أوراق و دراساتاقتصاديةسياسية

التموضع الجيوسياسي للعراق في مبادرة طريق الحرير الرقمي الصينية

د. مهند حميد عباس الراوي

أستاذ العلوم السياسية، تخصص الاستراتيجية، كلية العلوم السياسية، جامعة الموصل، العراق

الملخص

مع دخول مبادرة الحزام والطريق الصينية عقدها الثاني، برز مكونها الرقمي – طريق الحرير الرقمي – كقوة تحويلية في الشرق الأوسط. بالنسبة للعراق، الدولة الساعية لإعادة الإعمار بعد الصراع وتنويع اقتصادها بعيدًا عن النفط، يوفر طريق الحرير الرقمي فرصًا بالغة الأهمية في البنية التحتية لشبكات الجيل الخامس، والحكومة الإلكترونية، وتطوير المدن الذكية، إلا أن هذه الشراكة تضع العراق في قلب صراع جيوسياسي تكنولوجي بين واشنطن وبكين، إذ يبحث هذا البحث في الطبيعة المزدوجة لمشاركة العراق في طريق الحرير الرقمي، محللًا ما إذا كانت الاستثمارات الرقمية الصينية بمثابة حافز للتحديث السيادي أم آلية للتبعية التكنولوجية.

المقدمة:

تُعدّ مبادرة الحزام والطريق الطموحة إحدى الركائز الاستراتيجية الرئيسية لجهود الصين لتعزيز نفوذها العالمي. ويُمثّل طريق الحرير الرقمي بُعد الاتصال في هذه المبادرة. وتسعى الصين، من خلال تطوير ونشر الإنترنت والأقمار الصناعية والألياف الضوئية والكابلات البحرية وتقنية الجيل الخامس، إلى توسيع نطاق حضورها الرقمي ودعوة الدول الشريكة للانضمام إلى هذا النظام الرقمي، ويُحقق هذا المخطط فوائد اقتصادية للمشاركين، ولكنه يُثير أيضًا مخاوف جيوسياسية، لا سيما من الدول الغربية.

إذ حظيت مبادرة طريق الحرير الرقمي الصينية باهتمام واسع النطاق مؤخرًا نظرًا لدورها المطلبي في مبادرة الحزام والطريق الصينية الأوسع نطاقًا، وفي استراتيجية الفضاء الرقمي، التي تموّل وتدعم البنية التحتية للاتصالات الرقمية لدعم شركات التكنولوجيا الصينية وسلعها وخدماتها. وتشمل المبادرة توفير بنية تحتية مادية، مثل شبكات الهاتف المحمول، وبنية تحتية برمجية، مثل التطبيقات ومنصات الدفع عبر الهاتف المحمول، لتسهيل التجارة الصينية مع الدول النامية. كما يُمثّل طريق الحرير الرقمي حلقة وصل بين الدولة وشركات التكنولوجيا لترسيخ مكانة الصين كمورد رئيسي للسلع التكنولوجية.

وتحظى المبادرة بدعم البنوك السياسية، وتتلقى دعمًا سياسيًا من الحكومة لاختراق الأسواق الناشئة في أفريقيا وآسيا وأميرككا اللاتينية والسيطرة عليها. ويهدف ذلك إلى تعزيز المصالح التجارية والجيواقتصادية للصين، وخلق معايير وقواعد مواتية تُنظّم التكنولوجيا، وتنمية النفوذ السياسي لدى الحكومات الأجنبية، ودعم نمو الاقتصاد المحلي الصيني ومجمع الصناعات العسكرية، في مقابل ذلك يعاني الفضاء الرقمي العالمي حاليًا من انعدام الأمن وعدم الاستقرار على نطاق واسع نتيجة غياب المعايير والقواعد. ومع ذلك، ينقسم المجتمع الدولي حول ما إذا كانت مبادرة طريق الحرير الرقمي الصينية ستخفف من حدة معضلة انعدام الأمن السيبراني أم ستفاقمها، إذ تُعد الصين المنافس الرئيسي لطموحات الولايات المتحدة في الهيمنة

الأهمية:

يُعدّ العراق ركيزة جيوسياسية محورية، فبعد أن كان تاريخيًا محورًا للمصالح الأمنية الأميركية، بات اليوم ينجذب بشكل تدريجي إلى الصين مع توسع الصين في نفوذها في الشرق الأوسط، وتُسلّط دراسة موقع العراق في طريق الحرير الرقمي -الذراع التكنولوجي لمبادرة الحزام والطريق الصينية- الضوء على كيفية وقوع الدول النامية في صراع بين النفوذ الاستراتيجي الأميرككي وسعي الصين نحو نظام رقمي عالمي جديد يتمحور حول الدولة.

الأهداف:

ينطلقالهدف الرئيسي للبحث من خلال تقييم الدور الاستراتيجي للعراق ضمن مبادرة طريق الحرير الرقمي الصينية، ودراسة الفرص والتحديات الجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية المترتبة على التكامل الرقمي الصيني العراقي، فضلًا عن تحليل الفرص الاقتصادية والتكنولوجية، من خلال دراسة كيف يمكن لاستثمارات البنية التحتية الرقمية أن تُسهّل القفزة الرقمية للعراق، بما يُسهم في إعادة بناء البنية التحتية بعد النزاع، وتنويع الاقتصاد بعيدًا عن الاعتماد المفرط على صادرات النفط، وتحديث الخدمات العامة. وكذلك تقييم التحديات الجيوسياسية (التنافس الأميرككي الصيني)، وتحليل الاحتكاكات الدبلوماسية والأمنية التي يواجهها العراق نتيجة تبنيه لأنظمة الاتصالات الصينية، وتحديدًا فيما يتعلق بتأثير هذا التوافق التكنولوجي على الشراكة الأمنية القائمة بين العراق والولايات المتحدة.

الإشكالية:

تتمحور الإشكالية في هذا البحث حول الفجوة بين الإمكانات الجيوسياسية والاقتصادية للعراق في تبوّء موقع فاعل ضمن مبادرة طريق الحرير الرقمي الصينية، وبين واقع اندماجه المقيد والمتنازع عليه خلال الفترة 2015-2025، وتتشكل هذه الفجوة بفعل عوامل داخلية، كقصور الحوكمة وعدم الاستقرار الأمني، وعوامل خارجية، لا سيما التنافس بين القوى العظمى والآثار الاستراتيجية للاعتماد الرقمي، وبناءً على ذلك، تتناول الدراسة الفرص والتحديات المرتبطة بموقع العراق الجيوسياسي في مبادرة طريق الحرير الرقمي، ضمن حدوده الجغرافية وفي السياق الصيني الإقليمي والدولي الأوسع الذي يؤثر على هذا الموقع.

الفرضية:

على الرغم من أن انخراط العراق في مبادرة طريق الحرير الرقمي الصينية يوفر فرصًا للتنمية الرقمية والترابط الاقتصادي، إلا أنه يطرح أيضًا تحديات جيوسياسية وأمنية قد تقيد الاستقلال الاستراتيجي للعراق.

الحدود المكانية:

تقتصر الدراسة مكانيًا على العراق باعتباره الحالة الدراسية الرئيسية، مع مراعاة الصين والبيئة الجيوسياسية الإقليمية والدولية فقط في حدود تأثيرها على موقع العراق ضمن مبادرة طريق الحرير الرقمي.

الحدود الزمانية:

تتمثل الحدود الزمانية للبحث بين 2015-2025، لأن عام 2015 يمثل الإطلاق الرسمي لطريق الحرير الرقمي كجزء من مبادرة الحزام والطريق.

الكلمات المفتاحية: العراق، الصين، طريق الحرير الرقمي، الجغرافيا السياسية، البنية التحتية، الأمن السيبراني، التنويع الاقتصادي.

المطلب الأول: مفهوم وأبعاد مبادرة طريق الحرير الرقمي

أُقيم طريق الحرير المزدوج، البري والبحري، ليربط المناطق الصناعية بشرق الصين عبر آسيا الوسطى للوصول إلى الدول الأوروبية والمحيط الأطلسي، ويهدف إلى ربط الصين بأكثر من 70 دولة عبر شبكات النقل والاتصالات والتجارة، إذ تتضمن المبادرة مشاريع بناء وتشييد تشمل السكك الحديدية والموانئ والطرق وغيرها من البنى التحتية التجارية الحيوية، فمع هذا المشروع الجيوسياسي الضخم المتمثل في المسيرة إلى الغرب والمفترض أن يشهد ذروته عام 2049، ستسعى الصين من خلاله إلى تكييف مسار العولمة وإبعادها عن السيطرة الأنجلوسكسونية ووضعها تحت دائرة نفوذها الاقتصادي والسياسي والثقافي، إذ إن تحقيق ذلك يتطلب جهدًا هائلًا يتضمن التحكم في مساحة شاسعة من الموارد الطبيعية التي تشمل دول آسيا الوسطى وبحر قزوين وجنوب شرق آسيا وحتى الشرق الأوسط وأفريقيا، وهو الاحتياطي العالمي الحقيقي للطاقة([1]).

إذ عند إطلاق مبادرة الحزام والطريق عام 2003، كان لها شقان رئيسيان هما الطريق البري والبحري، إلا إنه خلال السنوات الماضية، تم إعلان عدة طرق جديدة تستهدف أبعادًا تنموية مختلفة بهدف تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة لدول الجوار، حيث تم إعلان طريق الحرير الرقمي عام 2015 بهدف تعزيز البنية التحتية الرقمية والتواصل التكنولوجي بين دول الجوار([2]). والذي يعزز الاتصال الرقمي باستخدام أحدث تقنيات الجيل الخامس (5G) عالية النطاق الترددي ومنخفضة زمن الاستجابة، سواءً عبر الهاتف المحمول أو الأقمار الصناعية، إذ تهيمن أربعة محاور على الخطاب الرسمي لمبادرة طريق الحرير الرقمي: الاتصال، والاقتصاد الرقمي، والتعاون الدولي، والجغرافيا السياسية للفضاء الإلكتروني([3]).

كما يشمل تطوير بناء كابلات الألياف الضوئية العابرة للحدود، وشبكات خطوط الاتصالات الرئيسية الأخرى، وتحسين الاتصالات الدولية، وإنشاء طريق حرير رقمي، فضلًا عن بناء شبكات كابلات الألياف الضوئية العابرة للحدود بوتيرة أسرع، والتخطيط لمشاريع كابلات الألياف الضوئية البحرية العابرة للقارات، وتحسين ممرات المعلومات الفضائية (عبر الأقمار الصناعية) لتوسيع نطاق تبادل المعلومات والتعاون([4]). مما يعني أنها استراتيجية سياسية رقمية تهدف إلى إعادة تشكيل الاتصال العالمي.

اُقترح هذا الطريق لأول مرة في تموز/ يوليو 2015، في اجتماع الصين والاتحاد الأوروبي، للتعاون الرقمي في بروكسل، وتضمن الاستثمارات، والتجارة الإلكترونية، والاتصالات، والتعاون العلمي، وكان الإعلان الفعلي عن هذا الطريق من قبل الرئيس الصيني (شي جين بينغ) في نيسان/ ابريل عام 2018، ضمن مبادرة الحزام والطريق، إذ أكد بأن الطريق سيساعد الدول في بناء بنية تحتية رقمية، وتطوير آمن للأنترنيت، وتعمل الصين في جعل منطقة شيآن عاصمة الإمبراطورية الصينية سابقًا محورًا لهذا الطريق([5]).

وتهدف هذه المبادرة (طريق الحرير الرقمي الصينية) والتي تضم اتفاقيات مع أكثر من 140 دولة حول العالم، إلى تعزيز علاقاتها ونفوذها العالميين عبر التكنولوجيا، فخلال العقد الذي تلي إطلاق هذه المبادرة، تصدّرت التكنولوجيا أولويات الأسواق الناشئة، والسياسة الداخلية والخارجية للصين، والمنافسة الأميركية الصينية. وقد أدى التحوّل الرقمي السريع، مدفوعًا بسياسات الأسواق الناشئة الساعية إلى تسخير إمكانات التكنولوجيا، إلى ارتفاع الطلب العالمي على البنية التحتية للاتصالات والخدمات المتطورة التي ستُشغّل العالم الحديث([6]).

إن دمج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات مع البنية التحتية ربما كان الوصفة الرابحة للصين، إذ مكّنها من الترويج لمعاييرها وشركاتها وشبكتها الرقمية الخاصة، ما منحها مزايا أسواق جديدة مضمونة لشركات التكنولوجيا الصينية، ومصادر غنية بالبيانات للتحليل، وأدوات للتأثير على النخب السياسية والاقتصادية الأجنبية([7]). بمعنى إن دمج البُعد الرقمي في مبادرة الحزام والطريق يساهم بسلاسة في تعزيز طموح الصين في تبوّء مكانة رائدة في قطاع التكنولوجيا.

أولا: البنية التحتية التكنولوجية الفائقة (الربط المادي الرقمي)

نجحت المبادرة في استقطاب شركات خاصة متعددة الجنسيات للمشاركة فيها. فعلى سبيل المثال، في أواخر عام 2017، أطلقت شركة INSPUR Group الصينية المتخصصة في الخوادم، وهي الكيان التجاري الوحيد المُمثَّل في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، بالتعاون مع شركات تقنية أخرى مثل IBM وسيسكو وإريكسون، التحالف الاستراتيجي للاقتصاد الرقمي لمبادرة الحزام والطريق في شاندونغ، بدعم من بنوك سياسات مثل بنك التصدير والاستيراد وبنك التنمية الصيني. واقترح التحالف دمج التقنيات الرقمية في مشاريع مبادرة الحزام والطريق في جنوب آسيا وأفريقيا أولًا، ثم توسيع نطاقها لاحقًا لتشمل دولًا أخرى ضمن المبادرة. حظيت مبادرة الحزام والطريق باهتمام كبير خلال منتدى الحزام والطريق الثاني عام 2019، حيث استضافت الصين منتدىً فرعيًا خاصًا بها.

وخلال المنتدى، أكد شي جين بينغ على ضرورة مواكبة الصين لتطورات الثورة الصناعية الرابعة، وبناء “طريق الحرير الرقمي وطريق الحرير للابتكار”. وفي عام 2020، نظمت الصين المؤتمر العالمي السابع للإنترنت لعرض التفوق التكنولوجي لشركات صينية كبرى مثل علي بابا، وتينسنت، وهواوي، وبايدو، وغيرها، مُبرزةً قدرتها على تطوير وتوريد المنتجات التكنولوجية.

وإلى جانب تصدير منتجات الاقتصاد الرقمي، كالبنية التحتية للاتصالات الخلوية وكابلات الإنترنت البحرية، فتحت مبادرة الحزام والطريق آفاقًا واسعة للتبادل والتعاون الدولي في مجال الاقتصاد الرقمي. فعلى سبيل المثال، تُسهّل خطة التعاون العلمي والتكنولوجي والابتكاري لمبادرة الحزام والطريق، التي أُطلقت عام 2017، التعاون في مشاريع مثل المختبرات المشتركة، ونقل التكنولوجيا، والتبادلات الشعبية. بحلول عام 2021، أقامت الصين تعاونًا علميًا وتقنيًا مع 84 دولة من دول مبادرة الحزام والطريق، واستثمرت 2.99 مليار يوان صيني، وأنشأت 1118 مشروعًا بحثيًا مشتركًا، وأسست 53 مختبرًا مشتركًا.

وقد اكتسبت مبادرة الصين للاستجابة الرقمية أهمية بالغة في أعقاب تفشي جائحة كوفيد-19، التي ضاعفت الطلب على بنية تحتية رقمية منخفضة التكلفة. ويستمر زخم مبادرات الاتصال الرقمي في النمو مدفوعًا بالطلب على التقنيات الرقمية القادرة على الاندماج في جميع جوانب الاقتصاد في الأسواق الناشئة في آسيا وأفريقيا وأميرككا اللاتينية([8]).

وإذ كان أحد أسباب تحول التركيز من بناء البنية التحتية المادية للاتصالات والطاقة في السنوات الأولى لمبادرة الحزام والطريق إلى المشاريع الرقمية، هو أن الاقتصاد الصيني نفسه كان يشهد تحولًا رقميًا سريعًا، فقد وفر تصدير التقنيات الرقمية إلى دول مبادرة الحزام والطريق خيارًا بديلًا وأقل كثافة رأسمالية لتلبية حاجة راهنة في البنية التحتية، حيث كانت العديد من دول المبادرة تعاني من فجوة رقمية مع الدول المتقدمة، ولم تكن قادرة على الاستفادة من توسع الاقتصاد الرقمي العالمي، فخلال العقدين الماضيين، شهد الاقتصاد الصيني تحولًا رقميًا متسارعًا مدفوعًا برواد الأعمال في القطاع الخاص، فضلًا عن الدعم الحكومي لتوسيع نطاق الاتصالات المتقدمة، وقد أُدرجت ترقية القطاعات الاستراتيجية والرائدة في البنية التحتية الرقمية، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، في الخطة الخمسية الرابعة عشرة للصين لتعبئة مختلف الجهات الفاعلة الاقتصادية وما يصاحبها من أدوات جديدة لسياسة الابتكار. وبالتالي، فإن القدرات الابتكارية الصينية الناشئة المدعومة بالبرامج الحكومية والبحث والتطوير المحلي تؤكد طموح القادة الصينيين في تحويل الصين إلى قوة تكنولوجية عالمية([9]).

ثانيًا: تصدير المعايير التقنية وأنظمة الملاحة (السيادة الرقمية)

لا تقتصر مبادرة طريق الحرير الرقمي على كونها مبادرة حكومية فحسب، بل هي مدفوعة إلى حد كبير من قبل شركات صينية خاصة تستخدم شعار طريق الحرير الرقمي لضمان دعم سياسي لتوسيع عملياتها التجارية دوليًا. ولا تقتصر هذه الشركات على توفير البنية التحتية فحسب، بل تتعداها إلى وضع معايير تكنولوجية عالمية، لا سيما في مجالات مثل الاتصالات والذكاء الاصطناعي وتطوير المدن الذكية[10].

عملت الصين ضمن إطار مبادرة طريق الحرير الرقمي على وضع معايير تكنولوجية عالمية، ويتجلى ذلك في النقاط الرئيسية لعمل التقييس الوطني الصادرة عام 2020، والتي شجعت على وضع المعايير في التصنيع المتقدم وتقنيات الجيل القادم، وحثت على المشاركة في منظمات التقييس الدولية، وروّجت للمعايير الصينية عبر قنوات مبادرة الحزام والطريق، وقد حدد المخطط العام لتطوير التقييس الوطني، الصادر عن مجلس الدولة عام 2021، مؤشرات محددة لتحسين مستويات التقييس في الصين، وأكد على تعزيز التبادل والتعاون عبر المنتديات متعددة الأطراف ومنظمات التقييس([11]).

ومن أبرز تلك المعايير هي تعزيز الأبحاث في المجالات التكنولوجية الرئيسية وإجراء أبحاث التقييس في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، والمعلومات الكمومية، والتكنولوجيا الحيوية، وفي المجالات التكنولوجية ذات آفاق التطبيق الواسعة، مثل تكامل المعلوماتية والتصنيع، وتكنولوجيا المعلومات من الجيل التالي، والبيانات الضخمة، وتقنية سلسلة الكتل (البلوك تشين)، حيث يتم في آن واحد نشر البحث والتطوير التكنولوجي، ووضع المعايير، والترويج الصناعي لتسريع تصنيع التقنيات الجديدة، إضافة إلى البحث وصياغة معايير تكنولوجية رئيسية في مجالات مثل السفن الذكية، والسكك الحديدية فائقة السرعة، ومركبات الطاقة الجديدة، والمركبات المتصلة الذكية، والروبوتات لتعزيز التحول الصناعي، فضلًا عن صياغة وتحسين المعايير المتعلقة بالسلامة في مجالات مثل البحوث الطبية الحيوية، والتكاثر الجزيئي، والقيادة الذاتية في الوقت المناسب لتعزيز مستوى إدارة مخاطر السلامة في هذه المجالات التكنولوجية([12]).

ثالثًا: تعزيز الاقتصاد الرقمي والشمول المالي (طريق الحرير المالي الرقمي)

يُعيد التقاء الذكاء الاصطناعي وطريق الحرير الرقمي تشكيل المشهد الاقتصادي العالمي، فبينما سهّل طريق الحرير تاريخيًا انتشار الأفكار والسلع والابتكارات عبر أوراسيا، فإنه اليوم يُشكّل أيضًا قناةً لانتشار التقنيات الرقمية المتطورة، إذ حفّز انتشار الذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي، وإنترنت الأشياء، والبيانات الضخمة، تحولًا جذريًا في اقتصادات الدول الواقعة على طول طريق الحرير الرقمي، مما أدى إلى ظهور نماذج أعمال جديدة، وإعادة تشكيل الصناعات، وفتح آفاق جديدة للنمو والابتكار([13]).

وتُعيد هذه المبادرات تشكيل المشهد الاقتصادي، وتدفع عجلة الابتكار، وتخلق فرصًا للنمو المستدام. ومن خلال الجمع بين التقدم التكنولوجي الصيني والروح الريادية الديناميكية لدول مبادرة الحزام والطريق، يُتوقع أن يصبح طريق الحرير الرقمي قوةً رئيسيةً في الاقتصاد العالمي، مُعيدًا تعريف كيفية إدارة الأعمال وكيفية تفاعل الاقتصادات في العصر الرقمي([14]).

ويلعب طريق الحرير الرقمي دورًا محوريًا في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي والتعاون الاقتصادي، لا سيما في الدول النامية. إذ يدور النقاش حول تداعيات استراتيجية الفضاء الرقمي حول سؤال واحد: هل هي في المقام الأول مشروع تجاري أم مشروع سياسي استراتيجي، أم مزيج من الاثنين؟

من الصعب، الإجابة على هذا السؤال دون فهم مشترك لما تنطوي عليه استراتيجية الفضاء الرقمي، علاوة على ذلك، يحدث التغير التكنولوجي بوتيرة سريعة، وقد يختلف تصورنا لما تتضمنه استراتيجية الفضاء الرقمي بعد عام عما نفهمه اليوم، لكن يبدو أن التعريف المحدود لاستراتيجية دعم القرار (الذي يشمل تقنيات محددة، ودرجات تدخل حكومي، وأنواع الدعم المالي) والفهم الأوسع والأشمل لها يُكملان بعضهما بعضًا، إذ من الأفضل فهم استراتيجية التنمية الرقمية على أنها جهد تسويقي شامل وسردية للصين للترويج لرؤيتها العالمية عبر مجموعة من قطاعات التكنولوجيا الأساسية المحددة، بدلًا من كونها مشروعًا أو مبادرة يتم توجيهها أو تنفيذها مركزيًا من قبل الوزارات في الصين، أو كمفهوم استراتيجية التنمية الرقمية الذي يتم فيه تجميع جميع العمليات التجارية المتعلقة بالاقتصاد الرقمي تحت مظلتها([15]).

المطلب الثاني: الأهمية الاستراتيجية للعراق رقميًا

تنطلق الأهمية الاستراتيجية للعراق في مبادرة طريق الحرير الرقمي من المصالح الاستثمارية للصين في العراق، حيث تستثمر الصين بكثافة في الشرق الأوسط لأغراض أمن الطاقة والتجارة، فبالنسبة لها (الصين)، يُعدّ الاعتماد كليًا على مسارات الكابلات البحرية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة أو نقاط الاختناق البحرية الحساسة مخاطرة استراتيجية، فمن خلال دمج العراق في مبادرة الدفاع الاستراتيجي، تستطيع الصين المساعدة في بناء (وربما ممارسة نفوذ على) شبكة رقمية محلية تتمحور حول أوراسيا، تربط منظومتها التقنية مباشرةً بالأسواق الأوروبية والشرق أوسطية، متجاوزةً بذلك المراكز التي تسيطر عليها الدول الغربية.

إذ يتطور دور العراق كممر بري رقمي بسرعة من مجرد فكرة “قناة جافة” إلى واقع بمليارات الدولارات، وتتمثل قيمته الأساسية في توفير بديل بري لطريق البحر الأحمر تحت سطح البحر، الذي ينقل حاليًا ما يقرب من 80% من حركة البيانات بين آسيا وأوروبا([16]).

إذ يمثل هذا الطريق البحري التقليدي نقطة اختناق جغرافية هائلة، وهو عرضة للازدحام البحري، وانقطاع الكابلات العرضي (على سبيل المثال، بسبب مراسي السفن)، وعدم الاستقرار الجيوسياسي (مثل هجمات الحوثيين في البحر الأحمر)، لذا يُقدّم العراق بديلًا بريًا مربحًا للغاية، فمن خلال إنزال كابلات بحرية من الخليج العربي عند شبه جزيرة الفاو في جنوب العراق، يمكن توجيه البيانات برًا عبر العراق الاتحادي وإقليم كردستان مباشرة إلى تركيا، ومن هناك إلى أوروبا[17].

أولًا: العراق كممر بري للبيانات بين الخليج وتركيا وأوروبا

يبرز العراق كواحد من أهم أسواق البنية التحتية الرقمية ذات الأهمية الاستراتيجية في الشرق الأوسط، مع زخم متزايد وراء نشر الألياف الضوئية، والاستثمار في البنية التحتية الأساسية، وتطوير مراكز البيانات في مراحلها المبكرة. إذ وعلى الرغم من أن موقع العراق الجغرافي يجعله مركزًا طبيعيًا لعبور البيانات، فإن ذلك مرتبط بشكل كبير بمراكز البيانات المتعلقة بفكرة الطلب قبل التوسع الهائل، بمعنى ضرورة أن يكون الاستثمار في مراكز البيانات واسعة النطاق مدفوعًا بالطلب.

فالنماذج الأكثر نجاحًا تبدأ على نطاق صغير، وتخدم الشركات المحلية والبنوك والجهات الحكومية، وبمجرد إثبات هذا الطلب، تتبعها الشركات العالمية، فضلًا عن التركيبة السكانية للعراق التي تعد ميزة رئيسية، خاصةً وأن عدد سكان العراق يبلغ حوالي 45 مليون نسمة، بمتوسط ​​عمر صغير، مما يدفع إلى تبني رقمي سريع. وبالإضافة إلى التحول الرقمي الحكومي المستمر، بدءًا من إصلاح القطاع المصرفي وصولًا إلى الهوية الرقمية، يخلق هذا قاعدة متنامية لخدمات مراكز البيانات([18]).

كما تكمن أهمية العراق لهذا المشروع في انخفاض زمن الاستجابة، إذ يُعدّ المسار البري عبر العراق أقصر فعليًا من المسار البحري حول شبه الجزيرة العربية وصولًا إلى البحر الأحمر، ففي عصر الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والتداول المالي عالي التردد، يُشكّل تقليص زمن نقل البيانات (أقل من 100 مللي ثانية) ميزة تنافسية هائلة، فضلًا عن ميزة تعدد المسارات، إذ تتطلب شركات التكنولوجيا العملاقة (مزودو خدمات الحوسبة السحابية الضخمة) مسارات متعددة لضمان استمرارية خدمة الإنترنت في حال تعطل أحد الكابلات.

ويُمثل العراق واحدًا من الأهداف الاستراتيجية الجوهرية بالنسبة للصين، والتي تتحرك باتجاهه من محاور عدة، ولعل التركيز على الجانب الاقتصادي كان السمة الغالبة لهذا التحرك، فأمن الطاقة من حيث المصادر وطرق الإمداد كان وما يزال المحرك الرئيس لاتجاهات الاستراتيجية الصينية تجاه العراق، ولهذا، فإنها تدرك تمامًا صعوبة أن تتخلى أو أن تكون بعيدة عن النفط العراقي، في ظل اتجاهات دول المنطقة الغنية بالنفط على الصعيد المستقبلي نحو التكيف مع المطالب الأميركية عندما تستدعي الظروف ذلك، لذلك احتل العراق الترتيب الثالث في قائمة مصدري النفط للصين بعد روسيا والمملكة العربية السعودية، فقد بلغت قيمة واردات الصين من النفط الخام العراقي (35.21) مليار دولار خلال عام 2023([19]).

كما تتداخل مبادرة طريق الحرير الرقمي الصينية مع مشروع طريق التنمية بشكل كبير، إذ بدت الصين من أكثر الدول غير العربية اهتماما بمشروع طريق التنمية، كونه يمثل امتداد لمشروع مبادرة الحزام والطريق، فضلًا عن أنه يُسهل ويُسرع عملية تصدير البضائع والسلع الصينية باتجاه أوروبا، إذ حرص السفير الصيني في العراق على زيارة رئيس الوزراء العراقي بعد الإعلان الرسمي عن هذا المشروع، ليبدي اهتمام الصين بدراسة الفرص الاستثمارية واستعداد الصين الكامل لتقديم المشورة للعراق بهذا المجال، وبعد سلسلة من الاجتماعات بين الصين والعراق تقرر إمكانية تطوير آلية عُرفت بـــــ (النفط مقابل البنية التحتية)، والتي تقوم على مبدأ السماح لاستثمارات الشركات الصينية في البنية التحتية للمشروع مقابل حصولها على النفط من العراق([20]).

المطلب الثالث: الفرص والمكاسب المتوقعة للعراق

يرى السفير الصيني في العراق (تسوي وي) أن السنوات العشر بين 2015 و2025 شهدت تكثيفًا متزايدًا للتبادلات الاقتصادية والتجارية بين البلدين، وإنجازات مثمرة للتعاون في بناء (الحزام والطريق)، حيث وقع البلدان في عام 2015 وثائق التعاون بشأن بناء (الحزام والطريق) وأقاما علاقات الشراكة الإستراتيجية بينهما، ووقعا عام 2019 الاتفاقية الإطارية، كما وافق مجلس إدارة البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية عام 2021 على طلب العراق بالانضمام إلى البنك، وبناءً على ذلك بلغ حجم التبادل التجاري بين العراق والصين في عام 2021 (37.3) مليار دولار بزيادة قدرها (23.4%) على أساس سنوي، ليجعل العراق يحتل المرتبة الثالثة في دول منطقة غربي آسيا وشمال إفريقيا، والعراق ثالث أكبر مصدر أجنبي للنفط الخام للصين، كما أن الشركات الصينية تشارك بنشاط في مشاريع حقول النفط ومحطات الكهرباء والمطارات ومحطات معالجة المياه والمدارس، بما ساهم مساهمة إيجابية في إعادة الإعمار في العراق([21]).

وعليه، إذا نجح العراق في ترسيخ مكانته كمركز رقمي محوري، فستكون الفوائد هائلة، فمن خلال التنويع الاقتصادي ستوفر رسوم نقل البيانات من شركات الاتصالات الدولية للعراق مصدرًا ضخمًا للدخل غير النفطي، إذ يساعد ربط العراق في مبادرة طريق الحرير الرقمي الى ازدهار التكنولوجيا المحلية، إذ يُسهم تحوّل العراق إلى مركز عبور في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ومراكز البيانات المتطورة، وتحسين الوصول إلى الإنترنت محليًا، مما يمهد الطريق لاقتصاد رقمي مزدهر واستعداد قوي للذكاء الاصطناعي([22]).

ويقف سوق الاتصالات في العراق على أعتاب نقطة تحول حاسمة، من شأنها أن تجعله مركزًا دوليًا رئيسيًا للعبور في المستقبل القريب، شريطة إزالة العقبات التنظيمية المتبقية، وذلك من خلال من مشروع “طريق الحرير” للألياف الضوئية، التابع iQ Networks. إذ يتضمن هذا المشروع إنشاء مسار ثانوي عبر البلاد، مما يوفر مرونة وتكرارًا للشبكة التي يبلغ طولها 3500 كيلومتر والتي تم إطلاقها سابقًا في عام 2023. وبالنظر إلى البنية التحتية القائمة والمخطط لها في البلاد، فأن سرعة وجودة الاتصالات في العراق ستتماشى بسرعة مع مثيلاتها في الدول المتقدمة رقميًا بمجرد رفع القيود([23]).

حيث يسعى العراق إلى ترسيخ مكانته كمركز عبور لحركة الإنترنت العالمية، وذلك من خلال كابلات بحرية جديدة مصممة لربط البيانات بين جنوب شرق آسيا وأوروبا عبر الخليج، خاصة وأن هذه المشاريع تعد سيادية وستعزز دور العراق في المنطقة، ويمكنها جذب الشركات العالمية لإنشاء مراكز بيانات، مما يدعم السيادة والأمن الرقمي، وتربط أنظمة قائمة، مثل فالكون وجي بي آي، الهند وجنوب شرق آسيا بأوروبا عبر الخليج، إذ يسعى العراق إلى تطوير هذه الشبكة لوضع العراق في قلب تدفق البيانات الإقليمي([24]).

وأكبر هذه المشاريع هو مشروع “طوافريكا”، وهو خط بطول 45 ألف كيلومتر يُوصف بأنه أطول كابل بحري في العالم، سيمتد من أوروبا على طول ساحل أفريقيا الأطلسي، مرورًا بالقرن الأفريقي وصولًا إلى جنوب شرق آسيا، مع فرع يمتد إلى العراق، كما تشمل المشاريع الأخرى نظام “الألياف في الخليج” الذي تم توقيعه مع شركة “أوريدو” في مارس، وكابل “شمال الخليج” فائق السرعة، ومشروع “وورلد لينك” لربط مراكز البيانات، وتهدف هذه المشاريع مجتمعةً إلى توسيع السعة وتقليل تأخيرات الاتصال المزمنة، إذ ستكون محطات الإنزال في ميناء الفاو بمثابة نقطة ارتكاز لهذه المشاريع، مما يسمح بنقل البيانات عبر شبكة الاتصالات الوطنية العراقية وصولًا إلى أوروبا، فضلًا عن أن هذه الخطة ستُقلل زمن الاستجابة وتعزز موثوقية خدمات شركات الاتصالات الدولية([25]).

المطلب الرابع: التحديات والمخاطر  – التنافس الأميركي-الصيني أنموذجًا

بالرغم من أن العراق والولايات المتحدة الأميركية هما حاليًا حليفتان متفقتان على عدد من القضايا مثل مكافحة الإرهاب والحاجة لإعادة إعمار العراق، لكن هناك خلافات بين بغداد وواشنطن على عدد من القضايا مثل العلاقات المتدهورة مع حكومة إقليم كردستان، وتقارب طهران مع بغداد، وإذا أدى هذا التوتر إلى تدهور الروابط الدبلوماسية بين العراق والولايات المتحدة، فلا يوجد ضمانة بأن الصين ستكون حليفًا يُعتمد عليه، لذلك على الحكومة العراقية أن تعي أنه مع أن العلاقات الاقتصادية المعمقة مع الصين لا تعد بمنح أي مكاسب عظمى، فيجب على بغداد أن تحافظ على ثقل ما يمكن أن تتوقعه من الصين([26]).

إذ يمثل التنافس بين الولايات المتحدة والصين على طريق الحرير الرقمي تحولًا حاسمًا في الجغرافيا السياسية الحديثة، فقد تجاوز هذا التنافس النزاعات العسكرية أو الإقليمية التقليدية ليصبح صراعًا على الهيمنة التكنولوجية العالمية([27]).

فمع استمرار توسع نطاق الأمن الرقمي، ضمن مبادرة طريق الحرير الرقمي الصينية، أصبح هذا النطاق نقطة خلاف في المشهد الجيوسياسي الأوسع، وقد تفاقمت التوترات بين الولايات المتحدة والصين بشأن الهيمنة التكنولوجية نتيجةً لتزايد المخاوف في الغرب حيال المخاطر الأمنية المرتبطة بالتقنيات الصينية، إذ تنظر الولايات المتحدة إلى هذه المبادرة ليس فقط كمنافسة اقتصادية، بل كتهديد منهجي للنظام الدولي الليبرالي والأمن العالمي، لهذا قادت الحكومة الأميركية حملة عالمية لمنع الشركات الصينية من المشاركة في البنية التحتية لشبكات الجيل الخامس في الدول الحليفة، خشية أن تُسهّل هذه الشركات التجسس أو تُشكّل تهديدات للأمن القومي، ويُعدّ هذا النهج (القومي التكنولوجي) جزءًا من جهد أوسع للحدّ من نفوذ الصين على المعايير التكنولوجية العالمية، وضمان احتفاظ الدول الغربية بالسيطرة على البنية التحتية الرقمية الحيوية([28]).

من جهة أخرى، فإن ذلك يدخل ضمن ما يُعرف بأمن البيانات وبنية حصان طروادة، إذ يتمحور القلق الأميرككي الأبرز حول التجسس، حيث أن قانون الاستخبارات الوطنية الصيني لعام 2017 يُلزم المنظمات الصينية قانونًا بالمساعدة في أعمال الاستخبارات الحكومية، وتزعم الولايات المتحدة أن بنية مبادرة طريق الحرير الرقمي الصينية – مثل تقنيات الموانئ الذكية والمدن الذكية- تمنح الصين القدرة على جمع كميات هائلة من البيانات واعتراض الاتصالات العالمية في الوقت الفعلي[29].

كما أن ذلك له علاقة بتصدير الاستبداد الرقمي، إذ ترى الولايات المتحدة أن مبادرة طريق الحرير الرقمي الصينية تعزز (السيادة السيبرانية) على حساب الإنترنت المفتوح، إذ أن الصين تصدّر نموذجًا للحوكمة الرقمية يستخدم الذكاء الاصطناعي وتقنية التعرف على الوجوه لأغراض المراقبة، وهذا يمنح الأنظمة الاستبدادية والأنظمة الديمقراطية المتراجعة الأدوات اللازمة للسيطرة على شعوبها، مما يقوض بشكل جذري المعايير الديمقراطية([30]).

فضلًا عن الاندماج العسكري المدني، إذ نظرًا لأن التقنيات الأساسية مثل الجيل الخامس والحوسبة الكمومية والذكاء الاصطناعي لها تطبيقات مزدوجة الاستخدام (مدنية وعسكرية)، فإن الولايات المتحدة تنظر إلى الهيمنة الصينية في الشبكات الرقمية العالمية على أنها تهديد مباشر للتفوق العسكري والاستراتيجي التاريخي لأميركا.

خاتمة

يحتل العراق موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، ولكنه في الوقت نفسه شديد الخطورة، ضمن مبادرة الحزام والطريق الصينية، إذ يُعدّ العراق نموذجًا مصغرًا للمعضلة الجيوسياسية الأوسع نطاقًا التي تواجه دول الجنوب العالمي من خلال الموازنة بين جاذبية التنمية التي لا جدال فيها، والمتمثلة في التكامل التكنولوجي الصيني السريع والميسور التكلفة، وبين المخاطر الاستراتيجية المترتبة على إبعاد الشركاء الأمنيين الغربيين.

إذ تطور موقع العراق في إطار مبادرة الحزام والطريق ليتجاوز مجرد تطوير البنية التحتية لأغراض المعاملات، إذ بات يُرسخ نفوذ بكين بشكل هيكلي في مسار العراق الرقمي والاقتصادي طويل الأمد، وبينما تُوفر مبادرة الحزام والطريق للعراق شريان حياة حيويًا لتحديث اقتصاده وتلبية متطلبات سكانه، فإنها في الوقت نفسه تُحوّل البلاد إلى بؤرة توتر جيوسياسي، فبدون استراتيجية مدروسة لإدارة الاعتماد على التكنولوجيا، يُخاطر العراق باستبدال عجزه في البنية التحتية بالتبعية الرقمية، مما يُعقّد سيادته في عصر التنافس التكنولوجي المهيمن.

وفي إطار هذه الاعتبارات انتهى الباحث إلى عدد من من الاستنتاجات:

(1) يوفر برنامج دعم الابتكار الرقمي الصيني للعراق رأس مال متاح وحلول متكاملة لتجاوز المراحل التكنولوجية التقليدية، إذ تساهم الشراكات بين مزودي الخدمات المحليين (مثل آسيا سيل) والشركات الصينية العملاقة (مثل هواوي وتشاينا موبايل إنترناشونال) في تسريع نشر شبكات الجيل الخامس، وخدمات الحوسبة السحابية للمؤسسات، والاتصالات المتكاملة مع الذكاء الاصطناعي.

(2) على عكس الاستثمارات الغربية التي غالبًا ما تتطلب إصلاحات مؤسسية صارمة، أو إصلاحات تتعلق بالشفافية، أو إصلاحات في مجال حقوق الإنسان، تعمل مبادرة طريق الحرير الرقمي الصينية وفق نموذج (البنية التحتية غير المشروطة، وهذا يسمح للحكومة العراقية بتلبية الاحتياجات المحلية للاتصال والبنية التحتية الذكية بسرعة ودون شروط سياسية.

(3) يسعى العراق بنشاط إلى التحول نحو اقتصاد قائم على المعرفة، ويتجلى ذلك في استراتيجياته الوطنية الأخيرة للذكاء الاصطناعي وإنشاء أقسام أكاديمية متخصصة في هذا المجال في بغداد والموصل، ويوفر الاستثمار الصيني البنية التحتية للأجهزة ومراكز البيانات اللازمة لتحقيق هذه الطموحات الرقمية.

(4) تحدى التنافس الأميركي الصيني حيث يجد العراق نفسه في موقف دقيق يتطلب موازنة دقيقة، فبينما تبقى الولايات المتحدة الشريك الأمني ​​والمؤسسي الرئيسي لبغداد، تهيمن الصين فعليًا على بنيتها التحتية للاتصالات والتقنية الرقمية، ويؤدي تعميق العلاقات في إطار مبادرة طريق الحرير الرقمي الصينية إلى احتكاك حاد مع واشنطن، التي تنظر إلى هيمنة الصين على قطاع الاتصالات كتهديد للتجسس والأمن السيبراني للتعاون العسكري والاستخباراتي بين الولايات المتحدة والعراق.

(5) تحدي التبعية: فمن خلال تبني البنية التقنية الصينية بشكل كامل – بدءًا من الكابلات البحرية وصولًا إلى التقنيات الاستهلاكية وأطر المدن الذكية – يُخاطر العراق بالوقوع في تبعية طويلة الأمد، إذ أن هذه التبعية تُضعف قدرة بغداد التفاوضية مستقبلًا، وتجعل التحول إلى معايير تقنية عالمية بديلة أمرًا بالغ الصعوبة من الناحيتين المالية والتقنية.

(6) سيادة البيانات والضعف المؤسسي: لا تزال الأطر التنظيمية المحلية للأمن السيبراني وحماية البيانات في العراق هشة، وهو ما تجلى بوضوح في عمليات تسريب البيانات واسعة النطاق الأخيرة، ويثير الاندماج العميق مع شركات التكنولوجيا الصينية المرتبطة بالدولة مخاوف بشأن سيادة البيانات والمراقبة وديناميكيات القوة غير المتكافئة بين بغداد وبكين.

التوصيات

بالنسبة لصناع السياسات وأصحاب المصلحة العراقيين، يتطلب التعامل مع هذا المشهد الانتقال من الاستهلاك السلبي للتكنولوجيا الأجنبية إلى الإدارة الفعالة والاستراتيجية:

(1) تبني استراتيجية التحوط الرقمي: يجب على العراق تنويع محفظة بنيته التحتية الرقمية بشكل فعّال لتجنب الاعتماد الكلي على الشركات الصينية، ينبغي لصناع السياسات تحفيز عروض الشركات التقنية الأوروبية والكورية الجنوبية والأميركية، باستخدام صناديق الثروة السيادية المحلية أو صناديق التوطين لجذب قاعدة أوسع من الاستثمار الأجنبي المباشر.

(2) تشريع أطر قوية لسيادة البيانات: قبل الانخراط بشكل أعمق في مبادرات سيادة البيانات، مثل المدن الذكية أو الحوسبة السحابية المركزية، يجب على العراق بشكل عاجل سنّ قوانين شاملة لتوطين البيانات والأمن السيبراني وتطبيقها، وهذا يضمن حماية بيانات المواطنين العراقيين وبيانات الدولة ضمن نطاق الولاية القضائية الوطنية، بغض النظر عن مزود البنية التحتية.

(3) نقل التكنولوجيا وتنمية رأس المال البشري: ينبغي للعراق استغلال نفوذه التفاوضي القائم على (النفط مقابل البنية التحتية) للمطالبة بأكثر من مجرد نشر المعدات، إذ يجب أن تتضمن عقود دعم البنية التحتية المستقبلية بنودًا ملزمة لنقل المعرفة الحقيقية، ودمج البحث والتطوير، وتدريب القوى العاملة العراقية المحلية في مجال الذكاء الاصطناعي وإدارة الشبكات لبناء القدرات المحلية.

(4) إنشاء فريق عمل معني بالمخاطر الجيوسياسية: إنشاء هيئة وزارية مشتركة – تضم وزارة الاتصالات ووزارة الدفاع ووزارة الخارجية – لتقييم التداعيات الدبلوماسية والأمنية لعقود البنية التحتية الرقمية الرئيسية، إذ يضمن هذا الإجراء ألا تؤدي ترقيات أنظمة الاستجابة الرقمية للطوارئ، عن غير قصد، إلى تراجع في مستوى الأمن أو توتر العلاقات مع الولايات المتحدة وشركاء استراتيجيين آخرين.


[1] محمد أحمد موسى، القدرات الصينية في النظام الدولي: الطريق نحو الهيمنة، مجلة السياسة الدولية، العدد (233)، (القاهرة: مؤسسة الأهرام، 2023)، ص72.

[2] إيمان فخري، مبادرة الحزام والطريق: عقد من الفرص والتحديات، مجلة السياسة الدولية، العدد (235)، (القاهرة: مؤسسة الأهرام، 2024)، ص216.

[3] Rashi Singh, Shaping Cyberspace: The Influence of China’s Digital Silk Road, the International Relations Review, October 23, 2025

[4] Full Text: Vision and Actions on Jointly Building Belt and Road”, Xinhua News Agency, March 2015.

[5] هديل حربي ذاري، أثر مبادرة الحزام والطريق الصينية على العراق: فرص وتحديات، (بغداد: مركز البيان للدراسات والتخطيط، 2022)، ص8.

[6] Vivek Chilukuri and Ruby Scanlon, Countering the Digital Silk Road, (Washington: Center for a New American Security, 2025), p. 1.

[7] Ashley Dutta, Introduction to China’s Digital Silk Road: Economic and Technological Implications, (Washington: The National Bureau of Asian Research, 2020).

[8] Rahul Karan Reddy, DIGITAL SILK ROAD: Beijing’s Digital Footprint and its Political Implications, (Delhi: Organization for Research on China and Asia, 2023),

[9] Erik BAARK, China’s Digital Silk Road: Innovation in a New Geopolitical Environment, (Singapore:  National University of Singapore_ East Asian Policy, 2024), p. 27.

[10] Nariman ALIYEV, Artificial Intelligence in Digital Silk Road: Driving Innovation and Economic Transformation, EUROASIAJOURNALOFSOCIALSCIENCES&HUMANITIES, Vol:12,Issue, (Shanghai: Shanghai University, 2025), p. 97.

[11] Rahul Karan Reddy, ibid.

[12] Xi Story: Xi’s Digital Silk Road vision accelerates China-ASEAN trade sync, Hinhua, 2025, https://english.news.cn/20250917/cd2e9528c28e46069a4dd5969607e772/c.html

[13] Nariman ALIYEV, ibid, p. 98.

[14] Ly, B, challenge and perspective for Digital Silk Road, Cogent   Business   & Management, Francis Journals, vol. 7, p.19.

[15] David Gordon and Meia Nouwens, The Digital Silk Road: China’s Technological Rise and the Geopolitics of Cyberspace, (London: The International Institute for Strategic Studies,2022), p.p. 25-29.

[16] Conor McNevin, Iraqi-UAE World Link project expands Eurasia connectivity ambitions, (Dubai: w.media, 2026).

[17] Asoz Rashid, Ibid.

[18] Saf Malik, Iraq’s digital backbone: From transit corridor to data centre destination, (London: Capacity, 2026).

[19] أمجد زين العابدين طعمة، دبلوماسية الطاقة ودورها في تعزيز الأداء الصيني في العراق، (بغداد: مركز البيان للدراسات والتخطيط، 2025)، ص ص 19_26.

[20] سارة شكر أحمد، الأبعاد الجيوبوليتيكية لمشروع طريق التنمية، (بغداد: مركز البيان للدراسات والتخطيط، 2024)، ص8.

[21] تسوي وي، السفير الصيني يكتب للبيان: مبادرة الحزام والطريق والعلاقات الصينية العراقية، (بغداد: مركز البيان للدراسات والتخطيط، 2023)، ص 10.

[22] The Next East–West Data Highway Runs Through Iraq, (Noida: TechMonk, 2026).

[23] Asoz Rashid, Iraq ready to take its place as a hub for global transit, (London: Capacity, 2026).

[24] Iraq seeks role as digital bridge between Asia and Europe, Shafaq News, 2025-09-13,

[25] Shahzaib, Iraq Plans to Become Regional Internet Transit Hub with New Subsea Cable Projects, (Virginia: Submarine Telecoms Forum, 2025).

[26] مبادرة الحزام والطريق الصينية: فرصة للعراق، قسم الأبحاث، (بغداد: مركز البيان للدراسات والتخطيط، 2018)، ص ص 27_28.

[27] László Csicsmann and Scott N. Romaniuk, China’s Digital Silk Road in the Middle East: A Region Trapped in the Maelstrom of Technological Competition between China and the United States of America, Asian Perspective, Volume 50, (Baltimore: Project MUSE, 2026), p. 109.

[28] Oughton, E.J, policy choices can help keep 4G and 5G universal broadband affordable: Technological Forecasting and Social Change, 2022, p. 176.

[29] MAJ Neil Law, China’s Digital Influence in Latin America and the Caribbean: Implications for the United States and the Region, Journal of Indo-Pacific Affairs, Oct. 5, 2023, Official United States Air Force,

[30] László Csicsmann and Scott N. Romaniuk, Ibid. p.121.

Admin

مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية: مؤسسة فكر وتخطيط استراتيجي تقوم على إعداد التقديرات وتقديم الاستشارات وإدارة المشروعات البحثية حول المتوسط وتفاعلاته الإقليمية والدولية. لا يتبنى المركز أية توجهات مؤسسية حول كل القضايا محل الاهتمام، والآراء المنشورة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى