تحليلات و تقديراتسياسيةمقالات

صراع التوازنات وصعود المحاور الإقليمية في الشرق الأوسط

خالد قعسماني، باحث سياسي، متخصص في شؤون الشرق الأوسط (لبنان)

إن التطورات المتسارعة للأحداث في شرق البحر الأبيض المتوسط تأكيد قراءة واحدة لجبهات تبدو متصلة لا منفصلة، على قاعدة حتمية الجغرافيا وتلازمها، ولعنة الموقع الاستراتيجي المتنازع عليه دوليًا: غزة، جنوب لبنان، العراق، إيران والخليج، أو ما اصطلح على تسميته في العقلية الكولونيالية الاستعمارية بـ«الشرق الأوسط».

فالمشهد الذي يتشكل اليوم يبدو أقرب إلى إعادة تركيب شاملة للنظام الإقليمي، تحاول كل قوة تشكيله بما تملك من قدرات ونفوذ، عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا. وتتقاطع في هذا المشهد القوة العسكرية مع القوة السياسية، فيما يستمر تلازم الحسابات الأميركية والإسرائيلية، بالتوازي مع صعود حسابات تركية وسعودية وباكستانية ومصرية.

وفي المقابل، تجهد إيران لمنع انتقال موقعها من دولة إقليمية منافسة إلى دولة محاصرة، مستندة إلى قدرة متعاظمة على التأثير في امتدادات تتجاوز الإقليم، وإلى صمود في المواجهات الأخيرة  مكّنها من الإمساك بعدد من أوراق اللعبة بثبات.

وهنا تتقدم مشهدية التصعيد وارتفاع وتيرة النشاط العسكري، مع تزايد الإنذارات باحتمال توسع الأعمال الحربية. وهو ما يعيد إلى الواجهة سؤالًا تقليديًا عرفه التاريخ: هل تكون أشد المعارك أثناء الجلوس إلى طاولة المفاوضات، بهدف تثبيت الشروط وتحسينها، أم أن العاصفة المتشكلة تنذر بالذهاب إلى حروب أوسع، وربما إلى حرب تتجاوز الإقليم بقواعد اشتباك جديدة في صراع الأمم؟

ولعل التطورين اللذين شهدتهما الساحات مؤخرًا يختصران جانبًا مهمًا من هذه المشهدية: التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان، بالتزامن مع التحرك الأميركي ـ المصري ـ القطري ـ التركي في ملف غزة، واللقاء المباشر بين المبعوث الأميركي جاريد كوشنر ووفد حركة حماس في مصر، ويُفهم هذا التحرك في سياق محاولة دفع خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الأمام، في الوقت الذي تستمر فيه الضربات الإسرائيلية على جنوب لبنان وغزة.

جنوب لبنان… الجبهة غير المنفصلة

التصعيد الإسرائيلي الأخير في جنوب لبنان، والذي تصفه بعض المصادر بأنه من الأشد منذ ما سُمّي بالاتفاق الإطار، لا يعني بالضرورة الذهاب إلى حرب شاملة جديدة، فالضربات الإسرائيلية، ومنها إعلان الجيش الإسرائيلي قتل قيادي في حزب الله، يمكن قراءتها في إطار محاولة تكريس صورة التفوق والانتصار في الإقليم من جهة، وتحقيق قواعد ردع إضافية من جهة أخرى، مع إبقاء عملية إعادة بناء قدرات حزب الله تحت وطأة النار.

ولا يمكن إغفال عامل التوقيت في هذا التصعيد. ففي الوقت الذي تتحرك فيه واشنطن ومصر وقطر وتركيا لتثبيت مسار غزة، تقوم إسرائيل برفع مستوى الضغط في لبنان، وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل تريد إسرائيل فصل مسار غزة عن مسار لبنان، أم تريد استخدام الجبهة اللبنانية لتحسين شروطها التفاوضية في غزة والمنطقة كلها؟

ما يمكن ترجيحه هو الاحتمال الثاني، في ضوء معرفة عقيدة الكيان ومساره التاريخي في سياسات مشابهة، فإسرائيل تدرك أن أي تسوية في غزة ستعيد ترتيب المشهد الفلسطيني والإقليمي معًا، ولذلك تريد ألّا تنتقل من حرب واسعة إلى تسوية إقليمية وهي تشعر بأن جبهة لبنان بقيت خارج معادلة السيطرة المطلقة التي تحاول تحقيقها، وعليه، فإن فهم التصعيد ضمن الحدود المسموحة يمكن اعتباره رسالة تفاوضية بالنار أكثر من كونه إعلانًا عن حرب شاملة.

على المسار المقابل، لا تكمن أهمية لقاء كوشنر ـ حماس فقط في انعقاده، بل في الأطراف المشاركة والدور الذي تؤديه، فالمبعوث الأميركي التقى وفد حماس في مصر بحضور الوسطاء، بينما تتحرك مصر وقطر وتركيا داخل المسار نفسه. وتُظهر التقارير أن البحث يتركز على تنفيذ خطة غزة، بما في ذلك وقف أعمال العنف، وضبط السلاح، والانسحاب الإسرائيلي، والمساعدات، والترتيبات الأمنية، وتشكيل قوة دولية لمراقبة الاستقرار وضمانه.

وهنا تجدر الإشارة إلى دلالة استراتيجية بالغة الأهمية: أن واشنطن باتت تتعامل مع حماس باعتبارها طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية، وإن كانت تسعى في المقابل إلى نزع سلاحها اذا تمكنت من ذلك، وهذا الاعتراف السياسي بالدور، وإن جاء على مضض، يعني أكثر من مجرد الاعتراف بوجود طرف تفاوضي؛ فهو يعكس إقرارًا بأن الإفراط في استخدام القوة العسكرية وحدها لم ينتج ترتيبات قابلة للحياة، ومن هذه الزاوية، يمكن اعتبار المسار التفاوضي تعزيزًا لوجهة نظر قوى المقاومة في المنطقة التي تمسكت بالسلاح، رغم الأثمان الباهظة التي دفعتها، وانتصارًا للخيار الذي تبنته.

وتزداد أهمية تحرك كوشنر من حقيقة أنه لا يتحرك فقط بين واشنطن وعاصمة دولة الكيان، بل يتحرك في القاهرة، حيث تجتمع حول الطاولة مصر وقطر وتركيا وحماس والولايات المتحدة. وهذا يمكن اعتباره محاكاة أولية للمشهد الإقليمي الذي يحاول الأميركيون رسمه في المنطقة.

واشنطن وتل أبيب… اختلاف في تعريف اللحظة

هناك بُعد آخر لا بد من تمييزه، وهو بعض الفوارق في الحسابات بين واشنطن وتل أبيب، فإسرائيل تريد ضمانًا أمنيًا طويل الأمد يمنع إعادة بناء قدرات قوى المقاومة في غزة ولبنان، وتريد في الوقت نفسه الحفاظ على حرية عمل عسكري غير مشروط.

أما واشنطن فتبدو أمام معادلة مختلفة بعض الشيء، من منظور دورها العالمي. فهي تريد الحفاظ على التفوق الإسرائيلي، انطلاقًا من قاعدة حماية إسرائيل، لكنها تريد في الوقت عينه إنهاء الحروب المفتوحة وإعادة بناء إطار إقليمي يسمح للولايات المتحدة بإدارة التوازن من الخارج بدل الانخراط الدائم في الحرب، والعودة إلى سياسة الإدارة بالوكالة لأنها أقل كلفة، ولهذا قد تتعارض بعض التكتيكات الإسرائيلية مع الحسابات الأميركية الأوسع. فواشنطن تريد تسوية طويلة الأمد تمنحها الوقت المطلوب لترتيب ضمان بقائها في قمة النظام العالمي لفترة أطول.

ومن جهتها، ترى تل أبيب أن استمرار الضغط العسكري هو الذي ينتج التسوية الأفضل لها، ما دامت غير قادرة على استدراج الأميركي إلى مزيد من الانخراط في حروبها ضد دول المنطقة، وفي مقدمتها إيران، وهذا التباعد لا يرقى إلى مستوى الخلاف الاستراتيجي الشامل بين الطرفين، وإنما يعكس اختلافًا في تعريف اللحظة التي ينبغي عندها الانتقال من الحرب إلى السياسة.

إيران… المتغير الأهم في معادلة الإقليم

البعد الإيراني المتغير الأهم والمحرك لعاصفة المتغيرات في الإقليم وما حوله، فإيران تريد الخروج من الحرب ليس فقط من دون فقدان موقعها كقوة إقليمية، بل وهي تتطلع إلى دور أكثر فاعلية ونفوذًا. وهي تدرك أن أي تنازل عن أي ورقة من أوراق نفوذها قد يعني تراجعًا ينتهي بها إلى هزيمة وتفكيك.

ولا يمكن فهم غزة أو لبنان بمعزل عن إيران، من حيث الامتدادات الإقليمية والدعم. ومن دون الانتقاص من حق المقاومة في استعادة الأرض المشروعة، ومن كون حركات المقاومة حركات تحرر نشأت أساسًا بسبب وجود الاحتلال وتشابك المصالح والمطامع الدولية، فإن القراءة الموضوعية والحقوقية تقتضي أيضًا ملاحظة أن إيران تتقن قراءة حاجات الشعوب وتوظيفها في تكبير دورها وتعزيز نفوذها وهذا ما يعطيها اوراق تفوق في معاركها.

ومن المفارقات أن إضعاف إيران ليس بالضرورة طريقًا إلى قيام نظام إقليمي إسرائيلي، بل قد يؤدي إلى نتيجة مختلفة وغير قابلة للتكهن وفق الأجندة الأميركية ـ الإسرائيلية، فالدول العربية وتركيا وباكستان لا تريد إيران مهيمنة، صحيح، لكنها لا تريد أيضًا أن يصبح أمن المنطقة إسرائيليًا ـ أميركيًا بالكامل، ولهذا يأتي الترتيب الدفاعي التركي ـ السعودي ـ الباكستاني في سياق التنافس على الأدوار الإقليمية والتقاطعات، وهو يمثل وجهة نظر إقليمية مغايرة ومحاولة للانتقال من مفهوم الحماية الخارجية إلى مفهوم الردع الإقليمي والتوازن الذاتي.

ولا يوجد حتى اللحظة تأكيدات لفرضية أن واشنطن صنعت هذا الترتيب سرًا، لكن لا يخفى أنها تراقبه باهتمام؛ فهذا الترتيب الدفاعي، في حال نجاحه، يعني تقاسم عبء الردع الإقليمي بدل تحمله أميركيًا بمفرده.

ماذا في الدور الباكستاني ؟

يمثل الدور الباكستاني أثرًا مستجدًا على صعيد المنطقة، ويجدر مراقبته بفاعلية، ولا سيما مع المستجدات الداخلية في باكستان، لكن ينبغي الحذر من توصيف ما يجري هناك بأنه انقلاب عسكري مكتمل، والأدق هو  ترسخ دور المؤسسة العسكرية في القرار الاستراتيجي، أولًا وآخرًا، وهو ما يجعل دخول باكستان في الترتيب الدفاعي مع السعودية وتركيا ذا أهمية، بمجرد توقيع هذا الاتفاق الدبلوماسي.

فباكستان توفر لهذا الترتيب ثقلًا عسكريًا واستراتيجيًا مختلفًا، مثلما تعطي السعودية بعدًا اقتصاديًا وازنًا، وعلى مستوى إنتاج الطاقة، فيما تمثل تركيا قوة عسكرية وتكنولوجية وصناعية دفاعية، فضلًا عن موقعها الجيوسياسي المتشابك، وإذا ما تطور هذا الترتيب، فقد نكون أمام نواة لنظام ردع إقليمي متعدد الأقطاب، تكون باكستان في قلبه.

 مصر… موقع الوسيط ودور هندسة المرحلة

يجدر التنبه هنا إلى أن ما يحدث في شرق المتوسط لا ينفصل عن باقي الساحات المحيطة، فالقاهرة تقع عند تقاطع غزة وشرق المتوسط والبحر الأحمر والعالم العربي، وهي اليوم تستضيف المسار التفاوضي الأميركي ـ الحمساوي بحضور تركي وقطري، ما يعطي مصر دورًا مركزيًا في هندسة المرحلة المقبلة.

وربما يكون أهم تحول في المنطقة أن الصراع لم يعد يجري بين محورين فقط، فلم تعد المعادلة، من هذا المنظور، مجرد مواجهة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، بل أصبحت أقرب إلى شبكة معقدة من التوازنات المتقاطعة:- الولايات المتحدة تريد إنهاء الحروب مع الحفاظ على النفوذ.- إسرائيل تريد إعادة بناء الردع وفرض شروط أمنية جديدة.- إيران تريد منع خسارتها لموقعها الإقليمي.

 السعودية تريد نظامًا إقليميًا مستقرًا بعيدًا عن قطبية إيرانية ـ إسرائيلية.- تركيا تريد أن تصبح لاعبًا يمسك بقدر أكبر من مفاصل النظام القادم.- باكستان تبحث عن حماية مصالحها الاستراتيجية مع السعودية من دون الانجرار إلى حرب مفتوحة مع إيران.- مصر وقطر تريدان تحويل دور الوساطة إلى نفوذ سياسي دائم، وهذه اللوحة تأخذنا من مفهوم العلاقات الدولية التقليدية إلى فهم منطقة تغادر نظام المحاور المغلقة باتجاه نظام من التوازنات المتقاطعة.

أين تقع الساحة اللبنانية؟

سيكون لبنان، على الأرجح، من أكثر الساحات حساسية، فإذا نجح المسار الأميركي في غزة، فقد تنتقل واشنطن إلى محاولة إنتاج ترتيب مشابه في لبنان: وقف إطلاق النار، وضبط السلاح، وترتيبات أمنية جنوبًا، وضمانات دولية وإقليمية، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية وحزب الله.

وهنا نتحدث عن ضبط السلاح في كلا المحورين، وليس نزع السلاح كما يتم التداول، وقد يقابل ذلك تقبل إسرائيلي ضمني لهذا الطرح، ما لم تشعر إسرائيل بأن قدرات حزب الله أصبحت خارج السيطرة، وعليه، فإن السيناريو المرجح هو أن يصبح التصعيد المحدود في الجنوب أداة ضغط قبل التفاوض وخلاله، أما احتمالية اندلاع حرب كبرى في الجنوب، فتبدو مستبعدة للأسباب التي فرضها صمود المقاومة والكلفة الباهظة التي تكبدها العدوان خلال تقدمه وبعده.

لكن القواعد التي تحاول إسرائيل فرضها قبل أي تسوية لبنانية جديدة تزيد المشهد تعقيدًا، خصوصًا في ظل هشاشة الأوراق الرسمية لدى الحكومة اللبنانية وغياب القدرة الكافية على إنتاج شروط تفاوضية متماسكة.

خلاصة القول..

نحن أمام صراع على شكل النظام الإقليمي، والأخطر في ذلك أن الحرب لم تعد مجرد حرب على الأرض، بل أصبحت حربًا على شكل الإقليم وطبيعته بعد انتهائها، بحسابات قوى إقليمية ودولية متعددة المصالح والتطلعات، فالولايات المتحدة تنتقل من دور «المقاتل المباشر» إلى دور «مدير التوازن»، ومن هنا يمكن فهم التزامن بين النار في جنوب لبنان، والمفاوضات في غزة، والحراك التركي ـ السعودي ـ الباكستاني، وإعادة ترتيب العلاقة الأميركية مع إيران، والتحركات في الخليج وشرق المتوسط.

إنها ليست ملفات منفصلة، بل أجزاء من معركة واحدة عنوانها: «من يملك حق رسم النظام الإقليمي بعد انتهاء الحرب؟

وإذا كانت الإجابة لم تُحسم بعد، فإن المؤشرات الحالية تقول إن ما اصطلح على تسميته بـ«الشرق الأوسط» الجديد، قديمه وجديده، يتجه نحو مرحلة أكثر تعقيدًا: صراع داخل المحاور نفسها، وصراع على تشكيل توازن إقليمي جديد، حيث تسعى إسرائيل إلى تثبيت نفسها كقوة كبرى، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن قواعد اللعبة محسومة لمصلحتها، في ظل تعدد القوى والمحاور الأخرى، وهذا تحديدًا ما يجعل الأسابيع المقبلة حاسمة، فإذا نجحت واشنطن في تحويل مسار غزة إلى تسوية قابلة للتنفيذ، فقد تنتقل بعد ذلك إلى لبنان، وإذا نجحت تركيا والسعودية وباكستان في تحويل اتفاقها الدفاعي إلى آلية مؤسساتية فعلية، فقد تظهر للمرة الأولى منذ عقود بنية ردع إقليمية لا تقوم بالكامل على المظلة الأميركية.

أما إذا فشلت المسارات السياسية، فقد تعود الجبهات إلى العمل العسكري، وعندها يصبح الخليج وشرق المتوسط ولبنان وغزة حلقات في صراع واحد مفتوح، ومن ثم العودة إلى نظرية إدارة بؤر التوتر في الاستراتيجيات الأميركية، إذًا، لن تكون المعركة المقبلة على الأرض فقط، بل ستكون أيضًا معركة على هندسة ما بعد الحرب .

تنويه: كل الاراء المنشورة، تُعبر عن أصحابها فقط، ولا تُعبر بالضرورة عن توجهات مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية

Admin

مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية: مؤسسة فكر وتخطيط استراتيجي تقوم على إعداد التقديرات وتقديم الاستشارات وإدارة المشروعات البحثية حول المتوسط وتفاعلاته الإقليمية والدولية. لا يتبنى المركز أية توجهات مؤسسية حول كل القضايا محل الاهتمام، والآراء المنشورة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى