 2014_2018)، تلاها أيضاً مشروع انضمام الجزائر إلى “مبادرة الحزام والطريق” عام 2019 ([37]).
5-الموقع الجيوبوليتيكي ودوره في تمتين العلاقات الثنائية الصينية الجزائرية:
بناءً على مقاربة جيوبوليتيكية يضع صانع القرار الجزائري تصوراته لمختلف الرؤى المستقبلية لبناء جسور التعاون وتمتين العلاقة البينية مع الصين، بحيث لن يعود هذا التعاون بالنفع على البلدين فقط، بل للقارة الأفريقية ككل، فالموقع الجيوبوليتيكي الذي يميز الجزائر جعلها حلقة ربط وهمزة وصل فعلية لدينامية التعاون المشترك مع دول القارة الأفريقية.
ولعل المحرك الأساسي لهذه الدينامية مستقبلاً كمشاريع واعدة تشرف على إنجازها الصين ميناء الحمدانية الذي يربط الشمال الجزائري بالضفة المتوسطية، والذي يمثل شريان اقتصادي ومشروع استراتيجي يعود بالنفع على جميع الدول الأفريقية نظراً لحجم السلع وتبادلاتها التي سيوفرها هذا المشروع مستقبلاً([38]).
6-المجال الثقافي:
في إطار تفعيل مسار أفق التعاون الثقافي بين الجزائر والصين، يتضح أن البلدين قد قطع خطوات نحو بناء لبنة جديدة لتعزيز التعاون في شقه الأكاديمي والتبادل الثقافي، على خلفية تشييد “معهد كونفوشيوس” لتعليم اللغة الصينية، وهذا ما أكد عليه السيد وزير التعليم العالي والبحث العلمي أثناء تدشين المعهد، واعتبره حدث هام يهدف ودعامة أساسية لإرساء وتقوية العلاقات الصينية الجزائرية في البعدين الثقافي والعلمي([39]).
7-المجال العلمي والتكنولوجي
تسعى الجزائر والصين إلى تعزيز أفق التعاون في مجال البحث العلمي والتطورات التكنولوجية، وهذا ما دعا البلدين لتشجيع مشروع تبادل محاضرين من أعلى المستويات وتوأمة الجامعات الصينية الجزائرية، فضلاً عن فكرة تبادل المشاركة في مختلف التظاهرات العلمية المبرمجة في كلا البلدين، إضافة إلى العمل على تحفيز استقبال الباحثين في إطار تحرير وإعداد مشاريع الدكتوراه. كما ناقش الطرفين مسألة التبادل الطلابي في إطار تعزيز الرحلات اللغوية التي تمثل أحد الدعائم المساهمة في الارتقاء بمستوى التعليم وتلقينه باللغة الصينية في الجزائر([40]).
8-التعاون الصيني الجزائري في مجال الفضاء الخارجي:
بمناسبة العملية الناجحة لإطلاق القمر الصناعي الفضائي “ألسات 3” التي تلي مشروع إطلاق القمر الصناعي الفضائي “ألسات 1” تلقى الرئيس الجزائري رسالة تهنئة من نظيره الرئيس الصيني، وتندرج هذه العملية ضمن آفاق مشروع العلاقات الاستراتيجية الشاملة بين البلدين لتعكس مدى التعاون الإيجابي والناجح بين البلدين على مستوى التعاون الثنائي في مجال الفضاء الخارجي([41]).
الخاتمة:
تُعد العلاقات الصينية الجزائرية أنموذجاً متنامياً لدينامكية التفاعل المزدوج بين العلاقات التاريخية والتحديات الجيوسياسية الراهنة، بحيث تأسست العلاقات بين البلدين على قاعد سياسية داعمة لحركات التحرر ومناهضة لظاهرة الاستعمار وجميع أشكال التمييز العنصري.
هذه العلاقات، تتجاوز الخلفية التاريخية لتشمل الأبعاد الاقتصادية، السياسية والجيوسياسية، بحيث تتجسد عملياً في إطار “مشروع الشراكة الاستراتيجية الشامة لسنة 2014″، لتتجاوز بذلك البعد الثنائي نحو إدماج الشراكة الصينية الجزائرية ضمن تصورات جيواستراتيجية أوسع، يتصدر أولوياتها “مشروع الحزام والطريق،” الذي يتوافق ضمنياً مع مصالح البلدين وفق الرؤى المشتركة التي تهدف لكسر غطرسة الهيمنة الغربية وإعادة تشكيل التوازنات الدولية والإقليمية على أسس العدل والمساواة بين الشمال والجنوب.
من هذا المنطلق، تنظر الصين إلى الجزائر باعتبارها شريكٌ يُعتدّ به وبيئة اقتصادية جاذبة للاستثمارات، بحكم تطلعاتها لربط الجزائر وتعزيز موقعها العربي والأفريقي بمشروع “الحزام والطريق”، من أجل الظفر بشراكة استراتيجية شاملة في ظل بيئة دولية تتميز بالتنافس الاقتصادي والجيوسياسي.
بالمقابل وعلى النقيض من ذلك، هناك العديد من التحديات والعقبات التي تقف حائلا أمام البلدين لتحقيق أهداف الشراكة والمضي قدماً بمشروع “الحزام والطريق”، لعل من بين أبرزها التنافس الجيوسياسي لمشاريع موازية للمشروع الصيني، عدم تكافئ الميزان التجاري بين البلدين، التنافس الدولي على أفريقيا والمغرب العربي، وإشكالية ضعف التبادل الثقافي والحضاري بين البلدين مما يخلق تحدي لمستقبل، آفاق وتطلعات العلاقات الصينية الجزائرية.
ولقد توصلت هذه الدراسة إلى النتائج التالية:
- للجزائر والصين علاقات متينة تعود بداياتها إلى المواقف السياسي الثابتة للبلدين الداعمة للحركات الوطنية التحررية، تعزيز مبدأ السيادة للدول المستعمرة واستقلالها الوطني، وصولاً إلى مستوى التقارب الاقتصادي والاجتماعي.
- مكانة الجزائر وثقلها الإقليمي، القاري والدولي، فضلاً عن موقعها الجيوبوليتيكي جعلها تدخل ضمن أولوية الاستراتيجية الصينية الشاملة المجسدة في مشروع “الحزام والطريق”، والذي يعود بدوره بالنفع على البلدين على جميع الأصعدة.
- على الرغم من الفرص والآفاق المتاحة للجزائر للولوج والاندماج أكثر في السوق العالمية وتحويل الاستثمارات الصينية إلى إنتاج وإعادة هيكلة البنى التحتية، إلا أن ذلك لا يحجب واقع التحديات البنيوية للشراكة، ما يفتح باب التساؤل حول المكاسب طويلة المدى.
ومن خلال هذه الدراسة، يمكن صياغة الاقتراحات التالية:
- في ظل التنافس الصيني الأطلسي على المنطقة المغاربية، يتطلب من الجزائر القدرة على التكيف الاستراتيجي، بما يخدم مصالحها الحيوية، ويحافظ على استقلال قراراتها وتصوراتها السياسية لمواجهة مختلف التحديات الجيوسياسية الراهنة.
- تعزيز فرصة نقل التكنولوجيا، عبر فرض معادلة الاستثمار مقابل نقل التكنولوجيا وتكوين الكوادر الجزائرية الوطنية، بهدف التخلص النهائي من التبعية التقنية للخارج.
- تعزيز الأمن الاقتصادي عبر تنويع الصادرة نحو الصين، وتقليص الاعتماد على الطابع الريعي.
- الاستثمار في الموقع الجيوبوليتيكي ومكانة الجزائر في المتوسط، ضمن شبكات “مشروع الحزام والطريق” لنسج علاقات مع الضفتين والانفتاح أكثر على الأسواق العالمية.
- تفعيل القوة الناعمة، عبر توأمة مراكز البحث بين البلدين لتحفيز الأكاديميين والباحثين على الانخراط والاحتكاك بثقافة الصينية، من أجل تقوية أواصر العلاقات على المستوى الثقافي والاجتماعي.
([1])-مونية زوقاي، “مناهج البحث العلمي في العلوم الإنسانية والاجتماعية”، في منهجية البحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية لإعداد المذكرات والأطروحات، عبد القادر الهلي، ط.1 (الجزائر: دار الضحى للنشر والاشهار، 2024)، ص37.
([3])- نوار جليل هاشم، محمد كاظم عباس المعيني، “ما بين الجيوبوليتيك والجيواستراتيجية دراسة في اختلاف المفاهيم”، المجلة الأكاديمية للبحوث القانونية والسياسية، المجلد 4، العدد 2 (2020)، ص436.
([4])- فايزة بن يعقوب، “التحول في العلاقات الصينية الجزائرية من الإيديولوجيا إلى الكل الاقتصادي”، مجلة السياسة العالمية، المجلد 8، العدد 2 (2024)، ص283.
([5])- حسين سالم، العلاقات الصينية المغاربية-الجزائر أنموذجا–، أطروحة دكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، تخصص دراسات أسيوية، جامعة الجزائر 3، كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية، 2017/2018، ص ص125-134.
([6])-حسين سالم، مرجع سابق، ص ص126-128
([7])-فازية بن يعقوب، مرجع سابق، ص ص282،281.
([8])- صالح زياني، يوسف بوعندل، “العلاقات الجزائرية الصينية: مشروع شراكة استراتيجية شاملة وواعدة في ضوء مبادرة طريق الحرير الجديد”، المجلة الجزائرية للأمن والتنمية، المجلد 12، العدد 01 (جانفي 2023)، ص64.
([9])- حسن ماهر بوكلي، محمد بومرزاق، “أثر مشروع طريق الحرير الجديد على الأمن والتنمية في الجزائر”، حوليات جامعة قالمة للعلوم الاجتماعية والإنسانية، المجلد 18، العدد 02 (ديسمبر 2024)، ص ص.228-230.
([10])- إلهام بوروينة، وهبي زكرياء، ” العلاقات الجزائرية الصينية في ضوء مبادرة الحزام والطريق: موازنة بين الجهود المبذولة والتحديات
المفروضة”، مجلة الناقد للدراسات السياسية، المجلد 09، العدد 01 (2025)، ص 209.
([11])- هبة علوي، ” أثر فاعلية مبادرة الحزام والطريق على تعزيز علاقات التعاون الصينية العربية”، مجلة العلوم الإنسانية والطبيعية، المجلد 04، العدد 05 (ماي 2023)، ص 321.
([12] )-حنينة رجوح، عتيقة كواشي، “الشراكة الجزائرية الصينية على ضوء مبادرة الحزام والطريق: المكاسب والمخاطر”، مجلة السياسة العالمية، المجلد 6، العدد 1 (2022)، ص 220.
([13]) -هبة علوي، مرجع سابق، ص323،322.
([14]) -حنينة رجوح، عتيقة كواشي،مرجع سابق، ص221.
([15]) -حسن ماهر بوكلي، محمد بومرزاق، مرجع سابق، ص ص223،223.
([16])- هبة علوي، مرجع سابق، ص323،322.
([17])- حنينة رجوح، عتيقة كواشي، مرجع سابق، ص221.
([18]) -عائشة قندوز، “دور طريق الحرير الجديد في تنمية التجارة الخاردية الجزائرية-مقاربة تحليلية للعلاقات الاقتصادية الجزائرية الصينية، مجلة الباحث الاقتصادي، المجلد 08، العدد 01 (2020)، ص128.
([19])- ” خبراء يقرؤون مستقبل العلاقات الإقتصادية بين الجزائر والصين: مبادرة الحزام والطريق.. نافذة ستفتح آفاقا واسعة للإقتصاد الوطني”، (23/03/2022)، https://2u.pw/eeiUY2.تاريخ الاطلاع: (26/02/2026)،
([20])- يحي ح زبير، “الصين في المغرب العربي: نحو عصر جديد من النفوذ الجيوسياسي”، مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، موجز قضية (أكتوبر 2025)، ص.2.
([21] )- حسن ماهر بوكلي، محمد بومرزاق، مرجع سابق، ص235.
([22])- يحي ح زبير، مرجع سابق، ص3.
([23])- فايزة بن يعقوب، مرجع سابق، ص ص 287_290.
([24])- عبد القادر بولرباح، العلاقات الصينية الجزائرية في ظل مشروع طريق الحرير –نحو بناء محور استراتيجي اقليمي-، أطروحة دكتوراه منشورة، تخصص: الدبلوماسية والتعاون الدولي، جامعة باتنة 1، كلية الحقوق والعلم السياسية، 2024/2025، ص 293.
([25])- عباس ميموني،”الجزائر والولايات المتحدة الأمريكية عهد جديد نحو شراكة استراتيجية (تقرير)”، (31/07/2025)، (12/04/2026)، https://2u.pw/PwsbVZ.
([26])- إلهام قرباح،”ما مستقبل الشراكة بين أمريكا والجزائر بعد عودة ترامب”، (01/02/2025)، (12/04/2026)،https://n9.cl/sahgd2.
([27]) -سارة جندي، الصين والتوازنات الدولية دراسة حالة العلاقات الجزائرية الصينية، أطرحة دكتوراه منشورة، تخصص: علاقات دولية، جامعة الجزائر 3، كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية، 2021/2022، ص 219.
([28]) –“الرئيس الجزائري يدعم اعتماد الانجليزية بدل الفرنسية في تدريس الطب”،(25/04/2025)،أنظر في: https://2u.pw/SNTZ4C. (12/04/2026).
([29]) -سيهام بوطغان، “تعليم اللغة الإنجليزية في المدرسة الجزائرية آفاقها وتحدياتها الطور الابتدائي أنموذجاً”، مجلة السراج، المجلد08، العدد01 (2024)، ص 152.
([30]) -عبد الحليم حفينة، “اللغة الصينية تصعد عالمياً وتهدد عرش الإنجليزية”، سكاي نيوز عربية، (26/06/2021)، أنظر في، https://2u.pw/LJPwFp. تاريخ الإطلاع: (12/04/2026)،
([31]) -حميد غاني، فهد معبد، “التصورات الأمنية والخيارات الاستراتيجية للجزائر في الساحل الأفريقي”، المجلة الجزائرية للحقوق والعلوم السياسية”، (م.10)، (ع.01)، (2025)، ص ص 890-906.
([32] )-صالح زياني، يوسف بوعندل، “العلاقات لجزائرية الصينية: مشروع شراكة استراتيجية شاملة وواعدة في ضوء طريق الحرير الجديد”، المجلة الجزائرية للتنمية، )م.12(، )ع.01(، )جانفي 2023(، ص 64.
([33]) -“الجزائر والصين تبحثان تعزيز التعاون العسكري والصناعات الدفاعية”، مجلة الشروق ، (20/12/2023)، أنظر في: https://2u.pw/vAglps. تاريخ الدخول : (12/04/2026)
([34]) -وفاء رحموني، “انعكاسات العلاقات الصينية الجزائرية على التنمية في الجزائر آفاق وتحديات”، مجلة الدراسات القانونية، المجلد 09، العدد 01 (جانفي 2023)، ص 1324.
([35]) -“الوكالة الوطنية لترقية الاستثمار تستقبل وفداً عن شركة صينية”، وكالة الأنباء الجزائرية، (25/10/2025)، أنظر في: https://2u.pw/9ydrfc . تاريخ الدخول: (12/04/2026)
([36]) -فايزة بن يعقوب، مرجع سابق، ص ص 287_290.
([37] )-حنينة رجوح، عتيقة كواشي، “الشراكة الجزائرية الصينية على ضوء مبادرة “الحزام والطريق”، مجلة السياسة العالمية، )م.06(، )ع.01(، )2022(، ص ص 213_230.
([38] )-صالح زياني، يوسف بوعندل، مرجع سابق ، ص 67.
([39]) –وكالة الأنباء الجزائرية: “السيد بداري يشرف على تدشين معهد “كونفوشيوس” لتعليم اللغة الصينية”،)23/09/2025(،أنظر في الرابط: https://2u.pw/H3p3CS، تاريخ الاطلاع: )12/04/2026).
([40])- عمر بوتشيش، “التعاون الجزائري الصيني: الواقع والآفاق”،المجلة الجزائرية للحقوق والعلوم السياسية، )م.07(، )ع.01(، )2022(، ص ص 484_296.
([41])- “رئيس الجمهورية يتلقى تهاني نظيره الصين بمناسبة نجاح عملية إطلاق القمر الصناعي الفضائي ألسات 3″، المؤسسة العمومية للتلفزيون الجزائري، (01/02/2026) ، أنظر في الرابط: https://2u.pw/SapO4J. تاريخ الاطلاع: (12/04/2026).




