الانتخابات الإسرائيلية 2026: أزمة القيادة وثنائية اليمين واليسار
رامي أبو زبيدة، باحث فلسطيني متخصص في الشؤون الأمنية والعسكرية
تكشف الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، المُقررة في أكتوبر/ تشرين الأول 2026، في جوهرها، عن أزمة قيادة تتجاوز الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار، وتتصل بصورة أعمق بأزمة النموذج السياسي الذي حكم “إسرائيل” خلال السنوات الأخيرة، ولم تعد المسألة مجرد منافسة بين بنيامين نتنياهو وخصمًا سياسيًا جديدًا، بقدر ما هي مواجهة بين تصورين مختلفين لمعنى القيادة في زمن الحرب والأزمات المتلاحقة: قيادة تستمد شرعيتها من الخبرة السياسية والأمنية والقدرة على إدارة التوازنات الدولية والداخلية، وقيادة تحاول تقديم نفسها بوصفها بديلًا مهنيًا أكثر انضباطًا وأقل التصاقًا بالاستقطاب الشخصي الذي طبع الحياة السياسية الإسرائيلية في عهد نتنياهو.
في هذا السياق، يكتسب صعود غادي آيزنكوت أهمية تتجاوز حجمه الانتخابي المباشر، حيث لا يدخل المنافسة باعتباره مجرد سياسي جديد في الخارطة الحزبية الإسرائيلية، وإنما بوصفه ممثلًا لنموذج مختلف في تعريف الأمن والقيادة. خلفيته كرئيس سابق لهيئة الأركان تمنحه القدرة على مخاطبة الجمهور الإسرائيلي من داخل المجال الذي يحتل موقعًا مركزيًا في الوعي السياسي الإسرائيلي: مجال الأمن.
لكنه، في الوقت نفسه، يحاول نقل مفهوم الأمن من كونه رصيدًا شخصيًا لنتنياهو إلى كونه كفاءة مؤسسية يمكن أن يمتلكها بديل سياسي، وهذه النقطة قد تكون الأكثر حساسية في المنافسة المقبلة، لأن نتنياهو بنى جانبًا كبيرًا من شرعيته السياسية على فكرة أنه الأكثر خبرة وقدرة على التعامل مع التهديدات الأمنية والإقليمية.
وقامت إحدى ركائز خطاب نتنياهو السياسية على تقديم نفسه باعتباره «سيد الأمن»، أي الزعيم الذي يعرف طبيعة التهديدات المحيطة بإسرائيل، ويمتلك الخبرة اللازمة لإدارتها. غير أن هذه الصورة تعرضت خلال السنوات الأخيرة لاختبارات قاسية، ليس فقط بسبب نتائج الحروب والتصعيدات، وإنما بسبب الأسئلة التي أصبحت مطروحة داخل “إسرائيل” حول مسؤولية القيادة السياسية، وحدود قدرة المؤسسة الأمنية والعسكرية على معالجة أزمات تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والسياسية والاستخبارية.
ومن هنا فإن التحدي الذي يمثله آيزنكوت لا يكمن في أن يكون أكثر يمينية أو أقل يمينية من نتنياهو، وإنما في محاولته إعادة تعريف السؤال الانتخابي نفسه، فإذا نجح في إقناع الناخب بأن المشكلة ليست في مستوى التشدد الأمني، بل في طريقة إدارة الأمن، فإنه يستطيع الانتقال بالمنافسة من سؤال «من هو الأكثر صلابة؟» إلى سؤال «من هو الأكثر كفاءة؟». وهذا انتقال سياسي بالغ الأهمية، لأن نتنياهو يظل أقوى عندما تكون الانتخابات استفتاءً على الخطر الخارجي، بينما يمكن لخصومه أن يصبحوا أكثر قدرة على المنافسة عندما تتحول الانتخابات إلى استفتاء على أداء القيادة.
وفي المقابل، يُدرك نتنياهو أن خسارة الانتخابات لا تتطلب بالضرورة انهيار شعبيته، كما أن البقاء في الحكم لا يتطلب استعادة كامل قوته السابقة. فالنظام السياسي الإسرائيلي لا يعمل وفق قاعدة الفائز الأكبر بصورة مباشرة، وإنما وفق القدرة على تشكيل ائتلاف يحظى بثقة الكنيست. ولذلك فإن المعركة الحقيقية لا تدور فقط حول عدد المقاعد التي يحصل عليها كل حزب، بل حول قدرة كل معسكر على تجميع 61 مقعدًا، وهي العتبة التي تفصل بين الفوز الانتخابي المجرد والقدرة الفعلية على تشكيل الحكومة.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية في الانتخابات الإسرائيلية، فقد يتقدم معسكر التغيير في عدد المقاعد أو يتصدر حزب معين استطلاعات الرأي، لكن ذلك لا يعني بالضرورة امتلاكه طريقًا واضحًا إلى رئاسة الحكومة. فالسياسة الإسرائيلية لا تختزل في ترتيب الأحزاب، بل في هندسة الائتلافات، ولذلك فإن نتنياهو، حتى في حال تراجعت قوته الحزبية، قد يحتفظ بميزة مهمة إذا استطاع إبقاء خصومه في معسكرات متنافسة، أو منع أحد الأحزاب من تجاوز العتبة الانتخابية، أو الحفاظ على قدرة حلفائه التقليديين على دخول الكنيست.
ومن هذه الزاوية، يُصبح مفهوم “الأصوات المهدورة” أكثر أهمية مما توحي به القراءة السطحية للاستطلاعات. فكل صوت يذهب إلى حزب لا يتجاوز نسبة الحسم لا يتحول إلى مقعد، وهو ما يمكن أن يعيد تشكيل الخريطة البرلمانية بأكملها. لذلك فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل نتنياهو وآيزنكوت لن يكون فقط: من حصل على أكبر عدد من الأصوات؟ بل أيضًا: كيف توزعت هذه الأصوات بين الأحزاب، ومن تجاوز العتبة، ومن بقي خارجها، وأي معسكر استفاد من ذلك؟
وهذا ما يجعل معسكر التغيير أمام مشكلة تتجاوز شعبية آيزنكوت نفسه، فقد ينجح في أن يصبح المرشح الأكثر قبولًا لدى قطاعات واسعة من الوسط واليمين المعتدل، لكنه سيظل بحاجة إلى تحويل هذه الأفضلية الشخصية إلى بنية ائتلافية قابلة للحكم، فالانتخابات الإسرائيلية لا تمنح السلطة لمن ينجح في إقناع الناخب بأنه البديل الأفضل فقط، وإنما لمن يستطيع بعد إعلان النتائج أن يبني شبكة سياسية تضمن له الأغلبية البرلمانية.
ومن هنا يمكن فهم أهمية خطاب آيزنكوت المحتمل في المرحلة المقبلة، فكلما بقي خطابه محصورًا في نقد نتنياهو، ظل أسيرًا لمنطق المنافسة الشخصية، أما إذا تمكن من بناء سردية سياسية تقول إن “إسرائيل” تحتاج إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة، واستعادة الثقة بين المستوى السياسي والمؤسسة الأمنية، وتحسين إدارة الحرب، وإعادة تعريف العلاقة بين الأمن والسياسة، فإنه يستطيع تحويل نفسه من “خصم لنتنياهو” إلى “بديل لمرحلة نتنياهو”.
وفي المقابل، سيحاول نتنياهو على الأرجح إعادة الانتخابات إلى المجال الذي يعتقد أنه الأكثر ملاءمة له: الأمن، وهذه ليست مجرد استراتيجية انتخابية عابرة، بل جزء من بنية الخطاب السياسي الإسرائيلي منذ عقود، ففي مجتمع يعيش تحت تأثير التهديدات الأمنية والحروب والصواريخ والعمليات العسكرية، يمكن للقيادة السياسية أن تُعيد ترتيب أولويات الناخب بسرعة عندما يرتفع مستوى الخطر، وكلما أصبح السؤال الانتخابي مرتبطًا بالخوف من المستقبل، ازدادت أهمية الخبرة السابقة للزعيم، حتى وإن كانت هذه الخبرة نفسها موضع نقد.
لكن المشكلة بالنسبة إلى نتنياهو هي أن الأمن لم يعد مفهومًا بسيطًا يمكن اختزاله في القوة العسكرية، فقد كشفت السنوات الأخيرة أن التفوق العسكري لا يمنع بالضرورة المفاجآت الأمنية، وأن امتلاك جيش قوي لا يعني بالضرورة امتلاك قدرة سياسية واستخبارية كافية على منع الأزمات أو إنهائها، ولذلك فإن المنافسة المقبلة قد تدور حول سؤال أكثر تعقيدًا: هل الأمن الإسرائيلي يتحقق عبر استمرار القيادة التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الصراعات، أم عبر تغيير القيادة التي يرى خصومها أنها أصبحت جزءًا من المشكلة؟
وهنا تبرز إحدى أهم نقاط القوة المحتملة لدى آيزنكوت، فهو لا يستطيع منافسة نتنياهو في طول الخبرة السياسية أو في شبكة العلاقات الدولية التي راكمها رئيس الوزراء على مدى عقود، لكنه يستطيع منافسته في مجال آخر: الخبرة الأمنية المهنية من داخل المؤسسة العسكرية، وبالتالي فإن استراتيجيته الأكثر فاعلية ليست مهاجمة نتنياهو من خارج المجال الأمني، وإنما منافسته على تعريف معنى الأمن نفسه.
بهذا المعنى، تُصبح المعادلة الانتخابية أكثر تعقيدًا من ثنائية «نتنياهو ضد آيزنكوت»، لأن نتنياهو يحتاج إلى منع تشكل بديل قادر على جمع الأغلبية، بينما يحتاج آيزنكوت إلى جعل فكرة التغيير أكثر أمنًا في نظر الناخب الإسرائيلي من فكرة استمرار نتنياهو، وهذه نقطة جوهرية، لأن جزءًا كبيرًا من جمهور الوسط واليمين المعتدل قد يكون مستعدًا للتغيير السياسي، لكنه ليس بالضرورة مستعدًا للمخاطرة بما يراه استقرارًا أمنيًا.
ولذلك فإن نجاح آيزنكوت لن يتوقف فقط على قدرته على انتزاع أصوات من معسكر نتنياهو، بل على قدرته على تبديد المخاوف التي قد تدفع هؤلاء الناخبين إلى العودة إلى نتنياهو في اللحظة الأخيرة. فالتغيير في إسرائيل لا يحتاج فقط إلى خطاب احتجاجي، وإنما إلى خطاب طمأنة، والمرشح الذي يريد إسقاط نتنياهو يجب أن يقنع الناخب بأن إسقاطه لن يعني بالضرورة إضعاف إسرائيل أو تعريضها للخطر.
في المقابل، فإن نتنياهو لا يحتاج إلى إقناع جميع الإسرائيليين بأنه “الزعيم المثالي”، حيث يكفيه، في بعض السيناريوهات، أن يقنع كتلة وازنة من الناخبين بأن البديل غير مضمون، وأن المرحلة الإقليمية لا تحتمل التجريب، ولذلك فإن أي تطور عسكري أو إقليمي يمكن أن يعيد ترتيب الأولويات الانتخابية سيكون ذا قيمة سياسية كبيرة بالنسبة إليه، خصوصًا إذا أمكن تقديمه باعتباره دليلًا على الحاجة إلى قيادة ذات خبرة طويلة.
لكن تأثير الحرب في الانتخابات لن يكون آليًا، فالحرب لا تمنح الحكومة بالضرورة رصيدًا انتخابيًا؛ الذي يمنحها ذلك هو تفسير نتائج الحرب، فإذا رأى الناخب أن التصعيد أدى إلى تعزيز أمن إسرائيل وتحقيق أهدافها، فقد تتحول الحرب إلى رصيد سياسي للقيادة، أما إذا ارتبطت الحرب بالخسائر، وطول المدة، وغياب الحسم، والاضطراب الداخلي، وارتفاع الكلفة الاقتصادية والبشرية، فإنها قد تتحول من مصدر قوة إلى مصدر اتهام سياسي. وبالتالي فإن المتغير الحقيقي ليس الحرب في حد ذاتها، وإنما الطريقة التي تُقرأ بها نتائجها داخل المجتمع الإسرائيلي.
ومن هنا ينبغي التعامل بحذر مع الاستطلاعات التي تمنح آيزنكوت تقدمًا أو تضع معسكر التغيير في موقع متقدم. فالاستطلاع يقيس لحظة سياسية محددة، ولا يستطيع وحده أن يحدد شكل الائتلاف الذي سيولد بعد الانتخابات. كما أن الفارق بين استطلاع وآخر قد يكون انعكاسًا لتغيرات مؤقتة في المزاج العام، وليس بالضرورة تحولًا بنيويًا في اتجاهات التصويت. ولذلك فإن الحديث عن انتقال وشيك للسلطة يبقى سابقًا لأوانه، كما أن الحديث عن عودة نتنياهو الحتمية إلى موقع القوة المطلقة لا يستند هو الآخر إلى أساس كافٍ.
والأهم أن الصراع الحقيقي قد لا يكون بين شخصين بقدر ما هو صراع بين مرحلتين سياسيتين، مرحلة نتنياهو التي جعلت من الأمن والخبرة الشخصية والاستقطاب السياسي أدوات مركزية لإدارة الحكم، ومرحلة محتملة جديدة تحاول تقديم الأمن بوصفه وظيفة مؤسساتية لا ملكية شخصية لزعيم بعينه، وإذا استطاع آيزنكوت أن يُقنع الجمهور بأن المؤسسة الأمنية تحتاج إلى قيادة سياسية مختلفة وليس فقط إلى مزيد من القوة العسكرية، فقد يصبح صعوده أكثر من مجرد ظاهرة انتخابية مؤقتة.
في المقابل، سيحاول نتنياهو تحويل الانتخابات إلى استفتاء على سؤال واحد: من يستطيع حماية إسرائيل في زمن الحرب؟ وسيحاول خصومه تحويلها إلى سؤال آخر: من يستطيع إدارة الأمن بصورة أفضل بعد أن ثبت أن الخبرة السياسية الطويلة لا تمنع الإخفاق؟ وبين السؤالين ستتحدد طبيعة المنافسة الحقيقية.
وعليه، فإن التقدير الأكثر حذرًا في المرحلة الحالية هو أن آيزنكوت يمتلك أفضلية انتخابية متنامية، لكنه لا يمتلك بعد طريقًا مضمونًا إلى رئاسة الحكومة، في حين يحتفظ نتنياهو بقدرة سياسية وائتلافية على البقاء أكبر مما قد توحي به بعض عناوين الاستطلاعات. فالفارق بين التقدم في استطلاع والرئاسة الفعلية للحكومة هو الفارق بين الحصول على التأييد الشعبي والقدرة على ترجمة هذا التأييد إلى أغلبية برلمانية.
وفي النهاية، يمكن اختزال المعادلة الانتخابية المقبلة في ثلاثة متغيرات مترابطة: مسار الحرب والتصعيد، وتماسك معسكر التغيير، ونسبة الأصوات التي ستضيع بسبب عدم تجاوز أحزاب معينة العتبة الانتخابية.
وستتفاعل هذه العوامل مع بعضها بصورة تجعل أي قراءة ثابتة للمشهد عرضة للتغيير حتى اللحظات الأخيرة، فإذا تحولت الحرب إلى مصدر ثقة بالقيادة، فقد يجد نتنياهو فرصة لإعادة بناء موقعه، وإذا تحولت نتائجها إلى دليل على فشل القيادة، فقد يصبح آيزنكوت أكثر قدرة على تقديم نفسه باعتباره البديل، وإذا بقي معسكر التغيير منقسمًا، فإن أفضلية آيزنكوت الشخصية قد لا تكفي، أما إذا نجح في توحيد قوى التغيير حول قيادة واحدة قادرة على مخاطبة الوسط واليمين المعتدل، فقد تتحول موجته الانتخابية إلى انتقال فعلي في السلطة.
وهكذا فإن السؤال الحاسم في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة ليس ببساطة ما إذا كان نتنياهو سيفوز أم آيزنكوت، وإنما أي رواية سياسية ستنجح في إقناع الإسرائيليين؟
رواية تقول إن زمن الحرب يحتاج إلى استمرار القيادة ذات الخبرة، أم رواية تقول إن استمرار الأزمة دليل على الحاجة إلى تغيير القيادة. وبين هاتين الروايتين ستجري المعركة الحقيقية على تعريف الأمن، وعلى معنى القيادة، وعلى مستقبل النموذج السياسي الذي حكم إسرائيل طوال السنوات الماضية.
تنويه: كل الاراء المنشورة، تُعبر عن أصحابها فقط، ولا تُعبر بالضرورة عن توجهات مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية




