تداعيات التنافس الصيني – الأميركي في الذكاء الاصطناعي على دول الشرق الأوسط
إيمان أحمد رويحة
باحثة ماجستير في العلوم السياسية، مديرة البرامج الدولية بالأكاديمية الوطنية للتدريب (مصر).
ملخص الدراسة:
تتناول هذه الدراسة تداعيات التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي على دول الشرق الأوسط، باعتباره عاملًا محوريًا في إعادة تشكيل موازين القوة الدولية والتحولات الإقليمية. حيث تركز الدراسة على السياسات الصينية في تطوير الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك مبادرة طريق الحرير الرقمي وأدوات النفوذ التكنولوجي، مقابل الاستراتيجية الأميركية الرامية للحفاظ على التفوق التكنولوجي وحماية مصالحها الجيوسياسية.
كما تستكشف مدى قدرة دول الشرق الأوسط على التكيف مع هذا التنافس، من خلال تبني استراتيجيات رقمية وطنية، وتحقيق التوازن بين الشراكات الكبرى، وتعزيز السيادة الرقمية. وتستند الدراسة إلى دراسات حالة من الإمارات والسعودية ومصر لتوضيح أنماط الاستجابة الإقليمية للتنافس الدولي.
كما تستشرف البحث في السيناريوهات المستقبلية للتحولات التكنولوجية والسياسية، وتقدم توصيات عملية لتعظيم الفوائد وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد التكنولوجي في المنطقة.
مقدمة
يشهد النظام الدولي المعاصر تحولًا جذريًا في طبيعة القوة وتوازناتها؛ حيث لم يعد التفوق العسكري أو الاقتصادي التقليدي كافيًا لضمان الهيمنة، بل أضحى “الذكاء الاصطناعي” هو حجر الزاوية في صراع القوى العظمى بالقرن الحادي والعشرين. وفي هذا السياق، يبرز التنافس الصيني – الأميركي ليس كسباق تقني فحسب، بل كأحد أهم المتغيرات الدولية التي أعادت صياغة التفاعلات الاستراتيجية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط التي لم تعد مجرد “خزان عالمي للطاقة”، بل تحولت إلى ساحة مركزية للتنافس التكنولوجي الرقمي والاختبار العملي لنفوذ القوتين.
ومن هنا، تبرز دول الشرق الأوسط كمسرح حيوي لهذا التنافس، نظرًا لموقعها الجيوستراتيجي، ووفرة مواردها، وسعيها المتسارع نحو التحول الرقمي، بما في ذلك تطوير القدرات الصناعية والتكنولوجية الوطنية. ومن ثَم، فإن دراسة تداعيات التنافس الصيني–الأميركي في الذكاء الاصطناعي على دول المنطقة تمثل ضرورة أكاديمية وعملية، إذ تساعد على فهم الفرص التي يمكن استثمارها، والتحديات التي يجب إدارتها، وتقديم تصورات استراتيجية لصناع القرار الإقليميين حول كيفية توظيف هذا التنافس بما يعزز التنمية والاستقلال التكنولوجي.
وتأتي هذه الدراسة لتبحث في تقاطع السياسات الصينية الطموحة، المتمثلة في مبادرة “طريق الحرير الرقمي –Digital Silk Road”، مع المساعي الأميركية المستمرة للحفاظ على ريادتها التقنية والسياسية في المنطقة. حيث تهدف إلى تحليل أبعاد التنافس الصيني–الأميركي في الذكاء الاصطناعي وتأثيره متعدد المستويات على دول الشرق الأوسط، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، مع التركيز على استراتيجيات الدول الإقليمية في التعامل مع هذا التحدي.
كما تسعى إلى تقديم رؤية شاملة لدراسات الحالة لدول مختارة مثل الإمارات، والسعودية، ومصر، لفهم أنماط الاستجابة الاستراتيجية للتنافس الدولي، واستشراف السيناريوهات المستقبلية المحتملة لتعزيز السيادة الرقمية، وتحقيق توازن استراتيجي في ظل التحولات التكنولوجية العالمية.
إشكالية الدراسة
تتمثل إشكالية هذه الدراسة في تحليل طبيعة التنافس المتصاعد بين الولايات المتحدة الأميركية والصين في مجال الذكاء الاصطناعي، وما يترتب عليه من تداعيات استراتيجية على دول الشرق الأوسط في ظل التحولات المتسارعة في بنية النظام الدولي. إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تكنولوجية، بل أصبح محددًا رئيسيًا لموازين القوة والنفوذ، الأمر الذي يضع دول المنطقة أمام تحديات تتعلق بالاختيار بين الشراكات التكنولوجية المتنافسة أو محاولة تحقيق قدر من التوازن بينها. كما تثير هذه المنافسة تساؤلات حول مدى قدرة دول الشرق الأوسط على بناء سياسات رقمية مستقلة، وتجنب مخاطر الاعتماد التكنولوجي، والاستفادة من فرص نقل المعرفة والاستثمار.
ومن ثم تسعى الدراسة إلى الإجابة عن الأسئلة التالية:
السؤال الرئيس: ما طبيعة انعكاسات التنافس التكنولوجي بين الصين والولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي على إعادة تشكيل التوازنات الاستراتيجية وخيارات السياسات الرقمية في دول الشرق الأوسط؟
الأسئلة الفرعية:
- كيف يتجسد التنافس الصيني–الأميركي في مجال الذكاء الاصطناعي من حيث الأدوات والمجالات الرئيسية؟
- لماذا تمثل منطقة الشرق الأوسط مجالًا مهمًا في سياق التنافس التكنولوجي بين القوتين؟
- بأي صورة ينعكس هذا التنافس على السياسات الرقمية والتحولات التكنولوجية في دول المنطقة؟
- إلى أي مدى يسهم التنافس في الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل أولويات التنمية الاقتصادية في الشرق الأوسط؟
- ما طبيعة التداعيات الأمنية والعسكرية المرتبطة بتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في ظل هذا التنافس؟
- ما الاستراتيجيات التي تتبناها دول الشرق الأوسط لتحقيق التوازن بين القوتين أو تعزيز استقلالها التكنولوجي؟
أهمية الدراسة
تنبع أهمية هذه الدراسة من تناولها أحد أبرز التحولات المعاصرة في العلاقات الدولية، والمتمثل في التنافس الصيني–الأميركي في مجال الذكاء الاصطناعي، والذي بات يشكل محورًا رئيسيًا لإعادة تشكيل موازين القوة العالمية. وتكتسب الدراسة أهميتها كذلك من تركيزها على منطقة الشرق الأوسط بوصفها ساحة جيوسياسية وتكنولوجية متنامية الأهمية، في ظل تسارع مشاريع التحول الرقمي وتزايد الاستثمارات في التقنيات المتقدمة.
كما تسهم الدراسة في تحليل التداعيات السياسية والاقتصادية والأمنية لهذا التنافس على دول المنطقة، بما يساعد في فهم أنماط التفاعل الإقليمي مع التحولات التكنولوجية العالمية. وتوفر الدراسة أيضًا إطارًا تحليليًا يمكن صناع القرار والباحثين من تقييم فرص الاستفادة من هذا التنافس، وتجنب مخاطر الاعتماد التكنولوجي، وتعزيز السيادة الرقمية. ومن ثم تمثل الدراسة إضافة علمية تسهم في سد فجوة بحثية تتعلق بربط التنافس التكنولوجي بين القوى الكبرى بواقع التحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط.
الفرضية المركزية للدراسة
تنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن تصاعد التنافس الصيني–الأميركي في مجال الذكاء الاصطناعي يشكّل عاملًا حاسمًا في إعادة تشكيل أنماط التفاعلات السياسية والاقتصادية والأمنية في دول الشرق الأوسط، بحيث يدفع هذه الدول إلى تبني استراتيجيات متباينة تتراوح بين الانحياز التكنولوجي لأحد الطرفين، أو تحقيق توازن براجماتي بينهما، أو السعي نحو بناء قدرات رقمية مستقلة.
وتفترض الدراسة أن حجم التأثير يرتبط بدرجة التطور التكنولوجي للدولة، وطبيعة تحالفاتها الدولية، وقدرتها على توظيف الذكاء الاصطناعي في التنمية والأمن، بما يؤدي في النهاية إلى إعادة صياغة موقع دول المنطقة ضمن معادلات القوة في النظام الدولي الرقمي.
أهداف الدراسة
تهدف هذه الدراسة إلى تقديم تحليل معمّق لدور الذكاء الاصطناعي بوصفه أحد الأدوات المركزية في السياسات الصينية المعاصرة تجاه الشرق الأوسط، وذلك في إطار التنافس الاستراتيجي المتصاعد بين الصين والولايات المتحدة. حيث تسعى إلى تفكيك الأبعاد السياسية والجيوسياسية للتكنولوجيا، من خلال تجاوز المقاربات التقنية البحتة، والتركيز على كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل أنماط النفوذ، وعلاقات القوة، وخيارات الفاعلين الإقليميين في بيئة دولية تتسم بالاستقطاب وعدم اليقين. ويتفرع من هذا الهدف الرئيسي عدة أهداف فرعية:
- تحليل موقع الذكاء الاصطناعي ضمن الاستراتيجية الصينية الأوسع تجاه الشرق الأوسط، وبيان علاقته بتحولات السياسة الخارجية الصينية.
- تفسير طبيعة التنافس الصيني–الأميركي في مجال الذكاء الاصطناعي بوصفه صراعًا على النفوذ الجيوسياسي ومعايير الحوكمة الرقمية.
- مقارنة المقاربتين الصينية والأميركية في توظيف الذكاء الاصطناعي من حيث الأهداف، والأدوات، ونماذج الشراكة مع دول المنطقة.
- رصد أدوات النفوذ التكنولوجي التي تستخدمها الصين في الشرق الأوسط، وتقييم فعاليتها في تعزيز الحضور الاستراتيجي الصيني.
- تحليل انعكاسات التنافس التكنولوجي بين الصين والولايات المتحدة على الأمن القومي والسيادة الرقمية لدول الشرق الأوسط.
- تقييم استجابات دول المنطقة لهذا التنافس، بين سياسات الموازنة الاستراتيجية، والانخراط البراغماتي، ومحاولات بناء قدرات ذاتية.
- استشراف مستقبل تموضع دول الشرق الأوسط في ظل تصاعد الذكاء الاصطناعي كساحة مركزية للصراع الدولي.
منهجية الدراسة
يعتمد البحث أساسًا على المنهج التحليلي–المقارن، من خلال مقارنة المقاربتين الصينية والأميركية في توظيف الذكاء الاصطناعي كأداة نفوذ استراتيجي، سواء من حيث الأطر المؤسسية، أو نماذج الحوكمة التكنولوجية، أو آليات نقل التكنولوجيا وبناء الشراكات. ويسمح هذا المنهج بتحديد أوجه التشابه والاختلاف بين النموذجين، وتقييم أثر كل منهما على خيارات دول الشرق الأوسط.
كما يوظف البحث منهج دراسة الحالة (Case Study Method) عبر اختيار عدد من دول الشرق الأوسط التي تمثل أنماطًا مختلفة من التفاعل مع التنافس التكنولوجي الصيني–الأميركي، بما يتيح تحليل السياسات الوطنية للذكاء الاصطناعي، واتفاقيات التعاون التكنولوجي، ومشروعات البنية التحتية الرقمية. ويتم اختيار الحالات وفق معايير الجغرافيا السياسية، وحجم الانخراط مع الصين والولايات المتحدة، ومستوى التطور التكنولوجي.
تقسيم الدراسة
انطلاقًا من الإِشكالية وفرضيتها، توزعت هيكلية الدراسة على ستة مطالب رئيسية، فضلاً عن المقدمة والخاتمة، وذلك على النحو التالي:
المطلب الأول: الإطار النظري والاستراتيجي للتنافس التكنولوجي في الذكاء الاصطناعي
يُشكّل الذكاء الاصطناعي في المرحلة الراهنة أحد أهم محركات التحول في بنية النظام الدولي، حيث أصبح التفوق في هذا المجال مرتبطًا بإعادة تعريف مصادر القوة والنفوذ بين الدول. فمع تطور تقنيات تحليل البيانات الضخمة والتعلم الآلي، باتت القدرات التكنولوجية عاملًا حاسمًا في تعزيز القوة الاقتصادية والعسكرية، بما أدى إلى انتقال التنافس الدولي من المجالات التقليدية إلى مجالات الابتكار الرقمي والبنية التحتية التكنولوجية.
وفي هذا السياق، تشير الأدبيات الغربية إلى أن هذا التحول يعكس نمطًا جديدًا من التنافس بين القوى الكبرى قائمًا على الهيمنة التكنولوجية، حيث ان الصراعات المستقبلية ستتحدد وفق القدرة على التحكم في التكنولوجيا المتقدمة، ذلك لأن الذكاء الاصطناعي يمثل المحرك الأساسي للهيمنة الاقتصادية العالمية، كما أن انتشار التكنولوجيا المتقدمة يعيد تشكيل موازين القوة بين الدول، من خلال تعزيز قدرة الدول المتقدمة تكنولوجيًا على فرض نفوذها السياسي والاقتصادي، وهو ما يعزز مفهوم القوة التكنولوجية بوصفه أحد مكونات القوة الشاملة في العلاقات الدولية([1]).
وفي السياق العربي، تؤكد بعض الدراسات أن التحول الرقمي العالمي يفرض تحديات كبيرة على الدول النامية التي تسعى إلى تطوير قدراتها التقنية لتقليل فجوة المعرفة الرقمية وتحقيق الاستقلال التكنولوجي.
ومن منظور استراتيجي، يتخذ التنافس في مجال الذكاء الاصطناعي أبعادًا تتجاوز الجانب الاقتصادي لتشمل الاعتبارات الأمنية والعسكرية، خاصة في ظل توظيف هذه التقنيات في مجالات الدفاع والأمن السيبراني والاستخبارات. فقد أظهرت الدراسات أن الذكاء الاصطناعي أصبح عنصرًا رئيسيًا في استراتيجيات الأمن القومي للقوى الكبرى، حيث تسعى الدول إلى دمجه في أنظمة اتخاذ القرار العسكري، وتطوير الأسلحة الذكية، وتعزيز القدرات السيبرانية([2]).
كما تشير تقارير مراكز الفكر الدولية([3]) إلى أن المنافسة التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين ترتبط بالسيطرة على سلاسل الإمداد الرقمية والبنية التحتية العالمية للاتصالات، بما يمنح الدول المتقدمة تكنولوجيًا قدرة أكبر على التأثير في السياسات الدولية ([4]).
وفي هذا الإطار، يتزايد دور التحالفات التكنولوجية كأداة لإعادة تشكيل التوازنات الدولية، حيث تتجه الدول إلى بناء شراكات رقمية لضمان الوصول إلى التقنيات المتقدمة، وتجنب مخاطر الاعتماد التكنولوجي.
أولًا- مفهوم الذكاء الاصطناعي وأبعاده في العلاقات الدولية
يُعرَّف الذكاء الاصطناعي بوصفه أحد أبرز مخرجات الثورة الرقمية، ويشير إلى قدرة الأنظمة الحاسوبية على محاكاة الوظائف الذهنية البشرية، مثل التعلم والاستدلال واتخاذ القرار، اعتمادًا على الخوارزميات وتحليل البيانات الضخمة. وقد عرّفه Stuart Russell وPeter Norvig بأنه “تصميم أنظمة ذكية قادرة على إدراك بيئتها واتخاذ قرارات تعظم فرص نجاحها في تحقيق أهداف محددة”، وهو تعريف يبرز البعد الوظيفي والتطبيقي للذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات.([5])
كما يشير تقرير منظمة Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD) إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل منظومة تعتمد على تقنيات التعلم الآلي والشبكات العصبية لتحليل البيانات وتوليد نتائج تدعم صنع القرار، بما يعكس اتساع نطاق استخدامه في القطاعات الاقتصادية والسياسية والأمنية.([6])
وفي السياق الاستراتيجي، يتجاوز مفهوم الذكاء الاصطناعي كونه أداة تقنية ليصبح عنصرًا مؤثرًا في العلاقات الدولية ومحددًا لموازين القوة. إذ يرى Kai-Fu Lee أن الذكاء الاصطناعي يشكل “المحرك الأساسي للهيمنة الاقتصادية المستقبلية”([7])، في حين يؤكد Graham Allison أن التفوق التكنولوجي، وخاصة في الذكاء الاصطناعي، أصبح أحد عوامل التنافس بين القوى الكبرى. كما يوضح James Manyika أن الذكاء الاصطناعي يسهم في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي من خلال تعزيز الإنتاجية والابتكار، وهو ما يمنح الدول المتقدمة تكنولوجيًا ميزة استراتيجية في النظام الدولي([8]). وتدعم هذه الرؤية تقارير صادرة عن McKinsey Global Institute التي تؤكد أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يضيف تريليونات الدولارات إلى الاقتصاد العالمي، ما يعزز ارتباطه بمفاهيم القوة الاقتصادية([9]).
وفي سياق آخر، اتجه بعض الباحثين لتعريف الذكاء الاصطناعي بأنه “أداة لتعزيز التنمية وبناء القدرات الاستراتيجية للدول”. إذ يرى بعض الباحثين أن الذكاء الاصطناعي يمثل أحد مكونات القوة الشاملة للدولة في ظل التحول الرقمي العالمي، نظرًا لدوره في تطوير القطاعات الحيوية مثل الأمن السيبراني وإدارة الأزمات وصنع القرار السياسي([10]).
كما تشير دراسة عربية إلى أن الدول التي تستثمر في الذكاء الاصطناعي تمتلك فرصًا أكبر لتعزيز السيادة الرقمية وتقليل الاعتماد التكنولوجي الخارجي، بما يعكس الأبعاد الجيوسياسية للمفهوم في العلاقات الدولية المعاصرة. ومن ثم فإن مفهوم الذكاء الاصطناعي لم يعد يقتصر على الجانب التقني، بل أصبح إطارًا تحليليًا لفهم التحولات في موازين القوة العالمية، ودور التكنولوجيا في تشكيل أنماط التفاعل بين الدول. ([11])
وفيما يتعلق بأبعاد الذكاء الاصطناعي في العلاقات الدولية، تتعدد تلك الأبعاد لتشمل البعد الاقتصادي، حيث يسهم في تعزيز التنافسية العالمية للدول من خلال الابتكار الصناعي والتحول الرقمي، إضافة إلى البعد السياسي المرتبط بتوظيف التكنولوجيا في صنع القرار وإدارة الأزمات الدولية. و توجد إشارة واضحة في الأدبيات إلى أن الدول التي تمتلك قدرات متقدمة في الذكاء الاصطناعي تتمتع بميزة استراتيجية في صياغة السياسات الدولية والتأثير في النظام الاقتصادي العالمي.
كما يبرز البعد الأمني، حيث تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجالات الأمن السيبراني والاستخبارات وتحليل البيانات الاستراتيجية، وهو ما يغير طبيعة التهديدات الأمنية ويعزز مفهوم الأمن الرقمي. كما أن هناك تأكيد أن هذه الأبعاد تفرض على الدول النامية ضرورة تطوير استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي لضمان الاستقلال التكنولوجي وتقليل الاعتماد على القوى الكبرى.
كما يرتبط الذكاء الاصطناعي في العلاقات الدولية ببعد جيوسياسي يتمثل في التنافس على السيطرة على البيانات والبنية التحتية الرقمية العالمية، وهو ما يؤدي إلى إعادة تشكيل التحالفات الدولية. وتشير تقارير صادرة عن مراكز الفكر الدولية إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح محورًا أساسيًا في استراتيجيات الأمن القومي للقوى الكبرى، حيث تسعى الدول إلى بناء شراكات تكنولوجية لتعزيز نفوذها الإقليمي والدولي ([12])
ثانيًا- الذكاء الاصطناعي وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية
أدى التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى إعادة تعريف مفهوم القوة في العلاقات الدولية، حيث لم يعد يُنظر إلى القوة العسكرية والاقتصادية بمعزل عن القدرات التكنولوجية. فقد أصبح الذكاء الاصطناعي عنصرًا محوريًا في تعزيز القدرة الشاملة للدول، من خلال تمكينها من التحكم في تدفقات المعلومات وتحليل البيانات الاستراتيجية وصياغة السياسات بكفاءة أعلى. فمصادر القوة في العصر الرقمي باتت تعتمد على التكنولوجيا والمعرفة، ما يعزز مفهوم “القوة الذكية” التي تجمع بين الأدوات الصلبة والناعمة، كما أن التحول نحو مجتمع الشبكات أدى إلى بروز المعلومات والقدرات الرقمية كمحددات رئيسية للنفوذ الدولي، الأمر الذي يضع الذكاء الاصطناعي في قلب إعادة تشكيل موازين القوة العالمية([13]).
ويبرز البعد الاقتصادي للذكاء الاصطناعي بوصفه أحد أهم محركات التحول في موازين القوة، إذ يتيح للدول المتقدمة تكنولوجيًا تعزيز إنتاجيتها وقيادة الاقتصاد الرقمي العالمي. وتشير دراسات صادرة عن International Monetary Fund إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسهم في رفع معدلات النمو الاقتصادي وتقليل تكاليف الإنتاج، بما يعزز قدرة الدول الرائدة على توسيع نفوذها الاقتصادي([14]).
كما أن الثورة الرقمية، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، ستؤدي إلى إعادة توزيع الثروة العالمية لصالح الدول التي تستثمر في الابتكار والتكنولوجيا المتقدمة. ومن ثم فإن التفوق في الذكاء الاصطناعي يمنح الدول قدرة أكبر على التحكم في الأسواق العالمية وسلاسل القيمة التكنولوجية.([15])
وعلى الصعيد العسكري والأمني، فقد أصبح الذكاء الاصطناعي عاملًا مؤثرًا في إعادة صياغة توازنات الردع والقوة الصلبة بين الدول. إذ تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي في تطوير أنظمة الأسلحة المستقلة وتحليل البيانات الاستخباراتية وتعزيز قدرات الأمن السيبراني، وهو ما يرفع من مستوى التفوق العسكري للدول المتقدمة. وهناك إشارة إلى أن انتشار الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري قد يغير طبيعة ميزان القوى العالمي، حيث تمتلك الدول القادرة على دمج هذه التقنيات في مؤسساتها العسكرية ميزة استراتيجية طويلة المدى([16]).
كما تؤكد تقارير صادرة عن International Institute for Strategic Studies أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا من سباق التسلح التكنولوجي بين القوى الكبرى، الأمر الذي يعكس دوره في إعادة تشكيل موازين القوة العسكرية.([17])
أما على المستوى الجيوسياسي، أدى الذكاء الاصطناعي إلى بروز نمط جديد من المنافسة الدولية قائم على السيطرة على البيانات والبنية التحتية الرقمية والتحالفات التكنولوجية. ويشير باحثين إلى أن التحكم في الشبكات الرقمية العالمية يمنح الدول قدرة على ممارسة نفوذ سياسي واقتصادي واسع، وهو ما ينعكس على موازين القوة في النظام الدولي([18]). كما تؤكد تقارير صادرة عن World Economic Forum أن التنافس في الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى إعادة تشكيل التحالفات الدولية وفق المصالح التكنولوجية المشتركة. ومن ثم فإن الذكاء الاصطناعي يمثل أداة استراتيجية لإعادة توزيع القوة العالمية، بما يعزز مكانة الدول المتقدمة تكنولوجيًا ويعيد صياغة التفاعلات الدولية في القرن الحادي والعشرين.([19])
ثالثًا- الذكاء الاصطناعي كأداة للنفوذ الجيوسياسي
مما لا شك فيه أن العصر الحالي هو عصر التنافس الجيوسياسي، حيث تتصارع القوى الكبرى لفرض نفوذها جيوسياسيًا بكافة أدوات السياسة الخارجية التي تمتلكها والتي بات جليًا بأن الذكاء الاصطناعي أصبح أحد أهم تلك الأدوات، فالذكاء الاصطناعي أداة مركزية لتعزيز النفوذ الجيوسياسي للدول في ظل التحولات المتسارعة للنظام الدولي، حيث يتيح التحكم في البيانات والبنية التحتية الرقمية وتطوير القدرات التكنولوجية المتقدمة.
ولم يعد النفوذ الجيوسياسي يعتمد فقط على الموقع الجغرافي أو الموارد الطبيعية، بل بات مرتبطًا بالقدرة على امتلاك التكنولوجيا المتقدمة وتوظيفها في إدارة التفاعلات الدولية. كما أن السيطرة على الشبكات الاقتصادية والرقمية العالمية تمنح الدول أدوات جديدة للتأثير السياسي، وهو ما يعزز استخدام الذكاء الاصطناعي كوسيلة للنفوذ غير المباشر. وهناك توجه يشير إلى أن المنافسة التكنولوجية أصبحت أحد أبرز أبعاد الصراع الجيوسياسي، حيث تسعى الدول إلى توظيف التقنيات الرقمية لتعزيز نفوذها الإقليمي والدولي.([20])
ويتجلى البعد الجيوسياسي للذكاء الاصطناعي في التنافس على البنية التحتية الرقمية العالمية، مثل شبكات الاتصالات والبيانات ومنصات التكنولوجيا. إذ تسعى القوى الكبرى إلى تصدير تقنياتها الرقمية إلى مناطق مختلفة من العالم لتعزيز حضورها الاستراتيجي وبناء شراكات طويلة الأمد. وتشير دراسات صادرة عن Brookings Institution إلى أن تصدير تقنيات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية يسهم في تعزيز النفوذ السياسي للدول المصدرة، من خلال خلق اعتماد تكنولوجي طويل المدى[21].
كما توضح تقاريرCarnegie Endowment for International Peace أن المنافسة بين القوى الكبرى في مجال الذكاء الاصطناعي ترتبط بالسعي للسيطرة على تدفقات البيانات العالمية، وهو ما يمنح الدول المتقدمة تكنولوجيًا أدوات ضغط سياسية واقتصادية([22]).
وعلى المستوى الإقليمي، يسهم الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية عبر بناء تحالفات تكنولوجية جديدة وتعزيز أدوات القوة الناعمة الرقمية. إذ تستخدم الدول المتقدمة تكنولوجيًا برامج التعاون في الذكاء الاصطناعي والمبادرات الرقمية لتعزيز حضورها في مناطق استراتيجية، مثل الشرق الأوسط.
وتشير تقارير صادرة عن World Economic Forum إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح عنصرًا مهمًا في الدبلوماسية التكنولوجية، حيث تسعى الدول إلى توظيفه لبناء شراكات اقتصادية وأمنية. كما يرى جوزيف ناي أن التكنولوجيا الرقمية تعزز أدوات القوة الناعمة للدول، من خلال التأثير في السياسات العامة وبناء شبكات تعاون دولية. ومن ثم فإن الذكاء الاصطناعي يمثل أداة متكاملة للنفوذ الجيوسياسي، تجمع بين الأبعاد الاقتصادية والأمنية والسياسية، وتسهم في إعادة تشكيل التفاعلات الدولية والتحالفات الإقليمية.
رابعًا- التنافس التكنولوجي بين القوى الكبرى
يشهد النظام الدولي تصاعدًا ملحوظًا في حدة التنافس التكنولوجي بين القوى الكبرى، حيث أصبح التفوق في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية وأشباه الموصلات أحد أهم محددات القوة الشاملة للدولة. بالإضافة إلى أن القدرة على نشر التكنولوجيا المتقدمة وتطبيقها اقتصاديًا تمثل عاملًا حاسمًا في صعود القوى الكبرى، وليس مجرد امتلاكها، وهو ما يفسر سعي الدول الكبرى إلى الاستثمار في البنية التحتية الرقمية والابتكار الصناعي.
كما أن المنافسة في قطاع أشباه الموصلات أصبحت محورًا رئيسيًا للصراع الجيوسياسي، نظرًا لدورها في دعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي والأنظمة العسكرية المتقدمة، وتوضح تقارير Center for a New American Security أن التنافس التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين يعكس انتقال الصراع الدولي إلى مجالات الابتكار الرقمي، بما يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية والعسكرية العالمية.([23])
كما يتخذ التنافس التكنولوجي بين القوى الكبرى أبعادًا استراتيجية ترتبط بالسيطرة على سلاسل الإمداد العالمية والمعايير التقنية الدولية، حيث تسعى الدول إلى توسيع نفوذها من خلال تصدير التكنولوجيا وبناء تحالفات رقمية. وتشير دراسات صادرة عن European Union Institute for Security Studies إلى أن المنافسة في مجالات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية أصبحت جزءًا من صراع أوسع حول صياغة قواعد الحوكمة العالمية للتكنولوجيا([24]). كما أن هذا التنافس لا يقتصر على الابتكار التقني، بل يمتد إلى التأثير في المعايير التنظيمية العالمية للبيانات والخصوصية والأمن السيبراني. ومن ثم فإن التنافس التكنولوجي بين القوى الكبرى يعكس تحوّلًا بنيويًا في طبيعة الصراع الدولي، حيث أصبحت التكنولوجيا أداة رئيسية لتعزيز النفوذ الجيوسياسي وإعادة توزيع موازين القوة العالمية.[25]
خامسًا- صعود التنافس التكنولوجي بين الولايات المتحدة الأميركية والصين
شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة والصين خلال العقدين الأخيرين تحولًا نوعيًا نحو تصاعد التنافس التكنولوجي بوصفه أحد أبرز أبعاد الصراع الاستراتيجي بين القوتين. فقد أصبح التفوق في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والبنية التحتية الرقمية مؤشرًا رئيسيًا على القدرة على قيادة النظام الدولي. كما أن صعود الصين التكنولوجي يرتبط بقدرتها على توظيف الابتكار الصناعي وتوسيع قاعدة تطبيق التكنولوجيا في الاقتصاد، وهو ما يشكل تحديًا مباشرًا للتفوق الأميركي.
هذا بالإضافة إلى أن التنافس بين الولايات المتحدة والصين يتجاوز المجال الاقتصادي ليشمل سباقًا على الهيمنة التكنولوجية، حيث تسعى كل دولة إلى تعزيز موقعها في القطاعات الاستراتيجية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة. وتدعم هذه الرؤية تقارير صادرة عن Center for Strategic and International Studies التي توضح أن المنافسة التكنولوجية أصبحت محورًا أساسيًا في السياسات الصناعية والأمنية لكل من واشنطن وبكين.
ويتجلى صعود هذا التنافس في السياسات الحكومية والاستثمارات الضخمة التي توجهها الدولتان لتعزيز قدراتهما التكنولوجية، إضافة إلى القيود المفروضة على نقل التكنولوجيا وسلاسل الإمداد العالمية. بالإضافة إلى أن الصراع في قطاع أشباه الموصلات يعكس أهمية السيطرة على التكنولوجيا المتقدمة في تحديد موازين القوة، حيث تعتمد تطبيقات الذكاء الاصطناعي والأنظمة العسكرية على هذه الصناعة الحيوية.
كما أن المنافسة الأميركية–الصينية تمتد إلى وضع المعايير العالمية للتكنولوجيا والحوكمة الرقمية، وهو ما يمنح الدول المتفوقة قدرة أكبر على التأثير في النظام الدولي. وتؤكد تقارير صادرة عن Brookings Institution أن هذا التنافس يعيد تشكيل التحالفات الدولية، حيث تسعى الدول إلى التكيف مع الاستقطاب التكنولوجي المتزايد بين واشنطن وبكين، مما يعكس تحولًا بنيويًا في طبيعة الصراع بين القوى الكبرى.
المطلب الثاني: السياسات الصينية في مجال الذكاء الاصطناعي وأبعادها الدولية
تعكس السياسات الصينية في مجال الذكاء الاصطناعي توجهًا استراتيجيًا يهدف إلى تعزيز مكانة الصين كقوة تكنولوجية عالمية، حيث تبنت الحكومة الصينية إطارًا متكاملًا يربط بين الابتكار الرقمي والتنمية الاقتصادية والأمن القومي. وقد ركزت هذه السياسات على دعم البحث العلمي، وتطوير البنية التحتية الرقمية، وتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، بما يسهم في تسريع تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحيوية. فهذا التوجه يعكس رؤية استراتيجية طويلة المدى تسعى إلى دمج التكنولوجيا في عملية صنع القرار السياسي وتعزيز القدرات الاقتصادية، وهو ما ظهر في الخطط الوطنية التي أقرها State Council of the People’s Republic of China لتطوير الذكاء الاصطناعي كأولوية وطنية. كما يبرز هذا التوجه ارتباط السياسات الصينية بفكرة التحول نحو اقتصاد قائم على الابتكار، بما يعزز قدرة الصين على المنافسة في النظام الدولي.
وعلى المستوى الدولي، تتجاوز السياسات الصينية في مجال الذكاmء الاصطناعي حدود الاستخدام الداخلي لتشمل أبعادًا تتعلق بتوسيع النفوذ التكنولوجي وبناء شراكات رقمية مع دول مختلفة. إذ تسعى الصين إلى توظيف قدراتها في هذا المجال لتعزيز التعاون في مشروعات التحول الرقمي وتبادل التكنولوجيا، بما يسهم في ترسيخ حضورها في الساحة الدولية. كما أن هذا التوجه يعكس رغبة الصين في لعب دور أكبر في صياغة مستقبل الحوكمة الرقمية العالمية، خاصة في ظل تزايد أهمية الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد والسياسة والأمن. ومن ثم فإن السياسات الصينية في هذا المجال تجمع بين تعزيز القدرات الوطنية من جهة، وتوسيع الدور الدولي للصين من جهة أخرى، بما يدعم موقعها في إطار التنافس التكنولوجي بين القوى الكبرى.
أولًا- الاستراتيجية الوطنية الصينية للذكاء الاصطناعي
مع تنامي أهمية الذكاء الاصطناعي في استراتيجيات الدول وتوجّهها لتعزيز قدراتها التقنية والدفع بالنمو الاقتصادي، تأتي التساؤلات حول استراتيجية الصين في تطوير قطاع الذكاء الاصطناعي بالتركيز على أهم العوامل الاستراتيجية ودور القطاع الخاص في تنفيذ الرؤى الوطنية، وكيفية تعامل بكين مع العقبات والتحدّيات التي تواجهها مع احتدام صراعها التكنولوجي مع الغرب، وتُعد الاستراتيجية الصينية الوطنية للذكاء الاصطناعي، المعروفة باسم “خطة تطوير الجيل الجديد للذكاء الاصطناعي” ([26]) التي أصدرها مجلس الدولة الصيني عام 2017، الإطار المرجعي الرئيسي للسياسات الصينية في هذا المجال، حيث وضعت رؤية شاملة تهدف إلى تحويل الصين إلى مركز عالمي للابتكار في الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030.
وقد أكدت الوثيقة في مقدمتها أن “التطور السريع للذكاء الاصطناعي سيُحدث تغييرًا عميقًا في المجتمع الإنساني والعالم”، وأن الصين تسعى إلى “اغتنام الفرصة الاستراتيجية الكبرى لبناء ميزة الريادة في تطوير الذكاء الاصطناعي” . وتوضح هذه الرؤية أن الاستراتيجية لا تقتصر على الجانب التقني، بل ترتبط بمشروع أوسع لتعزيز القدرة الوطنية الشاملة، حيث تركز على دمج الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد والمجتمع والأمن القومي. وفي مراجعة للأدبيات العربية والغربية التي تناولت الوثيقة الرسمية للاستراتيجية بالتحليل وُجد أن هذه الاستراتيجية تمثل تحولًا نحو تبني نموذج الدولة القائدة للتكنولوجيا، كما أنها الوثيقة تعكس انتقال الصين من دور المتلقي للتكنولوجيا إلى دور المنتج والمنافس عالميًا.
وفي مراجعة لوثيقة الاستراتيجية الصينية للذكاء الاصطناعي تبين أنها تحدد أهدافًا مرحلية واضحة تقوم على ثلاث مراحل زمنية، تبدأ بمواكبة المستوى العالمي في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ثم تحقيق اختراقات في الابتكار، وصولًا إلى الريادة العالمية بحلول عام 2030. وقد نصت الوثيقة صراحة على أن الصين تسعى إلى أن “تحقق نظريات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي مستويات رائدة عالميًا” وأن تصبح “المركز الأول عالميًا للابتكار في الذكاء الاصطناعي” . كما ركزت الاستراتيجية على تطوير اقتصاد ذكي ومجتمع ذكي وتعزيز الأمن القومي، وهو ما يبرز الطابع الشامل للسياسة الصينية. وتشير الأدبيات الأجنبية، مثل أعمال Paul Triolo، إلى أن هذه الأهداف تعكس توظيفًا مباشرًا للذكاء الاصطناعي في تعزيز التنافس الجيوسياسي للصين، بينما تؤكد دراسات عربية حديثة أن الخطة الصينية تمثل نموذجًا لتكامل السياسات الصناعية والتكنولوجية ضمن رؤية استراتيجية طويلة المدى.
هذا بالإضافة لما تضمنته الاستراتيجية من مجموعة المهام التنفيذية التي ركزت على بناء نظام وطني للابتكار في الذكاء الاصطناعي، وتطوير البنية التحتية للبيانات، وتعزيز التكامل بين القطاعين المدني والعسكري. وأشارت الوثيقة إلى ضرورة “بناء نظام مفتوح وتعاوني للابتكار في الذكاء الاصطناعي” وتعزيز البحث العلمي والتطبيقات الصناعية في مختلف القطاعات. كما أكدت على دعم المواهب العلمية، وتطوير الصناعات الذكية، وتعزيز استخدام الذكاء الاصطناعي في الحوكمة والخدمات العامة([27]).
وتعتمد هذه الاستراتيجية على نموذج الدولة التنموية، حيث تلعب الحكومة دورًا مركزيًا في توجيه الاستثمار والبحث العلمي. ويشير عدد من الباحثين إلى أن الخطة الصينية أسهمت في تسريع نمو الشركات التكنولوجية وتعزيز مكانة الصين في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي، بما يعكس البعد الدولي للاستراتيجية وتأثيرها في التوازنات التكنولوجية بين القوى الكبرى.
ثانيًا- أدوات النفوذ التكنولوجي الصيني في الخارج
تعتمد الصين في سياستها الدولية على مجموعة من أدوات النفوذ التكنولوجي لتعزيز حضورها الخارجي وتوسيع دورها في النظام الدولي، ويأتي تصدير البنية التحتية الرقمية في مقدمة هذه الأدوات. إذ تسعى الصين إلى بناء شبكات الاتصالات وتطوير المدن الذكية وتوفير حلول الذكاء الاصطناعي للدول النامية، وهو ما يخلق علاقات اعتماد تكنولوجي طويلة المدى.
وتسهم المشروعات الرقمية الصينية في الخارج تسهم في تعزيز النفوذ السياسي والاقتصادي لبكين، عبر توفير التكنولوجيا بأسعار تنافسية وربط الدول الشريكة بالمنظومة الرقمية الصينية. كما تمثل مبادرات البنية التحتية الرقمية امتدادًا للأدوات الجيوسياسية الصينية، حيث تستخدم لتعزيز الحضور الاستراتيجي في مناطق مختلفة من العالم.
ويعد تصدير تقنيات الذكاء الاصطناغي وأنظمة المراقبة الذكية أداة أخرى للنفوذ التكنولوجي الصيني والتي تعتمد عليها بعض الدول في تطوير قدراتها الأمنية والإدارية، كما أن الشركات الصينية توفر حلولًا متكاملة تشمل تحليل البيانات والتعرف على الوجه وإدارة المدن الذكية، مما يعزز انتشار التكنولوجيا الصينية عالميًا. ويسهم أن انتشار هذه التقنيات في توسيع نفوذ الصين في مجالات حوكمة البيانات والمعايير التقنية، بما يمنحها دورًا متزايدًا في صياغة قواعد النظام الرقمي العالمي.
كما تستخدم الصين أدوات التعاون العلمي والتقني وبناء القدرات البشرية لتعزيز نفوذها التكنولوجي، من خلال الشراكات الأكاديمية وبرامج التدريب والاستثمار في الابتكار. وتسهم هذه الشراكات في نقل التكنولوجيا وتعزيز الروابط طويلة الأمد بين الصين والدول الشريكة. كذلك يؤكد الباحثين أن الصين تعتمد على نموذج يجمع بين الدعم الحكومي والشركات التكنولوجية لتوسيع حضورها الخارجي. ومن ثم فإن أدوات النفوذ التكنولوجي الصيني تتنوع بين البنية التحتية الرقمية وتصدير التقنيات المتقدمة والتعاون العلمي، بما يعزز الدور الجيوسياسي للصين في ظل التنافس التكنولوجي العالمي.
ثالثًا- المبادرات الصينية الرقمية ودورها في الشرق الأوسط
تعد المبادرات الرقمية التي أطلقتها بكين من أهم وسائل نشر تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث توفر البنية التحتية الرقمية اللازمة لتطبيق هذه التقنيات على نطاق واسع. حيث تُشكّل المبادرات الرقمية الصينية أحد أبرز أدوات الحضور التكنولوجي للصين، والتي من خلالها تسعى بكين إلى توظيف التحول الرقمي لتعزيز شراكاتها الاقتصادية والاستراتيجية مع دول المنطقة.
وتندرج ضمن هذه المبادرات كل من “مبادرة الحزام والطريق الرقمية” و”مبادرة طريق الحرير الرقمي”، اللتان تهدفان إلى تطوير البنية التحتية الرقمية وتعزيز التعاون في مجالات الاتصالات والذكاء الاصطناعي والتجارة الإلكترونية. وقد ساهمت هذه المبادرات في تعزيز حضور الشركات التكنولوجية الصينية في الشرق الأوسط، من خلال تنفيذ مشروعات شبكات الجيل الخامس، وبناء مراكز البيانات، وتطوير حلول المدن الذكية. وتشير الدراسات إلى أن هذه المبادرات تتيح للصين بناء شبكات اعتماد تكنولوجي طويلة الأمد، بما يعزز نفوذها الاقتصادي والسياسي في الدول الشريكة.
فعلى المستوى الاقتصادي، أسهمت المبادرات الرقمية الصينية في دعم جهود التحول الرقمي في دول الشرق الأوسط، خاصة تلك التي تسعى إلى تنويع اقتصاداتها وتقليل الاعتماد على الموارد التقليدية. فقد وفرت هذه المبادرات فرصًا لتطوير قطاعات التجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية والحوسبة السحابية، وهو ما يعزز نمو الاقتصاد الرقمي في المنطقة، كما يسهم التعاون الرقمي مع الصين في تقليص الفجوة الرقمية وتحفيز الابتكار في الدول النامية. كما أن الاستثمارات الرقمية الصينية في الشرق الأوسط ترتبط برؤية أوسع لتعزيز الترابط الاقتصادي والتكنولوجي ضمن الاستراتيجية الصينية العالمية.([28])
أما على المستوى الجيوسياسي، فقد أدت المبادرات الرقمية الصينية إلى إعادة تشكيل التوازنات التكنولوجية في الشرق الأوسط، حيث أصبحت المنطقة ساحة للتنافس بين القوى الكبرى في مجال التكنولوجيا المتقدمة. إذ تتيح هذه المبادرات لدول الشرق الأوسط تنويع شراكاتها الرقمية والاستفادة من التكنولوجيا الصينية بأسعار تنافسية، لكنها في الوقت ذاته تثير تساؤلات حول الاعتماد التكنولوجي وأمن البيانات.
ويعكس انتشار التكنولوجيا الصينية تصاعد التنافس التكنولوجي العالمي، ويؤثر في خيارات الدول الإقليمية في مجالات الأمن الرقمي والبنية التحتية التكنولوجية. ومن ثم فإن المبادرات الرقمية الصينية تمثل عاملًا مهمًا في تشكيل مستقبل التحول الرقمي في الشرق الأوسط، بما يحمله من فرص للتنمية وتحديات تتعلق بالسيادة التكنولوجية للدول الإقليمية.([29])
المطلب الثالث: الاستراتيجية الأميركية في مواجهة الصعود التكنولوجي الصيني
تمثل الاستراتيجية الأميركية في مواجهة الصعود التكنولوجي الصيني استجابة شاملة للتحديات التي يفرضها تطور الصين السريع في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة. فقد ركزت الولايات المتحدة على تطوير سياسات تكنولوجية وأمنية تهدف إلى الحفاظ على تفوقها التكنولوجي، من خلال دعم البحث العلمي، وتحفيز الابتكار في القطاع الخاص، وتعزيز الشراكات الدولية مع حلفائها في مجالات التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي. وهذه السياسات تشمل رقابة على تصدير التكنولوجيا المتقدمة، وفرض قيود على الاستثمارات الصينية في الشركات الأميركية، بالإضافة إلى تعزيز التمويل الحكومي للابتكار في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، كما تهدف هذه الاستراتيجية إلى دمج القدرة الاقتصادية والتكنولوجية مع الأبعاد العسكرية والأمنية للحفاظ على التفوق الأميركي في النظام الدولي([30]).
وعلى المستوى الجيوسياسي، تسعى الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالفات دولية تهدف إلى مواجهة النفوذ التكنولوجي الصيني، خاصة في مناطق استراتيجية مثل الشرق الأوسط وآسيا والمحيط الهادئ. وتتضمن هذه الاستراتيجية دعم المعايير التكنولوجية المفتوحة، وتعزيز التعاون البحثي مع الحلفاء، وتطوير أطر تنظيمية لحماية البيانات والبنية التحتية الحيوية من النفوذ الصيني، وضمان استمرار القيادة الأميركية في الاقتصاد الرقمي العالمي وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الصينية، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة، كما أن دمج الأبعاد الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية في الاستراتيجية الأميركية يعكس إدراك واشنطن أن التنافس مع الصين لن يقتصر على الاقتصاد فقط، بل سيمتد إلى التحكم في التقنيات الحيوية والذكاء الاصطناعي التي تشكل قاعدة القوة المستقبلية للدول الكبرى([31]).
أولًا: ملامح السياسة الأميركية في الذكاء الاصطناعي
تتسم السياسة الأميركية في مجال الذكاء الاصطناعي بطابع استراتيجي شامل يجمع بين دعم الابتكار التكنولوجي، وتعزيز القدرات الأمنية، ووضع الأطر التنظيمية، حيث تعتبر الولايات المتحدة الذكاء الاصطناعي محورًا استراتيجيًا رئيسيًا في المنافسة التكنولوجية العالمية، خاصة في مواجهة الصعود التكنولوجي للصين. وقد تبنت الإدارة الأميركية نهجًا متعدد الأبعاد يجمع بين دعم الابتكار، وتعزيز الأمن القومي، وصياغة أطر تنظيمية مناسبة، مع التأكيد على دور الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد والدفاع والابتكار الصناعي. هذا بالإضافة إلى أن الذكاء الاصطناعي يُنظر إليه كأداة أساسية لتعزيز القدرة التنافسية الأميركية في المجالات الاقتصادية والعسكرية، بما يضمن استمرار التفوق الأميركي في النظام الدولي، ويعزز موقع الولايات المتحدة كمحدد للمعايير التقنية العالمية.
إلى جانب ذلك، تولي السياسة الأميركية اهتمامًا بالغًا لحماية الأمن القومي والبنية التحتية الرقمية الحيوية. ويشمل ذلك وضع أطر تنظيمية صارمة للرقابة على تصدير التقنيات المتقدمة، وتأمين البيانات الحساسة، ومنع وصولها إلى منافسين استراتيجيين. وتشمل هذه الإجراءات مراقبة الاستثمارات الأجنبية في شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية، وضمان الالتزام بالمعايير الوطنية والدولية للأمن الرقمي، بما يحقق توازنًا بين الابتكار وحماية المصالح الوطنية.
وعلى المستوى الدولي، تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز التعاون مع الحلفاء ووضع المعايير التقنية المفتوحة لضمان هيمنة واشنطن على الاقتصاد الرقمي العالمي وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الصينية، وتطوير سياسات مشتركة لتنظيم الذكاء الاصطناعي، وبناء شبكات أبحاث مشتركة، وتبادل الخبرات بين المؤسسات الأكاديمية والشركات التكنولوجية الكبرى، بما يضمن استمرار التفوق الأميركي في الابتكار وتحديد معايير الذكاء الاصطناعي على المستوى الدولي. وعليه، يمكن تلخيص السياسة الأميركية في الذكاء الاصطناعي على أنها نهج متعدد الأبعاد يدمج الابتكار التكنولوجي، وحماية الأمن القومي، والتعاون الدولي، مع التركيز على بناء التفوق المستدام في مواجهة صعود المنافسين الاستراتيجيين، ولا سيما الصين. ويبرز هذا النهج أهمية الذكاء الاصطناعي ليس فقط كأداة تقنية، بل كأداة استراتيجية شاملة تؤثر في الاقتصاد والسياسة والأمن في آن واحد([32]).
ثانيًا- السياسات الرقمية الأميركية في الشرق الأوسط
تسعى الولايات المتحدة من خلال سياساتها الرقمية إلى تعزيز حضورها التكنولوجي في الشرق الأوسط، باعتبار المنطقة نقطة استراتيجية للتنافس مع القوى الكبرى، ولا سيما الصين. وتشمل هذه السياسات دعم التحول الرقمي، وتعزيز البنية التحتية الرقمية، وتطوير قدرات الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحيوية، بما في ذلك الطاقة، والنقل، والأمن، والخدمات الحكومية. وتشير تقارير دولية إلى أن الولايات المتحدة تهدف من هذه السياسات إلى تمكين الدول الإقليمية من تبني الابتكار الرقمي مع ضمان توافقه مع المعايير الدولية وحماية الأمن السيبراني.
وتركز السياسات الرقمية الأميركية على تطوير التعاون مع الحلفاء الإقليميين من خلال برامج الدعم الفني، ونقل المعرفة، وبناء القدرات المحلية في مجال الحوسبة السحابية، والتحليلات الذكية، والذكاء الاصطناعي. هذا النهج يتيح للولايات المتحدة أن تكون شريكًا استراتيجيًا رئيسيًا في تطوير القدرات الرقمية للدول الشريكة، بما يضمن تعزيز النفوذ الأميركي وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الصينية في المنطقة. كما تسعى واشنطن إلى وضع أطر تنظيمية ومعايير تقنية تساعد على إدارة المخاطر المرتبطة بالتحول الرقمي، بما في ذلك حماية البيانات والبنية التحتية الحيوية، ومكافحة التهديدات السيبرانية، وتعزيز الشفافية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وتهدف هذه السياسات الرقمية في الشرق الأوسط إلى دمج البعد الاقتصادي والتكنولوجي والأمني، لتشكيل شبكة متكاملة تدعم مصالح الولايات المتحدة في المنطقة وتساهم في استقرار التحول الرقمي الإقليمي.
وفي السياق الجيوسياسي، تُعد السياسات الرقمية الأميركية جزءًا من استراتيجية أوسع للتنافس مع النفوذ الصيني، حيث تركز على تعزيز التعاون مع الدول الإقليمية لاحتواء النفوذ التكنولوجي الصيني، وتقديم بدائل رقمية قائمة على المعايير الأميركية. هذه المبادرات الرقمية تُستخدم كأداة استراتيجية لتعزيز النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، من خلال بناء شراكات تقنية طويلة الأمد ترتبط بالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
ثالثًا- أدوات احتواء النفوذ التكنولوجي الصيني
تتبنى الولايات المتحدة الأميركية استراتيجيات متعددة لاحتواء النفوذ التكنولوجي الصيني، مستندة في ذلك إلى رؤية شاملة تجمع بين الأبعاد الاقتصادية، والتكنولوجية، والأمنية، والدبلوماسية. ومن أبرز هذه الأدوات السيطرة على تصدير التكنولوجيا المتقدمة، حيث تفرض واشنطن قيودًا على نقل تقنيات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والبرمجيات الحساسة، لمنع استخدامها من قبل الشركات والمؤسسات الصينية ذات الصلة بالدولة.
بالإضافة إلى القيود التصديرية، تعتمد الولايات المتحدة على تعزيز الابتكار المحلي والشراكات الدولية كأداة رئيسية للاحتواء. يشمل ذلك تمويل البحث العلمي، ودعم الشركات الناشئة، وبناء شبكات بحث وتطوير مشتركة مع حلفاء إستراتيجيين، بهدف تعزيز القدرة التنافسية الأميركية وتوفير بدائل للتكنولوجيا الصينية. ويتيح هذا النهج للولايات المتحدة ليس فقط حماية ريادتها التكنولوجية، بل أيضًا تحديد معايير الصناعة الرقمية العالمية، بما يعزز النفوذ الأميركي في مجالات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
كما تُعد الشراكات مع الحلفاء الإقليميين والدوليين أداة مكملة لاحتواء النفوذ الصيني، خاصة في المناطق الاستراتيجية مثل الشرق الأوسط وآسيا والمحيط الهادئ. وتشمل هذه الشراكات دعم تطوير البنية التحتية الرقمية، ونقل الخبرات التقنية، وتبادل البيانات والمعرفة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني. هذه الاستراتيجية متعددة الأبعاد تتيح للولايات المتحدة تقديم بدائل تقنية لدول المنطقة، مما يقلل من الاعتماد على التكنولوجيا الصينية ويخلق توازنًا استراتيجياً في مجال النفوذ الرقمي.
أخيرًا، تستخدم الولايات المتحدة الأطر التنظيمية والمعايير التقنية الدولية كأداة احتواء غير مباشرة، من خلال وضع قواعد واضحة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ومعايير حماية البيانات، وأطر للأمن السيبراني، بما يضمن توافق الابتكار التكنولوجي مع القيم والمعايير الأميركية. ومن خلال الجمع بين هذه الأدوات، تتمكن واشنطن من بناء شبكة من الاحتواء التكنولوجي الذكي، تجمع بين القوة الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية، وتواجه بفعالية النفوذ المتزايد للصين في مجال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي([33]).
المطلب الرابع: الشرق الأوسط كساحة للتنافس الصيني – الأميركي في الذكاء الاصطناعي
يشهد الشرق الأوسط في العقد الأخير تحولًا كبيرًا ليصبح ساحة استراتيجية للتنافس التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين، لا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي. فالدول الإقليمية تمتلك مزيجًا من الموارد الاقتصادية الهامة، والبنية التحتية الرقمية المتطورة نسبيًا، واحتياجات ملحة للتحول الرقمي في القطاعات الحيوية، مثل الطاقة، والخدمات المالية، والمدن الذكية، والأمن السيبراني. وتشير الدراسات إلى أن هذه البيئة تجعل الشرق الأوسط منصة مهمة لكل من القوى الكبرى لتعزيز نفوذها التكنولوجي، من خلال تقديم حلول الذكاء الاصطناعي، وتمويل المشروعات الرقمية، ونقل المعرفة التقنية، بما يعكس أبعادًا اقتصادية وجيوسياسية متداخلة.
وفي هذا السياق، تتخذ الصين والولايات المتحدة مسارات متباينة لتحقيق أهدافهما في المنطقة. فالصين تسعى إلى توسيع نفوذها عبر المبادرات الرقمية المختلفة مثل الحزام والطريق الرقمية وطريق الحرير الرقمي، التي تعتمد على نشر البنية التحتية الرقمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي لتطوير المدن الذكية، وتحليل البيانات، وتعزيز الخدمات الحكومية الرقمية، مما يتيح لها توسيع نطاق النفوذ التكنولوجي والاقتصادي في الدول الشريكة. بالمقابل، تعتمد الولايات المتحدة الأميركية على شبكات التعاون مع الحلفاء الإقليميين، ودعم الابتكار المحلي، وتعزيز الأطر التنظيمية والمعايير الدولية، لضمان التفوق الأميركي في التطبيقات الذكية، وتقليل اعتماد المنطقة على التكنولوجيا الصينية، مع الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والأمنية في الشرق الأوسط. ومن ثم، يظهر الشرق الأوسط كساحة متقدمة للتنافس الصيني–الأميركي، حيث تلتقي الأبعاد التكنولوجية والاقتصادية والجيوسياسية لتشكيل ديناميكيات جديدة في التوازن الاستراتيجي الإقليمي.
أولًا- الأهمية الجيوسياسية والتكنولوجية لمنطقة الشرق الأوسط
تُعرَّف منطقة الشرق الأوسط، في الأدبيات السياسية والاستراتيجية، بوصفها نطاقًا جغرافيًا يضم الدول الواقعة في غرب آسيا وشمال أفريقيا، مع امتدادات متفاوتة تشمل تركيا وإيران، إضافة إلى دول الخليج العربي وبلاد الشام ومصر والعراق. ويُستخدم هذا التعريف في العديد من الدراسات الاستراتيجية المعاصرة التي تربط بين البعد الجغرافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية والأمنية داخل هذا النطاق. وتتميز المنطقة بتنوع نظمها السياسية ومستويات تطورها الاقتصادي، ما يجعلها بيئة ديناميكية للتنافس الدولي. كما يؤكد Vali Nasr أن الشرق الأوسط يشكل فضاءً جيوسياسيًا متشابكًا، تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى مع تحولات داخلية مرتبطة بالتحديث الاقتصادي والتحول الرقمي، وهو ما يعزز أهميته في النظام الدولي المعاصر.([34])
تنبع الأهمية الجيوسياسية للشرق الأوسط من موقعه الاستراتيجي الذي يربط بين ثلاث قارات، ويشرف على أهم الممرات البحرية العالمية، مثل مضيق هرمز وقناة السويس وباب المندب، ما يمنحه دورًا حاسمًا في حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية. وقد أدى هذا الموقع إلى جعل المنطقة محورًا دائمًا للتنافس بين القوى الكبرى، ليس فقط في مجال الطاقة، بل أيضًا في مجالات البنية التحتية الرقمية وشبكات الاتصالات. وهذه الممرات الاستراتيجية أصبحت ترتبط بشكل متزايد بالبنية التحتية الرقمية والكابلات البحرية للإنترنت، وهو ما يضيف بُعدًا تكنولوجيًا للأهمية الجيوسياسية التقليدية. كما أن السيطرة على شبكات الاتصالات في هذه المنطقة تمنح القوى الكبرى قدرة أكبر على التأثير في الاقتصاد الرقمي العالمي.
وتتزايد أهمية الشرق الأوسط أيضًا في ظل امتلاكه موارد اقتصادية هائلة، إلى جانب توجه عدد من دوله نحو تنويع الاقتصاد والاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي. فقد أطلقت دول الخليج، على وجه الخصوص، استراتيجيات وطنية للتحول الرقمي تهدف إلى تطوير المدن الذكية والاقتصاد القائم على المعرفة. وتشير التقارير الدولية إلى أن هذه التحولات تجعل الشرق الأوسط سوقًا واعدة للتكنولوجيا المتقدمة ومركزًا ناشئًا للابتكار الرقمي. هذا بالإضافة إلى أن الاستثمار في البنية التحتية الرقمية في المنطقة يعكس إدراك القوى الكبرى لأهميتها في تشكيل موازين القوة التكنولوجية عالميًا.
علاوة على ذلك، أصبح الشرق الأوسط ساحة رئيسية للتنافس الجيوسياسي المرتبط بالتكنولوجيا، حيث تسعى القوى الكبرى إلى بناء شراكات استراتيجية مع دول المنطقة في مجالات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، كما أن التحول الرقمي في المنطقة يفتح المجال أمام القوى الدولية لتعزيز نفوذها من خلال نقل التكنولوجيا وبناء البنية التحتية الرقمية([35]).
وعليه، فإن هذا التنافس يعيد تشكيل الأهمية الجيوسياسية للشرق الأوسط، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع الأبعاد الاقتصادية والتكنولوجية. ومن ثم، فإن المنطقة لم تعد مجرد مركز تقليدي للطاقة، بل أصبحت عنصرًا محوريًا في التنافس الدولي حول الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
ثانيًا- التحول الرقمي في الشرق الأوسط
شهد التحول الرقمي في دول الشرق الأوسط تسارعًا ملحوظًا خلال العقد الأخير، مدفوعًا برغبة الحكومات في تنويع اقتصاداتها وتعزيز الكفاءة المؤسسية في ظل التحديات العالمية. وقد تبنت العديد من دول المنطقة استراتيجيات وطنية للتحول الرقمي تستهدف تطوير الخدمات الحكومية، وتعزيز الاقتصاد المعرفي، وتوسيع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية. فالشرق الأوسط يمثل إحدى أسرع المناطق نموًا في تبني التكنولوجيا الرقمية، خاصة في قطاعات الطاقة والخدمات المالية والمدن الذكية، والحكومة الإلكترونية والبنية التحتية الرقمية، ما يعكس تحولًا هيكليًا في نماذج التنمية الاقتصادية.([36])
ويُعد الاستثمار في البنية التحتية الرقمية أحد أهم ملامح التحول الرقمي في المنطقة، حيث توسعت الدول في نشر شبكات الاتصالات المتقدمة، وتطوير مراكز البيانات، وتعزيز الحوسبة السحابية. وقد ساهم ذلك في تحسين بيئة الأعمال الرقمية وجذب الشركات التكنولوجية العالمية. فالعديد من دول الشرق الأوسط حققت تقدمًا ملحوظًا في مؤشرات الجاهزية الرقمية، خاصة فيما يتعلق بانتشار الإنترنت عالي السرعة وتبني شبكات الجيل الخامس. كما أن هذه الاستثمارات الرقمية تشكل أساسًا لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتعزيز الاقتصاد الرقمي في المنطقة.
علاوة على ذلك، يرتبط التحول الرقمي في الشرق الأوسط بجهود تطوير الخدمات الحكومية الإلكترونية، حيث تسعى الحكومات إلى رقمنة العمليات الإدارية وتبسيط الإجراءات، بهدف تحسين كفاءة القطاع العام وتعزيز الشفافية. وقد أدى ذلك إلى إطلاق منصات حكومية رقمية متكاملة توفر خدمات إلكترونية للمواطنين والشركات، ودعم التنمية المستدامة في المنطقة من خلال تحسين الوصول إلى الخدمات الأساسية وتقليل التكاليف التشغيلية([37]).
هذا فالإضافة إلى أن دور القطاع الخاص والشركات الناشئة يتزايد في دفع عملية التحول الرقمي، حيث تشهد المنطقة نموًا ملحوظًا في منظومات الابتكار وريادة الأعمال التكنولوجية. وقد أسهمت هذه الديناميكيات في تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات التجارة الإلكترونية والتكنولوجيا المالية والخدمات اللوجستية، وتعزيز سرعة التحول الرقمي في المنطقة. ومن ثم، فإن التحول الرقمي في الشرق الأوسط يمثل عملية متعددة الأبعاد تجمع بين الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وتطوير الخدمات الحكومية، وتعزيز الابتكار، بما يجعل المنطقة ساحة رئيسية للتنافس التكنولوجي الدولي.([38])
ثالثًا- التنافس الصيني – الأميركي في التكنولوجيا المتقدمة في الشرق الأوسط
مما سبق عرضه ومن المعطيات الراهنة في المنطقة، يتضح جليًا أن الشرق الأوسط أصبح ساحة رئيسية للتوسع المتسارع للاستثمارات الصينية والأميركية في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، خاصة الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والبنية التحتية الرقمية، حيث تسعى القوتان إلى ترسيخ نفوذهما عبر مشاريع البنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات والحوسبة السحابية. وقد تحولت المنطقة إلى سوق استراتيجي لهذه الاستثمارات نتيجة برامج التحول الرقمي الوطنية في دول الخليج، وارتفاع الطلب على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحكومية والاقتصادية. وتشير تقديرات حديثة إلى أن سوق مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط يشهد نموًا سريعًا مدفوعًا بمشروعات المدن الذكية والاستثمارات الضخمة في الحوسبة السحابية، مع تصدر السعودية والإمارات لهذا التوسع الإقليمي.
على صعيد الأميركي، تستند الاستراتيجية الأميركية في المنطقة إلى الحفاظ على “الفجوة النوعية” وضمان عدم تسرب التقنيات المتقدمة إلى الصين. وبرزت الاستثمارات الأميركية بوصفها أحد أهم محركات التحول التكنولوجي في المنطقة. فقد أعلنت شركة Microsoft عن استثمار يبلغ 15.2 مليار دولار في دولة الإمارات لتوسيع البنية التحتية للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي خلال الفترة 2023–2029، مع تخصيص مليارات الدولارات لمراكز البيانات وتطوير القدرات المحلية في مجال الذكاء الاصطناعي.([39]) كما أعلنت الشركة أيضًا عن إنشاء منطقة مراكز بيانات سحابية متقدمة في السعودية لدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي ضمن رؤية 2030، بما يتيح تشغيل خدمات رقمية متقدمة للحكومة والقطاع الخاص.([40]) وتظهر بيانات أخرى أن شركات أميركية كبرى مثل Amazon Web Services تخطط لاستثمار أكثر من 5.3 مليار دولار في مراكز بيانات بالسعودية، بينما تشارك Google Cloud في خطة تصل إلى 10 مليارات دولار لإنشاء مركز عالمي للذكاء الاصطناعي، إضافة إلى استثمارات بقيمة 1.5 مليار دولار من Oracle لتوسيع البنية السحابية في المنطقة.(([41]
في المقابل، تستفيد الصين من مرونتها في تقديم التكنولوجيا دون فرض شروط سياسية أو أمنية معقدة، مما يجعلها شريكًا جذابًا لبعض دول المنطقة. فهي ترى في منطقة الشرق الأوسط فرصة عظيمة للتوسع حيث قامت بتسميتها “مغناطيس النمو” نظرًا لتمتعها بفرص استثمارية هائلة في كافة القطاعات ولا سيما القطاع الكنولوجي. وعليه، تتزايد الاستثمارات الصينية في التكنولوجيا المتقدمة بالشرق الأوسط ضمن استراتيجية التوسع الرقمي، حيث تشير الاحصائيات إلى أن 86% من الشركات الصينية تخطط لتوسيع عملياتها في المنطقة، مع تركيز الاستثمارات على قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي([42]).
كما تُظهر البيانات أن نحو 90% من الشركات الصينية تعتبر الشرق الأوسط وجهة رئيسية للتوسع، مع تصدر السعودية والإمارات قائمة الدول المستقبلة للاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية. ويعكس هذا التوجه سعي الصين إلى بناء حضور طويل الأمد في الاقتصاد الرقمي الإقليمي، من خلال مشاريع الاتصالات المتقدمة، والحوسبة السحابية، ومنصات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يعزز نفوذها التكنولوجي في المنطقة. وفي الجدول التالي يمكن تلخيص أوجه التنافس الصيني-الأميركي في حجم استثمارات الدولتين في الشرق الأوسط خلال الفترة الأخيرة.
وبذلك يتضح أن الاستثمارات الصينية والأميركية في التكنولوجيا المتقدمة في الشرق الأوسط لا تقتصر على البعد الاقتصادي، بل تمتد إلى أبعاد استراتيجية تتعلق بالنفوذ التكنولوجي، والسيطرة على البنية التحتية الرقمية، وتعزيز موازين القوة في النظام الدولي.[43]
المطلب الخامس: تداعيات التنافس الصيني–الأميركي على دول الشرق الأوسط
تعد منطقة الشرق الأوسط المختبر الجيوسياسي الأكثر تعقيداً لظاهرة “الاستقطاب التقني” بين الولايات المتحدة والصين، حيث تجاوز التنافس بين القطبين حدود التجارة التقليدية ليتغلغل في عمق البنى التحتية السيادية للدول. ومع تسارع وتيرة الاستثمارات التي بلغت ذروتها في مجالات الذكاء الاصطناعي، أشباه الموصلات، وشبكات الجيل السادس (6G)، وجدت القوى الإقليمية نفسها أمام حتمية الموازنة بين “الريادة النوعية” والضمانات الأمنية التي توفرها الشراكة مع واشنطن، وبين “التدفق الكمي” والحلول الاقتصادية المرنة التي تطرحها بكين عبر “طريق الحرير الرقمي”.
إن تداعيات هذا التنافس لا تقتصر على الصراع على الحصص السوقية فحسب، بل تمتد لتشكل تحديات جوهرية تتعلق بالسيادة الرقمية، وتوافق الأنظمة التقنية، وقدرة دول المنطقة على صياغة نموذج “حياد تكنولوجي نشط” يضمن لها الاستفادة من الابتكار العالمي دون الارتهان الكامل لتبعية قطب دون الآخر. حيث تعد تلك التداعيات أحد أبرز التحولات التي تشهدها البيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط خلال العقد الأخير، في ظل انتقال التنافس بين القوى الكبرى من المجالات العسكرية والاقتصادية التقليدية إلى المجال التكنولوجي المتقدم. فقد أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية أدوات رئيسية لإعادة تشكيل موازين القوة الدولية، وهو ما انعكس على المنطقة باعتبارها سوقًا واعدة وموقعًا جيوسياسيًا محوريًا في الاقتصاد الرقمي العالمي. ويأتي هذا التحول متزامنًا مع توجه دول الشرق الأوسط نحو تنفيذ استراتيجيات وطنية للتحول الرقمي وتنويع اقتصاداتها، الأمر الذي عزز من أهمية المنطقة كمجال تنافسي للاستثمارات التكنولوجية الصينية والأميركية.
أولًا- التداعيات السياسية والاستراتيجية
تتمثل التداعيات السياسية والاستراتيجية للتنافس الصيني–الأميركي في مجال الذكاء الاصطناعي على الشرق الأوسط في إعادة تشكيل أنماط التفاعلات الجيوسياسية والتحالفات الإقليمية، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي عنصرًا مركزيًا في معادلة القوة بين القوتين. وعليه، انتقل التنافس من الأطر التجارية الكلاسيكية إلى صراع بنيوي حول “السيادة الرقمية” وتشكيل المحاور الأمنية الجديد. فمن الناحية السياسية، أدى اشتراط واشنطن لفك الارتباط مع الكيانات الصينية مثل حالة شركة (G42) مقابل الوصول إلى معالجات الذكاء الاصطناعي المتقدمة (Nvidia H200) إلى تعميق أزمة الثقة الاستراتيجية، مما دفع دولاً مثل السعودية ومصر إلى الاستثمار في “نماذج لغوية وطنية” وبنى تحتية سحابية محلية لتقليل مخاطر “الارتهان التقني”.
وعلى الصعيد الاستراتيجي، أدى هذا التنافس إلى فرض ضغوط هائلة على دول المنطقة لتبني معايير تقنية إقصائية؛ فبينما تسعى الولايات المتحدة عبر مبادرات مثل “شبكة النظافة” (Clean Network) وتوسيع نطاق اتفاقيات “أبراهام التقنية” إلى تحجيم النفوذ الصيني في القطاعات الحساسة، نجحت الصين عبر “طريق الحرير الرقمي” (DSR) في ترسيخ تبعية تقنية طويلة الأمد من خلال الاستحواذ على 45% من بنية الاتصالات الأساسية (5G/6G) في المنطقة. هذا الاستقطاب دفع القوى الإقليمية، لاسيما في الخليج العربي، إلى تبني استراتيجية “الحياد النشط” (Active Neutrality)، وهي ممارسة سياسية تهدف إلى تنويع الشركاء الاستراتيجيين لانتزاع تنازلات تقنية من الطرفين، مما حول التكنولوجيا من أداة خدمية إلى “ورقة مساومة سيادية” تعيد تعريف مفهوم التحالفات التقليدية في النظام الدولي ثنائي القطب.
أما على الصعيد الهيكلي، تبلورت التداعيات في نشوء “نظام تقني هجين” يفرض تحديات قانونية وأمنية غير مسبوقة تتعلق بحوكمة البيانات وتوافق الأنظمة (Interoperability)، وتشير الإحصائيات التراكمية خلال السنوات السابقة أن الفجوة في الاستثمارات التقنية المباشرة قد ضاقت، حيث بلغت الاستثمارات الأميركية نحو 45 مليار دولار مقابل 38 مليار دولار للصين، مما خلق حالة من “الاعتماد المتبادل المتناظر”. وهذا المشهد يعكس تحولاً جذرياً في ميزان القوى؛ حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها هي المعيار، بل أصبحت القدرة على حماية “الفضاء السيبراني الوطني” وإدارة سلاسل توريد الرقائق هي المحدد الرئيس لمكانة الدولة في الخارطة السياسية للشرق الأوسط.
ثانيًا- التداعيات الاقتصادية والتكنولوجية
شهدت السنوات الخمس السابقة تحولًا جذريًا في الهيكل الاقتصادي الرقمي لمنطقة الشرق الأوسط، حيث أفرز التنافس الأميركي-الصيني حالة من “الازدواجية الاستثمارية” التي أعادت صياغة موازين القوى المالية. فعلى المستوى الاقتصادي، أدى هذا التنافس إلى تدفقات رأس مالية غير مسبوقة؛ إذ تشير البيانات التراكمية حتى الربع الأول من عام 2026 أن إجمالي الاستثمارات التقنية المباشرة للقطبين في المنطقة تجاوز 83 مليار دولار، منها 45 مليار دولار استثمارات أميركية ركزت على القيمة المضافة العالية في الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، مقابل 38 مليار دولار صينية هيمنت على البنية التحتية الصلبة والمدن الذكية. هذا الضخ المالي خلق ظاهرة “المنافسة السعرية النوعية”، حيث اضطرت الشركات الأميركية لتقديم تنازلات في نقل المعرفة (Transfer of Knowledge) لضمان استمرارية حصتها السوقية أمام البدائل الصينية منخفضة التكلفة، مما ساهم في نمو الناتج المحلي الإجمالي الرقمي لدول المنطقة بمعدل سنوي مركب (CAGR) قدره 14.5% خلال هذه الفترة.
فقد أشارت تقديرات PwC ([44]) إلى أن تقنيات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تسهم بنحو 320 مليار دولار في اقتصاد الشرق الأوسط بحلول عام 2030، وهو ما يعادل نحو 11% من الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي، مع توقعات بأن تستحوذ دول الخليج على النسبة الأكبر من هذه المكاسب. كما أدى التنافس بين الشركات الأميركية والصينية إلى زيادة الاستثمارات في مراكز البيانات والحوسبة السحابية، حيث تسعى دول مثل السعودية والإمارات إلى تطوير بنية تحتية رقمية متقدمة لدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي والمدن الذكية. ويعكس هذا الاتجاه تحول المنطقة إلى سوق رئيسية للتكنولوجيا المتقدمة، بما يعزز التنويع الاقتصادي وتقليل الاعتماد على القطاعات التقليدية، خصوصًا النفط والغاز، في إطار استراتيجيات التنمية طويلة المدى.
أما على المستوى التكنولوجي، تبلورت التداعيات في نشوء معضلة “التجزئة المعيارية”، حيث بدأت المنطقة تعاني من تحدي التوافق البيني بين الأنظمة الغربية والشرقية. فبينما أحكمت واشنطن قبضتها على الطبقات العليا من الهرم التقني عبر معالجات Nvidia H200 والبرمجيات السيادية لشركة Microsoft، نجحت بكين في ترسخ أقدامها كـ “مُشغل وطني” للاتصالات عبر شبكات الـ 5G والـ 6G بنسبة تغطية بلغت 50% في الأسواق الناشئة بالمنطقة. هذا الانقسام التقني أجبر دول المنطقة على الاستثمار في “الطبقات الوسيطة” (Middleware) لربط الأنظمة المتنافرة، وهو ما عزز من قدرة الكوادر المحلية على الابتكار في حلول الربط التقني. وبحلول عام 2026، ظهرت “السيادة التكنولوجية” كمحرك اقتصادي جديد، حيث استثمرت دول مثل السعودية والإمارات أكثر من 12 مليار دولار في بناء مراكز بيانات وطنية مستقلة تهدف إلى فك الارتباط الاستراتيجي وضمان تدفق البيانات بعيداً عن ضغوط الحظر التكنولوجي المتبادل بين واشنطن وبكين.
كما أدى هذا التنافس إلى تسريع نقل التكنولوجيا وبناء القدرات الرقمية المحلية، حيث أصبحت دول الشرق الأوسط تسعى إلى تطوير منظومات وطنية للذكاء الاصطناعي بالتعاون مع شركاء دوليين متعددين. وتشير تقارير International Data Corporation إلى أن الإنفاق على الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط وتركيا وإفريقيا تجاوز 6.4 مليارات دولار في عام 2024، مع توقعات بنمو سنوي يتجاوز 20% حتى نهاية العقد. كما أتاح التنافس بين الشركات الصينية والأميركية تنوعًا في مصادر التكنولوجيا، بدءًا من شبكات الاتصالات الذكية إلى تطبيقات تحليل البيانات الضخمة والحوسبة عالية الأداء، وهو ما يعزز قدرات الابتكار الإقليمي([45]).
غير أن هذا التنوع قد يفرض تحديات تتعلق بتكامل الأنظمة التقنية وتوحيد المعايير الرقمية، خاصة في ظل اختلاف النماذج التكنولوجية بين الصين والولايات المتحدة، الأمر الذي يدفع دول المنطقة إلى تبني سياسات توازن بين الاستفادة من الفرص الاقتصادية والحفاظ على السيادة الرقمية والتكنولوجية.
ثالثًا- التداعيات الأمنية والعسكرية
لم تقتصر تداعيات التنافس التكنولوجي بين واشنطن وبكين على التأثير السياسي والاقتصادي فقط، بل بدوه طال الجانب الأمني والعسكري حيث شهدت العقيدة الأمنية في منطقة الشرق الأوسط تحولًا جذريًا مدفوعاً بـ “رقمنة الصراع” بين الولايات المتحدة والصين، حيث لم تعد القوة العسكرية تُقاس بالعتاد التقليدي وحده، بل بمدى التكامل بين الأنظمة القتالية والذكاء الاصطناعي. أمنياً، أدى التنافس إلى نشوء معضلة “التجسس الهيكلي”؛ حيث فرضت واشنطن قيوداً صارمة على دمج تقنيات Huaweiفي القواعد العسكرية ومنظومات الدفاع الجوي لحلفائها، تخوفًا من وجود “أبواب خلفية”(Backdoors) تسمح لبكين باختراق البيانات الحساسة. في المقابل، عززت الصين تعاونها في مجال الأمن سيبراني مع دول المنطقة عبر تصدير أنظمة مراقبة متطورة وتقنيات التعرف على الوجوه، مما خلق واقعاً أمنياً مزدوجاً تُدار فيه المدن ببرمجيات شرقية بينما تُحمى الأجواء بأنظمة غربية، وهو ما رفع من مخاطر “التعمية التقنية” في حال نشوب نزاع مباشر بين القطبين.
ومن الناحية العسكرية، تبلورت التداعيات في سباق محموم نحو “أتمتة الميدان”، حيث أصبحت المنطقة سوقًا مفتوحة لاختبار الطائرات المسيرة (Drones) والأنظمة المستقلة الصينية التي تفتقر لقيود التصدير الأميركية الصارمة، مما كسر الاحتكار الغربي لتقنيات الردع الجوي.
وبحلول عام 2026، برز تحدي “التوافق العملياتي” كعقبة استراتيجية؛ إذ بات من الصعب دمج المنظومات الدفاعية الأميركية مثل Patriot أو (THAAD) مع شبكات الإنذار المبكر المدعومة صينيًا، مما دفع دول المنطقة للاستثمار في “السيادة العسكرية الرقمية” عبر تطوير مراكز قيادة وسيطة محلية الصنع. إن هذا التنافس قد أعاد صياغة “ميزان القوى السيبراني”، حيث تحول الشرق الأوسط من ساحة للحروب بالوكالة إلى ساحة لـ “الحروب الخوارزمية”، حيث تُحسم المعارك بقدرة الدولة على حماية شبكاتها من التعطيل الإلكتروني الخارجي([46]).
رابعًا- الفرص المتاحة والمخاطر المحتملة على المنطقة
تتيح المنافسة التكنولوجية بين الصين والولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي مجموعة من الفرص الاستراتيجية لدول الشرق الأوسط، خاصة في ظل سعي هذه الدول إلى تسريع برامج التحول الرقمي وتنويع اقتصاداتها. فقد أدى التنافس إلى زيادة تدفقات الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، بما في ذلك مراكز البيانات، والحوسبة السحابية، وشبكات الاتصالات المتقدمة، وهو ما يعزز قدرات الدول على تطوير اقتصادات قائمة على المعرفة.
وتشير تقديرات PwC إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يسهم بنحو 320 مليار دولار في اقتصاد الشرق الأوسط بحلول عام 2030، وهو ما يعكس الإمكانات الاقتصادية الكبيرة المرتبطة بالاستفادة من هذا التنافس. كما يوفر تعدد الشركاء التكنولوجيين فرصة لدول المنطقة لتعزيز نقل المعرفة وبناء القدرات المحلية في مجالات تحليل البيانات الضخمة والتطبيقات الذكية، الأمر الذي يدعم سياسات التنويع الاقتصادي ويحد من الاعتماد على القطاعات التقليدية.([47])
كما يُمثل التنافس التكنولوجي بين القطبين محفزًا استراتيجيًا لدول المنطقة للانتقال من “التبعية التقنية” إلى “الشراكة البنائية”. وتتجلى أبرز الفرص في تسارع وتيرة توطين التكنولوجيا؛ حيث أدى الصراع على الولاء التقني إلى تقديم واشنطن وبكين صفقات تتضمن نقل المعرفة بنسب تجاوزت 30% في مشاريع الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية. مَكَّنت هذه الديناميكية دولًا مثل السعودية والإمارات من بناء “نماذج ذكاء اصطناعي سيادية” (Sovereign AI) مدعومة ببنية تحتية هجينة، مما عزز القوة التفاوضية للمنطقة كمركز ثقل عالمي لبيانات “ترانزيت” عبر ممرات اقتصادية رقمية مثل (IMEC) و(Digital Silk Road)، وهو ما يُتوقع أن يساهم في إضافة قرابة 150 مليار دولار للناتج المحلي الإجمالي الرقمي للمنطقة بحلول نهاية 2026.
في المقابل، يطرح هذا التنافس مجموعة من المخاطر المحتملة، أبرزها الضغوط الجيوسياسية المرتبطة بالاصطفاف التكنولوجي بين القوتين، حيث قد تجد دول الشرق الأوسط نفسها مضطرة إلى اتخاذ مواقف تؤثر في توازن علاقاتها الدولية. ويشير تقرير OECD إلى أن تعدد مصادر التكنولوجيا قد يؤدي إلى تحديات تتعلق بتكامل الأنظمة الرقمية واختلاف المعايير التقنية، مما قد يخلق حالة من الانقسام الرقمي ويؤثر في الأمن السيبراني والسيادة الرقمية.([48]) ويضاف إلى ذلك مخاطر الاعتماد المفرط على التكنولوجيا الخارجية دون تطوير القدرات المحلية، وهو ما قد يحد من استقلال القرار التكنولوجي لدول المنطقة على المدى الطويل.
كما تبرز مخاطر “الاستقطاب المعياري” كأكبر تهديد لاستقرار النظم الرقمية الإقليمية. حيث إن اضطرار الدول للمفاضلة بين “أمن البيانات” المرتبط بالأنظمة الأميركية وبين “كفاءة التكلفة” الصينية يخلق بيئات تقنية متنافرة ترفع من تكاليف التشغيل والصيانة بنسبة تقديرية تصل إلى18% نتيجة غياب التوافق البيني. وتتجلى المخاطر الأمنية في احتمال تحول المنطقة إلى ساحة لـ “الحروب الخوارزمية”؛ حيث يؤدي تداخل الرادارات وأنظمة الدفاع الجوي الصينية مع شبكات القيادة والسيطرة الأميركية إلى نشوء فجوات في “الوعي الميداني الرقمي”. علاوة على ذلك، فإن الاعتماد المفرط على السحب الإلكترونية الأجنبية يضع “السيادة الوطنية للبيانات” تحت رحمة العقوبات المتبادلة أو التجسس الهيكلي، مما يجعل الاستقلال الرقمي هدفاً صعب المنال دون استثمار مكثف في الكوادر البشرية المحلية والطبقات البرمجية الوسيطة.
شكل (1) حجم التنافس الأميركي الصيني في الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط 2026

المطلب السادس: دراسات حالة مختارة من الشرق الأوسط
يمثل تحليل دراسات الحالة المختارة من منطقة الشرق الأوسط مدخلًا تطبيقيًا لفهم طبيعة تداعيات التنافس الصيني–الأميركي في مجال الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة. وفي هذا الجزء تستعرض الدراسة مجموعة نماذج مختارة من حالات الدراسة الإقليمية التي تُمثل نماذج متباينة في التعاطي مع التنافس التقني الصيني-الأميركي، حيث تسلط الضوء على استراتيجيات “الحياد النشط” التي تبنتها قوى صاعدة مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة في بناء أنظمة ذكاء اصطناعي سيادية، مقابل نماذج “الاعتمادية الرقمية الهجينة” في دول مثل مصر والأردن.
أولًا- نموذج المملكة العربية السعودية
تُمثل المملكة العربية السعودية النموذج الأبرز عالمياً في ممارسة “السيادة التقنية البراغماتية”، حيث استطاعت توظيف تنافس القوى العظمى لخدمة مستهدفات “رؤية 2030”. حيث تحولت المملكة من الاستهلاك التقني إلى السيادة الرقمية في المنطقة في غضون عدة سنوات. كما أحد أبرز النماذج الإقليمية في توظيف الذكاء الاصطناعي ضمن سياق التنافس التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين، حيث ارتبط التحول الرقمي في المملكة بإطلاق رؤية السعودية 2030 التي تستهدف تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط عبر الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة.
وقد وضعت هذه الرؤية الذكاء الاصطناعي في صميم التحول الاقتصادي، مع توجه حكومي واضح لتعزيز الابتكار الرقمي وبناء بنية تحتية متقدمة للبيانات والحوسبة السحابية. وتشير الدراسات إلى أن الاعتماد على التكنولوجيا المتقدمة أصبح أحد الأعمدة الرئيسية لتحقيق أهداف التنويع الاقتصادي وتحويل المملكة إلى مركز إقليمي للاقتصاد الرقمي بحلول عام 2030.
وفي هذا الإطار، تبنت المملكة استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي تقودها الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي التي أُنشئت عام 2019 لتطوير السياسات الوطنية للبيانات وتعزيز تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحكومية والاقتصادية. وتسعى هذه الاستراتيجية إلى جعل المملكة ضمن الدول الرائدة عالميًا في مجال الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030، من خلال الاستثمار في البنية التحتية الرقمية وتطوير الكفاءات البشرية وبناء منظومات حوسبة متقدمة. وتشير التقديرات إلى أن المملكة خصصت أكثر من 20 مليار دولار لمشروعات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والشراكات التقنية مع شركات عالمية مثل مايكروسوفت وجوجل، مع هدف تدريب نحو 10 آلاف متخصص في الذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة.
كما تتبنى المملكة العربية السعودية استراتيجية “تعدد الشركاء الاستراتيجيين” لتجنب الارتهان لقطب تقني واحد، وهو ما يظهر جليًا في هيكلة مشاريعها الكبرى. فعلى الصعيد الأميركي، عززت الرياض شراكتها مع عمالقة التكنولوجيا من خلال استثمارات مليارية؛ حيث أطلقت Google Cloud منطقة سحابية في الدمام، تلتها Microsoft باستثمار بقيمة 2.1 مليار دولار لإنشاء منطقة سحابية سيادية فائقة القدرة بحلول عام 2026. تهدف هذه الشراكات إلى تأمين الوصول إلى معالجات الذكاء الاصطناعي المتقدمة مثل رقائق (Nvidia) اللازمة لتشغيل نماذج اللغة الضخمة الوطنية. وتُشير التقارير إلى أن الإنفاق الحكومي السعودي على الذكاء الاصطناعي نما بمعدل سنوي مركب قدره 25% بين عامي 2022 و2026، مما جعل المملكة أكبر سوق للخدمات السحابية في المنطقة بقيمة تقديرية تتجاوز 10 مليار دولار.([49])
في المقابل، دمجت المملكة التكنولوجيا الصينية بذكاء في صلب بنيتها التحتية المادية والمدنية؛ حيث تسيطر شركة Huawei على جزء كبير من شبكات الـ 5G والـ 6G التجريبية، بالإضافة إلى توقيع اتفاقيات استراتيجية مع Alibaba Cloud لدعم مشاريع المدن الذكية مثل “ذا لاين” في نيوم.(NEOM) كما تعاونت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (SDAIA) مع شركات صينية لتطوير أنظمة الرؤية الحاسوبية وإدارة الحشود. هذا التوازن سمح للمملكة بامتلاك “أصول تقنية هجينة”؛ حيث تُدار البيانات الوطنية عبر سحب إلكترونية بمعايير أمنية أميركية، بينما تُبنى المدن والموانئ بأنظمة تشغيل وحساسات صينية، مما يمنح الرياض قدرة فريدة على المناورة الجيوسياسية وضمان استمرارية التحول الرقمي بمعزل عن صراعات سلاسل التوريد الدولية([50]).
شهدت المملكة إطلاق عدد من المبادرات الكبرى المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، حيث أعلنت تقارير حديثة عن استثمارات تتجاوز 20 مليار ريال لتطوير بنية تحتية متكاملة للذكاء الاصطناعي في قطاعات الصحة والنقل والتعليم. كما تشير بيانات أخرى إلى أن المملكة تستهدف ضخ استثمارات قد تصل إلى 100 مليار دولار في تقنيات الذكاء الاصطناعي بهدف التحول من مستهلك للتكنولوجيا إلى منتج ومصدر لها. وتعكس هذه الأرقام حجم الرهان السعودي على الذكاء الاصطناعي كأداة لتعزيز القدرة التنافسية الاقتصادية والتكنولوجية في المنطقة. ومن أبرز المشاريع التقنية التي تبنتها المملكة العربية السعودية خلال الفترة السابقة:
1- مشروع سدايا (SDAIA) للذكاء الاصطناعي: حيث تم إطلاق نموذج “علاّم” (Allam) المطور محليًا، والمصنف ضمن أفضل النماذج العربية عالميًا، باستثمارات في البنية التحتية للحوسبة تجاوزت 2 مليار دولار([51]).
2- مجمع “نيوم” التقني: وفيه تكامل واضح لأنظمة إنترنت الأشياء (IoT) الصينية مع أنظمة الأمن السيبراني الأميركية لتأمين أكبر بيئة حضرية ذكية في العالم.
3- الاستثمار في أشباه الموصلات: حيث قامت المملكة بإطلاق مبادرة وطنية لتصميم الرقائق بالتعاون مع جامعة كاوست (KAUST)، بهدف تقليل الاعتماد على الواردات بنسبة 15% بحلول عام 2027([52]).
ثانيًا- نموذج الإمارات العربية المتحدة
تمثل دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجًا متقدمًا في توظيف الذكاء الاصطناعي ضمن سياق التنافس التكنولوجي الصيني–الأميركي، حيث تبنت الدولة مبكرًا سياسات رقمية طموحة تهدف إلى تعزيز مكانتها كمركز إقليمي وعالمي للتكنولوجيا المتقدمة. فقد أطلقت الإمارات في عام 2017 أول استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، كما أنشأت وزارة مخصصة للذكاء الاصطناعي، وهو ما يعكس التوجه المؤسسي نحو دمج هذه التقنيات في مختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية.
وتشير التقارير الإقليمية والدولية إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسهم بنحو 13.6% من الناتج المحلي الإجمالي للإمارات بحلول عام 2030، وهو ما يضعها ضمن الدول الأكثر استفادة من التحول الرقمي في المنطقة. كما تعزز هذه السياسات مكانة الإمارات كمركز إقليمي للابتكار الرقمي واستقطاب الاستثمارات التكنولوجية الدولية. وتُعد دولة الإمارات العربية المتحدة النموذج الأكثر تطوراً في المنطقة فيما يُعرف بـ “الدبلوماسية التكنولوجية المرتكزة على الذكاء الاصطناعي”، حيث انتقلت من مرحلة تبني التقنيات إلى مرحلة تصدير النماذج المعرفية عالمياً.([53])
وفي إطار الحرص على الريادة العالمية وعقد الشراكات الاستراتيجية العابرة للأقطاب، تتبنى تتبنى دولة الإمارات استراتيجية فريدة تقوم على تحويل الدولة إلى “منصة اختبار عالمية” (Global Testbed) للتقنيات المتقدمة، مع الحفاظ على توازن دقيق بين المتطلبات الأمنية الأميركية والطموحات الاستثمارية الصينية. وتجلى هذا التوازن في “صفقة القرن التقنية” عام 2024، حين أعادت شركة G42 الإماراتية هيكلة استثماراتها بالتخلي عن العتاد الصيني مقابل شراكة استراتيجية مع Microsoft بقيمة 1.5 مليار دولار، مما ضمن للإمارات الوصول الحصري لأحدث رقائق Nvidia H200 وبناء بنية تحتية سحابية سيادية بمعايير أمنية فائقة. وتشير إحصائيات حديثة إلى أن قطاع الذكاء الاصطناعي يساهم بنسبة 12% من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي للدولة، مدعوماً بإطلاق نماذج لغوية ضخمة (LLMs) مثل “جيس” (Jais) و”فالكون” (Falcon)، التي أصبحت مرجعاً عالمياً للنماذج مفتوحة المصدر.
على الجانب الآخر، لم تتخلَّ الإمارات عن شراكتها العميقة مع الصين في مجالات البنية التحتية للمدن الذكية والطاقة المتجددة الرقمية؛ إذ تُعد دبي وأبوظبي مراكز رئيسية لحلول Huawei في مجالات النقل الذكي والحوسبة الطرفية (Edge Computing). كما شهدت الفترة ما بين 2022 و2026 نمو التبادل التجاري الرقمي مع الصين بنسبة 18%، مع التركيز على تقنيات “البلوكشين” والعملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs) عبر مشروع “mBridge” الذي يضم الصين والإمارات. هذا النموذج الإماراتي يثبت نجاح استراتيجية “الارتباط المتعدد”؛ حيث يتم استقطاب العقول والبرمجيات من الغرب، مع الاستفادة من كفاءة التصنيع وسلاسل التوريد من الشرق، مما جعل الإمارات “عاصمة تقنية” قادرة على فرض شروطها السيادية في صياغة مستقبل الذكاء الاصطناعي العالمي([54]).
من الجدير بالذكر أن استثمارات دولة الإمارات العربية المتحدة في قطاع الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية بلغت مستويات قياسية بحلول عام 2026، حيث تُقدر المساهمة الاقتصادية المتوقعة لهذا القطاع بنحو 14% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030. وقد تجسد هذا الإنفاق الضخم في مشاريع سيادية كبرى، أبرزها:
1- الشراكة الاستراتيجية بين شركة G42 وشركة Microsoft باستثمارات بلغت 1.5 مليار دولار لتطوير بنية تحتية سحابية متطورة تتيح الوصول لأحدث معالجات Nvidia.([55])
2- استثمار أكثر من 10 مليارات دولار في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي الوطنية مثل “جيس” (Jais) و”فالكون” (Falcon)
3- عززت الدولة بنيتها الرقمية بمشاريع عملاقة مثل “مجمع دبي للذكاء الاصطناعي” ومبادرات مجلس أبحاث التكنولوجيا المتطورة (ATRC) في أبوظبي، والتي تهدف إلى بناء منظومة متكاملة تربط بين شبكات الـ 5G والـ 6G المتقدمة وتطبيقات المدن الذكية، مما جعل الإمارات تتصدر المؤشرات الإقليمية كأكبر مستثمر في التكنولوجيا العميقة (Deep Tech) في المنطقة([56]).
ثالثًا- نموذج جمهورية مصر العربية
تمثل جمهورية مصر العربية نموذجًا مهمًا في دراسة تداعيات التنافس الصيني–الأميركي في مجال الذكاء الاصطناعي، نظرًا لموقعها الجيوسياسي ودورها كمركز إقليمي للبنية التحتية الرقمية في الشرق الأوسط وأفريقيا. فقد تبنت مصر استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي عام 2019، والتي تهدف إلى توظيف التقنيات الذكية في دعم التنمية الاقتصادية وتحسين الخدمات الحكومية وتعزيز الابتكار. وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن مصر تمتلك إمكانات كبيرة للتحول الرقمي بفضل حجم السوق المحلي وتوسع البنية التحتية للاتصالات، مما يجعلها نقطة جذب للاستثمارات التكنولوجية الدولية.[57] كما تسعى الحكومة المصرية إلى تعزيز الشراكات مع القوى التكنولوجية الكبرى لتحقيق نقل المعرفة وبناء القدرات المحلية في مجال الذكاء الاصطناعي.
تتبنى جمهورية مصر العربية نموذجًا قائمًا على “الاستثمار في الموقع الجيواستراتيجي للبنية التحتية”، حيث تسعى لتعزيز مكانتها كـ “ممر رقمي” عالمي يربط بين الشرق والغرب، مستفيدة من مرور أكثر من 90% من بيانات الكابلات البحرية بين آسيا وأوروبا عبر أراضيها. وتستند الاستراتيجية المصرية في مواجهة التنافس الصيني-الأميركي إلى تعظيم العوائد من البنية التحتية السيادية مع تبني سياسة الانفتاح التقني المتوازن.
فعلى الصعيد الاقتصادي، ضخت الدولة استثمارات تجاوزت 2.5مليار دولار في مشروع “مصر الرقمية”، مما ساهم في رفع مساهمة قطاع الاتصالات في الناتج المحلي الإجمالي إلى قرابة 5.8% بحلول عام 2026. وتجلى التوازن الاستراتيجي في التعاون مع واشنطن عبر استثمارات ضخمة لشركات مثل Microsoft وIBM وGoogle لإنشاء مراكز بيانات ومراكز تميز للذكاء الاصطناعي، تهدف إلى دعم ريادة الأعمال وتطوير البرمجيات السيادية للدولة([58]).
في المقابل، عززت القاهرة شراكتها مع بكين في مجالات التصنيع الإلكتروني والبنية التحتية للاتصالات؛ حيث تعد مصر شريكًا رئيسيًا في مبادرة “طريق الحرير الرقمي” الصينية. وقد أثمر هذا التعاون عن إنشاء “منطقة تكنولوجيا المعلومات” في العاصمة الإدارية الجديدة، والتي تعتمد بشكل مكثف على تقنيات Huawei وZTE في بناء مراكز البيانات الحكومية وشبكات المراقبة الذكية. كما بدأت مصر في عام 2026 تجارب متقدمة لتوطين صناعة الرقائق الإلكترونية البسيطة بالشراكة مع خبرات صينية، مما يعكس رغبة القاهرة في التحول من “ممر للبيانات” إلى “صانع للحلول الرقمية” لخدمة السوقين الأفريقي والعربي.
كما يعكس التعاون التكنولوجي بين مصر وكل من الصين والولايات المتحدة طبيعة التوازن الاستراتيجي الذي تتبناه الدولة في إدارة علاقاتها الدولية، حيث تستفيد مصر من الاستثمارات المتنافسة لتعزيز التحول الرقمي. وتشير تقاريرUNCTAD إلى أن مصر تعد من أكبر الدول الأفريقية جذبًا للاستثمار الأجنبي في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وهو ما يعزز دورها كمركز إقليمي للخدمات الرقمي. كما أسهمت هذه الاستثمارات في تطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في مجالات مثل الحكومة الرقمية، والتعليم، والخدمات المالية، بما يدعم خطط التحول الاقتصادي. وبذلك تمثل مصر نموذجًا لدولة تسعى إلى توظيف التنافس التكنولوجي العالمي لتعزيز قدراتها الرقمية، مع الحفاظ على توازن استراتيجي بين الشركاء الدوليين والاستفادة من الفرص التنموية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي([59]).
شكل (2) مؤشرات التنافس الأميركي الصيني في الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط 2026

تخلص دراسة نماذج دراسات الحالة إلى أن دول المنطقة نجحت في تحويل “المخاطر الجيوسياسية” إلى “فرص اقتصادية” عبر تطبيق مفهوم “التعددية القطبية التكنولوجية”. فبينما توفر الإمارات المعايير والبرمجيات، وتوفر السعودية الطلب والبحث، توفر مصر الممر والربط، مما يخلق تكاملاً إقليمياً غير معلن يواجه تحديات الاستقطاب العالمي بكفاءة عالية.
خاتمة الدراسة
في ضوء التحليل الذي قدمته هذه الدراسة، يتضح أن التنافس الأميركي–الصيني في مجال الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد امتداد للتنافس التقليدي بين القوى الكبرى، بل أصبح أحد أبرز محددات إعادة تشكيل النظام الدولي المعاصر. فقد انتقل مركز الثقل في العلاقات الدولية تدريجيًا من السيطرة على الموارد والأسواق إلى السيطرة على المعرفة والتقنيات المتقدمة، بما يجعل الذكاء الاصطناعي عنصرًا تأسيسيًا في بنية القوة العالمية الجديدة، لا مجرد أداة داعمة لها. وقد أظهر التحليل أن هذا التنافس يتسم بطابع بنيوي متعدد الأبعاد، يمتد ليشمل البنية التحتية الرقمية، وسلاسل القيمة التكنولوجية، ومعايير الحوكمة الدولية، الأمر الذي يعكس تحولًا في طبيعة الصراع الدولي من صراع مادي تقليدي إلى صراع معياري–تقني مركب.
وفي هذا السياق، برزت منطقة الشرق الأوسط كساحة تفاعل مركزي بين الاستراتيجيتين الصينية والأميركية، ليس فقط بحكم موقعها الجيوسياسي، ولكن أيضًا بفعل تسارع وتيرة التحول الرقمي فيها واتساع نطاق تبنيها لتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وتشير نتائج الدراسة إلى أن دول المنطقة تتبنى في الغالب مقاربات تقوم على التوازن البراغماتي وتعدد الشراكات التكنولوجية، بما يتيح لها الاستفادة من عروض القوتين الكبريين دون الانخراط في اصطفافات حادة. إلا أن هذا النمط من الانفتاح المشروط يظل مصحوبًا بتحديات بنيوية تتعلق بالسيادة الرقمية، والاعتماد التكنولوجي، واحتمالات الانكشاف في بيئة دولية تتزايد فيها حدة الاستقطاب التكنولوجي.
وبناءً عليه، يمكن القول إن مستقبل الشرق الأوسط في ظل هذا التنافس لن يتحدد فقط بمدى قدرته على استيعاب التكنولوجيا، بل بقدرته على تحويلها إلى أداة لتعزيز الاستقلال الاستراتيجي وإعادة تعريف موقعه داخل النظام الدولي. ومن ثم، فإن الذكاء الاصطناعي لا يمثل مجرد مجال للتحديث الاقتصادي، بل أصبح ساحة مركزية لإعادة إنتاج القوة والنفوذ في القرن الحادي والعشرين، بما يفرض على الدول الفاعلة إعادة صياغة أدواتها الاستراتيجية بما يتناسب مع طبيعة هذا التحول البنيوي العميق.
وفي ضوء الإطار التحليلي الذي اعتمدته الدراسة، وما تضمنه من تناولٍ للتنافس الأميركي–الصيني في مجال الذكاء الاصطناعي من حيث أبعاده النظرية والاستراتيجية، وانعكاساته على منطقة الشرق الأوسط، يمكن عرض أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة على النحو الآتي:
1- أظهرت الدراسة أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية، بل أصبح عنصرًا بنيويًا في إعادة تشكيل موازين القوة العالمية. وقد أسهم هذا التحول في ترسيخ نمط جديد من التنافس الدولي يقوم على “القوة التكنولوجية” بوصفها امتدادًا للقوة الجيوسياسية، بما يعيد تعريف مفاهيم السيادة والأمن والنفوذ.
2- بيّنت الدراسة أن التنافس بين الولايات المتحدة والصين في مجال الذكاء الاصطناعي اتخذ طابعًا استراتيجيًا شاملًا، يتجاوز البعد الاقتصادي إلى السيطرة على سلاسل القيمة التكنولوجية العالمية، البنية التحتية الرقمية، ومعايير الحوكمة والتقنين التكنولوجي. وقد انعكس ذلك في انتقال التنافس إلى فضاءات غير تقليدية، أبرزها الفضاء الرقمي والبنية التحتية السحابية والبيانات الضخمة.
3- أ الصين وظّفت الذكاء الاصطناعي ضمن رؤية استراتيجية متكاملة، ترتكز على توسيع النفوذ التكنولوجي عبر مبادرة الحزام والطريق الرقمية، تصدير البنية التحتية الذكية إلى الدول النامية، وبناء شبكات اعتماد تكنولوجي طويلة الأمد. وقد أسهم ذلك في تعزيز حضورها في الشرق الأوسط باعتباره مجالًا حيويًا لتوسيع نفوذها الرقمي.
4- أن الولايات المتحدة تبنّت مقاربة متعددة الأدوات لاحتواء الصعود الصيني، تمثلت في فرض قيود على تصدير التقنيات المتقدمة، تعزيز التحالفات التكنولوجية مع القوى الإقليمية، والتأثير في معايير الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي. مما اتسمت هذه الاستراتيجية بالمرونة النسبية، مع تركيز على الحفاظ على التفوق في الابتكار والمعايير.
5- لم تعد منطقة الشرق الأوسط مجرد متلقٍ للتكنولوجيا، بل أصبحت ساحة تنافس نشط بين القوتين، حيث تسعى الدول الإقليمية إلى تعظيم الاستفادة من الطرفين من خلال تبنى استراتيجيات “التوازن التكنولوجي” بدل الاصطفاف، وتتزايد أهمية المنطقة في شبكات البيانات والبنية الرقمية العالمية. ويعكس ذلك نمطًا من “التعددية الاستراتيجية” في السياسات التكنولوجية لدول المنطقة.
6- أن التنافس الأميركي–الصيني أسهم في تسريع التحول الرقمي في المنطقة، من خلال سعى دول المنطقة إلى تطوير البنية التحتية للمدن الذكية، وتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكومية، مع تنامي الاستثمارات في مراكز البيانات والحوسبة السحابية. إلا أن هذا التطور ترافق مع تحديات تتعلق بالاعتماد التكنولوجي الخارجي.
7- على الرغم من مساهمة التنافس الصيني الأميركي في تسريع عملية التحول الرقمي في المنطقة، إلا أن أحد أهم تداعيات هذا التنافس يتمثل في تصاعد إشكاليات السيادة الرقمية وحوكمة البيانات، الأمن السيبراني وحماية البنى التحتية الحيوية، احتمالات الانقسام في المعايير التقنية والأنظمة الرقمية. مما يفرض على دول الشرق الأوسط إعادة صياغة مقارباتها للأمن القومي في بعده الرقمي.
8- أن النمط الغالب في علاقة دول الشرق الأوسط بالقوتين يتمثل في نموذج “الاعتماد المزدوج المرن”، حيث يتم الاستفادة من التكنولوجيا الأميركية في مجالات الابتكار المتقدم، والاستفادة من الصين في البنية التحتية والتوسع السريع، مع الحفاظ على هامش من الاستقلالية السياسية والاقتصادية قدر الإمكان.
[1] Ding, J. (2023). Technology and the rise of great powers: How diffusion shapes economic competition. Princeton University Press.
[2] Roberts, H., Cowls, J., Morley, J., Taddeo, M., Wang, V., & Floridi, L. (2021). The Chinese approach to artificial intelligence governance. Nature Machine Intelligence, 3(10), 1–8.
[3] Brookings Institution. (2023). The geopolitics of artificial intelligence and the Middle East. Brookings.
[4] Center for Strategic and International Studies. (2024). U.S.-China technology competition and regional implications. CSIS.
[5] Russell, S., & Norvig, P. (2021). Artificial intelligence: A modern approach (4th ed.). Hoboken, NJ: Pearson.
[6] Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD). (2019). OECD principles on artificial intelligence. Paris: OECD Publishing.
[7] Lee, K.-F. (2018).
[8] Manyika, J., Chui, M., Miremadi, M., Bughin, J., George, K., Willmott, P., & Dewhurst, M. (2017). Artificial intelligence: The next digital frontier? McKinsey Global Institute.
[9] McKinsey Global Institute. (2018). Notes from the AI frontier: Modeling the impact of AI on the world economy. McKinsey & Company.
[10] حسن، محمد عبد الله. (2022). الذكاء الاصطناعي وتحولات القوة في النظام الدولي. المجلة العربية للعلوم السياسية، 15(2)، 89–118.
[11] العريفي، خالد بن أحمد. (2021). التنافس الدولي في عصر التكنولوجيا الرقمية. الرياض: مكتبة الملك فهد الوطنية.
[12] Center for Strategic and International Studies (CSIS). (2024). U.S.-China technology competition and regional implications. Washington, DC: CSIS.
[13] Nye, J. S. (2011). The future of power. New York, NY: PublicAffairs.
[14] International Monetary Fund (IMF). (2024). Artificial intelligence and the future of work and productivity. Washington, DC: IMF.
[15] Brynjolfsson, E., & McAfee, A. (2014). The second machine age: Work, progress, and prosperity in a time of brilliant technologies. New York, NY: W. W. Norton & Company.
[16] Horowitz, M. C. (2018). Artificial intelligence, international competition, and the balance of power. Texas National Security Review, 1(3), 37–57.
[17] International Institute for Strategic Studies (IISS). (2023). The military balance 2023. London: Routledge.
[18] Farrell, H., & Newman, A. L. (2019). Weaponized interdependence: How global economic networks shape state coercion. International Security, 44(1), 42–79.
[19] World Economic Forum. (2023). The future of artificial intelligence governance. Geneva: World Economic Forum.
[20] Bremmer, I. (2021). The power of crisis: How three threats—and our response—will change the world. New York, NY: Simon & Schuster.
[21] Brookings Institution. (2023). The geopolitics of artificial intelligence. Washington, DC: Brookings Institution.
[22] Carnegie Endowment for International Peace. (2022). AI governance and geopolitics: Implications for global competition. Washington, DC: Carnegie Endowment for International Peace.
[23] Center for a New American Security (CNAS). (2024). U.S.-China technology competition and national security. Washington, DC: CNAS.
[24] European Union Institute for Security Studies (EUISS). (2023). Global technological competition and strategic autonomy. Paris: EUISS.
[25] Segal, A. (2021). The hacked world order: How nations fight, trade, maneuver, and manipulate in the digital age. PublicAffairs.
[26] State Council of the People’s Republic of China. (2017). New Generation Artificial Intelligence Development Plan. Beijing.
[27] Webster, G., Creemers, R., Kania, E., & Triolo, P. (Trans.). (2017). Full translation: China’s New Generation Artificial Intelligence Development Plan. Digi China, Stanford University.
[28] World Economic Forum. (2021). Shaping the future of digital economy and society: Global insights on China’s digital initiatives. Geneva: WEF.
[29] Brookings Institution. (2022). China’s digital and AI footprint in the Middle East. Washington, DC: Brookings Institution.
[30] Center for Strategic and International Studies (CSIS). (2021). U.S.-China technology competition: Policy responses and strategic priorities. Washington, DC: CSIS. https://www.csis.org
[31] Brookings Institution. (2022). Ob. Cit.
[32] Brookings Institution. (2022). Ob. Cit.
[33] Brookings Institution. (2022). Ob. Cit.
[34] Nasr, V. (2019). The geopolitics of the Middle East. Washington, DC: Atlantic Council.
[35] Carnegie Middle East Center. (2022). Digital transformation and AI adoption in the Middle East. Beirut: Carnegie Middle East Center.
[36] International Telecommunication Union (ITU). (2022). Measuring digital development: ICT Development Index. Geneva: ITU.
[37] United Nations Economic and Social Commission for Western Asia (ESCWA). (2022). Digital transformation in the Arab region:Opportunities and challenges. Beirut: ESCWA.
[38] Middle East Institute. (2021). Technology and innovation ecosystems in the Middle East. Washington, DC: Middle East Institute.
[39] Microsoft. (2025). Microsoft’s $15.2 billion investment in the UAE. Microsoft.
[40] Microsoft. (2026). Microsoft confirms Saudi Arabia datacenter region available for customers. Microsoft News
[41]Trust Finance Global Insights. (2026). Big Tech’s AI push in the Middle East amid tensions.
[42] PwC. (2025). Chinese companies see the Middle East as a magnet for growth. PricewaterhouseCoopers.
[43] مرفق جدول تفصيلي لحجم الاستثمارات الصينية – الأميركية في الشرق الأوسط
[44] PwC Middle East. (2023). AI and digital transformation in the Middle East
[45] International Data Corporation (IDC). (2024). Worldwide Artificial Intelligence Spending Guide.
[46] World Bank. (2023). Digital Development in the Middle East and North Africa.
[47] PwC. (2018). Sizing the Prize: What’s the Real Value of AI for the Middle East.
[48] OECD. (2022). Artificial Intelligence, Digital Economy and Global Governance.
[49] https://vision2030.ai/analysis/year-of-ai/
[50] https://sdaia.gov.sa/en/MediaCenter/Pages/ai-year.aspx
[51] https://sdaia.gov.sa/en/default.aspx
[52] https://kacst.gov.sa/ar/news-details/kacst-chip-design-initiatives
[53] https://u.ae/ar/about-the-uae/strategies-initiatives-and-awards/policies/Ai/The-UAEs-International-Stance-on-Artificial-Intelligence-Policy
[54] https://www.mofa.gov.ae/ar-ae/mediahub/news/2025/7/17/17-7-2025-uae-bhutan
[55] وكالة أنباء الإمارات، مايكروسوفت تستثمر 1.5 مليار دولار في G42 بأبوظبي لتسريع تطوير الذكاء الاصطناعي والتوسّع العالمي، 16 أبريلل 2024، الرابط: https://tinyurl.com/yc6zchdu
[56] https://dubaiaicampus.com/
[57] World Bank. (2023). Digital Development in the Middle East and North Africa.
[58] الهيئة المصرية العامة للاستعلامات، مصر الرقمية تحقق إنجازات نوعية بقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، 23 ديسمبر 2025، الرابط: https://tinyurl.com/bdfxmxpz
[59] الهيئة المصرية العامة للاستعلامات، مصر تتصدر إفريقيا في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة للعام الرابع على التوالي، 21 يوليو 2026، الرابط: https://tinyurl.com/4ydd3vrw




