القوة الناعمة الصينية وآليات تشكيل الصورة الذهنية: سوريا نموذجًا
علي عماد عياش
باحث سوري، متخصص في علم النفس وعلم الأعصاب التطبيقي، وسيكولوجية الحروب والأزمات.
الملخص
تتناول هذه الدراسة أدوات القوة الناعمة التي توظّفها جمهورية الصين الشعبية في منطقة الشرق الأوسط، وتسعى إلى تحليل الآليات السيكولوجية الاجتماعية التي تحكم عمليات تشكيل الصورة الذهنية للصين لدى شعوب المنطقة ونخبها. تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن القوة الناعمة الصينية لا تعمل في فراغ، بل تتفاعل مع بنى إدراكية ونفسية قائمة لدى المجتمعات المستقبِلة، وأن فاعلية هذه الأدوات ترتبط بمدى قدرتها على استثمار الاحتياجات النفسية والاجتماعية العميقة لهذه المجتمعات، ولا سيما تلك التي عانت من صراعات مسلحة وأزمات بنيوية حادة.
تعتمد الدراسة على توظيف الإطار النظري لنظرية التمثّلات الاجتماعية ونظرية الصورة الذهنية في العلاقات الدولية، وتتخذ من الحالة السورية نموذجاً تطبيقياً لاختبار فاعلية أدوات القوة الناعمة الصينية في بيئات ما بعد الصراع وتحديد حدودها. وتخلص الدراسة إلى أن الصين نجحت جزئياً في بناء صورة ذهنية بديلة عن النموذج الغربي في أوساط النخب والمجتمعات العربية، غير أن هذه الصورة تواجه تحديات بنيوية جوهرية تتصل بملفات حساسة، أبرزها قضية الإيغور المسلمين، والفجوة المتنامية بين الخطاب القيمي الصيني والممارسة الفعلية على الأرض.
الكلمات المفتاحية: القوة الناعمة، الصين، الشرق الأوسط، الصورة الذهنية، التمثّلات الاجتماعية، سوريا، مبادرة الحزام والطريق.
مقدمة
شهدت العلاقات الدولية خلال العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين تحولات عميقة في طبيعة أدوات النفوذ وآليات ممارسة القوة؛ إذ لم تعد القوة العسكرية والاقتصادية وحدها كافية لتأمين المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى، بل برزت أبعاد ثقافية وإعلامية وتكنولوجية باتت تؤدي أدواراً محورية في تشكيل البيئة الدولية وتوجيه التفاعلات بين الدول والشعوب[1]. وفي هذا السياق المتحوّل، تقدّم جمهورية الصين الشعبية نموذجاً لافتاً في توظيف القوة الناعمة أداةً مكمّلة لصعودها الاقتصادي والعسكري المتسارع، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط التي تمثّل ساحة تنافس محتدم بين القوى الكبرى[2].
تكتسب دراسة القوة الناعمة الصينية في الشرق الأوسط أهميةً خاصةً لجملة من الاعتبارات المتشابكة: فمن الناحية الاقتصادية، تمثّل المنطقة شريكاً حيوياً للصين في مجال الطاقة، إذ باتت تستورد نحو نصف وارداتها النفطية من دولها.[3] ومن الناحية الجيوستراتيجية، تشكّل المنطقة ممراً محورياً لمبادرة “الحزام والطريق” التي أطلقها الرئيس شي جين بينغ عام 2013 لتكون الإطار الاستراتيجي الجامع لحضور الصين العالمي[4]. ومن ناحية ثالثة، يمثّل الشرق الأوسط بيئة اختبار حقيقية لقدرة الصين على تقديم نفسها كفاعل دولي بديل يحمل أجندة مختلفة عن الأجندة الغربية في إدارة العلاقات الدولية.
إن معظم الدراسات التي تناولت السياسات الصينية في الشرق الأوسط ركّزت على الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية، مع إغفال ملحوظ للآليات السيكولوجية والاجتماعية التي تحكم عمليات تلقّي القوة الناعمة الصينية واستيعابها لدى مجتمعات المنطقة. وتبرز هذه الفجوة البحثية بشكل أوضح في حالة المجتمعات التي عانت من صراعات مسلحة مطوّلة كالحالة السورية، حيث يتفاعل الخطاب الصيني مع بنى نفسية واجتماعية بالغة التعقيد أفرزتها سنوات الحرب وما أعقبها من تشرّد وتفكّك اجتماعي.
تتمحور إشكالية الدراسة حول السؤال الرئيسي التالي: كيف توظّف الصين أدوات القوة الناعمة لتشكيل صورتها الذهنية في الشرق الأوسط، وما الآليات السيكولوجية الاجتماعية التي تحكم فاعلية هذه الأدوات في المجتمعات المأزومة؟
ويتفرّع عن هذا السؤال ثلاثة أسئلة فرعية: أولها ما الأدوات الرئيسية للقوة الناعمة الصينية الموظّفة في الشرق الأوسط وكيف تطوّرت؟ وثانيها ما الآليات السيكولوجية الاجتماعية التي تُفسّر أنماط استقبال هذه الأدوات لدى مجتمعات المنطقة؟ وثالثها كيف تتفاعل القوة الناعمة الصينية مع الحالة السورية بوصفها نموذجاً لبيئة ما بعد الصراع؟
تغطي الدراسة الفترة الممتدة من عام 2013، وهو عام إطلاق مبادرة الحزام والطريق، حتى مطلع عام 2025، وتركّز جغرافياً على منطقة الشرق الأوسط مع التعمّق في الحالة السورية بوصفها نموذجاً تطبيقياً.
أولاً: الإطار النظري والمنهجي
1. مفهوم القوة الناعمة:
صاغ عالم السياسة الأمريكي جوزيف ناي مفهوم “القوة الناعمة” (Soft Power) في مطلع تسعينيات القرن العشرين، وعرّفها بأنها “القدرة على الحصول على ما تريد عن طريق الجذب بدلاً من الإكراه أو الدفع”[5]، محدّداً مصادرها الرئيسية في ثلاثة عناصر: الثقافة، والقيم السياسية، والسياسة الخارجية. وقد أثار هذا المفهوم نقاشاً أكاديمياً واسعاً حول مدى قابليته للتطبيق خارج السياق الغربي الليبرالي الذي نشأ فيه، إذ يرى بعض الباحثين أن المفهوم مشبّع بافتراضات قيمية غربية تجعله أداة تحليلية ذات فائدة محدودة في السياقات غير الغربية[6].
في السياق الصيني، تبنّت بكين مفهوم القوة الناعمة وأعادت صياغته بما يتوافق مع خصوصياتها الحضارية والسياسية. فقد أشار الرئيس شي جين بينغ إلى ضرورة “بناء قوة ناعمة تتناسب مع المكانة الدولية للصين”[7]، وهو ما يعكس وعياً صينياً راسخاً بأن الصعود الاقتصادي والعسكري لا يكفي وحده لتأمين بيئة دولية مواتية.
وقد أشار ديفيد شامبو في دراسته المعمّقة للحضور الصيني العالمي إلى أن القوة الناعمة الصينية تتميّز عن نظيرتها الأمريكية بتركيزها على “نموذج التنمية” بدلاً من “نموذج الحكم الرشيد”، وعلى مبدأ “عدم التدخل في الشؤون الداخلية” بدلاً من “نشر الديمقراطية” وفرض الإصلاح السياسي.[8]
ويتيح لنا هذا التمايز المفاهيمي فهم المقاربة الصينية الخاصة تجاه الشرق الأوسط؛ إذ تقدّم الصين نفسها لا بوصفها حاملة لمشروع قيمي عالمي يسعى لتحويل المجتمعات كما يفعل الغرب، بل كشريك تنموي براغماتي يحترم الخصوصيات الثقافية والسياسية ولا يربط التعاون الاقتصادي بشروط سياسية مسبقة.[9]
2. نظرية الصورة الذهنية في العلاقات الدولية
تُعدّ نظرية الصورة الذهنية (Image Theory) من الأطر التحليلية الأكثر ملاءمةً لفهم كيفية إدراك الدول والشعوب بعضها بعضاً في العلاقات الدولية. وقد أرسى كينيث بولدينغ لهذا الاتجاه في كتابه “الصورة” (The Image) عام 1956، حين أكد أن السلوك الإنساني لا يتحدد بالواقع الموضوعي في ذاته، بل بالصورة الذهنية التي يكوّنها الفرد عن هذا الواقع.[10]
وطوّر روبرت جيرفيس هذا الإطار في سياق العلاقات الدولية في كتابه الكلاسيكي “الإدراك وسوء الإدراك في السياسة الدولية”، مبيّناً أن الإدراك الخاطئ (Misperception) يؤدي دوراً محورياً في تشكيل السياسات الخارجية وتفسير سلوك الآخرين.[11]
وفي إطار هذا التقليد البحثي، حدّد ريتشارد هيرمان أنماطاً متعددة للصور الذهنية التي تتشكّل لدى الدول عن بعضها، منها صورة “العدو” وصورة “الحليف” وصورة “المستعمِر” وصورة “الشريك”.[12]
وتستند الدراسة الحالية إلى هذا الإطار لفهم كيفية محاولة الصين بناء وترسيخ صورة “الشريك التنموي النزيه” في أذهان شعوب الشرق الأوسط ونخبها السياسية والاقتصادية، وذلك في مواجهة صورة “المتدخّل المهيمن” المرتبطة تاريخياً بالقوى الغربية.
3. نظرية التمثّلات الاجتماعية
تقدّم نظرية التمثّلات الاجتماعية (Social Representations Theory) التي طوّرها عالم النفس الاجتماعي الفرنسي سيرج موسكوفيتشي إطاراً تحليلياً بالغ الملاءمة لفهم كيفية تشكّل المعرفة المشتركة حول الظواهر الاجتماعية والسياسية داخل الجماعات، فالتمثّلات الاجتماعية هي، وفق تعريف موسكوفيتشي، “أنظمة من القيم والأفكار والممارسات” تؤدي وظيفتين أساسيتين: تمكين الأفراد من التوجّه في العالم المادي والاجتماعي وإيجاد المعنى فيه، وتمكين التواصل بين أعضاء الجماعة عبر توفير رموز مشتركة ومنظومة مفاهيمية جامعة.
تتشكّل التمثّلات الاجتماعية وفق موسكوفيتشي عبر آليتين رئيسيتين: آلية “الترسيخ” (Anchoring)، أي ربط الظاهرة الجديدة غير المألوفة بمرجعيات معرفية قائمة وإدراجها في فئات معروفة، وآلية “التجسيد” (Objectification)، أي تحويل المفاهيم المجردة إلى صور ملموسة وقابلة للإدراك الحسّي[13].
وتفيد هذه النظرية في تحليل كيفية استقبال مجتمعات الشرق الأوسط للخطاب الصيني واستيعابه؛ فحين تطرح الصين مفهوم “طريق الحرير”، فإنها تستثمر آلية الترسيخ عبر ربط حضورها الراهن بذاكرة تاريخية إيجابية، وتستثمر آلية التجسيد عبر تحويل مفهوم “الصعود السلمي” المجرّد إلى مشاريع بنية تحتية ملموسة وقابلة للمشاهدة.
4. المنهجية المعتمدة
تعتمد الدراسة على منهج دراسة الحالة (Case Study) في تناول الحالة السورية نموذجاً تطبيقياً. وتستند الدراسة في بنائها المعرفي إلى مصادر متنوعة تشمل: الوثائق الرسمية الصينية وخطب القيادة السياسية، والتقارير الصادرة عن مراكز أبحاث دولية معترف بها، والأدبيات الأكاديمية المحكّمة باللغتين العربية والإنجليزية، فضلاً عن تحليل نوعي لمضامين الخطاب الإعلامي الصيني الموجّه للجمهور العربي عبر منصات مختارة يمكن رصدها وتوثيقها.
ثانياً: أدوات القوة الناعمة الصينية في الشرق الأوسط
1. السردية الحضارية:
تمثّل سردية “طريق الحرير” حجر الزاوية في منظومة القوة الناعمة الصينية تجاه الشرق الأوسط وسائر العالم. فمنذ إطلاق مبادرة “الحزام والطريق” (Belt and Road Initiative) عام 2013، حرصت بكين على تأطير حضورها الإقليمي ضمن إطار حضاري يستحضر قروناً من التبادل التجاري والثقافي بين الصين والعالم العربي، مُقدِّمةً المبادرة لا كمشروع اقتصادي نفعي بحت، بل كإحياء لإرث تاريخي مشترك.[14] وقد جاء اختيار مسمّى “طريق الحرير” محمّلاً بدلالات سيكولوجية عميقة الأثر؛ فهو يستدعي في الذاكرة الجمعية العربية صورة “التبادل المتكافئ الطوعي”، في مقابل صورة “الاستعمار الاستغلالي القسري” المرتبطة تاريخياً بالتوسّع الغربي في المنطقة.
من منظور نظرية التمثّلات الاجتماعية، تعمل هذه السردية عبر آلية “الترسيخ” بامتياز؛ إذ يُربط الحضور الصيني الراهن بذاكرة تاريخية إيجابية مترسّخة في الوجدان الجمعي، مما يقلّل من مستويات “الممانعة الإدراكية” التي تُفرزها عادةً مشاعر الحذر الطبيعية تجاه القوى الكبرى الصاعدة. كما يلاحَظ أن الخطاب الرسمي الصيني يركّز بصورة منهجية على فكرة أن كلاً من الحضارة العربية والحضارة الصينية قد “تعرّضتا لظلم المركزية الغربية واستعلائها”، مما يُنشئ ما يمكن تسميته بـ”الهوية التضامنية” القائمة على الخبرة التاريخية المشتركة في مواجهة الهيمنة الخارجية.[15]
غير أنه ينبغي الإقرار بحذر منهجي إزاء هذه السردية؛ إذ إن العلاقات التاريخية بين الصين والعالم العربي عبر طريق الحرير، وإن كانت موثّقة تاريخياً، فإنها كانت متقطّعة ومحدودة النطاق والعمق مقارنةً بما تصوّره السردية الصينية الراهنة، وتختلف جوهرياً عن طبيعة التفاعلات المعاصرة وحجمها. وقد نبّه عدد من الباحثين إلى أن توظيف هذه السردية ينطوي على قدر من “إعادة بناء الماضي الانتقائية” بما يخدم أهداف الحاضر الاستراتيجية.[16]
2. المؤسسات الثقافية والتعليمية:
تُعدّ معاهد كونفوشيوس (Confucius Institutes) الذراع الثقافية الأبرز والأوسع انتشاراً للقوة الناعمة الصينية عالمياً. وقد أُنشئت عدة معاهد من هذا القبيل في دول الشرق الأوسط، تشمل مصر وتركيا والإمارات والأردن وإيران، تقدّم برامج تعليم اللغة الصينية والتعريف بالثقافة الصينية، فضلاً عن تنظيم فعاليات ثقافية وأكاديمية مشتركة.[17]
من المنظور السيكولوجي، يتجاوز تعليم اللغة البُعد اللساني الضيّق ليشمل بُعداً إدراكياً أعمق وأشمل؛ فاللغة ليست مجرد أداة تواصل تقني، بل هي حاملة لمنظومة من القيم والتصوّرات والمفاهيم، وحين يتعلّم الطالب العربي اللغة الصينية، فإنه يتعرّض لمنظومة مفاهيمية تُبرز قيم “التناغم” و”الوسطية” و”الانسجام الجماعي”، وهي قيم يمكن إيجاد روابط لها في الثقافة العربية الإسلامية مما يُيسّر عملية الاستقبال الإدراكي.
أما المنح الدراسية، فتمثّل استثماراً استراتيجياً طويل الأمد في تشكيل الصورة الذهنية لدى النخب المستقبلية. إذ يشير جوشوا كورلانتزيك إلى أن هذه المنح تهدف في نهاية المطاف إلى خلق “طبقة من النخب المتعاطفة” مع الصين في الدول المستقبِلة، وهي نخب ستشغل مواقع التأثير في مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني.[18] وقد شهدت أعداد الطلاب العرب الملتحقين بالجامعات الصينية نمواً لافتاً خلال العقد الأخير، وإن تأثّر هذا النمو بالإغلاقات المرتبطة بجائحة كوفيد-19 ثم بالانفتاح التدريجي الذي أعقبها.
3. الإعلام الصيني الموجّه للجمهور العربي
يمثّل الإعلام الصيني الناطق بالعربية أداةً محورية وشديدة الوضوح في منظومة القوة الناعمة الصينية في المنطقة. وتتصدّر هذه المنظومة الإعلامية قناة CGTN Arabic التي تُبثّ على مدار الساعة وتضمّ طواقم تحريرية عربية، إلى جانب إذاعة الصين الدولية بخدمتها العربية ذات التاريخ الأطول، وكذلك الحسابات الرسمية الصينية على منصات التواصل الاجتماعي، أبرزها حساب “الصين بالعربي” الذي يحظى بملايين المتابعين.[19]
من خلال قراءة نوعية لمضامين هذا الخطاب الإعلامي، يمكن رصد ثلاث استراتيجيات متكاملة: أولاً، استراتيجية “الإيجابية الانتقائية” التي تركّز على الإنجازات التقنية والتنموية الصينية والجماليات الطبيعية وقصص النجاح الفردي، مع تجنّب منهجي للملفات الحساسة كحقوق الإنسان والقيود السياسية. وثانياً، استراتيجية “التأطير المقارن” التي تُقدّم النموذج الصيني ضمنياً كبديل أفضل عن النموذج الغربي، من خلال التركيز على موضوعات الاستقرار التنموي في مقابل الفوضى الناتجة عن التدخل الخارجي. وثالثاً، استراتيجية “القرب الثقافي” التي تُبرز الاحترام الصيني للثقافة العربية والإسلامية عبر تغطية المناسبات الدينية والحضارية المشتركة.
من المنظور السيكولوجي، يعمل هذا المحتوى الإعلامي المتراكم على خلق ما يُعرف بـ”تأثير الهالة” (Halo Effect) الذي وثّقه نيسبيت وويلسون في بحث كلاسيكي عام 1977؛[20] وهو الميل الإدراكي عند الفرد إلى تعميم الانطباع الإيجابي المتكوّن عن سمة بارزة واحدة لكيان ما — كالنجاح التقني الصيني الظاهر — على سمات أخرى تخصّ الكيان ذاته — كمنظومته السياسية وسجلّه الحقوقي — مما يُضعف الميل النقدي تجاه تلك الجوانب الأخرى ويخفّف من حدّتها.
4. مراكز الفكر والدبلوماسية العامة
تضطلع مراكز الفكر الصينية بدور متنامٍ ومتصاعد في صياغة الخطاب الموجّه نحو الشرق الأوسط. فمؤسسات بارزة كـ”معهد شنغهاي للدراسات الدولية” (SIIS) و”معهد الصين للعلاقات الدولية المعاصرة” (CICIR) تعمل على إنتاج معرفة متخصصة بالمنطقة العربية وتقديم توصيات سياسية لصانعي القرار في بكين.[21] وقد أنتجت هذه المراكز مصطلحات محورية شكّلت الخطاب الرسمي الصيني، أبرزها مفهوم “مجتمع المصير المشترك للبشرية” الذي كرّسه الرئيس شي جين بينغ إطاراً مرجعياً للسياسة الخارجية الصينية.[22]
وتهدف هذه المفاهيم إلى خلق “إطار إدراكي” مريح للدول النامية؛ حيث يُقدَّم الصعود الصيني لا كتهديد ينبغي المقاومة بل كمنفعة مشتركة للبشرية جمعاء ينبغي الانخراط فيها. وهو إطار يستثمر الحاجة النفسية العميقة لدى شعوب عانت طويلاً من التهميش والتبعية، إلى الشعور بأنها جزء من نظام عالمي يُعلي من شأنها ويعترف بحقوقها وكرامتها.
ثالثاً: الآليات السيكولوجية الاجتماعية لتشكيل الصورة الذهنية
يتجاوز هذا القسم الوصف الأداتي للقوة الناعمة الصينية ليحلّل الآليات السيكولوجية العميقة التي تحكم عمليات استقبال الخطاب الصيني وتمثّله في مجتمعات الشرق الأوسط.
1. آلية “الألفة التاريخية” وبناء الهوية التضامنية
تستثمر القوة الناعمة الصينية ما يمكن تسميته آلية “الألفة التاريخية” (Historical Familiarity)، وهي آلية سيكولوجية تقوم على استحضار الماضي المشترك بين الطرفين لبناء الثقة وتمهيد مسالك التعاون في الحاضر. ففي الأدبيات السيكولوجية الاجتماعية، يُعدّ “الماضي المشترك” — حتى لو احتوى على قدر من إعادة البناء الانتقائية — أداةً فعّالة في تقليص “المسافة النفسية” (Psychological Distance) بين الجماعات المتمايزة.[23]
يعمل الخطاب الصيني على بناء ما يمكن تسميته “الهوية التضامنية” مع شعوب المنطقة عبر التركيز على نقاط التشابه بين التجربتين الحضاريتين الصينية والعربية: كلتاهما حضارة عريقة ذات إسهامات إنسانية موثّقة في تاريخ البشرية، وكلتاهما تعرّضت لعدوان القوى الاستعمارية الغربية في القرنين التاسع عشر والعشرين، وكلتاهما تسعى اليوم لاستعادة مكانتها الحضارية والسياسية على الساحة الدولية.[24] وتتقاطع هذه الآلية مع ما طرحه ألكسندر وينت في نظريته البنائية حول دور التفاعل الاجتماعي في تشكيل الهويات الجمعية للدول؛[25] إذ تسعى الصين إلى بناء هوية مشتركة مع دول المنطقة قائمة على مفهوم “الجنوب العالمي” في مواجهة هيمنة الشمال الغربي.
2. آلية “تأثير الهالة” والربط بين النجاح المادي والجاذبية السياسية
يُعرَّف “تأثير الهالة” في علم النفس المعرفي بأنه “الميل الإدراكي إلى أن يؤثّر الانطباع العام الإيجابي عن كيان ما على تقييم سماته المحددة بطريقة إيجابية تفوق ما تستحقه تلك السمات بمعزل عن الانطباع العام”.[26] وفي السياق الصيني الخاص، تعمل هذه الآلية على النحو التالي: حين يتعرّض المواطن العربي لصور المدن الصينية العملاقة الحديثة، وشبكات القطارات فائقة السرعة الممتدة آلاف الكيلومترات، والإنجازات التكنولوجية المتسارعة، يميل إدراكياً إلى تعميم هذا الانطباع الإيجابي على المنظومة السياسية الصينية بأسرها، مما يضعف حدّة نقده لملفات حقوق الإنسان أو الحريات السياسية أو معاملة الأقليات.
وتتعزّز هذه الآلية بصورة خاصة في المجتمعات التي تعاني من أزمات اقتصادية حادة وترهّل في بنى الخدمات العامة؛ فحين يقارن المواطن في دولة عربية تعاني من تدهور البنية التحتية وانهيار الخدمات الأساسية بين واقعه المرير وبين ما يُعرض عليه من إنجازات صينية باهرة، يتولّد لديه ما يمكن تسميته “الإسقاط الإيجابي المقارن” على المنظومة الصينية بكليّتها.
بينما شامبو يلفت الانتباه إلى ما يسمّيه “فجوة الجاذبية” في القوة الناعمة الصينية؛ إذ تبرع الصين في عرض إنجازاتها المادية الملموسة لكنها لا تزال تفتقر إلى “النموذج القيمي الإلهامي” القادر على منافسة الليبرالية الغربية في استقطاب الشباب الذين تتصدّر قائمة أولوياتهم الحرية الفردية والمشاركة السياسية الفاعلة.[27] وهذا ما يجعل القوة الناعمة الصينية “وظيفية” في مجمّلها، أكثر مما هي “إلهامية” تحرّك العواطف والتطلّعات العميقة.
3. آلية “التأطير المقارن”:
تعتمد القوة الناعمة الصينية اعتماداً جوهرياً على آلية “التأطير المقارن” (Comparative Framing)، حيث لا تُقدَّم الصين كنموذج مطلق في ذاته، بل كبديل أفضل وأكثر احتراماً للكرامة الإنسانية مقارنةً بالتجربة الغربية في المنطقة. وتستثمر هذه الآلية استثماراً منهجياً للمخزون السيكولوجي السلبي المتراكم لدى شعوب المنطقة تجاه التدخلات الغربية المتكررة في شؤونها الداخلية — من الاستعمار المباشر في القرن الماضي، إلى حرب العراق عام 2003، إلى الانحياز المكشوف لإسرائيل — لتقديم الصين في المقابل كقوة عظمى “لا تتدخل ولا تملي شروطاً”.
من المنظور السيكولوجي، تتقاطع هذه الآلية مع مفهوم “التحيّز التأكيدي” (Confirmation Bias) الذي وثّق له جيرفيس وغيره[28]؛ حيث يميل الأفراد الذين يحملون تصوّرات سلبية راسخة ومشتركة عن الغرب إلى تقبّل الخطاب الذي يؤكد تلك التصوّرات ويقدّم بديلاً ظاهره أكثر إنصافاً وأقل تعالياً. وتتجلّى هذه الآلية بوضوح في توظيف الصين للقضية الفلسطينية؛ إذ تستخدم بكين موقفها الداعم لحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة كـ”مرآة كاشفة” تظهر ازدواجية المعايير الغربية وانتقائيتها، وهو خطاب يجد صدى عاطفياً واسعاً في الوجدان العربي الجمعي.[29]
وقد تجلّت هذه الآلية بصورة لافتة في “إعلان بكين” للمصالحة الوطنية الفلسطينية الذي وقّعته الفصائل الفلسطينية الرئيسية في يوليو 2024. فبصرف النظر عن النتائج العملية للإعلان ومدى قدرته على الصمود أمام تحديات التطبيق، فإنه أدّى وظيفة سيكولوجية مهمة تمثّلت في تعزيز صورة الصين كـ”وسيط نزيه محايد” لا يحمل أجندات خفية، في تعارض حادّ مع صورة الولايات المتحدة التي رسّختها عقود من الانحياز الأمريكي السافر.
4. حدود الفاعلية:
على الرغم من الفاعلية النسبية للآليات السابقة في تشكيل صورة ذهنية إيجابية عن الصين، فإن القوة الناعمة الصينية تواجه تحدياً بنيوياً حادّاً يتمثّل في ملف الإيغور المسلمين في إقليم شينجيانغ. ويمكن تحليل هذا التحدي بدقة عبر مفهوم “التنافر المعرفي” (Cognitive Dissonance) الذي أرسى لنظريته المؤسِّسة ليون فيستنغر في كتابه الكلاسيكي الصادر عام 1957؛[30] وهو يُشير إلى الحالة النفسية المزعجة التي تنشأ حين يحمل الفرد في وقت واحد معتقدَين أو اتجاهَين يتناقضان بصورة يصعب التوفيق بينها.
في هذا السياق بالذات، يعاني المواطن العربي المسلم من تنافر معرفي واضح بين اعتقادَين لا يسهل الجمع بينهما: الأول هو التصوّر الإيجابي المتنامي عن الصين بوصفها شريكاً تنموياً محترماً وداعماً للقضايا العادلة، والثاني هو القلق المتصاعد من السياسات الصينية تجاه الإيغور المسلمين في شينجيانغ والتقارير الدولية المتواترة عن انتهاكات جسيمة طالت تلك الأقلية. ولتجاوز هذا التنافر النفسي الحادّ، يلجأ الأفراد والدول عادةً إلى إحدى استراتيجيتين كلاسيكيتين: إما تقليل أهمية أحد المعتقدين المتناقضين — كاعتبار ملف الإيغور “شأناً داخلياً صينياً” لا يعنينا —، أو إضافة معتقد ثالث موازن يخفّف حدّة التناقض — كالقول بأن بكين “تحارب التطرف وتحمي الاستقرار” وليس الإسلام في ذاته.[31]
وتعمل الدبلوماسية الصينية بنشاط مكثّف على تسهيل هذه الاستراتيجيات وتمرير مساراتها؛ فهي تدعو الوفود العربية الرسمية لزيارة الإقليم ومشاهدة البنى التحتية الحديثة والنشاط الاقتصادي فيه، وتُصنّف سياساتها تجاه الإيغور ضمن إطار “مكافحة التطرف والإرهاب” الذي يجد تفهّماً لدى الأنظمة العربية التي تواجه تحديات مماثلة في سياقاتها الداخلية.[32] غير أن هذا التنافر المعرفي يظلّ كامناً في عمق الوجدان الإسلامي، قابلاً للتفعّل في أي لحظة عند تصاعد الأدلة والتقارير الموثّقة، مما يجعله ثغرة بنيوية لا يمكن إغفالها في منظومة القوة الناعمة الصينية على المدى البعيد.
رابعاً: سوريا نموذجاً
1. السياق العام: تطوّر العلاقات الصينية-السورية (2011—2025)
مثّلت الأزمة السورية منذ اندلاعها عام 2011 اختباراً جوهرياً وغير مسبوق للسياسة الخارجية الصينية في الشرق الأوسط. فقد استخدمت الصين بالتنسيق مع روسيا حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي عدة مرات لعرقلة مشاريع قرارات تتعلق بالأزمة السورية، مؤكّدةً في كل مرة تمسّكها بمبدأ “عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول” وأحقّية الحلول السياسية الوطنية بدلاً من الضغط الخارجي أو التدخل الدولي. وبرّرت بكين موقفها بالاستناد إلى مبادئ “التعايش السلمي الخمسة” الراسخة في أسس سياستها الخارجية منذ عهد ماو تسي تونغ، ولا سيما مبدأي السيادة الوطنية وعدم التدخل.
من المنظور السيكولوجي، حمل الموقف الصيني في مجلس الأمن وظائف إدراكية تتجاوز الحسابات الجيوسياسية المباشرة في أبعادها. فمن جهة، رسّخ هذا الموقف صورة الصين لدى الحكومة السورية الرسمية كـ”حليف يمكن الاعتماد عليه في الأزمات الوجودية”، ومن جهة أخرى، قدّم الصين في عيون فريق واسع من الجمهور العربي والإسلامي كقوة دولية كبرى ترفض منطق “التدخل الإنساني” الذي استُخدم تاريخياً ذريعةً لتدمير العراق وليبيا وزعزعة استقرار المنطقة.[33]
2. أدوات القوة الناعمة الصينية في الحالة السورية
وظّفت الصين في سياق الأزمة السورية وما أعقبها عدة أدوات رئيسية من منظومة قوّتها الناعمة:
أ. المساعدات الإنسانية والطبية
قدّمت الصين مساعدات إنسانية وطبية لسوريا في مناسبات متعددة، أبرزها خلال جائحة كوفيد-19 بين عامَي 2020 و2021 حين أرسلت أدوية ومعدات طبية، وعقب الزلزال المدمّر الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا في فبراير 2023 والذي أودى بحياة آلاف السوريين وشرّد مئات الآلاف[34]. ومن المنظور السيكولوجي الاجتماعي، تخلق المساعدة في أوقات الكوارث الحادة — حين تكون الاحتياجات الأساسية في أدنى مستوياتها وتكون المجتمعات في حالة هشاشة قصوى — رابطةً عاطفيةً ووجدانيةً تتجاوز الحسابات السياسية الباردة والمصلحية الصارمة. إذ يُنتج “العجز الجمعي” الناتج عن الكوارث المباغتة حالةً من “الامتنان العميق” تجاه الجهات المانحة، وهي رابطة تتحوّل مع مرور الوقت إلى موقف إيجابي مستدام تجاه تلك الجهات ونماذجها.
ب. خطاب إعادة الإعمار بوصفه أداةً للقوة الناعمة
طرحت الصين نفسها منذ وقت مبكر شريكاً محتملاً لإعادة إعمار سوريا، مستفيدةً من سمعتها العالمية في مجال مشاريع البنية التحتية الضخمة وسرعة تنفيذها وانخفاض تكاليفها النسبية. وقد حمل هذا الخطاب وظيفةً سيكولوجية مهمة تتمثّل في تقديم “أفق زمني مضيء للمستقبل” لمجتمع محاصر في ظلام “اليأس الجمعي” الناجم عن سنوات حرب مدمّرة لا تنتهي[35].
ج. المنح التعليمية واستمراريتها في زمن الأزمات
من بين الأدوات اللافتة التي وظّفتها الصين، استمرارها في تقديم منح دراسية للطلاب السوريين حتى خلال سنوات الحرب الأشد قسوةً. وهذه الاستمرارية في حدّ ذاتها رسالة رمزية ذات أثر سيكولوجي مهم؛ إذ إن القوى التي تُحافظ على التزاماتها في أوقات الأزمات تكتسب مصداقية وثقةً لا تُقاس في المخيال الجمعي. ويمثّل هؤلاء الطلاب استثماراً في بناء نخبة سورية مستقبلية متعلّمة في الصين، تحمل تصوّرات مباشرة وشخصية عنها تختلف في الغالب اختلافاً ملحوظاً عن الصور النمطية السلبية التي تُسوّجها بعض وسائل الإعلام الغربية.
3. خطاب “السلام التنموي” مقاربةً صينيةً بديلة
تقدّم الصين في السياق السوري وسائر البيئات الهشّة في المنطقة ما يمكن وصفه بمقاربة “السلام التنموي” (Developmental Peace) بديلاً عن مقاربة “السلام الديمقراطي” (Democratic Peace) الغربية السائدة، وجوهر هذه المقاربة الصينية أن البذور الحقيقية للنزاعات تكمن في الفقر المزمن والتخلّف التنموي والفوارق الاجتماعية الحادة، لا في الطبيعة الأيديولوجية للنظام السياسي، وأن الطريق المضمون إلى الاستقرار المستدام يمرّ إذاً عبر التنمية الاقتصادية الشاملة لا عبر الإصلاح السياسي القسري المفروض من الخارج.
من المنظور السيكولوجي الاجتماعي، تستثمر هذه المقاربة بعمق في نظرية هرم الاحتياجات البشرية لأبراهام ماسلو؛ إذ تخاطب الاحتياجات الأساسية من أمان وغذاء ومأوى التي تحتلّ قاعدة الهرم وتطغى على وعي الأفراد وسلوكياتهم في مجتمعات ما بعد الحرب المباشرة. فالفرد الذي يعيش في منطقة نزاع حديث العهد — وهذا ما أثبتته الأدبيات النفسية المتخصصة — يميل إلى تفضيل “الاستقرار والأمان الملموس” على “الحرية السياسية المجرّدة”، لا سيما في المراحل الأولى الحرجة من عملية التعافي.[36]
غير أن هذه المقاربة لا تخلو من إشكاليات منهجية وأخلاقية جدّية. فتقديم التنمية بديلاً مطلقاً عن الحقوق السياسية ينطوي على مغالطة منطقية فاضحة؛ إذ ليس ثمة ما يمنع منطقياً أو عملياً السعي إليهما معاً كمساريْن متوازيَيْن لا متنافسَيْن. كما أن تجارب دول عديدة في العالم النامي تُظهر أن التنمية الاقتصادية دون حوكمة رشيدة وحقوق سياسية مصانة تؤدي في الغالب إلى تركّز الثروة لدى النخب، وتعميق الفوارق الاجتماعية، وزرع بذور أزمات اجتماعية وسياسية أشد عمقاً وأصعب معالجةً على المدى البعيد.[37]
4. التحولات السياسية الأخيرة وتحديات التكيّف الصيني
شهدت سوريا في أواخر عام 2024 تحوّلاً سياسياً جذرياً وعميقاً تمثّل في سقوط حكومة الرئيس بشار الأسد، وهو تحوّل غير متوقّع فرض تحديات جديدة ومعقّدة على السياسة الصينية التي كانت قد بنت علاقاتها مع سوريا عبر القنوات المؤسسية الرسمية للدولة القائمة. وهكذا، حين تغيّرت تلك المؤسسات تغيّراً مفاجئاً وجذرياً، وجدت الصين نفسها أمام ضرورة ملحّة لإعادة بناء قنوات الاتصال والتأثير مع الفاعلين السياسيين الجدد من الصفر تقريباً.
يطرح هذا التحوّل المفاجئ أسئلة جوهرية عميقة حول مرونة القوة الناعمة الصينية وقدرتها الفعلية على التكيّف مع المتغيّرات السياسية الجذرية. فبينما تتمتّع القوة الناعمة الأمريكية ببنية تحتية مجتمعية واسعة ومتجذّرة تشمل شبكات المنظمات غير الحكومية، والإعلام المستقل، والجاليات المنتشرة، والمؤسسات الأكاديمية ذات السمعة الدولية، فإن القوة الناعمة الصينية لا تزال مرتبطة إلى حدّ لافت بالقنوات الرسمية والحكومية، مما يجعلها أكثر هشاشةً هيكليةً أمام التحوّلات السياسية الجذرية والمفاجئة.[38]
في الوقت ذاته، قد يفتح التحوّل السوري فرصاً جديدة غير مسبوقة أمام الصين في حال أحسنت قراءة المشهد وتعاملت معه ببراغماتية متوازنة. فالسلطات الجديدة في سوريا تحتاج لى شركاء دوليين موثوقين لإعادة الإعمار وإعادة بناء المؤسسات، والصين تمتلك الخبرة التقنية والموارد المالية اللازمة لذلك. كما أن غياب “إرث التدخل” في الشأن السوري يمنح الصين ميزةً نسبية حقيقية مقارنةً بالقوى الغربية التي تحمل ثقلاً تاريخياً من التدخلات المعقّدة. غير أن استثمار هذه الفرصة مشروط بقدرة الصين على تقديم نفسها شريكاً تنموياً حقيقياً يحترم تطلّعات الشعب السوري وحقوقه الأساسية، لا قوةً تتحرّك حصراً بدوافع المصلحة الاقتصادية الضيّقة وحماية الاستثمارات.
الخاتمة والنتائج
خلصت هذه الدراسة إلى جملة من النتائج الرئيسية:
النتيجة الأولى: تمتلك الصين منظومة متكاملة ومتطوّرة من أدوات القوة الناعمة الموجّهة نحو الشرق الأوسط، تشمل السردية الحضارية القائمة على استحضار إرث “طريق الحرير”، والمؤسسات التعليمية والثقافية من معاهد كونفوشيوس ومنح دراسية، والإعلام الموجّه باللغة العربية، ومراكز الفكر المتخصصة. وتتميّز هذه المنظومة بتركيزها الجوهري على “نموذج التنمية” بدلاً من “نموذج القيم”، وعلى “الشراكة المتكافئة غير المشروطة” بدلاً من “الوصاية الحضارية المملاة”.
النتيجة الثانية: تعمل القوة الناعمة الصينية عبر آليات سيكولوجية اجتماعية محددة وقابلة للرصد التحليلي، أبرزها آلية “الألفة التاريخية” التي تستثمر الذاكرة المشتركة في بناء الثقة، وآلية “تأثير الهالة” التي تنقل الانطباع الإيجابي عن النجاح المادي إلى المنظومة السياسية بمجملها، وآلية “التأطير المقارن” التي تستثمر المخزون النفسي السلبي تجاه الغرب لتعزيز الجاذبية الصينية.
النتيجة الثالثة: تواجه القوة الناعمة الصينية تحديات بنيوية جوهرية تحدّ من فاعليتها على المدى البعيد، أبرزها ملف الإيغور الذي يخلق “تنافراً معرفياً” حادًّا لدى المتلقّي العربي المسلم، والفجوة المتسعة بين الخطاب القيمي الصيني السامي والممارسة الفعلية على الأرض، وهشاشة البنية التحتية المجتمعية للقوة الناعمة الصينية مقارنةً بنظيرتها الأمريكية والغربية.
النتيجة الرابعة: في الحالة السورية تحديداً، نجحت الصين جزئياً في بناء صورة “الشريك التنموي البديل” غير الملزم بشروط، مستفيدةً من الدعم الدبلوماسي في مجلس الأمن والمساعدات الإنسانية والمنح التعليمية. غير أن هذه الصورة تواجه اختباراً حقيقياً وجدياً في ضوء التحوّلات السياسية الجذرية الأخيرة، التي تستلزم من بكين مرونةً دبلوماسيةً عالية وقدرةً على إعادة بناء العلاقات مع فاعلين جدد لا تربطها بهم تاريخ مشترك.
النتيجة الخامسة: تظلّ القوة الناعمة الصينية في المجمل “وظيفية” أكثر منها “إلهامية”؛ فهي تنجح في تقديم حلول مادية وتنموية ملموسة تلبّي الاحتياجات الأساسية الضرورية، غير أنها لا تزال تعجز عن تقديم نموذج قيمي شامل قادر على منافسة جاذبية الليبرالية الغربية لدى الأجيال الشابة المتطلّعة إلى الحرية الفردية والمشاركة السياسية الفاعلة.
وبناءً على هذه النتائج، توصي الدراسة بما يلي:
(1) للباحثين العرب: ضرورة الاستثمار في دراسات ميدانية تجريبية تقيس بدقة اتجاهات الرأي العام العربي تجاه الصين، وتُحلّل بمنهجية علمية صارمة الآليات السيكولوجية التي تحكم تلقّي الخطاب الصيني في سياقات ثقافية متنوعة.
(2) لصانعي القرار العرب: أهمية بناء “وعي استراتيجي مستقل” يستفيد من التنافس المحتدم بين القوى الكبرى دون الوقوع في فخ التبعية العمياء لأيٍّ منها، والتعامل مع الصين كشريك تنموي محتمل مع الحفاظ الراسخ على استقلالية القرار الوطني وصون السيادة.
(3) للمؤسسات الأكاديمية: الحاجة الماسّة إلى إنشاء مراكز بحثية عربية متخصصة في الشأن الصيني بكل أبعاده، تقوم بدراسات مستقلة حول العلاقات العربية-الصينية، بدلاً من الاعتماد على المصادر الغربية أو الصينية الرسمية التي تحمل كلتاهما توجّهاتها وأجنداتها المسبقة.
[1] Joseph S. Nye, Soft Power: The Means to Success in World Politics, 1st ed. (New York: PublicAffairs, 2004), pp. 1-15.
[2] James Reardon-Anderson (ed.), The Red Star and the Crescent: China and the Middle East, 1st ed. (London: Hurst & Company, 2018), pp. 1-18.
[3] Camille Lons et al., “China’s Great Game in the Middle East,” ECFR, London, October 2019, p. 2 https://bit.ly/4dC56Pp
[4] شي جين بينغ، حول الحكم والإدارة، ط1 (بكين: دار النشر باللغات الأجنبية، 2014)، ص. 315-320.
[5] ناي، جوزيف، القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية، ترجمة: محمد توفيق البجيرمي، ط1 (الرياض: العبيكان للنشر، 2007)، ص. 31.
[6] Joshua Kurlantzick, Charm Offensive: How China’s Soft Power Is Transforming the World, 1st ed. (New Haven: Yale University Press, 2007), pp. 6-8.
[7] شي جين بينغ، مرجع سابق، ص. 170.
[8] David Shambaugh, China Goes Global: The Partial Power, 1st ed. (Oxford: Oxford University Press, 2013), pp. 207-240.
[9] Lons et al., op. cit., pp. 3-5.
[10] Kenneth E. Boulding, The Image: Knowledge in Life and Society, 1st ed. (Ann Arbor: University of Michigan Press, 1956), pp. 5-6.
[11] Robert Jervis, Perception and Misperception in International Politics, 1st ed. (Princeton: Princeton University Press, 1976), pp. 13-31.
[12] Richard K. Herrmann, “Perceptions and Image Theory in International Relations,” in Leonie Huddy et al. (eds.), The Oxford Handbook of Political Psychology, 2nd ed. (Oxford: Oxford University Press, 2013), pp. 337-342.
[13] Serge Moscovici, Social Representations: Explorations in Social Psychology, edited by Gerard Duveen, 1st ed. (Cambridge: Polity Press, 2000), pp. 1-35.
[14] Lina Benabdallah, “Contesting the International Order by Integrating It: The Case of China’s Belt and Road Initiative,” Third World Quarterly, London, Vol. 40, No. 1 (2019), pp. 93-95.
[15] Degang Sun & Yahia Zoubir, “China’s Participation in Conflict Resolution in the Middle East and North Africa,” Journal of Contemporary China, London, Vol. 27, No. 110 (2018), p. 226.
[16] Benabdallah, op. cit., pp. 94-95
[17] Falk Hartig, “Confucius Institutes and the Rise of China,” Journal of Chinese Political Science, New York, Vol. 17, No. 1 (2012), pp. 55-58.
[18] Kurlantzick, op. cit., pp. 67-72
[19] Jon B. Alterman, “The Other Side of the World: China, the United States, and the Struggle for Middle East Security,” CSI Washington, March 2017, p. 14. https://bit.ly/4bv55di
[20] Richard E. Nisbett & Timothy D. Wilson, “The Halo Effect: Evidence for Unconscious Alteration of Judgments,” Journal of Personality and Social Psychology, Washington, APA, Vol. 35, No. 4 (1977), p. 250
[21] Shambaugh, op. cit., pp. 215-220.
[22] شي جين بينغ، مرجع سابق، ص. 450.
[23] Jervis, op. cit., pp. 143-172
[24] Reardon-Anderson, op. cit., pp. 20-38
[25] Alexander Wendt, Social Theory of International Politics, 1st ed. (Cambridge: Cambridge University Press, 1999), pp. 224-233.
[26] Nisbett & Wilson, op. cit., p. 250
[27] Shambaugh, op. cit., pp. 268-270
[28] Jervis, op. cit., pp. 143-172
[29] Sun & Zoubir, op. cit., pp. 230-232
[30] Leon Festinger, A Theory of Cognitive Dissonance, 1st ed. (Stanford: Stanford University Press, 1957), pp. 1-31.
[31] المرجع نفسه، ص. 18-24.
[32] وزارة الخارجية الصينية، “النص الكامل لمبادرة الأمن العالمي”، الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الصينية، بكين، أبريل 2022، تاريخ الزيارة 15 مارس 2025، https://bit.ly/4rQBEsD
[33] Sun & Zoubir, op. cit., pp. 228-232
[34] النص الكامل لإعلان بكين للمصالحة الوطنية الفلسطينية، وكالة شينخوا، بكين، 23 يوليو 2024. https://bit.ly/483cfVh
[35] Reardon-Anderson, op. cit., pp. 185-200
[36] Jervis, op. cit., pp. 217-225
[37] Deborah Brautigam, “Is China the World’s Loan Shark?” The New York Times, New York, 26 April 2019, p. A23. bit.ly/47ifkRb
[38] Kurlantzick, op. cit., pp. 225-230




