أوراق و دراساتسياسية

العلاقات العربية الصينية ودورها في بناء الدولة الحديثة: العراق أنموذجاً

د. عبدالولي حازم محمد ردمان الشميري (باحث وأكاديمي يمني، أستاذ علم الاجتماع، جامعة صنعاء)

الملخص:

تُعد العلاقات الدولية أحد المرتكزات الأساسية في بناء الدولة الحديثة، إذ تسهم العلاقات في تعزيز قدرات الدول على مواجهة التحديات السياسية، والاقتصادية والتنموية، ولذلك جاءت هذا البحث ليلقي الضوء على العلاقات العربية الصينية ودور هذه العلاقة في بناء الدولة الحديثة. وذلك من خلال الوقوف على العلاقات العراقية الصينية بوصفها نموذجاً متقدماً للتعاون الدولي في سياق بناء الدولة الحديثة، ففي ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي يشهدها العراق، تبرز الصين كشريك استراتيجي لا يقتصر دوره على الاستثمار، بل يمتد إلى التأثير في السيادة، البنية المؤسسية، والتوجهات التنموية، وكيفية تحقيق الشراكة الدولية في إطار تخطيطي يقبل المتغيرات العالمية الجديدة وإيجاد علاقات دولية تسهم في تعزيز الاستقلال الوطني بعيداً عن الاستغلال والتبعية.

الكلمات المفتاحية: العلاقات الدولية، الصين، العراق، الدور، بناء الدولة، الدولة الحديثة.

المقدمة:

تتناول الدراسة العلاقات العربية الصينية ودور هذه العلاقة في بناء الدولة الحديثة بالتركيز على العلاقات العراقية الصينية بوصفها نموذجاً متقدماً للتعاون الدولي في سياق بناء الدولة الحديثة، ففي ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي يشهدها العراق، تبرز الصين كشريك استراتيجي لا يقتصر دوره على الاستثمار، بل يمتد إلى التأثير في السيادة، البنية المؤسسية، والتوجهات التنموية.

وتكمن مشكلة البحث في أنه يحاول أن يناقش العلاقات الصينية العربية ودورها في بناء الدولة الحديثة منطلقاً من دراسة العلاقات العراقية الصينية أنموذجاً، سعيًا نحو الإجابة على التساؤل التالي: كيف تسهم العلاقات الدولية في تشكيل نماذج بناء الدولة المعاصرة؟ وما حدود تأثيرها في السياقات العربية؟

ويتفرع من هذا التساؤل العديد من الأسئلة الفرعية لعل أهمها: هل تمثل الصين بديلاً تنموياً واستراتيجياً للعراق؟ وهل تؤثر هذه العلاقة على استقلال القرار السياسي العراقي؟ وما مدى تأثير العلاقات الصينية العربية في الحد من النفوذ الأميركي في المنطقة العربية؟

وتنطلق الدراسة من الفرضية التالية: أن بناء علاقات اقتصادية وسياسية وثقافية مع الصين ستؤثر فعلاً على بناء الدولة في الدول العربية وستمكنها من الخروج من الهيمنة الأميركية.

ويهدف البحث إلى تحليل دور العلاقات العراقية الصينية في بناء الدولة العراقية الحديثة، ودراسة ديناميكية التكامل الدولي والفرص الجيوستراتيجية على بناء الدولة، وتقييم أثر العلاقات في تحقيق التنمية وبناء دولة تحقق رغبات وتطلعات كل أبنائها.

المطلب الأول: العلاقات العراقية – الصينية

كان ازدهار العراق قديماً ودوره في العالم القديم مرتبط باستقرار احواله الداخلية وفي ظل دولة مركزية قوية، تهتم وتعنى بالمرافق العامة، وتحسن تنظيم تجارتها وإدارة علاقاتها بالدول الأخرى. ومما يجدر الإشارة إليه أن العلاقة ما بين الصين والعراق تعود إلى أكثر من ألفي عام، أي منذُ شق طريق الحرير القديم- للتواصل الودي مع دول العالم، وفتح بذلك عصر التواصل الكبير في تاريخ الحضارات البشرية([1]).

ذلك الطريق الذي يبدأ من الصين مخترقاً الجبال والسهول والوديان ليصل إلى بلاد خراسان ومن ثم إلى العراق المحطة الأهم في الطريق الذي تنطلق منه القوافل إلى أوروبا وشمال أفريقيا، محملة بالبضائع، وزادت أهمية طريق الحرير فيما بعد أيام الدولة الإسلامية وبالذات عندما كانت بغداد عاصمة الدولة العباسية، تلك العاصمة التي كانت تمثل مدينة العلوم والفنون والتجارة والفن المعماري، وقد تميزت الدول العباسية بالنشاط التجاري الواسع في المنطقة وسيطرتهم على طريق التجارة التي تربطهم بالهند والصين وسواحل إفريقيا.. ووفرت لهم التجارة رخاءً اقتصادياً وثروة مكنتهم من التقدم الصناعي فقد تم صناعة الورق، والطباعة، والبارود، والبوصلة، والمنسوجات الحريرية والخزف والأدوية والبهارات كما شهدت الدولة العباسية تقدماً علمياً في مختلف المجالات وشتى العلوم والمعارف كالفلك والطب..الخ، فكانت مصدر الهام للعالم بل تُعد القلب النابض والجسر الرابط بين الشرق والغرب، فتاريخ البلدين كان عميقًا ومثمرًا وقد نسجت التجارة والرغبة في تبادل البضائع والمصالح العلاقة الحميمة بين البلدين.

وفي العصر الحديث مرت العلاقات الصينية بالعديد من المراحل نوجزها كالتالي:

المرحلة الأولى: بدأت منذ انعقاد مؤتمر باندونغ 1955، الذي يعتبر الاجتماع التأسيسي لدول العالم الثالث الساعية للاستقلال والحياد، وكان نقطة تحول في العلاقات العربية-الصينية، إذ وفر أرضية سياسية للتعاون على أساس الاحترام المتبادل، وعدم الاعتداء، وعدم التدخل في الشئون الداخلية، والمنفعة المتبادلة، والتعايش السلمي. وأصبحت هذه المبادئ أساساً للتعاون بين الصين والدول العربية، التي تُعد العراق إحداها.

في هذا المؤتمر ألقى “تشوان لاي”، رئيس الوزراء الصِّيني في حينه، خطابًا ثوريًّا، في جلسة الافتتاح، أكَّد فيه وقوف القيادة الصِّينيَّة الجديدة مع الحقِّ العربي في الاستقلال واسترداد الأرض الفلسطينيَّة، كما أكَّد دعم الصِّين لحقِّ التَّحرُّر للجزائر واليمن الجنوبي وغيرها مِن البلدان الَّتي تناضل لأجل الاستقلال([2]). كما أكَّد فيه وقوف القيادة الصِّينيَّة الجديدة مع الحقِّ العربي في الاستقلال واسترداد الأرض الفلسطينيَّة، كما أكَّد دعم الصِّين لحقِّ التَّحرُّر للجزائر واليمن الجنوبي وغيرها مِن البلدان الَّتي تناضل لأجل الاستقلال([3])، والَّذي حضرته مجموعة مِن الوفود العربيَّة، مثَّلت: مصر والعراق وسوريا والسُّعوديَّة واليمن والأردن ولبنان والسُّودان وليبيا.

وكان مِن نتائج هذا المؤتمر اعتراف تسع دول عربيَّة من بينها العراق بالحزب الشِّيوعي الصِّيني حاكمًا ممثِلا للأمَّة الصِّينيَّة، ومِن ثمَّ إقامة علاقات دبلوماسيَّة عالية التَّمثيل بين هذه الدُّول والصين، وكان من نتائج المؤتمر على العلاقات العراقية-الصينية:

– الاعتراف المتبادل: استفاد العراق كدولة مشاركة في المؤتمر من تعزيز علاقاته مع الصين، خاصة في ظل توجهه نحو سياسة أكثر استقلالية عن الغرب.

– الدعم في المحافل الدولية: وجدا البلدين العراق والصين أرضية مشتركة في دعم قضايا التحرر الوطني، بما في ذلك حركات الاستقلال في أسيا وأفريقيا، التي تعد العراق جزءاً منها.

– التقارب السياسي: ساعد المؤتمر على تقريب وجهات النظر بين العراق والصين في مواجهة الاستعمار والهيمنة الغربية، وهو ما انعكس على لا حقاً في مواقف مشتركة داخل حركة عدم الانحياز.

– الدعم السياسي: أكدت الصين موقفها كدولة داعمة لحركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا، وهو ما لاقى صدى واسعاً في العالم العربي.

المرحلة الثانية: بدأت عام 1958، حيث ساندت الصين مع الاتحاد السوفيتي ثورة 14 تموز 1958، التي أدت إلى سقوط النظام الملكي، وهناك بدأت العلاقات بين البلدين واتجه العراق نحو سياسة خارجية أكثر استقلالية. ففي 1959، أعترف العراق رسمياً بجمهورية الصين الشعبية ليكون من أوائل الدول العربية التي تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين. وفي عام 1960، تم تبادل الوفود الرسمية بين بغداد وبكين، وتوسيع العلاقات التجارية بين البلدين (النفط والسلع الاقتصادية). وفي عام 1963، دعمت الصين العراق في مواجهة الضغوط الغربية وتأكيده على مبادئ عدم الانحياز.

كما انها ساندت العراق والدول العربية الأخرى في حرب الأيام الستة في سنة 1967 وفي حرب 1973 ضد إسرائيل، وفي السبعينيات قامت الصين بمشاريع بنى تحتية، ثم إلى عقود مبيعات أسلحة من عام 1980 – 1985 حيث وصلت قيمتها نحو 5 مليار دولار، كما انها ساندت العراق في الحرب العراقية الإيرانية (1980- 1988) من خلال العمل على تطوير منظومة الدفاع الجوي وتقديم المساعدة في مجال الكابلات الضوئية([4]).

إلا أن الصين في نفس الوقت دعمت إيران بالأسلحة أيضاً، وخلال فترة التسعينيات من القرن المنصرم بعد غزو العراق للكويت عام 1990، اتخذت الصين موقفاً متفاوتاً من العراق فقد صوتت لصالح قرارات الأمم المتحدة لإدانة الاجتياح مثل القرار 661، أو الامتناع عن التصويت لصالح قرارات تجيز استخدام القوة ضد العراق، مثل القرار 687 بشأن انسحاب العراق من الكويت، اذ سعت الى تحدي الحصار والعقوبات المفروضة على العراق من خلال شرائها للنفط العراقي وقفاً لبرنامج النفط مقابل الغذاء محتلة المرتبة الأولى.

ولأن العراق يعد من أهم مصار الطاقة كان لابد أن يحظى بأهمية بالغة من قبل الحكومة الصينية في مجال استيراد وإنتاج النفط عبر الشركات الصينية العاملة في العراق مثال شركة هندسة وإنشاءات البترول الصينية، التابعة لمؤسسة البترول الوطنية الصينية والتي بدأت العمل في العراق عام 1981، ووسعت نشاطها بتوقيع “اتفاقية تقاسم الإنتاج” مع الحكومة العراقية عام 1997 لتطوير حقل نفط الأحدب، إلا أنه تم تأجيل هذا المشروع نتيجة للعقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة ضد العراق وتعرض العراق للاحتلال الأميركي([5]).

كما أنها تحفظت عن طرح وجهت نظرها في حرب الكويت، الا انها عارضت الاحتلال الأميركي للعراق في 2003، انطلاقاً من رغبتها وقناعاتها في عدم استخدام القوة العسكرية كمبدأ في العلاقات الدولية لتغيير النظم السياسية.

المرحلة الثالثة: بدأت من بداية العقد الثاني من القرن الحالي، بالتزامن مع الانسحاب الأميركي من العراق 2011، والاتجاه نحو اسيا في العام 2012، وأصبح العراق مثالا واضحا على اهتمام الصين المتزايد في المنطقة. تجسد ذلك في فتح السفارة الصينية في بغداد عام 2004، ودعم النظام السياسي الجديد من خلال تقديم المساعدة المادية عام 2005 والمساعدة في إعادة الاعمار ودعوة المسؤولين العراقيين لزيارة الصين، وتوقيع العديد من الاتفاقيات منها اتفاقية نفطية بقيمة 1.2 مليار دولار لتطوير حقل الأحدب النفطي، وتم الغاء 80% من ديون العراق المستحقة للصين والبالغة 8.5 مليار دولار، وتعزيز التعاون بين البلدين في المجال الفني والاقتصادي، وتوقيع العديد من الصفقات والعقود التجارية في عدة مجالات كالكهرباء والنقل والبنى الأساسية بمليارات الدولارات إضافة لتوقيع مذكرة تفاهم لتدريب العشرات من الموظفين والغنيين العراقيين في مجال التنمية البشرية وإنتاج الطاقة، وانشاء الية تشاور بين الجانبين تنص على تقديم قروض بفوائد منخفضة في قطاع النقل العراقي([6]).

المرحلة الرابعة: وتبدأ منذُ انضمام العراق إلى مبادرة الحزام والطريق، التي وضعت لتخترق قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا من الصين في شرق آسيا وجنوبها إلى أقصى الشمال الأوربي والجنوب الافريقي ومن خلال هذا الربط سيتم دمج الاقتصادات المتقدمة مع الاقتصاديات الاسيوية النشطة وما بينها الاقتصادات النامية. وهو ما عزز التعاون في مشاريع النفل والطاقة، وأصبحت الصين أكبر شريك تجاري للعراق، متقدمة على الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي، ما جعل العلاقة ذات طابع استراتيجي طويل المدى، وانتقلت العلاقات العراقية-الصينية من مجرد تعاون اقتصادي إلى شراكة استراتيجية شاملة، حيث تُعد الصين لاعباً رئيسياً في إعادة بناء الدولة العراقية الحديثة.

المطلب الثاني: المتغيرات المؤثرة في العلاقات العراقية-الصينية

أصبحت قضية التفاعل والتداخل والتأثير المتبادل بين العوامل الداخلية والعوامل الخارجية أو بين ما هو داخلي وما هو خارجي، أصبحت من المسلمات الأساسية في فهم وتحليل العلاقات الدولية من ناحية والأوضاع والتطورات الداخلية في الدول وبخاصة في الدول النامية – التي تُعد العراق إحداها– من ناحية أخرى.

وهذا يعني أن الشئون الداخلية في هذه الدول ليست حصيلة عوامل وتوازنات داخلية فحسب، ولكن تحكمها وتؤثر فيها بدرجات مختلفة عوامل وتوازنات خارجية أيضاً، أي نابعة من البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بالدولة. وقد تزايد تأثير العوامل الخارجية على الدول النامية منذ الربع الأخير من القرن العشرين بفضل التحولات الهائلة التي جرت – وتجري – علي الصعيد العالمي نتيجة للعديد من العوامل أبرزها تصاعد ظاهرة العولمة بأبعادها الاقتصادية والإعلامية والثقافية والتكنولوجية والسياسية، مما أسقط كثيراً من الحدود والحواجز بين الدول على النحو الذي يجعل إمكانية الفصل بين ما هو داخلي وما هو خارجي غير واردة([7]).

ويمكن رصد وتحليل حدود وطبيعة تأثير بعض المتغيرات الداخلية والخارجية على العلاقات العراقية -الصينية وتطورها وآفاقها المستقبلية:

أولاً: المتغيرات المؤثرة على الصعيد الداخلي العراقي:

1- الجانب السياسي: الفساد السياسي وعدم الاستقرار السياسي المتمثل بالصراعات الداخلية العرقية والدينية، والتوتر والصراع بين القوي السياسية العراقية والذي تجسد من خلال الخلافات بين الحكومة المركزية في بغداد وحكومة إقليم كردستان بخصوص تحديد صلاحيات كل منهما للاستثمار في قطاع الطاقة، وملكية حقول النفط المكتشفة في الإقليم([8])، والولاءات الخارجية لبعض المتنفذين في القرار السياسي والاقتصادي العراقي الذي يعمل على دفع التعامل مع دولة معينة على حساب الدول الأخرى، وبالأخص الدول العربية، حتى لو كانت هذه العلاقات ركيكة ولا تلبي طموح وتطلعات الشعب العراقي.

2- الجانب الاقتصادي: ضعف القدرات الاستيعابية للاقتصاد العراقي، وارتفاع معدل التضخم الذي يعاني منه، وعدم وجود أسواق مالية عراقية متطورة، وندني مستوى البنية التحتية، وحالة الفساد المالي والإداري، الذي أثر بشدة على الاقتصاد العراقي، وجودة الاستثمار الأجنبي المباشر في العراق من قبل دول شكلت تهديد للمصالح الصينية([9]).

3- الجانب الأمني: عدم الاستقرار الأمني وظهور المليشيات والجماعات المتطرفة، كما حدث في 10 يونيو 2014م، عندما سيطر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على أجزاء كبيرة من الأراضي العراقية، الأمر الذي شكل تهديدًا للمصالح الصينية نتيجة تدهور الوضع الأمني العراقي، ورغبة الصين في حماية مصالحها في العراق، وقامت بإعلان دعمها للحكومة العراقية في جهودها للقتال والحفاظ على الأمن العراقي، والمطالبة باتخاذ إجراءات محددة لحماية مصالحها في العراق، كون الإرهاب بكل أشكاله يلقي بظلاله على الواقع الأمني غير المستقر في العراق ، مما يعطل أي اندفاع للشركات الصينية في العراق([10]).

ثانياً: المتغيرات الدولية المؤثرة في العلاقات العراقية-الصينية

إذا كانت المتغيرات الخارجية تؤتي تأثيراتها على كافة الدول العربية بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة، إلا أنها تبدو أكثر دلالة بالنسبة لدولة مثل العراق بحكم موقعها الاستراتيجي أولاً، ولمخزونها النفطي ثانياً، ولوزنها الإقليمي من ناحية ثالثة، وتزايد اعتماد اقتصادها على الخارج من ناحية رابعة، وأخيراً طبيعة ارتباطاتها وعلاقاتها الإقليمية والدولية من ناحية خامسة. ويمكن تصنيف تلك المتغيرات في الآتي:

(1) هيمنة الولايات المتحدة على العراق

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وبروز الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في العالم، فضلاً عن تعرض العراق للحرب والاحتلال والتدخل المباشر وغير المباشر، من قبل الولايات المتحدة وحلفاؤها للمضايقة على مدار الفترة الماضية وحتى اليوم، لذلك لا يمكن للصين أن تتصرف بمفردها في المنطقة دون تنسيق أو على الأقل ضمان ذلك، وهذا الأمر يفقد الدولة العراقية من الاستقلال بقرارها السياسي، وفي نفس الوقت يمنع الصين من مواجهة هيمنة الولايات المتحدة الأميركية في العراق، لذلك نجد أن التأثير الكبير للولايات المتحدة في العراق، ينعكس على علاقات العراق مع الصين

(2) المتغيرات الإقليمية المؤثرة في العلاقات العراقية-الصينية

أدى انضمام العراق رسمياً لمبادرة “الحزام والطريق” في سبتمبر 2019. على هامش زيارة رئيس الوزراء العراقي الأسبق عادل عبدالمهدي، إلى توقيع البلدان حزمة من الاتفاقيات للتعاون في عدة مجالات كالصحة والبنية التحتية وغيرها، أدت إلى العديد من المتغيرات فيما يخص العلاقة بين البلدين والقضايا المؤثرة على الصعيد الإقليمي.

وكذلك انضمام العريق إلى مبادرة طريق التنمية مع تركيا، لبناء طريق وممر للنقل بالسكك الحديدية يمتد من البصرة إلى الحدود التركية.. يعتبر طريق التنمية هذا مشروعاً استراتيجياً مهماً ليس فقط لتركيا والعراق، ولكن أيضاً للمنطقة بأكملها. وسيستفيد ملايين الأشخاص في منطقة جغرافية واسعة من أوروبا إلى الخليج من القيمة المضافة التي ستظهر من إنشاء هذا الطريق. وأعلن الرئيس أردوغان “نحن نعلم أن الدول الشقيقة الأخرى مهتمة أيضاً بشكل وثيق بهذا المشروع الذي سيعزز التعاون الإقليمي ويطور تجارتنا ويقوي علاقاتنا الإنسانية. وأعتقد أننا سنحول “مشروع طريق التنمية” إلى طريق الحرير الجديد لمنطقتنا، بمشاركتهم، كما آمل”([11]).

(3) الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران:

تدرك الولايات المتحدة الأميركية أنه بعد سيطرتها على القرار العالمي منفردةً بعدما أنهار الاتحاد السوفياتي وتبنيها مفاهيم جديدة للسيطرة والهيمنة كحرية التجارة وانتشار السلع والبضائع ونشر الديمقراطية، وساعدها في ذلك الثورة العلمية والتكنولوجية التي أدت إلى صعود قوى جديدة لم تكن في الحسبان لعل أهمها الصين المنافس الرئيس بعد تفوقها اقتصادياً وبروزها كمنافس حقيقي للولايات المتحدة بل وسعيها للهيمنة الاقتصادية بحملها لشعار الشراكة وليس الهيمنة وعدم تدخلها في الشئون الداخلية للدول وتركها للأنظمة كما هي، وفشل الولايات المتحدة بل وفضيحتها بأن تبنيها لمفهوم الديمقراطية حق أريد به باطل رغم أن الشعوب تتوق للحرية والديمقراطية إلا أن الولايات المتحدة جعلت المفهوم وسيلة لاحتلال الشعوب وإذلالها ونهب خيراتها والسيطرة على مواردها كما حدث في العراق الذي كشف زيف النظام الرأسمالي ودعاة الديمقراطية.

وكذلك ما كشفته الأحداث اللاحقة في أفغانستان وكثيراً من البلدان وما زال يحدث في فلسطين المحتلة وما حدث في فنزويلا وما يحدث الأن من حرب تشنها الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل على الجمهورية الإسلامية الإيرانية بهدف السيطرة على النفط والثروات الإيرانية والسيطرة على طرق التجارة العالمية كمضيق هرمز وباب المندب والقضاء على الجيش والنظام الإيراني وحلفاءه ومنعه من الحصول على سلاح نووي، أو تطوير صواريخ بالستية، والحفاظ على هيمنتها على الشرق الأوسط الذي يعد المصدر الأول لبقاء الهيمنة الأميركية وهيمنة الدولار فمن يسيطر على الشرق الأوسط يحكم العالم.

لذلك حشدت الولايات المتحدة كل قوتها بحجة اسقاط النظام الإيراني كونه بات يهدد العالم معلنة للقوى الصاعدة التي تعد الصين أولاها أنها مازالت وستظل القوة الوحيدة صاحبت القرار العالمي، ومما لا شك فيه أن هذه الحرب تؤثر على العلاقات الصينية العراقية، فلو نجحت الولايات المتحدة في الحرب ستخسر الصين الكثير من نفوذها السياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط. بينما إذا خسرت الولايات المتحدة سيؤدي إلى صعود الصين كمنافس قوي ولاعب أساس في القرار الدولي.

المطلب الثالث: مستقبل العلاقات العراقية-الصينية

إن مستقبل العلاقات العراقية-الصينية مرهون بمدى معرفة أهمية العلاقات بين البلدين ودور تلك العلاقة في بناء الدولة الحديثة وتحقيق التقدم والازدهار والذي يرتبط بمسار وحركة تلك السياسة منذُ أيام بدء التعاون بين البلدين وإلى الآن. وما تم عرضه من سياسات وعلاقات وما صاحبها من سياسات بين البلدين كان لها الفضل في ازهار الحضارة وتقدمها، وإن تراجعت احياناً إلا أن هذا لا يعني الحكم عليها بالفشل وطغيان الواقع السلبي، أو نجاحه بشكل منقطع النظير، فقد يكون هذا دافعاً للبلدين على تجاوز مكامن الضعف والسير نحو تعزيز العلاقات.

وتطور ونجاح العلاقات العراقية-الصينية يتطلب اتخاذ العديد من الخطوات المتتالية لتجاوز بعض التحديات، وكذلك اتخاذ إجراءات سياسية مؤسسية وأطر وقواعد دستورية وقانونية من أجل الوصول إلى القرار الجيد، الذي يجعل من العراق أنموذجاً للعلاقات الدولية التي تتعامل معها الصين بتعاون فعَّال.

وهذا يعني أن منهجية رصد التغير في العلاقات العراقية الصينية تستلزم الالتزام بالمفهوم النسبي للوقت وإدراك التحولات والتغيرات العالمية وتنوعها، فمن الصعوبة استشراف الآفاق المستقبلية للعلاقات العراقية -الصينية ودورها في بناء الدولة على مستوى البلدين، وعلى هذا الأساس يمكن رصد المسارات التالية لهذه العلاقات:

المسار الأول: تعثر العلاقات العراقية -الصينية

يقوم هذا الاحتمال على افتراض تعرض مسار العلاقات الصينية -العراقية للتعثر والتراجع، ومن أهم الأسباب التي ستدفع إلى ذلك ما يلي: استمرار التوترات الأمنية في العراق يحد من قدرة الصين على تنفيذ مشاريعها بشكل كامل، ويؤثر على استقرار الاستثمارات، التدخلات الإقليمية والدولية حيث يقع العراق في قلب صراعات النفوذ بين الولايات المتحدة، إيران، ودول أخرى مما يجعل علاقاته مع الصين عرضة لضغوط سياسية.

وكذكل في حالة انتصار الولايات المتحدة وإسرائيل في حربهما على إيران، وبالتالي الحد من التوسع الصيني فهي تهدف إلى إحاطة الصين والحد من نفوذها وتوسعها الاقتصادي والسياسي، بجانب تحدي ضعف البنية المؤسسية، فالمؤسسات العراقية تعاني من الفساد وضعف الكفاءة الإدارية، وهو ما يعيق الاستفادة المثلى من الشراكات الدولية، وتغلغل الفساد الإداري، حيث يُشكل الفساد المستشري في المؤسسات العراقية عائقًا رئيسيًا أمام تنفيذ المشاريع الكبيرة.

المسار الثاني: تعزيز العلاقات العراقية-الصينية

وننطلق هنا من افتراض بأنه على الرغم من مما تعانيه العلاقات العراقية-الصينية من تحديات ومعوقات والتي ترتبط بحالة من ما تعانيه الدولة العراقية بشكل عام إلا أنه من الممكن تذليل هذه المعوقات تدريجياً وبما يتناسب مع الجهد المبذول سواء فيما يتعلق ببناء سياسات اقتصادية مشتركة أو في التركيز على بناء القدرات في العراق، لا سيما وأن العراق يُعد ذو أهمية كبيرة بالنسبة للمنطقة مما يجعله مؤهل لتجاوز هذه المعوقات مع اعتماد سياسة جدية في هذا الجانب.

فضلاً عن ذلك فإنه من الضروري إعادة بناء الدولة على ضوء التعاون السياسي والاقتصادي بين الدول الكبيرة وخاصة الولايات المتحدة والصين وذلك من خلال التوازن في العلاقات الدولية فمن الضروري حفاظ العراق على علاقاته بالصين دون الإضرار بعلاقاته مع الغرب أو جيرانه الإقليميين. والاستفادة من التجربة الآسيوية فقد تبنى زعيم سنغافورة “لي كوان يو” فلسفة سياسية واجتماعية تستند إلى أن الدولة تحتاج إلى النظام ” Discipline ” أكثر من الديمقراطية، وأن الحكم الرشيد يعتمد على نخبة من المتعلمين الصالحين، ولا يعتمد بالضرورة على رأي الأغلبية.

ومن أهم الفرص التي تُرجح هذا الاحتمال هي:

– الموقع الجغرافي للعراق: فموقعه الاستراتيجي يجعله محوراً اساسياً في ربط الشرق الأوسط بمبادرة الحزام والطريق، وهذا ما يمنحه دوراً اقليمياً بارزاً.

– التبادل الثقافي والتعليمي: فالمنح الدراسية والبرامج الثقافية الصينية تعزز بناء كوادر بشرية مؤهلة.

– تنافس الصين مع الدول الكبرى على مناطق النفوذ يدفعها للتعاون مع العراق بوصفه منطقة نفوذ مهمة على الصعيدين الاستراتيجي والاقتصادي.

– اتساع دائرة المصالح الصينية في العراق في القطاع الصناعي والطاقوي خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام والعراق بشكل خاص مما يدفعها للتعاون لضمان استقرار مصادرها ووارداتها النفطية[12].

– ان تحقيق المصالح المتبادلة العراقية-الصينية تحتم على الصين الالتزام بالانفتاح على العراق ودعمه اقتصادياً وسياسياً، ومساعدته في بناء دولته المستقلة.

ويجب على العراق مواصلة الاستفادة الكاملة من علاقاتها مع الصين وتوسيع دائرة الشراكة وتوظيفها لاستعادة بناء الدولة العراقية الحديثة. ويجب على الجانبين الالتزام بأسس العلاقات القائمة على الشراكة وتبادل المنفعة بعيداً عن الاستغلال والهيمنة.

المسار الثالث: استمرار الوضع الراهن

يفترض هذا الاحتمال أن بقاء العلاقات العراقية-الصينية بوتيرة الدعم والتماسك نفسها مع العراق يساعدها على البقاء ومعالجة الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية عن طريق تحديث سياساتها بشكل مستمر وتماشياً مع المطالب العراقية.

أما ما يخص الوضع الآن يمكن أن تؤدي التطورات السياسية في المنطقة إلى التخلص من شبح عدم الاستقرار السياسي والأمني، وبناء علاقات جيدة مع الدول العربية، وتبني علاقات اقتصادية بين العراق والدول الاخرى، قائمة على الشراكة.

وفي الختام نرجح تفوق احتمال تطور العلاقات العراقية-الصينية وذلك وفق النقاط التي تم طرحها، فإن السياسة الدولية حاليًا ومحاولة الولايات المتحدة فرض هيمنتها على القرار العالمي ومحاولة سيطرتها على منابع النفط وطرق التجارة العالمية بالقوة يحتم على العالم الوقوف ضدها، وتتيح الفرصة للصين لتحقيق حلمها بأن تصبح قوة فاعلة في صنع القرار العالمي ومنافسة الولايات المتحدة الأميركية والحد من سيطرتها وهيمنتها على العالم، وتغيير شكل النظام العالمي الدولي وذلك من خلال انتهاج سياسة الصعود السلمي.

فقوة الدولة تكمن في مرونتها وقابليتها على التكييف بتغير الأحوال والأزمنة والظروف، مما يعني أنها قادرة على أن تأخذ الأشكال السياسية المختلفة وتتعايش مع تعدد الإيديولوجيات والحركات الفكرية والدينية والسياسية، وتجد لنفسها موقعًا في التركيبة الإقليمية والعالمية[13].

خاتمة

خلصت الدراسة إلى أن العلاقات العراقية- الصينية تمتد لآلاف السنوات، فهي ليست مجرد شراكة حديثة، بل هي امتداد لتاريخ طويل من التفاعل الحضاري والاقتصادي، مما يمنحها قوة وعمقاً في دعم بناء الدولة الحديثة.  وان أصابها الفتور والضعف في فترات تاريخية معينة إلا أنها تطورت منذ مطلع القرن العشرين، فقد دعمت الصين حركات التحرر الوطني في العالم العربي، بما فيها العراق في مواجهة الاستعمار الامبريالي الغربي. وكان العراق من أوائل الدول العربية التي أقامت علاقات دبلوماسية مع الصين الشعبية في منتصف القرن العشرين، وتطورت هذه العلاقات تدريجياً لتشمل التعاون السياسي الاقتصادي والثقافي، وصولاً إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية في الوقت الحالي، والتي تمثل نموذجاً للتعاون الدولي القائم على المصالح المشتركة بعيداً عن الهيمنة.

نتائج الدراسة

(1) لقد حققت هذه الدراسة فرضيتها المتمثلة بأن بناء علاقات اقتصادية وسياسية وثقافية مع الصين ستؤثر فعلاً على بناء الدولة في الدول العربية وستمكنها من الخروج من الهيمنة الأميركية.

(2) تُعد العلاقات العراقية الصينية عاملاً مساعداً في إعادة بناء الدولة، وذلك من خلال دعمها للتنمية والبنية التحتية

(3) العلاقات الدولية ليست مجرد تبادل تجاري أو سياسي، بل هي أداة استراتيجية لدعم بناء الدولة الحديثة، ويشكل التفاعل التاريخي شكل أُسس الروابط الحضارية والثقافية العميقة بين العرب والصينيين

(()) يجب على العراقيين والصينيين الانطلاق في علاقاتهم من خلال الموروث الحضاري والاستفادة منه، وعدم الاقتصار على التجارة فقط، بل يجب أن تمتد العلاقة إلى نقل الخبرات والتكنولوجيا، فتستفيد الصين من النفط والثروات العراقية في بناء قاعدتها الصناعية وكذلك في تصدير منتجاتها، ويستفيد العراق من نقل التكنولوجيا والاستفادة منها بعيداً عن الصراعات العسكرية.


[1]– عبدالولي حازم محمد الشميري، طريق التنمية الجديد ودوره في بناء الدولة العراقية الحديثة: دراسة تحليلية في البنية السياسية والاقتصادية والتنموية، مؤتمر التنمية الجديد: طريق الحرير الجديد-الحزام والطريق (العراق، بغداد، 25-27 يوليو، 2025). https://www.iuu.org.tr/

[2] – مالك بن نبي، فكرة الإفريقية الآسيوية في ضوء مؤتمر باندونغ، دار الفكر المعاصر، 2006م، ص 14.

[3] – ARIF DIRLIK , The Bandung legacy and the People’s Republic of China in the perspective of global modernity, Inter-Asia Cultural Studies, 2015, p.615.

[4] -ابتسام محمد العامري، نظرة عامة على العلاقات العراقية الصينية بعد عام 2003، صحيفة الزمان، لندن في 29-3-2015.

[5] – غيث الربيعي، تطور العلاقات العراقية الصينية، مجلة العلوم السياسية العدد 41، كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد، (بغداد: 2010)، ص 306.

4- Richard Weitz, CHINA-IRAQ TIES: OIL, ARMS, AND INFLUENCE, Second line of defense, URL: https://sldinfo.com/2012/06/china

[7] لمزيد من التفاصيل حول ظاهرة العولمة وحقيقية التداخل بين ما هو داخلي وما هو خارجي أنظر: أسامة أمين الخولي (محرر): العرب والعولمة – بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية، 17-20 كانون الأول ديسمبر 97، ط1، (لبنان، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1998م). وكذلك أحمد عبد الرحمن: (العولمة: المفهوم، المظاهر، الأسباب، مجلة العلوم الاجتماعية المجلد 26، العدد 1، ربيع 1998.

[8] – خبراء:  الخلاف النفطي بين بغداد وأربيل لا يصب بمصلحة العراق، انظر الرابط: https://www.dw.com/ar

[9] -ابتسام محمد العامري، نظرة عامة على العلاقات العراقية-الصينية بعد عام 2003، صحيفة الزمان، لندن في 29/3/2015. ، ص 30.

[10] – رحمن لوعان محسن، العلاقات العراقية الصينية، دراسة كانت في الجانب الاقتصادي، بعد عام 2003، بحث ترقية، معهد الخدمة الخارجية العراقية، وزارة الخارجية، العراق، 2015، ص.ص 35-36.

[11] – https://www.trtarabi.com/explainers/

[12] – كرار البدري، علاقات الصين مع دول الجوار الموسع العراق انموذجاً، مركز النهرين للدراسات الاستراتيجية، كراس النهرين، العدد 15، سنة 2019، ص 10.

[13] – غسان سنو وعلي الطراح، العولمة والدولة -الوطن والمجتمع العالمي، دار النهضة العربية، بيروت، 2112، ص57.

Admin

مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية: مؤسسة فكر وتخطيط استراتيجي تقوم على إعداد التقديرات وتقديم الاستشارات وإدارة المشروعات البحثية حول المتوسط وتفاعلاته الإقليمية والدولية. لا يتبنى المركز أية توجهات مؤسسية حول كل القضايا محل الاهتمام، والآراء المنشورة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى