أوراق و دراساتسياسية

المتغير الإيراني في الجيوبوليتيك الصيني

من الشراكة الإستراتيجية إلى التوازن الإقليمي في الشرق الأوسط 2021-2026

د. ياسمين أحمد الضوي، مصر

باحثة في العلاقات الدولية والجيوسياسة، مهتمة بالشأنين الآسيوي والشرق أوسطي، محاضرة منتدبة بكلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية، جامعة الإسكندرية.

مقدمة:

في ظل التنافس الجيوسياسي الذي يشهده العالم بين الولايات المتحدة الأميركية – القطب الغربي المهيمن – والصين – القوة الشرقية الصاعدة، تبرز منطقة الشرق الأوسط ومحاورها الجيوسياسية كساحة تنافس حاسمة لا يمكن تجاوزها بين القوتين، رغم اشتداد المنافسة في ساحات أخرى كالشرق الأقصى. فالمنطقة لا تزال تمتلك مقومات جيوسياسية تجعلها قيمة مضافة لأي قوة تسعى لبسط نفوذها عالميًا. ومع أهمية هذه المحاور، تتصدر إيران قائمة الدول التي تحظى باهتمام القوتين المتنافستين، فبينما تسعى الولايات المتحدة لاحتوائها باعتبارها قوة مناوئة لها تتحدى هيمنتها وتشكل أذرعًا بالمنطقة رافعة لشعار المقاومة ضدها وضد حليفتها إسرائيل، تأتي الصين لتتخذ منها مرتكزًا أساسيًا في جيوسياستها الهادفة إلى تحدي الهيمنة الأميركية في دائرة نفوذ تقليدية لها.

فقد احتلت إيران موقعًا مهمًا في الجيوبوليتيك الصيني تجاه منطقة الشرق الأوسط ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية وموقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا والذي يجعل منها عقدة مهمة في مشروع مبادرة الحزام والطريق بل لكونها نظامًا ذا توجه جيوسياسي استقلالي يقاوم الهيمنة الأحادية الأميركيةويجعل منها محورًا مميزًا للصين يمكنها التعامل معه كشريك خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية. لكن في الوقت ذاته، لم تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفًا عسكريًا أو سياسيًا موجهًا ضد طرف آخر نظرًا لإدراكها بأن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. لذلك حرصت الصين على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والإستراتيجية دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد في ظل تمسكها بنهج متوازن يجعلها على مسافة متساوية بين إيران وخصومها الجيوسياسيين.  

يظل هذا النهج المتوازن محل جدل بين السياسيين والنخبة الحاكمة والمحللين حول تأثيره في تطور العلاقات وتعزيز المحاور الصينية لأنه في الواقع ينبع من الرؤية الجيوسياسية الصينية لمنطقة الشرق الأوسط ومفهومها عن توسع النفوذ وأدواته. فالصين تزرع النفوذ ليس من خلال التفوق العسكري وإنما من خلال هذا النهج المتوازن الذي يجمعها بمحاورها من خلال الشراكات والاعتماد المتبادل والاندماج المؤسسي والتكامل التكنولوجي والتموضع الدبلوماسي وانخراط أمني انتقائي محدود دون الالتزام بالشكل التقليدي للنفوذ القائم على التحالفات العسكرية. ويزداد هذا الجدل حول النهج المتوازن للصين في ظل تعرض المنطقة لأزمات أو صراعات أو حروب مشتعلة تتطلب منها مواقف حازمة تتماشي مع دورها ونفوذها المتزايد بالمنطقة.

فقد شهدت المنطقة خلال الفترة محل الدراسة تصعيدًا عسكريًا غير مسبوق في ظل استمرار الصراع الإسرائيلي الأميركي ضد إيران الذي اشتدت وتيرته عقب أحداث غزة 2023، وأثمر عن تشابكات وصدامات مباشرة بين الجانب الإيراني والإسرائيلي. ومع تجدد الحرب بينهما بتدخل عسكري مباشر من قبل الولايات المتحدة الأميركية نهاية فبراير 2026، أصبح المشهد أكثر تعقيدًا وتحديًا للمحور الصيني الإيراني، فرغم المصالح الاقتصادية الهائلة في المنطقة والشراكة الاشتراكية الشاملة المزعومة مع طهران، امتنعت بكين بشكل ملحوظ عن أي تدخل عسكري، وركزت على إدارة توازن دقيق بين مصالحها الإستراتيجية وبين حرصها على تجنب الانخراط المباشر في الصراعات العسكرية بالشرق الأوسط.

المشكلة البحثية:

وضعت الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجددًا في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي لكنها في الوقت نفسه، وضعت الصين ونهجها المتوازن وعلاقتها بمحاورها أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين التي تحولت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية، بين كيفية الحفاظ على شراكتها الإستراتيجية مع إيران من جهة وصون علاقتها العميقة مع دول الخليج وتجنب الإضرار بعلاقتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل من جهة أخرى. ومن خلال تلك الإشكالية، يصبح هناك تساؤل ملح مفاده: ما أهمية وحدود الدور الذي يقوم به المتغير الإيراني في تشكيل الجيوبوليتيك الصيني تجاه منطقة الشرق الأوسط؟ وكيف تمثل تفاعلات المتغير الإيراني تحديًا للمصالح الصينية بالشرق الأوسط في ضوء أحداث الحرب الأميركية الإسرائيلية – الإيرانية الراهنة؟

وفي سبيل الإجابة عن التساؤل الرئيس للبحث، طرحت الورقة عدة تساؤلات فرعية على النحو الآتي: ما أهم الركائز الفكرية للجيوبوليتك الصيني التي تشكل تصوراته تجاه منطقة الشرق الأوسط؟ ما الأهمية الجيوبوليتكية لمنطقة الشرق الأوسط والمصالح الصينية بها؟ لماذا أصبحت إيران دولة محورية في التصور الجيوبوليتكي الصيني؟ ما الدور الذي تلعبه إيران في تحقيق أهداف الجيوبوليتيك الصيني بالشرق الأوسط؟ ما أهم مظاهر قوة المحور الصيني الإيراني وحدود تأثيره في الجيوبوليتك الصيني؟ كيف شكلت الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران تحديًا للجيوبوليتيك الصيني بالشرق الأوسط؟ ما السيناريوهات المحتملة لمستقبل المحور الصيني الإيراني في ظل تحديات الحرب الراهنة؟

أهمية البحث:

تكمن أهمية البحث من الناحية النظرية فيما يقدمه من أدوات تحليل مفاهيمية ونظرية غير تقليدية لتحليل السياسة الخارجية للدول، وتتمثل في أدوات التحليل الجيوسياسي، وهو تحليل تختلف أدواته عن التحليل السياسي لارتباطه بالعامل الجغرافي ومحورية دوره في التأثير على صانع القرار وتشكيل سياسته. فالاستعانة بحقل الجيوبوليتيك كحقل معرفي بيني يعد أمرًا تتطلبه المجالات البحثية الراهنة في سعيها الدائم نحو إيجاد فضاءات مفاهيمية جديدة ومنفتحة على مختلف العلوم الاجتماعية.

هذا بالإضافة إلى محاولة الورقة سد فجوة بحثية نظرًا لحداثة الفترة المدروسة وأهمية أحداثها، فمعظم الدراسات السابقة ركزت على الشراكة الصينية-الإيرانية الثنائية، أو دور الصين كوسيط بين إيران وخصومها، دون تحليل كيف تعد إيران متغيراً ديناميكيًا وتعديلياً يساهم في إعادة توجيه السياسة الصينية وتحدي توازنها، خاصة بعد اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية ضدها وتأثير هذه الحرب على مصالح بكين وتوجهاتها.

هدف البحث:

تهدف الورقة إلى دراسة الدور المتغير لإيران كعامل محوري في تشكيل الجيوبوليتيك الصيني تجاه الشرق الأوسط وذلك من خلال التعرف على الأهمية الجيوبوليتيكية لإيران في السياسة الصينية، وكيفية استغلال الصين لهذه الأهمية وتطويعها لخدمة مصالحها بالشرق الأوسط من خلال سياساتها الهادفة لتقوية هذا المحور والتعرف على نقاط ضعفها، وأخيرًا يسعى البحث إلى التعرف على أهم التحديات التي تواجهها السياسة الجيوبوليتيكية الصينية من جراء انخراط محورها الإيراني في حرب تقودها دولة عظمى مهيمنة وحليفها ضدها، مستشرفًا عدة سيناريوهات حول مستقبل المحور.

منهج البحث:

في إطار اتباع المنهج الاستقرائي، وهو منهج يعتمد على ملاحظة الواقع للوصول إلى حقيقة الظواهر التي يقوم بدراستها ووصفها وتفسيرها، استعان البحث بالمقاربات الجيوبوليتيكية الكلاسيكية والنقدية لدراسة وتحليل السياسة الخارجية الصينية، والتعرف على دوافع سلوكها الجيوسياسي الناتج عن مصالحها وأهدافها بالشرق الأوسط، وعن مدى تأثرها بالبيئة الجغرافية والإطار التنافسي المحيط وتداعيات هذا التفاعل على تكوين محورها الإيراني وتحديدها لوزنه الجيوسياسي وتشكيل سياساتها تجاهه. وتقدم هذه المقاربات للتحليل السياسي مفاهيم ونظريات تربط بها الظواهر السياسية بالظوهر الجغرافية، وتضع المجال الجغرافي محور اهتمامها بوصفه غاية تتنافس عليها الوحدات السياسية المختلفة، ويهتم التحليل الجيوسياسي بوصف الوضع الجغرافي وحقائقه وارتباطه بالقوى السياسية المتنافسة، وتحليل العلاقة بين الفاعلين السياسيين والإطار المكاني المتنافس عليه.

تقسيم البحث:

انطلاقًا من أهداف البحث، وفي سبيل الإجابة عن تساؤلاته الرئيسة، قسمت الورقة البحثية إلى ثلاثة مطالب، يتناول المطلب الأول، وهو بعنوان: المطلب الأول – ركائز الجيوبوليتيك الصيني تجاه منطقة الشرق الأوسط ومحورية إيران، دراسة تحليلية للركائز الفكرية التي شكلت التصورات الجيوبوليتيكية الصينية للعالم ولأهمية الشرق الأوسط ومصالحها فيه ولأهمية إيران ودورها في الجيوبوليتك الصيني، أما المطلب الثاني، وهو بعنوان:  المحور الإيراني في الجيوبوليتيك الصيني: مظاهر قوته وحدودها، فيتناول سياسات الصين لتقوية محورها والتحديات التي تحول دون تطور علاقتهما. ثم ينتقل المطلب الثالث وهو بعنوان: المحور الإيراني الصيني في ظل الحروب الإسرائيلية الإيرانية: تحدي الواقع وسيناريوهات المستقبل، إلى بحث تداعيات الحرب الراهنة على السياسة الصينية ومستقبل محورها الإيراني بالشرق الأوسط.

المطلب الأول: ركائز الجيوبوليتيك الصيني تجاه منطقة الشرق الأوسط ومحورية إيران

عند الحديث عن جيوبوليتك أي دولة بصفة عامة لابد من التنبه أن لهذا المصطلح جانبين لا ثالث لهما وهو الجانب الفكرى التصوري وجانب الممارسة الفعلية، ويختص هذا المطلب بدراسة الركائز الفكرية التي تقوم عليها الممارسات الجيوبوليتكية الصينية تجاه منطقة الشرق الأوسط وهي ركائز تبنى عليها التصور الجيوبوليتكي الصيني لأهمية الشرق الأوسط بصفة عامة ولأهمية إيران  بصفة خاصة ودورهما في تحقيق الأهداف الصينية المبتغاة من هذه الممارسات الجيوبوليتكية الصينية تجاههما.

المطلب الأول: التصور الجيوبوليتيكي الصيني لأهمية منطقة الشرق الأوسط

يمثل التصور الجيوبوليتكي أحد الأدوات التحليلية المستخدمة من قبل أصحاب المقاربة النقدية في حقل الجيوبوليتك لتفسير سلوك القوى الدولية وهو يعني مجموعة التصورات لدى الدولة حول مكانتها وموقعها في الجماعة الدولية وحول انتمائها إلى أي حضارة أو جماعة دول؛ أي هويتها الجغرافية في عالم ذي هويات متنافسة. ويعرف جون أجنو التصور الجيوبوليتكي بأنه نظام لرؤية العالم من خلال بناء رؤية لهذا العالم ولدور الإقليم أو الدولة أو المجتمع في السياسات العالمية [1].

فالدولة تميز الأقاليم الأخرى من حيث أهميتها ومصالحها فيها بناء على رؤيتها للعالم ومكانتها ودورها فيه. لذلك يتناول هذا المطلب المنطلقات الفكرية للجيوبوليتك الصيني التي شكلت تصورات الصين تجاه العالم والدور الذي ترغب في القيام به وكذلك الآليات الجيوبوليتيكية لتحقيق هذه الأهداف.

أولًا: المنطلقات الفكرية للجيوبوليتيك الصيني:

ينطلق الفكر الجيوبوليتيكي الصيني من مزيج فريد بين تراث الفكر الكونفشيوسي الصيني الذي شكل الهوية الجغرافية الصينية ووزنها الجيوبوليتكي ودورها العالمي وبين التراث الفكري للجيوبوليتك التقليدي الغربي بنظرياته الشهيرة عن الصراع الأبدى بين القوة البرية والبحرية. ويظهر هذا المزيج في الخطابات السياسية المعاصرة وآليات الممارسة الجيوبوليتكية للصين. ومن أهم المنطلقات الفكرية التي شكلت الرؤية الصينية للعالم وللذات من الأرث الكونفشيوسي:

(1) التمييز الجيوسياسي بين  هوا – يي:

يشير كتاب الشعائر – وهو أحد المراجع الكلاسيكية لشريعة كونفوشيوس – إلى ذلك التمييز باعتباره لا يرمز إلى هرمية ثقافية بقدر ما يدل على وجود تناقض مكاني بين منطقة الوسط والأطراف إذ تم تصوير الصين على إنها الموقع الجغرافي للصينيين “هوا”  الذي يقع في وسط العالم بينما تتوزع باقي الأعراق والأقليات “يي” على المناطق النائية. ويرتبط بهذا التمييز الجغرافي تمييز ثقافي وحضاري بحيث يرمز “الهوا” إلى الحياة المتحضرة وما يتبعها من تفوق اجتماعي ونفسي وثقافي وسياسي ومادي، أما “اليي” فتعبر عن الحياة البربرية البدائية[2]. وبالتالي يعد هذا التمييز بمثابة أولى المنطلقات الجيوسياسية في الثقافة الكونفوشيوسية الذي يرى العالم مقسمًا إلى فضاءات سياسية حضارية وأخرى بربرية وهي فضاءات يتربع فيها الصينيون كأمة متحضرة تقع في الوسط ومحاطة جغرافيا بفضاءات يقطنها الاغراب والاقليات.

(2) المركزية الصينية:

وهو الناتج عن التمييز الجيوسياسي السابق، ويستند إلى الاعتقاد التاريخي بأن الصين هي الممكلة الوسطى وهي المحور المركزي الذي يدور حوله العالم؛ وعلى الرغم مما يبدو عليه هذا المفهوم من قدم، إلا أن الإدراك الصيني له يحمل تداعيات عميقة لتصور الصين لدورها في النظام العالمي الحالي؛ إذ تتصور الصين نفسها كنقطة مركزية في عالم مترابط، فهي أمة تجري من خلالها التبادلات الثقافية والاقتصادية كما كان يتم ذلك سابقًا على طريق الحرير القديم[3]. 

(3) الانسجام بين الشعوب (العولمة الصينية):

ويرى ضرورة قيام العلاقات بين الأمم والشعوب على الانسجام والسلام واحترام التنوع وهي كلها قيم تجسد طموح الصين لتعزيز التعايش السلمي والتعاون مع الأمم عبر العالم وذلك لتقليل الصراع ودعم الازدهار المشترك. ويظهر هذا الفكر واضحًا في مفهوم العولمة بنسختها الصينية، ففي التصور الصيني، العالم يتشكل من عائلة واحدة، فهو عالم شامل وليس مجزأ على نحو التصور الغربي. وإن هذا المجتمع يتحدث لا بالطريقة التنافسية بل بالطريقة التشاركية؛ وبالتالي يمكن القول بأن أحد دوافع الصين العالمية هو تحقيق التواصل والترابط الأوراسي والعولمة الشاملة التي ترتكز على قيمة التشارك بين الشعوب دون تمييز أو احتكار للتحديث[4]، وذلك من خلال إعلاء فكرة المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

وكذلك جمع الارث الكونفشيوسي للجيوبوليتك بين قيم التفرد والدور العالمي المركزي للصين واحترام التعددية الثقافية واختلاف الآخر الأجنبي، وأعطى لها ركائز فكرية لدعم طموحاتها كقوة عالمية صاعدة تسعى إلى زيادة نفوذها ومشاركة القوة القطبية المهيمنة في قيادة العالم.

وقد ظهر ذلك من خلال عدة ممارسات جيوبوليتكية اضطلعت بها الصين:

(أ) طرح المبادرات العالمية الأربع: وتشمل مبادرة التنمية العالمية ومبادرة الأمن العالمي ومبادرة الحضارة العالمية ومبادرة الحوكمة العالمية. وهي مبادرات عكست رؤية الصين العالمية للعلاقات الدولية ولنمط النظام الدولي والإقليمي الذي تريد بكين أن تراه عليه، وهي رؤية تقوم على أسس بديلة لما هو سائد في العلاقات الدولية تسعى إلى ترسيخها كمبدأ الأمن المشترك بدل الأمن الصفري وسيادة القانون الدولي بدل شرعية القوة ومبدأ الحوار الحضاري بدل الإقصاء والتنمية والربط الاقتصادي بدل تدمير البيئات المنتجة للاستقرار[5].

(ب) طرح مبادرة الحزام والطريق عام 2013: فقد وجدت رؤية الصين الجيوسياسية تعبيرًا ملموسًا في مبادرة الحزام والطريق الطموحة، كمبادرة يُجدد فيها روح طريق الحرير. فبشبكة المبادرة المعقدة من طرق النقل والتجارة، تسعى الصين إلى تسهيل تدفق السلع والرأسمال والأفكار عبر القارات. فإلى جانب البراغماتية الاقتصادية، تجسد المبادرة رؤية للتبادل الثقافي والترابط، تعكس دور طريق الحرير القديم كقناة لاختلاط الحضارات، كما إنها تعكس طموح الصين في تأكيد نفسها كنقطة محورية في الشبكة الاقتصادية العالمية تستعيد فيها الصين الوضع التاريخي لمملكة الوسط في مركز التجارة العالمي.

خريطة رقم (1): مبادرة الحزام والطريق

source: https://beltandroad.ventures/about-bri

(ج) توسيع النفوذ الدبلوماسي والاقتصادي: ينعكس السعي للمركزية في الساحة العالمية أيضًا في التزامات الصين الدبلوماسية؛ فأصبحت الأمة أكثر نشاطًا في المنظمات الدولية، مثل الأمم المتحدة، حيث تسعى لتشكيل الخطاب العالمي حول قضايا تتراوح من التغير المناخي إلى حفظ السلام، مساهماتها في التنمية الدولية والإغاثة من الكوارث هي تجسيدات لرغبة الصين في لعب دور مركزي في مواجهة التحديات العالمية.كما يمتد نفوذ الصين الاقتصادي إلى ما هو أبعد من حدودها. فوضعها كمركز تصنيع وتجارة جعلها محورًا في سلسلة التوريد العالمية. أعطى ترابط الاقتصادات عبر العالم الصين نفوذًا اقتصاديًا على الدول والصناعات التي تعتمد على قدراتها الإنتاجية. وقد عززت مبادرة الحزام والطريق نفوذها الاقتصادي أكثر من خلال الاستثمار في مشاريع البنية التحتية وتعزيز التعاون الاقتصادي.بالإضافة إلى البنية التحتية المادية، يتخلل نفوذ الصين الاقتصادي العالم الرقمي. لقد برزت كقائدة عالمية في التقنيات الناشئة، مثل الاتصالات 5G والذكاء الاصطناعي والتجارة الإلكترونية وشركاتها، مثل هواوي، أصبحت أسماء مألوفة، تشكل المشهد التكنولوجي على نطاق عالمي. علاوة على ذلك، يدعم الانتشار الاقتصادي الصيني استثماراتها الواسعة في الخارج. لقد استثمرت الأمة بنشاط في الأسواق الأجنبية، خاصة في المناطق الغنية بالموارد، مما يضمن الوصول إلى المواد الخام الحيوية ومصادر الطاقة. ويأخذ هذا الالتزام الاقتصادي شكل اتفاقيات تجارية واستثمار أجنبي مباشر وإنشاء مناطق اقتصادية خاصة[6].

(د) طرح المبادرات الثقافية: لعبت الثقافة والقيم دورًا أساسيًا في نفوذ الصين الدبلوماسي والاقتصادي. فقد استثمرت الحكومة الصينية بكثافة في الترويج لثقافتها ولغتها من خلال مبادرات مثل معاهد كونفوشيوس. وهي مراكز تعليمية وثقافية انتشرت عبر العالم، وتعزز فهمًا للغة الصين وتقاليدها مع توليد نوايا حسنة تجاه الأمة. كذلك تساهم وسائل الإعلام الصينية، سواء التقليدية أو الرقمية، في قوتها الناعمة. مثل شينخوا وCGTN،التي وسعت نطاقها العالمي، وقدمت رواية بديلة لشبكات الأخبار المهيمنة غربيًا. هذا التوسع يخدم تشكيل التصورات الدولية وإدخال وجهة نظر الصين حول القضايا العالمية[7].

بالإضافة إلى تاثير الثقافة الكونفوشيوسية في رؤية الصين للعالم والذات، ظهر تاثير الفكر الجيوسياسي الكلاسيكي الغربي في الكتابات الصينية الذي يؤكد على تأثير الجغرافيا المادية في ممارسة السياسة بين الدول، وهو ذلك الفكر الذي ترتكز إليه الإستراتيجيات الغربية الأميركية على وجه الخصوص من أجل مواجهة القوى القارية التي تسعى إلى تحدي القوى البحرية المهيمنة الأميركية، وهو ذلك الفكر الذي يقوم على نظريات الجيوبوليتك كنظرية قلب الأرض لمكاندر أو نظرية الأطراف لسبايكمان والتي خرجت القوى الغربية منها بإستراتيجية احتواء الخصم القاري برًا وبحرًا من خلال سلسلة احلاف وقواعد بحرية.

وهو الأمر الذي أدركته الصين جيدًا في محاولة الرد على إستراتيجية احتوائها ولكن بإضفاء الطابع الصيني هذا الفكر الإستراتيجي الغربي والذي ظهر في الفكر العسكري لماوتسي تونغ وهو يتلخص في مقولته الشهيرة التي رد بها رده على التهديدات النووية المستمرة للولايات المتحدة منذ الحرب الكورية  ألقي قنبلتك الذرية وأنا سألقي قنبلتي اليدوية، أي اذهب في طريقك وأنا سأذهب في طريقي وهي مقولة تلخص الإستراتيجية الصينية المستوحاه من لعبة الشطرنج الصيني، ففي رقعة الشطرنج الغربي يسعى اللاعب إلى السيطرة على الملك المنافس والسعي لتحقيق النصر الكامل أما في لعبة الشطرنج الصينية يسعى اللاعب لاحتلال نقاط فارغة أكثر من منافسه سعيًا وراء الميزة النسبية.  

فالصين في هذه اللعبة الإستراتيجية على رقعة الأوراسيا تتجنب المواجهة مع الولايات المتحدة في الساحة الآسيوية، فإذا أعطت الولايات المتحدة أولوياتها لآسيا فالصين ستتركها بهدوء وتتقدم إلى ما هو أبعد منها، وبالتالي تكون إستراتيجية الصين المضادة للتطويق الأميركي في آسيا تتلخص في تطويقها على المستوى العالمي، وبالتالي تكون مبادرة الحزام والطريق وغيرها من الأدوات الاقتصادية هي وسيلة لتحقيق هذا التطويق العالمي ببناء حزام اقتصادي وطرق بحرية تمتد من الصين لكي تصل إلى القارات الثلاث آسيا – أوروبا – أفريقيا. وبالتالي تكون الصين قد استطاعت الإحاطة بقلب الأرض من الجهات الثلاثة من خلال ربط القارات الثلاثة بواسطة المبادرة وربط اليابس بالمحيطات والتحول إلى قوة بحرية وبرية على حد سواء تكون باستطاعتها السيطرة على قلب الأرض وبالتالي السيطرة على العالم[8].

ثانيًا: أهمية منطقة الشرق الأوسط في الجيوبوليتك الصيني:

ارتبطت الصين بعلاقات تاريخية وحضارية عميقة مع المنطقة التي كانت تمثل منطقة جوار مباشر لها في فترة المد الإسلامي منذ القرن الثامن، وقد شكل هذا التقارب الحضاري قاعدة مهمة لانطلاق العلاقات بين الجانبين ومحددًا أساسيًا لتوجهات الصين في المنطقة، وهذا يعزز عدم وجود ماض استعماري لها، مما جعل عودة الصين إلى المنطقة أكثر سهولة وأكثر قبولُا من قبل دول المنطقة. والملاحظ لخريطة مبادرة الطريق والحزام يجد أن منطقة الشرق الأوسط تعد شريكًا لا غنى عنه من أجل إتمام وتنفيذ هذا المشروع الطموح ويرجع ذلك إلي أهمية تلك المنطقة في التصور الصيني وحجم المصالح والتهديدات النابعة منها والتي تمثل بدورها الدوافع وراء إدخال الشرق الأوسط في خريطة مشروعها.

أما عن أهمية منطقة الشرق الأوسط في التصور الصيني، فهي تكمن في الموقع الإستراتيجي للشرق الأوسط الذي يقع في منطقة التلاقي بين طريق الحرير البحري وحزام الطريق البري وكذلك يقع على مفترق طرق القارات الثلاثة التي تسعى المبادرة إلى الربط بينهم، وبالتالي فهي مهمة في التنفيذ الناجح للمبادرة، كذلك فإن لدى المنطقة نقاط مرور بحرية حيوية حاسمة لنظام نقل الطاقة العالمي وكذلك لتدفقات التجارة العالمية، وتزداد هذه الأهمية للصين بسبب ما يمثله النقل البحري للاقتصاد الصيني بوجه عام حيث يتم نقل 90 %من البضائع إلى الصين و91% من ورادات النفط عبر النقل البحري، ويتم نقل نحو نصف واردتها النفطية وربع واردتها من الغاز عبرمضيق هرمز ونحو 20 %من تجارة الصين تنقل عبر مضيق باب المندب مرورًا بقناة السويس.

وعن مصالح الصين بالشرق الأوسط فتكمن في:

(1) المصالح الاقتصادية: فتكمن أهمية الشرق الأوسط للصين في عدة مجالات

في مجال أمن الطاقة: حيث تكمن مصلحة بكين الرئيسة في الشرق الأوسط في استمرار الحصول على موارد الطاقة. وقد أدى النمو الاقتصادي الثابت والسريع الذي شهدته الصين من أواخر السبعينيات إلى تزايد حاجاتها إلى الطاقة[9]، ومنذ أن أصبحت مستوردًا صافيًا للطاقة عام 1993 صعد استهلاكها من النفط من 2,9 مليون برميل يوميًا إلى نحو 14 مليون برميل يوميًا عام 2020، وزادت واردتها من النفط من صفر عام 1993 إلى 10,8 مليون برميل في اليوم في [10]2020.

وفي سياق هذا الاستهلاك المطرد للنفط أصبح الشرق الأوسط أهم مورد خارجي لها منذ عام 1995. وبالرغم من مساعي الصين لتنويع مصادر واردتها من النفط إلا أن نسبة اعتمادها على نفط الشرق الأوسط وأفريقيا لا تزال تمثل نحو الثلثين وتشير الدراسات أن الشرق الأوسط سيبقي أكبرمصدر للنفط إلى الصين وأن معدل الاستيراد مرشح للتصاعد على المدى المتوسط والبعيد[11].

في مجال التجارة والأسواق والاستثمار، تمثل المنطقة سوقًا للمنتجات الصينية ذات قدرة استيعابية كبيرة حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين الطرفين نحو 271,7مليار دولارعام 2020، كما تمثل سوقًا مربحة لعقود البناء والإنشاء التي تنفذها الشركات الصينية، وقد أسهم طرح مبادرة الحزام والطريق في توسيع الاستثمارات الخاصة بالبنية التحتية والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والصناعة والتمويل والنقل والاتصالات.[12]

وفي مجال تجارة السلاح تكتسب المنطقة أهمية في تجارة السلاح نظرًا لكونها سوقًا هامة للسلاح الصيني خاصة عندما اتجهت دول المنطقة إلى تنويع واردها من السلاح بداية بمصر وتلتها العديد من الدول منها السعودية والعراق واليمن وإيران[13]، ولأهميتها في مجال التسليح الصيني ذاته لما تدره تجارة السلاح وتصدير التكنولوجيا النووية من ربح مادي للصين تسهم في تطوير قدراتها العسكرية، هذا إلى جانب دور إسرائيل في تسليح الصين بأسلحة متطورة برغم الضغوط الأميركية لوقف هذا التعاون.[14]

(2) المصالح الجيوسياسية:

تتمثل المصلحة الأولى الجيوسياسية في رغبة الصين في توسيع نطاق نفوذها الجغرافي الإستراتيجي إلى أبعد من جوارها المباشر في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، ومواجهة إستراتيجية التطويق الأميركي لها في محيطها المباشر، ففي الأونة الأخيرة خاصة مع العقد الثاني من هذا القرن بدأت الولايات المتحدة في بذل جهود حازمة لا حتواء الصين وتجلى ذلك بوضوح في جوارها القريب على مقربة من سواحلها حيث تتمركز بكثافة القوة الأميركية البحرية والجوية والبرية هذا إلى جانب تطويقها بشبكة من حلفاء أميركا لا سيما اليابان وكوريا الجنوبية وتعزيز العلاقات الأمنية مع الهند وتحسينها مع استراليا والفلبين.

وردًا على إستراتيجية التطويق اقترح المحللون الصينيون التوسع غربًا، وقد أشار مقالًا صدر في إبريل 2014 عن صحيفة بارزة تابعة للحزب الشيوعي الصيني إلى منطق هذا التفكير موضحًا أن واشنطن لا تملك في أقصي الغرب الصيني شبكة تحالفات تمنع الصين من اختراق تطويقها وبالتالي تتوفر للصين فرصًا أكبر لتحسين علاقتها وتوسيع مجال نفوذها الجيوسياسي والجيواقتصادي في آسيا الوسطى والشرق الأوسط وما بعدهما[15]. وتعد المبادرة تجسيدًا لهذا الفكر الإستراتيجي التوجه غربًا ويصبح الشرق الأوسط أحد ساحات عمل تلك الإستراتيجية وأحد وسائل كسر الطوق الأميركي المفروض عليها.

أما المصلحة الجيوسياسية الثانية فهي تتمثل في أهمية المنطقة في تحسين مكانة الصين الجيوسياسية وتأكيد وضعها ك قوى عظمى. فقد ظلت الصين لفترة طويلة ترى نفسها متخلفة عن البلدان المتقدمة والقوى الغربية والقوى العظمى في الماضي والحاضر.[16] لكن مع تنامي القدرات الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية لها بدأ صناع القرار يتطلعون إلى دور أقوى للصين على المستوى العالمي، فقد أوضح رئيسها منذ وصوله إلى الحكم شي جين بينغ أن هناك عصر تاريخي جديد للصين يرتبط بجبروتها الاقتصادي وباخفاقات العالم الغربي وأن خيار التعامل الصيني مع الولايات المتحدة هو تعامل الند للند[17].

لذلك نجد أن من خلال المبادرة التي أطلقها شي جين قدمت الصين نفسها كمرجعية بديلة للتحديث الفعال للبلدان الراغبة في التنمية واثبتت رغبتها في إعادة تحديد القواعد الدولية على أساس عالم متعدد الأقطاب تصبح فيه الصين قوى عظمى مؤثرة. لذلك يمثل الشرق الأوسط ساحة مناسبة لها لاثبات مكانتها وهذا الأمر لا يتطلب وجود الرغبة الصينية في تحقيق تلك المكانة ورغبتها في اعتراف دول الشرق الأوسط بها فحسب بل يتطلب أيضًا التصرف على غرار الحكومات القوى العظمى باتخاذ خطوات جادة لحماية مواطنيها ومصالحها الاقتصادية المتزايدة في المنطقة بمزيد من الانخراط السياسي في قضايا المنطقة وكذلك الاستعداد للتدخل العسكري في أي وقت تتهدد فيه مصالحها.[18]

(3) المصالح الأمنية

أصبحت الصين في الأونة الأخيرة من القوى المعنية بأمن واستقرار المنطقة، وقد تجاوزت مصالح الصين الأمنية بالمنطقة ضمان تدفقات النفط إليها أو ضمان سلامة مشاريعها الاقتصادية واستثماراتها وأسواقها، فالشرق الأوسط يشكل امتداد إستراتيجي للمنطقة المتاخمة لحدود الصين الغربية وبالتالي فإن الاتجاهات المسيطرة على الوضع في الشرق الأوسط والاتجاهات القومية والأيديولوجيات الدينية المتطرفة تؤثر ليس فقط على مصالحها في الشرق الأوسط ولكن على أمن الصين واستقرارها أيضًا[19].

فهناك جالية مسلمة بالصين تتجاوز 25 مليون مسلم يمثلون حوالى 2%من السكان وهم يتركزون في إقليم سينكيانج وإقليم ننشيا والتبت، وهي كغيرها من الدول تستشعر الخطر الداعشي على أمنها القومي وذلك بالنظر إلى تزايد أعداد المنضمين إلى صفوف داعش من أبناء إقليم سينكيانج الصيني ذي الأغلبية المسلمة[20].

المطلب الثاني: محورية إيران في الجيوبوليتيك الصيني تجاه الشرق الأوسط

يرجع محورية إيران في الجيوبوليتيك الصيني إلى عدة أسباب منها ما هو ناتج عن الموقع الجيوبوليتكي لإيران على خريطة الشرق الأوسط وهو ذلك الموقع الناتج من معطيات جغرافية مادية تميزت بها وجعلتها جائزة جيواقتصادية لأي قوى تسعى لزيادة نفوذها في ظل تنافس جيوبوليتكي أبدي بين الشرق والغرب. ومنها ما هو ناتج عن توجه جيوسياسي لنظام سياسي رافض للهيمنة الأحادية والخضوع لها.

أولًا: موقع إيران الجيوسياسي بالشرق الأوسط ومحورية دورها في مشاريع الصين الجيواقتصادية

بداية يجب أن نأخذ نظرة متفحصة لدولة إيران وأهميتها الجيوبوليتكية،فإذا نظرنا إلى تلك الدولة من منظور الجيوبوليتيك، سنجد إنها تحظى بالجغرافيا الرئيسية للشرق الأوسط من حيث الموقع والسكان[21] وموارد الطاقة الأمر الذي يجعلها في قلب الصراعات الجيوبوليتكية العالمية في الماضي والحاضر، وهو الأمر الذي جعل مفكري الجيوبولييتك الغرب كأمثال بريجنسكي وروبرت كابلان ينعتونها بالمحور الإيراني.

(1) معطيات جغرافية وخصائص جيوبوليتكية فريدة:

فمن حيث الموقع، تقع إيران في القسم الجنوبي الغربي من قارة آسيا، في الشمال الشرقي للجزيرة العربية، تحدها من الشمال بحر قزوين وتركمنستان وأذربيجان ومن الشرق تجاورها باكستان وأفغانستان ويحدها من الغرب تركيا والعراق أما الجنوب فيحدها بحر العرب والمحيط الهادي وتطل على الخليج العربي في جنوبها الغربي، وهذا الموقع الفريد يجعلها من منظور الفكر الجيوبوليتكي الغربي في قلب المنطقة التي أطلق عليها سبايكمان بحافة اليابسة أو قوس الأزمات عند برجسنكي التي يعد السيطرة عليها مفتاح للسيطرة العالمية، كما يجعلها في  الجنوب مباشرة من الأرض المركزية التي وصفها ماكيندر بنقطة الارتكاز الجغرافي[22].

كما جعلها تتوسط أربعة أقاليم جيوسياسية: إقليم الهلال الخصيب، إقليم القوقاز وإقليم آسيا الوسطى وإقليم الخليج العربي[23]، من بينهم إقليمي آسيا الوسطى والخليج العربي تتركز فيهما الأغلبية الساحقة من مخزونات النفط والغاز الطبيعي وتشع منهما ممرات الشحن وخطوط الأنابيب إلى البحر المتوسط والبحر الأسود والصين والمحيط الهندي. وتعد إيران الدولة الوحيدة التي تمتد عبر كلتا المنطقتين المنتجين للطاقة – وهي مكانة لم تحظى بها أي دولة عربية- وتقع بالعرض على مسارات خطوط أنابيب آسيا الوسطى، الأمر الذي جعلها تحظى بمكانة لوجستية كبيرة في مجال نقل الطاقة والموارد الطبيعية الأخرى إلى مناطق الأسواق العالمية خاصة إن إيران تعد من أقصر الطرق المؤدية إلي تلك الأخيرة[24].

بالإضافة إلى ان موقعها البحري من حيث إطلالها على ثلاث مسطحات مائية هامة قد جعل منها من الناحية الجيوسياسية أحد المنافذ نحو المياه الدافئة، وهو أمر بالغ الأهمية خاصة للبلدان غير الساحلية في أسيا الوسطى التي تجد في إيران طريق لها إلى بحر العرب ومنه إلى المحيط الهندي.

وطول هذه السواحل (تسيطر إيران على الساحل الشرقي كله للخليج العربي بحوالي 615 ميلا، بحر قزوين حوالي 2500 كيلومتر، وبحر العرب بحوالي 300ميل)، وكذلك ما تمتاز به هذه السواحل من عمق مياهها مقارنة بسواحل دول الخليج العربية، قد جعلها من المنظور الإستراتيجي قوة بحرية بامتياز خاصة مع اهتمامها بهذا الموقع وسعيها نحو استغلاله في بناء عدة قواعد بحرية على طول هذه الشواطئ مثل بندر عباس وجزيرة خرج وكذلك بناء موانئ تتمتع بكفاءة عالية[25]. كما يلاحظ أن سواحل الخليج العربي تتمتع بخلجان ومداخل وخيران وجزر وهي أماكن ممتازة لإخفاء القوارب الانتحارية التي تصطدم بالناقلات، وهذا الأمر يمكن أن تستغله إيران في رعاية الارهاب وتهديد بأمن الملاحة به والاضرار اقتصاديا بدول الجوار العربي[26].

أما عن موارد الطاقة، فلا يقتصر دورها على المجال اللوجستي فحسب، فهي تحتل المرتبة الثالثة عالميًا من حيث الاحتياطات النفطية بمخزون يبلغ 133 مليار برميل، كما إنها تمثل المركز الثاني من حيث احتياطات الغاز الطبيعي إذ يبلغ مخزونها حوالي 970 تريليون قدم مكعب[27].

وبجانب هذه المعطيات الجغرافية الهامة، تزداد الأهمية الجيوسياسية لإيران في الوقت الحالي مع ازدياد نفوذها غربا في الشرق الأوسط كما سبق أن ذكرنا وتكوينا للهلال الشيعي الذي يمر من العراق إلى سوريا إلى جنوب لبنان حزب الله إلى فلسطين حركة حماس.،هذا إلى جانب الشمال والشرق نحو منطقة وسط اسيا والقوقاز حيث يتسم النفوذ الإيراني بالعمق نفسه، وهذه الاختراقات الإيرانية المنتشرة في جميع الاتجاهات ليست وليدة العصر بل هي ظاهرة شهد عليها التاريخ الإيراني منذ تكوين أول قوة عظمى في العالم القديم على هضبتها. يرى كابلان أننا بصدد الحديث عن وريث في القرن الحادي والعشرين لمحور الأرض المركزية لماكيندر والتي تستحقه إيران عن جدارة في عصرنا الحالي[28].

(2) أهمية إيران الجيواقتصادية للصين:

من خلال التعرف على معطيات الجغرافية لإيران، يتضح أن الصين لديها عدة أسباب جيواقتصادية تجعلها تتمسك بها كشريك يتحقق من شراكته نفوذ جيواقتصادي للصين بالمنطقة وتظهر أهمية إيران في التالي:

(أ) أهميتها في مشروع الحزام والطريق:

يهدف مشروع الصيني الطموح إلى ربط آسيا بأوروبا وأفريقيا عبر شبكة من مشاريع البنية التحتية، ومن منظور صيني، تقدّم إيران فرصاً كبيرة للربط الداخلي والدولي، فهي بمثابة بوابة مهمة لتعزيز الربط التجاري والاقتصادي، بفضل موقعها الإستراتيجي وإمكاناتها الاقتصادية، ما يجعلها مهمة لتنفيذ مبادرة الحزام والطريق. إذ يمرّ ممرّ «الاقتصادي الصيني–آسيا الوسطى–غرب آسيا»، وهو جزء من BRI، عبر إيران في طريقه إلى أوروبا، ويربطها بالصين عبر آسيا الوسطى[29].

وقد لفتت إيران انتباه الصين أيضًا حول انشاء ممر للتجارة والنقل من الخليج إلى سورية ولبنان على طول ساحل البحر المتوسط ومحاول اعتباره جزءا من هذا الممر. هذا بالإضافة إلى مشاريع أخرى تربط إيران بمبادرة الحزام والطريق ومنها مشروع خط السكك الحديدية العابرللدول بين إسطنبول وطهران وإسلام أبادITI، إذ أعلنت حكومات تركيا وإيران وباكستان في أوائل 2021 أنها ستعيد التخطيط للخط. وتصبّ أهدافه في تحسين الربط مع مبادرة «الحزام والطريق» الصينية، عبر توفير رابط سككي بين الصين وتركيا. ويمكن أن يساعد الخط أيضاً إيران في تجاوز عقوبات أميركية مستقبلية. ولم يُوضّح بعد تمويل المشروع؛ وفضلاً عن ذلك، من المرجّح أن يعتمد تنفيذه على طريقة تطور الوضع الأمني في أفغانستان ومن حولها[30].

كما أن إيران أبدت استعدادها لتقديم موانئها لتطوير ممرات الحزام والطريق، ومن أهم هذه الموانئ ميناء چابهار الإيراني وهو ميناء له دور إستراتيجي لأنه خارج الخليج العربي-الفارسي، مما يسمح بتجاوز مضيق هرمز. فمنذ 2016، حاولت الهند تطوير چابهار كنقطة عبور لممر النقل الدولي شمال-جنوب (INSTC) لربط موانئ وسكك المحيط الهندي والخليج ببحر قزوين ثم روسيا إلى شمال أوروبا. لكن بسبب التأخيرات الهندية، قررت إيران إكمال سكة تربط چابهار بزاهدان عند الحدود مع أفغانستان، ودعت باكستان والصين للمشاركة في تطوير چابهار. وفي مايو 2019، اقترح وزير خارجية إيران ربط چابهار سكة وطريق بميناء گوادر الباكستاني لتعزيز التجارة. هذا مهم للصين لأن گوادر نقطة رئيسية في ممر الصين-باكستان الاقتصادي في مشروع BRI الرئيسي.[31]

وتزداد أهمية إيران في الميدان اللوجستي لمبادرة الحزام والطريق مع حقيقة إدارتها الفعلية لمضيق هرمز، أهم قناة للسيطرة على نقل النفط في الشرق الأوسط، إذ جعلها تشكّل نقطة إستراتيجية وحساسة في مسارات النقل داخل آسيا وإلى أوروبا.

(ب) أهميتها في أمن الطاقة الصيني

بالنظر إلى الاحتياطيات الهائلة من الطاقة في إيران وموقعها الجيوسياسي الخاص في المنطقة، يمكن لطهران أن تساعد بكين في تأمين مصادر طاقتها بشكل دائم، مثلًا من خلال بناء مزيد من خطوط الأنابيب، مثل خط أنابيب الطاقة الصيني–الباكستاني–الإيراني–التركي، الذي كان مقرراً في 2015، مع انتظار أن تُرفع أو تُخفَّف العقوبات الأميركية والأممية على إيران، وكان من المقرر أن تبنيه شركة تابعة للشركة الوطنية الصينية للنفط المملوكة للدولة. لكن إعادة فرض العقوبات الأميركية في 2018 أدّت إلى تعليق مشروع خط الأنابيب مؤقتاً. مع ذلك، أشارت تحليلات خبراء صينيين عام 2019 مجدداً إلى أهمية خط النفط باعتباره “حاجة ملحة للصين لفتح ممر جديد للطاقة لتقليل اعتمادها على مضيق ملقا، الذي يمكن أن يصبح مأزقاً في حال مواجهة مع الولايات المتحدة. ويمكن أن يقلّ خط الطاقة من تكاليف النقل ومن مسافة وصول الطاقة المستوردة للصين، فضلاً عن تزويد أسواق جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا وشرق آسيا وأوروبا[32].

 وإضافة إلى ذلك، يمكن أن تُعد إيران مأمنًا ضد أي محاولة في المنطقة لقطع صادرات النفط إلى الصين في حال تصاعد التوترات في الشرق الأوسط. وخلافًا لبقية مورّدي النفط للصين في المنطقة، الذين تربطهم علاقات أمنية وثيقة مع واشنطن، لا توجد لدي إيران أي علاقات مع الولايات المتحدة. كما قال آية الله خامنئي، «إيران هي الدولة الأكثر موثوقية في المنطقة من حيث الطاقة، لأن سياساتها الطاقية لن تتأثر أبدًا بالخارج[33].

(ج) أهميتها كسوق للمنتجات الصينية

ومع الميزة الديمغرافية لإيران، يمكن لبكين أيضًا أن تجد من إيران سوق استهلاكي كبير لمنتجاتها، وبالتالي تساعد المنتجات الصينية على إيجاد موطئ قدم في أكبر دولة سكانية في الشرق الأوسط. وعلاوة على ذلك، فإن العقوبات الدائمة التي تفرضها الدول الغربية جعلت من الصعب على الشعب الإيراني الوصول إلى السوق العالمية، وبالتالي فقد باتت الصين «الخيار الأخير» لإيران في هذه الأوقات الصعبة، حيث قدّمت بكين مجموعة واسعة من البضائع الصينية الرخيصة مقابل النفط الإيراني.

ثانيًا: التوجه الجيوسياسي للنظام الإيراني المناهض للهيمنة الأميركية

يعد التوجه الجيوسياسي للنظام الإيراني الراهن المناهض للهيمنة الأحادية للولايات المتحدة الأميركية أحد أهم أسباب زيادة أهمية إيران الجيوسياسية لدى الصين وأهم دوافع التقارب الصيني الإيراني، ويرجع تزايد أهمية هذا التوجه إلى سببين: الأول قدرة النظام على تكريس هذا التوجه من خلال تكوين محور جيوسياسي إقليمي مناهض للهيمنة الأميركية بالشرق الأوسط يتقاطع مع محور قاري أوراسي بقيادة الصين على النطاق العالمي هذا من ناحية، الثاني تأهيل هذا التوجه إيران إلى القيام بدور الموازن الحيوبوليتيكي في إستراتيجية التي تتبناها الصين بالشرق الأوسط.

(1) إيران نقطة التقاء المحاور الجيوسياسية المناهضة للهيمنة الأميركية

استطاع النظام الإيراني المناهض للهيمنة الأميركية أن يزيد من نفوذه في الشرق الأوسط ويقود محور أو شبكة تحالفات تضم كل سوريا نظام بشار الأسد السابق وكل من حركة حماس والجهاد الإسلامي بفلسطين وحزب الله في لبنان والميلشيات الشيعية في سوريا والعراق والحوثيين في اليمن، مستثمرة في ذلك موقف هذه الأطراف الرافض للحل السلمي لقضية فلسطين والرافض للهيمنة الأميركية، لتكوين محور المقاومة بات يمتد من إيران إلى لبنان إلى اليمن في شكل هلال شيعي والذي عد أحد الآليات الإيرانية لتنفيذ مشروعها الشيعي بالمنطقة القائم على إنشاء نظام جديد في الشرق الأوسط يتمحور حول فرض الهيمنة الاقليمية الإيرانية وإخراج الولايات المتحدة من المنطقة والقضاء على إيران.

لكن لم يكتف الطموح الإيراني بمد نفوذه على المستوى الإقليمي بل سعى إلى الالتحاق بالمحور الدولي المناهض للهيمنة الأميركية وهو المحور القاري الشرقي بقيادة الصين وروسيا وكوريا الشمالية لما لديه من طموحات دولية هادفة إلى امتلاك قوة نووية. وبالتالي تعد إيران شريكا رئيسيًا في كلا المحورين اللذان يشتركان في الرؤية المراجعة نفسها الرافضة للغرب والهيمنى الأميركية ويختلفان في وسائلهما [34].

استنادًا على الموقف المشترك، تنظر الصين إلى إيران باعتبارها تكوين جبهة جيوبوليتكية قارية في مواجهة هيمنة القوة الأطلسية:  أحد الشركاء المساعدين لها في تحدي القوة الأميركية وتوسيع النفوذ الروسي، فكلا الدولتان ترى في الهيمنة الأميركية وتوجهها شرقًا مههدًا لكيانهما ونفوذهمها وأداه لمحاصرتهما وتطويقهما، لذالك تتوافق إرادتهما في إضعاف القوة والتواجد الأميركي قي مناطق نفوذها مثل الشرق الأوسط[35].

(2) دور الموازن الإيراني  في إستراتيجية الصينية بالشرق الأوسط

لطالما قدّمت السياسة الخارجية لجمهورية الصين الشعبية (PRC) نفسها كسياسة موجهة بالمصالح تجاه دولة أو منطقة معينة. وكانت المصالح الاقتصادية عادة في المقدمة. لكن تغيّر هذا النهج مع تولّى قائد الصين شي جين بينغ السلطة في عام 2012؛ فمنذ ذلك الحين، اتّسع نطاق المصالح الصينية واضحاً ليتجاوز القضايا الاقتصادية. وبخاصة، في ظل سعى بكين إلى ترسيخ صورة الصين كقوة عالمية واثقة من نفسها – وليست فقط كقوة إقليمية مناوئة للولايات المتحدة.

ومع تزايد أهمية الشرق الأوسط للصين وتشابك المصالح مع الولايات المتحدة في منطقة نفوذها التقليدي، سعت الصين إلى تبنى سياسة خارجية غايتها موازنة التأثير الجيوستراتيجي للولايات المتحدة بالشرق الأوسط باستخدام وسائل ناعمة وأخرى صلبة محدودة في آن واحد. وتعد إيران من الدول التي تلعب دور الموازن الجيوسياسي في السياسة الصينية التي تسعى إلى موازنة الولايات المتحدة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط. وقد تأهلت لهذا الدور بسبب توجهها المناهض للهيمنة الأميركية في المنطقة، الأمر الذي جعلها تمثل محورًا جيوبوليتيكا للصين بالشرق الأوسط.

ونخلص مما سبق أن إيران بوصفها أحد أكثر الأنظمة معاداة للولايات المتحدة الأميركية في العالم،تعد ذات أهمية إيران لبكين في المجالات السياسية والإستراتيجية، إذ توفر طهران للصين طبقة حاسمة من العمق الإستراتيجي والعزل السياسي عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط الأوسع.، وبالتالي تمتد قيمة إيران للصين إلى ما هو أبعد من الاعتبارات الاقتصادية، ويترسخ في دورها كموازن جيوسياسي وشريك إستراتيجي موثوق في منطقة تشكل فيها المنافسة بين القوى الكبرى المشهد الأمني بشكل متزايد. لذلك وقع الاختيار على إيران لتكون محور الصين الجيوسياسي بالشرق الأوسط.

المطلب الثالث: المحور الإيراني في الجيوبوليتيك الصيني: مظاهر قوته وحدودها

بعد أن سبق وتعرفنا على دوافع اختيار الصين كمحور حيوسياسي لموازنة النفوذ الأميركي بالشرق الأول، يركز هذا المطلب على مظاهر قوة المحور الصيني الإيراني والأدوار التي تقوم بها إيران من أجل تحقيق هدف الصين الجيوسياسي وكذلك التحديات التي تواجهه في ظل متغيرات الواقع الجيوسياسي الدولي والإقليمي

أولاً: مظاهر قوة المحور الجيوبوليتيكي الإيراني الصيني

سعت الصين إلى تقوية محورها الإيراني ليكون لها بمثابة موطأ قدم جيوسياسي بمنطقة الشرق الأوسط من خلال عده مظاهر:

(1) إشراك إيران في التحدي الشرقي للهيمنة الأميركية المؤسسي والمصرفي والمالي:

فقد سعت الصين بمحورها الشرقي إلى تقويض الهيمنة الأميركية على المؤسسات الدولية خلال تقديم نظام جيوبوليتكي بديل النظام العالمي الجديد الذي تقوده الولايات المتحدة منذ انهيار النظام متمثل في نظام التكتلات الاقتصادية يقبل التعددية ولا يفرض نظام قيمي واحد على سائر الدول. وقد تزعمت الصين وروسيا هذا التحدي بالعمل علي إنشاء منظمات إقليمية تتحدي بها الهيمنة المريكية مثال منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة دول البريكس وانشاء مؤسسات مالية موازية للمؤسسات المالية الدولية مثل بنك التنمية الجديد الخاص بمجموعة دول البريكس ( 2015 ) والبنك الأسيوي للاستثمار في البنية التحتية AIIB (2015) وكذلك اقامت الصين صندوق طريق الحرير عام 2014. [36].

وقد كان من نتائج السياسة الجيوسياسية للصين قرار إدخال إيران إلى عضوية منظمة شانغهاي للتعاون في 2023 بعد أن كانت تحظى بصفة مراقب منذ 2005 وبعد رفض الأعضاء على راسهم روسيا والصين طلبها للانضمام كعضو منذ 2008 لعدم رغبة الصين وروسيا وقتها في سحب المنظمة إلى صراع إيران مع الغرب، وقد أزاح الغزو الروسي لأوكرانيا وتصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة الأميركية والصين تلك المخاوف وفتحت العضوية لإيران لإرسال إشارة إلى الولايات المتحدة من قبل الصين وروسيا وباقي أعضاء المنظمة بأنهم ينوون تعميق مشاركتهم مع إيران حتى ضد الرغبة الأميركية.

ومع انضمام كل من مصر والسعودية وقطر كشركاء حوار، وضعت المنظمة أساسًا لتبادل أوثق مع الشرق الأوسط في المستقبل. ومع أهمية المنظمة بالنسبة للصين إذ تعد أداه لانخراط الصين في أسيا الوسطى وجنوب أسيا وغربها، فقد وظفتها الصين لتوسيع قدراتها العسكرية في آسيا الوسطى من خلال المناورات العسكرية وبناء علاقات دبلوماسية مهمة تمكنها من نشر نفوذها في آسيا الوسطى وما وراءها. وتعد إيران انضمامها كمكسب جيوسياسي لها، فهي ترى المنظمة التي تقودها قوتان تعتمدان منظورها ضد الهيمنة وهما روسيا والصين، بمثابة جبهة مضادة للناتو يمكنها موازنة النفوذ الغربي.

كما ترى فيها فرصة لإعادة تمثيل صورتها العالمية وتجاوز عزلتها المفروضة عليها غربيًا وتعزيز اقتصادها بتعميق التعاون الاقتصادي مع الدول الأعضاء والدول المشاركة في مبادرة الحزام والطريق. كذلك انضمت إيران إلى عضوية مجموعة البريكس والمؤسسات التابعة لها والتي رأتها استثمارا طويل الأجل خاصة في ظل احتدام المنافسة الصينية الأميركية وتوسع دور المؤسسات الدولية غير الغربية في النظام الدولي[37].

من جانب آخر، فقد اجتمعت الصين وإيران في مصلحة واحدة متمثلة في تخطي النظام المصرفي والمالي الغربي، وذلك من خلال محاولات استبدال النظام المصرفي SWIFT الدولي للخدمات المصرفية وتفعيل نظام المدفوعات الصيني CIPS بديلا عن السويفت أو نظام FIN Tec الصيني الذي تستخدمه إيران والذي يقرب الصين من حلمها بجعل اليوان عملة أجنبية احتياطية رئيسية بدل الدولار. كما ظهر اهتمامهما بالعملات المشفرة وتشكل مبادرات الصين وروسيا وإيران حول العملات المشفرة بمثابة تهديدًا للعقوبات الأميركية وللعالم المصرفي ككل[38].

(2) دعم الشراكة الاقتصادية مع إيران

وفقًا لوضع إيران كدولة منتجة رئيسية للنفط ومركز الصين كمستهلك رئيسي للموارد الهيدروكربونية، يتضح أن المجال الرئيسي للتعاون الاقتصادي بين البلدين يتمحور في قطاع النفط والطاقة. ورغم استمرار العقوبات الاقتصادية، فإن إيران ترى تصدير نفطها إلى الصين خطّاً حيوياً لاقتصادها.

أما الصين، فتعتبر أن الوصول الطويل الأمد إلى موارد النفط في دولة خليجية خارجة عن النفوذ الأميركي ضرورة لنظامها الضامن للأمن الطاقي. فبالنظر إلى العلاقات الإستراتيجية الوثيقة بين الدول الخليجية الكبرى المنتجة للنفط، مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة، مع الولايات المتحدة، تخشى الصين أن تُحجم هذه الدول عن بيع النفط إليها إذا تصاعد التوتر بين بكين وواشنطن، خاصةً أن نصف واردات الصين من النفط تأتي من دول الخليج[39].

وتعد الصين مشتر النفط الخام الإيراني الأكبر بوضوح، وتشتري ما يزيد على 90 في المئة (شكل 1) وغالباً يكون الشراء بخصم قوي يتراوح بين 8 و10 دولارات لكل برميل. وقد استوردت الصين في عام 2025 ما يقرب من 1.4 مليون برميل يومياً من النفط الإيراني، وهو ما شكّل نحو 12 في المئة من إجمالي وارداتها من النفط الخام. تُترجم مشتريات الصين للنفط الإيراني إلى عشرات المليارات من الدولارات سنوياً كعائدات لطهران (حوالي 31.2 مليار دولار في عام 2025)، حتى مع الخصم. وتشكل عائدات النفط من الصين نحو 45 في المئة من الميزانية الحكومية الإيرانية. [40]

شكل رقم (2): وجهة تصدير النفط الخام الإيراني خلال يناير 2020–يناير 2026

Source: United Against Nuclear Iran, Iran Tanker Tracker.

أما عن الجانب التجاري والاستثمار، فتعد الصين أكبر شريك تجاري لإيران، فهي تحافظ على روابط تجارية واسعة رغم العقوبات الأميركية والمتعددة الأطراف المفروضة على طهران. وفي 2025، أعلنت الصين عن إجمالي تجارة ثنائية مع إيران بلغ 9.96 مليار دولار وهو رقم لا يشمل حجم صادرات النفط الخام الإيرانية غير المعلنة إلى الصين التي تبلغ نحو 31.2 مليار دولار من في العام نفسه، والتي لو دُمِجت فستُشكّل أكثر من 75 في المئة من إجمالي التجارة الثنائية.

تعززت هذه العلاقات الاقتصادية بـاتفاقية الشراكة الإستراتيجية الشاملة الموقعة في 2021، والتي تعهدت الصين بموجبها بتقديم استثمارات قد تصل إلى 400 مليار دولار على مدى 25 عاماً بقطاعات الطاقة والبنية التحتية، مقابل نفط رخيص وموقع إستراتيجي في مبادرة الحزام والطريق الصينية. والملاحظ أنه في السنوات التالية لم تُنفَّذ سوى استثمارات محدودة، بسبب تردد الشركات الصينية الناتج عن العقوبات. غير أن صحيفة وول ستريت جورنال أفادت في أكتوبر 2025 عن اتفاق على نموذج تبادل النفط مقابل البنية التحتية يشمل شركة التأمين الصينية المملوكة للدولة سينوسور، وقد يكون قد سهّل سراً استثمارات تصل إلى 8.4 مليار دولار في عام 2024.[41]

(3) دعم التعاون الامني والعسكري

كانت الصين من كبار مزوّدي إيران بالأسلحة التقليدية في ثمانينيات القرن الماضي، لكنها كادت توقف هذه التدفقات في عام 2015 بعد أن توسّع قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2231 في الرقابة الدولية على مثل هذه التبادلات[42]. وقد مثّل عصر شي جين بينغ فصلاً جديداً في التعاون الدفاعي بين البلدين، فخلال زيارته عام 2016، وقّع البلدان اتفاقاً لتعزيز التعاون في مجالات التدريب، ومكافحة الإرهاب، والمعدات والتكنولوجيا، واتفقا على إنشاء لجنة مشتركة بين قيادتي الأركان، بهدف تكثيف التنسيق في كافة جوانب العلاقات العسكرية[43].

وفي السنوات الأخيرة، تكثف التعاون الأمني في بيع ونقل تكنولوجيات ذات استخدام مزدوج وتقنيات الدفاعية المتصلة بتطوير الصواريخ والطائرات المُسيَّرة. عُثر في الطائرات المُسيَّرة الإيرانية، سواء تلك التي تستخدمها جماعات ميليشياتها الإقليمية أو تلك التي صُدِّرت إلى روسيا لاستخدامها في أوكرانيا، على مكونات صينية، من بينها مستشعرات ومحوّلات جهد ورقائق شبه موصلية. في عام 2021 منحت الصين إيران إمكانية الوصول الكامل إلى نظامها الإبحار بالقمر الصناعي بيدو BeiDou. غير أنه لا يزال من غير الواضح إلى أي مدى تستخدم الموارد العسكرية الإيرانية هذا النظام مقابل نظام GPS الخاضع للسيطرة الأمر يكية[44].

ويلاحظ إنه نادرًا ما يحدث التعاون الدفاعي الثنائي المباشر بين الصين وإيران وتمثل «حِزام الأمن البحري 2023» و«رابطة الأمن 2024»، أحدث مناورتين أجريتن بالمشاركة المشتركة بين البلدين اللتان أُجريتا في خليج عُمان، وسعيتا إلى حماية الأمن البحري الإقليمي معاً. فعادة تتم التفاعلات العسكرية المباشرة ضمن إطار ثلاثي أو متعدد الأطراف، ومنها تمارين بحرية سنوية مشتركة بين الصين وإيران وروسيا بدأت في عام 2019.

كما استخدمت الصين وإيران منظمة شنغهاي للتعاون وبريكس لتعزيز التعاون العسكري، فقد استضافت إيران الصين ودول أعضاء أخرى في تدريب عسكري تابع لمنظمة شنغهاي للتعاون في ديسمبر 2025. وفي يناير 2026 كانت إيران تنوي المشاركة في مناورة بحرية مشتركة يقودها الصين ضمن إطار بريكس بلس، تشمل روسيا وجنوب أفريقيا والإمارات العربية المتحدة ودول ومراقبين آخرين. لكن الدولة المضيفة لهذا التمرين، جنوب إفريقيا، دعت إيران إلى الانسحاب من الفعالية، ويبدو أنها خرجت منها فعلاً[45].

(4) توفير مظلة دبلوماسية لإيران وخلق طرق للالتفاف على العقوبات

منذ 2015 زادت الصين من انخراطها الدبلوماسي مع إيران، فعلى الرغم من موقفها الرافض لامتلاك إيران السلاح النووي إلا أن دعمها الدبلوماسي لإيران في ملفها النووي بدا ملحوظا من خلال مشاركتها الأصلية في خطة العمل الشاملة المشتركة JCPOA ودعمها لها وما تبعه من رفع تدريجي للعقوبات المفروضة عليها بموجب الاتفاقية ودعمها حق إيران في برنامج نووي سلمي[46].

في سبتمبر 2025، ومع استخدام فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة آلية التفعيل السريع snapback بسبب ما وصفته بـعدم الامتثال الجوهري من إيران لالتزاماتها في الاتفاق، عارضت الصين بند إعادة فرض العقوبات. وتفيد عدة تقارير على وجود عدة طرق تستخدمها الصين للالتفاف على العقوبات، فمن جهة تشارك الكيانات الصينية في عدة مراحل من منظومة معقدة لاستيراد النفط الإيراني وتسهيل الدفع له. فالسلطات الجمركية الصينية لا تُبلّغ رسمياً عن واردات النفط الإيراني، بل تُصوِّرها على أنها منشؤها من دول أخرى، غالباً ماليزيا وعُمان والإمارات. يُنقل النفط على ناقلات بحرية قديمة تُعرف بـ أسطول النقل الظلامي التي تُخفّي نشاطها عبر استخدام أعلام أجنبية، وتعطيل جهاز التعريف الآلي (AIS)، وتزوير موقعها الجغرافي، وتنفيذ عمليات نقل من سفينة إلى أخرى في البحر. ويتم تكرير أغلب هذا النفط في مجمعات من المصافي المستقلة البراميل التي تُفصل إلى من النظام المالي الدولي لتقليل تعرّضها للعقوبات.

ومن جهة اخرى، تساعد الصين إيران على الوصول إلى التكنولوجيات الخاضعة للرقابة والمستخدمة في برامجها للطائرات المُسيَّرة والأسلحة، كما تُسهِّل تفادي القيود على الصادرات لإيران عبر شبكة من شركات الترانزيت والشركات الوهمية في هونغ كونغ والصين وبلدان ثالثة. تُستخدم هذه الأساليب التمويهية لتزويد إيران بمكونات ذات استخدام مزدوج لبرامجها للطائرات المُسيَّرة والصواريخ. اعتباراً من 13 نوفمبر 2025، كان 366 كياناً صينياً وكياناً مقرّه هونغ كونغ مدرجين على قائمة الأفراد والكيانات المُصنَّفة خاصّة (SDN) في إطار برامج عقوبات مرتبطة بإيران.

 ومن جهة ثالثة، تلعب الصين وهونغ كونغ دوراً محورياً في تسهيل الدفع مقابل الأنشطة الإيرانية الخاضعة للعقوبات. فتعمل شبكة من الشركات الوهمية والمصارف الصغيرة الإقليمية على إجراء المدفوعات باستخدام عناوين مزيفة وفواتير مزورة، غالباً عبر هونغ كونغ. تستخدم إيران شبكة معقدة من المؤسسات المالية لغسل معظم عائدات اليوان (RMB) من مبيعات نفطها إلى النظام المالي العالمي[47]. وهناك أمثلة كثيرة أخرى على محاولات الصين تجاوز العقوبات رغم أن التقارير الرسمية تفيد بعكس ذلك على نحو ما سيتضح في المطلب التالي.

ويتضح مما سبق أن العلاقات الصينية الإيرانية أخذت في التطور على مدى العقود من تعاون محدود إلى شراكة إستراتيجية واسعة تشمل الأبعاد الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية، وهي أبعاد تقف بشكل مباشر في مواجهة المصالح الأميركية، إذ يمتلك البلدان تاريخ من التحدي للولايات المتحدة والغرب ويريان شراكتهما وسيلة لموازنة النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط ولتحقيق هدف تقويض النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية. ولكن رغم المصالح المشتركة بينهما، فعلاقتهما لا تخلو من التحديات التي تعرقل قوة وعمق هذه الشراكة وحدود تأثير هذا المحور الجيوسياسي. 

ثانيًا: حدود المحور الجيوبوليتيكي الإيراني الصيني

على الرغم من وصول العلاقة الصينية الإيرانية إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية الشاملة التي تصنف فيها الدبلوماسية الصينية هذه العلاقات على إنها متعددة الأبعاد، ومستقرة، وطويلة الأجل، وتتجاوز الاختلافات في القيم الأيديولوجية والنُظم السياسية، إلا أن الاتفاقية التي وقعها الطرفان في مارس 2021 أي بعد ما يقرب من ستة سنوات على اقتراحها من قبل رئيس الصين شي جين بينج اثناء زيارته لطهران عام 2016، أثارت جدلًا واسعًا حول مدى جديتها ومدى أهميتها في تعزيز المحور الصيني الإيراني في مواجهة التفوذ الأميركي بالشرق الأوسط. وفي حقيقة الأمر أن تنفيذ بنود هذه الاتفاقية أو تفعيل الشراكة الإستراتيجية بين البلدين لا يزال مرهون بعدة تحديات وقدره الطرفين على التعامل معها وهي بدورها تحديات للمحور الصيني الإيراني وقدرته على الصمود وهي كالتالي

(1) العامل الأميركي وحدود براجماتية الطرفين

كما يعد العامل الأميركي نقطة التقارب الجيوسياسي بين الطرفين الذي شكل الدافع الأساسي لتكوين محورهما، يمثل هذا العامل أيضًا نقطة ضعف له، ويرجع ذلك بالأساس إلى العنصر البرجماتي الذي يتخلل سياسة البلدين ويحدد أولياتهما. فتكون المحور الصيني الإيراني كان يهدف بالأساس إلى مناهضة الهيمنة الأميركية وموازنة نفوذها بالشرق الأوسط، كما أن العلاقات الصينية الإيرانية لا تزداد قوة وترابطًا إلا في ظل توتر علاقتهما مع الجانب الأميركي.

ومن أهم الشواهد الواقعية على ذلك هو توقيع اتفاقية الشراكة الإستراتيجية الشاملة في مارس 2021، إذ أن الاتفاق قام بالأساس كرد فعل على الضغوط التي يتعرض لها الطرفان من قبل الولايات المتحدة، وليس أدل على ذلك من تأخر التوقيع على الاتفاق لمدة 7 سنوات من كتابة مسودته الأولى، حيث سعت إيران للتواصل مع الغرب، غير أن هذه المساعي لم تقابل بنجاح يذكر، في حين حاولت الصين السير قدمًا في توسعة نفوذها الاقتصادي حول العالم في منافسة قوية وبما يشبه الحرب الباردة مع الولايات المتحدة الأميركية، فيما انتهي الأمر بعقوبات أميركية تجارية على الصين، مست مصالح أقوى الشركات الصينية وأهمها. وبالتالي فإنه في حال التوصل إلى توافق إيراني مع الغرب، أو تفاهم صيني أميركي، سيكون هناك احتمال لمراجعة الاتفاق. [48]

ويعد ذلك دليل على أن العامل الأميركي بصفة خاصة والعلاقات بالغرب بصفة عامة تقع في أولويات السياسة الخارجية للطرفان.

فالصين كقوة تعديلة في النظام الدولي ورغم رغبتها في تحدي الهيمنة الأميركية إلا أن المواجهة المباشرة معها أو خسارتها بشكل نهائي لا يكون في مصلحتها بحكم البراجماتية التي تدفعها إلى تحقيق المكاسب بأقل قدر من الأضرار، فمصالح الصين والولايات المتحدة ما تزال متشابكة بشكل عميق منذ فترة طويلة. على سبيل المثال، تجاوز حجم التبادل التجاري بين الدولتين في عام 2024 حوالي 660 مليار دولار، وتصل الأرباح السنوية لأكثر من 70 ألف شركة أميركية تعمل في الصين إلى 50 مليار دولار.

ومن جهة أخرى، تدعم الصادرات الأميركية إلى الصين وحدها 930 ألف وظيفة في الولايات المتحدة، وأثْرَت السلع الصينية خيارات المستهلكين الأميركيين وخفَّضت تكاليف معيشتهم. وتمثل إيرادات شركتي كوالكوم وإنتل الأميركيتين في السوق الصينية نحو ثلثي وربع إيراداتهما العالمية على التوالي؛ مما يُظهِر أن هناك مساحة كبيرة للتعاون بين الصين والولايات المتحدة، وأن التعاون بينهما يمكن أن يحقق في المستقبل منافع متبادلة ونتائج مربحة للجانبين.[49] وهو الأمر الذي أعربت عنه الصين مع بداية فترة رئاسة ترامب الثانية على لسان وزير خارجيتها وانغ يي عندما أكد على أهمية التعاون بين بكين وواشنطن، مشيرا إلى المصالح المشتركة والمساحة الكبيرة لتطوير التعاون الثنائي.[50]

وقد أثر العامل الأميركي على سياسة الصين تجاه إيران إذ أضفى عليها ازدواجية واضحة في مواقفها تجاهها، وهي ازدواجية نابعة من معضلة التوفيق بين علاقة متنامية مع طهران وبين مواصلة الانخراط الشامل مع الغرب خاصة مع الولايات المتحدة الأميركية، لذلك سعت الصين إلى تكييف سياستها تجاهها حسب علاقتها بالغرب ومصالحها الحيوية.

فعلى سبيل المثال، على الرغم من دعمها الخطابي لانضمام إيران إلى منظمة شنغهاي للتعاون (SCO)، رفضت بكين قبول طهران في يونيو 2016، خوفًا من أن يُعطي هذا عضويةً منظمة شنغهاي نغمةً أكثر عداءً للغرب. وفي مثال آخر، ونظرًا لاحتمال تأثير الأزمة النووية الإيرانية سلبًا على العلاقات الصينية–الأميركية، صوّتت الصين «بأي» على القرارات الأربعة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة 1737 (2006)، و1747 (2007)، و1803 (2008)، و1929 (2010)، لكن في ذات الوقت بذلت قصارى جهدها لتقليل الأضرار على تعاونها الاقتصادي مع إيران. وتظهر ذلك أيضا في تعاملها مع العقوبات الإيرانية، فهي تستطيع التأثير مباشرة على فعالية العقوبات المفروضة على إيران بالالتفاف عليها وفي الوقت نفسه، تتردد في المجازفة بمصالحها بالوقوف صراحةً في مواجهة الغرب دفاعًا عن إيران[51].

أما إيران، فهي ترغب أيضًا في قدر من حرية المناورة كقوة إقليمية تسعى للحفاظ على مصالحها، والمتتبع للسياسة الإيرانية في الماضي والحاضر يرى نجاجها في استغلال الصراعات بين القوى العظمى لتحقيق مصالحها خاصة في حالة وجود فراغ قوة، فهي أيضًا تتعامل ببرجماتية، كما إنها تدرك أن التقارب مع الغرب سوف يحقق لها مصالح جيواقتصادية كرفع العقوبات وتوسيع الاستثمار الاجنبي في إيران ودفع دول الاتحاد السوفيتي السابق لتصدير نفطها إلى وعبر إيران كما إن تحسين علاقتها مع الغرب سوف يؤدي في المدى الطويل إلى إحياء دورها المرسوم لها أثناء الحرب الباردة كحصن غربي منيع في مواجهة خصوم الولايات المتحدة كروسيا والصين، أي أن وجود إيران في الفلك الغربي سيضربالتاكيد بمصالح الصين الجيوسياسية وهذا السيناريو قد يجعل من المحور الإيراني الصيني دربًا من الخيال.

ويظهر ذلك التفضيل للغرب واضحًا بعد توقيع الخطة الشاملة المشتركة للعمل (JCPOA) عام 2015، إذ أشارت إيران إلى تفضيل واضح لإعادة الانخراط مع الغرب، طالبة التعاون مع الشركات الأوروبية في صناعات السيارات والنفط، رغم عروض صينية متعددة. أُعيد توجيه هذا الاتجاه بشكل دراماتيكي بعد انسحاب الولايات المتحدة من JCPOA عام 2018 وإعادة فرض العقوبات الأحادية اللاحقة، والتي دفعت طهران فعلياً نحو المدار المعادي للغرب بدافع الضرورة الاقتصادية ومخاوف بقاء النظام[52].

(2) العقوبات على إيران وحدود التعاون الاقتصادي

تُواجه إيران مجموعة واسعة من العقوبات الأميركية والدولية تهدف إلى وقف تطوير برنامجيها النووي والصواريخ وتعاقب دورها في الإرهاب الدولي والعدوان الإقليمي وانتهاكات حقوق الإنسان.[53] وقد كانت لهذه العقوبات تأثير قوى على الاقتصاد الإيراني وعلى علاقتها الاقتصادية الدولية. وقد كانت الصين من بين الدول التي تأثرت علاقتها بإيران بسبب العقوبات ولو أن هذا التاثير لم يكن على نفس النهج دائمًا. فقد كانت الصين تستفيد من العقوبات المفروضة على إيران أثناء العقد الأول من القرن الحالي والتي كان يفرضها مجلس الأمن الدولي في 2006 والتي عززت في 2009 وذلك كان مع انسحاب الشركات الأوروبية من إيران واحلال الصين محلها كأكبر مزود لقطع الغيار الصناعية وآلات التصنيع لإيران وازداد على إثرها التجارة السنوية بين البلدين أكثر من تسعة أضعاف خلال تلك الفترة من 2003 إلى 2014.

لكن مع العودة التدريجية لموجة العقوبات التي أعقبت الانسحاب الأميركي من JCPOA عام 2018، عانت العلاقة الاقتصادية بين الصين وإيران إضطرابات كبيرة. فقد أُجبرت شركات صينية بارزة، بسبب العقوبات، على تخفيض أو وقف تعاملها مع إيران. في 2019، على سبيل المثال، انسحبت مؤسسة البترول الوطنية الصينية المملوكة للدولة (CNPC) من مشروع تطوير الغاز الطبيعي في حقل جنوب بارس بقيمة 5 مليارات دولار أميركي، وهو الذي كان سيكون أكبر مشروع استثماري صيني في إيران حتى الآن، ومثال آخر على الشركات الصينية التكنولوجية التي غادرت إيران هو شركة لينوفو للكمبيوتر، التي منعت موزعيها في 2019 من بيع منتجاتها في السوق الإيرانية، أو شركة هواوي، التي سُجّل أنها انسحبت في مارس نفس السنة من معظم موظفيها الـ 250 في إيران.

كذلك ضغطت الولايات المتحدة حتى على كيانات مثل بنك كونلون الصيني لوقف التحاويل مع إيران، محدّدةً قدرة بكين على توسيع بصمتها الاقتصادية وبينما استمرّ استيراد النفط غير المشروع سراً كما سبق أن ذكرنا في التفاف الصين على العقوبات، غير أن البيانات الرسمية ترسم صورة مختلفة، انخفضت واردات الصين الرسمية من النفط الإيراني بنسبة 94٪، وملأت دول الخليج العربية الحصة[54].

وبعبارة أخرى، بينما استفادت الصين من العقوبات في البداية، لم يعد هذا الوضع قائماً بسبب العلاقة المتوترة بين الولايات المتحدة وإيران، فضلاً عن تفاقم الصراعات بين الولايات المتحدة والصين منذ 2018 [55]، وهو الأمر الذي جعل من «الشراكة الإستراتيجية الشاملة» بين الصين وإيران أكثر تعقيداً من العلاقات المماثلة في المنطقة. هذا إلى جانب التأثير المحدود الذي يعود على إيران من جراء انضمامها إلى مجموعة ال BRICS والتي عدته السلطات الإيرانية إنجازاً تاريخياً كبيراً، بسبب العقوبات الثانوية المفروضة من الولايات المتحدة، ورفض طهران التصديق على اتفاقات (مجلس العمل المالي (FATF ولهذا، سيكون من غير المرجّح أن تُحقّق إيران تفاعلات اقتصادية واسعة مع دول BRICS+، بخلاف الصين وروسيا المُعاقبتين، على الأقل في المستقبل القريب، إذ يُعدّ العضوية في BRICS+ وسيلة لكسر العزلة السياسية الإيرانية، ومساهمة في إعادة تنشيط صورتها الدولية، فهي بالنسبة لإيران استثماراً إستراتيجياً طويل الأجل، خصوصاً مع احتدام المنافسة بين الصين والولايات المتحدة، وتوسّع دور المؤسسات الدولية غير الغربية في تشكيل النظام الدولي.[56]

(3) العلاقة الصينية بخصوم إيران الاقليمييندبلوماسية التوازن الصيني

تسعى الصين إلى إدارة شبكة معقدة من العلاقات بين الخصوم في المنطقة تحت مسمى التوازن الاسترتيجي الصيني أو دبلوماسية التوازن الصيني، وهو ما يضع الصين في موضع الدولة البراجماتية الساعية لتحقيق مصلحتها والشريك الإستراتيجي الحذر غير الملتزم وقت الأزمات[57]. وتظهر دبلوماسية التوازن جليًا في علاقة الصين بخصوم إيران الإقليميين سواء دول الخليج العربية أو دولة إسرائيل، إذ ترى الصين في هذا النهج المتوازن ضرورة للحفاظ على مصالحها المتنامية في الشرق الأوسط.

 فبالنظر إلى علاقة الصين بدول الخليج العربية، نجد إنها تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة. فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت[58].

شكل رقم (3): أهم موردي النفط الخام للصين لعام 2025([59])

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.كما امتد التعاون إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة إستراتيجية متعددة الأبعاد[60].

أما بالنسبة للعلاقات الصينية–الإسرائيلية فتعد أحدث نسبيًا مقارنةً بالعلاقات الصينية–الإيرانية، إذ لم تُقام العلاقات الدبلوماسية الرسمية إلا في يناير 1992، بعد فترة حفاظ الصين خلال الحرب الباردة على مسافة من إسرائيل وتركيزها على القضايا العربية والفلسطينية، رغم أن إسرائيل كانت أول دولة شرق أوسطية تعترف بالصين الشعبية عام 1950. ومع نهاية الحرب الباردة تسارعت علاقات التعاون، وبلغت ذروتها بقرار إقامة شراكة شاملة مبتكرة في 2017، وصعود حجم التجارة الثنائية من 50 مليون دولار في 1992 إلى أكثر من 10 مليارات بحلول 2013، ونحو 17–21 مليارًا في أوائل 2020. وترتكز العلاقة على ركيزتين: التجارة بالسلع واستثمار وتبادل تكنولوجي، حيث تستورد إسرائيل من الصين سلعاً استهلاكية وصناعية واسعة، وتصدّر إليها سلعًا عالية التقنية. هذا إلى جانب تدفق استثمارات صينية كبيرة في الشركات الناشئة والتكنولوجيا الإسرائيلية منذ 2007، وقد سهلت ذلك إطارات مثل لجنة إسرائيل-الصين المشتركة للتعاون في الابتكار (التي أُنشئت عام 2015) لتعزيز الشراكات في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي وأمن المعلومات والأجهزة الطبية والزراعة. ورحبت الشركات الإسرائيلية بالرأسمال الصيني والوصول إلى السوق، رأت في الصين فرصة هائلة للتوسع. بالتوازي، فازت شركات البناء الصينية بعقود بنية تحتية كبرى في إسرائيل. على سبيل المثال، بنت الشركات المملوكة للدولة الصينية وتدير الآن محطات موانئ جديدة في حيفا وأشدود، معززة سعة التجارة البحرية لإسرائيل.

كما تحفر الشركات الصينية أنفاقاً لسكة الحديد الخفيفة في تل أبيب وبنت محطات طاقة وطرقاً سريعة في إسرائيل. غالباً ما ترتبط هذه المشاريع برؤية الحزام والطريق – بسبب موقع إسرائيل الإستراتيجي الذي يربط طرق التجارة المتوسطية بآسيا جعلها عقدة اهتمام لخطط الاتصال الصينية.، وهو الأمر الذي جعل الصين أحد أكبر الشركاء التجاريين لإسرائيل عالميًا، وثاني أكبر شريك بعد الولايات المتحدة في أوائل عقدها الثاني

تمثل العلاقات المتوازية للصين بين إيران وخصومها من أهم تحديات المحور الجيوسياسي الصيني الإيراني فهو عامل شك دائم في نوايا الطرف الصيني وسلوكه البراجماتي وحائل دون وصول العلاقة الإستراتيجية إلى تحالف إستراتيجي ملزم،  وقد كان لإستراتيجية التوازن المتبعة من قبل الصين  تأثير على علاقات الصين بإيران على كافة المستويات:

فعلى المستوي الاقتصادي، نجد إنه على الرغم من التزام الـ400 مليار دولار للصين بموجب توقيع اتفاقية الشراكة الإستراتيجية عام 2021 والذي يشير إلى دور حيوي لإيران في التخطيط الاقتصادي الصيني، تكشف بيانات تجارة الطاقة عن تناقض كبير في حجمها، ويرجع ذلك ليس إلى العقوبات الدولية فحسب بل لإستراتيجية تنويع الطاقة لبكين، فقد انخفض الاعتماد الاقتصادي على النفط الإيراني بشكل حاد على مدى العقد الماضي وانخفضت واردات الصين من الوقود المعدني الإيراني دراماتيكياً من 23 مليار دولار في 2011 إلى 165 مليون دولار فقط بحلول 2021.³، مقارنة بحجم واردتها بدول الخليج العربية [61]، ويبرز الفجوة الهائلة بين الالتزامات المعلنة للصين وحجم التجارة الفعلي أن ركيزة إيران تخدم أساساً كتأمين جيوسياسي ومصدر نفوذ إستراتيجي، لا كمكون أساسي لإمدادات الطاقة المستقرة للصين. فالعلاقة في جوهرها تبدو علاقة مريحة للصين، إذ تمكنها من الوصول إلى نفط مخفض دون الاعتماد الهيكلي. لذلك نجد أن تواضع الروابط الاقتصادية والاستثمارية الصينية مع إيران مقارنة بانخراطها الواسع مع دول مجلس التعاون الخليجي يحتم على الصين الإشارة باستمرار إلى ترددها في الانخراط العميق مع طهران، محذرة من أن أي انحياز زائد قد يُهدد شراكاتها المتزايدة الأهمية مع دول الخليج العربي، لا سيما السعودية والإمارات.[62]

وعلى المستوى العسكري والدفاعي، يلاحظ تجنب الصين الدائم إبرام التزامات دفاعية رسمية تجاه إيران، ما يبرز الطابع غير المتكافئ للعلاقة. إذ تسعى طهران لتعزيز الانحياز الإستراتيجي، بينما تُعطي بكين الأولوية لموازنة علاقاتها مع شركاء آخرين في الشرق الأوسط وحدّ من التورط الأمني، وهو ما يجعل الصين شريك غير موثوق فيه في وقت الأزمات الإيرانية[63].

أما على المستوى السياسي والدبلوماسي: فإن ازدواجية الصين ورغبتها في توازن علاقاتها بين خصوم الشرق الأوسط، قد جعل صورتها في الداخل الإيراني مثيرة للجدل والانشقاقات بين أعضاء النخبة السياسية نفسها، ويمكن تقسيم النخبة الإيرانية التي تُنظّر للشراكة الإستراتيجية مع الصين إلى ثلاث مجموعات، لكل منها مقاربة مختلفة، ومقترحات متفاوتة للإستراتيجية الخارجية.[64]

المجموعة الأولى تتكون من المحافظين والمحافظين المتشدّدين الذين يُقرّون العلاقات الإيرانية–الصينية في سياق التنافس بين القوى العظمى، ويعتقدون أن نظاماً عالمياً جديداً يتشكل، يُتوقَّع فيه أن تحلّ الصين محل الولايات المتحدة، أو على الأقل أن ينشأ نظام ثنائي قطبين دولي جديد. ويرى هؤلاء في صراع القوى الكبرى فرصةً لتعزيز الصلات مع الصين وتعظيم المصالح الوطنية الإيرانية. وتمثّل «الرابطة المتشدّدة» هذه الفئة، ومن ضمنها تيار يُعرف باسم «جبهة الاستقرار» ومن منظور جيوبوليتيكي، يرى هذا التيار العلاقة الثنائية بين إيران والصين كضلع في مثلث ثلاثي، الضلعين الآخرين هما العلاقات الصينية–الأميركية والعلاقات الأميركية–الإيرانية. ويسَّر المتشدّدون الشراكة الدبلوماسية الصينية عبر عدسة التحالفات الأميركية، وبناءً على تاريخ طويل لوجود القوى العظمى في الخليج، يعتقدون أن تصاعد التوتر بين واشنطن وبكين سيُعزز إصرار الصين على توسيع حضورها الشامل في الخليج العربي. ويعتبرون ذلك فرصة لمواجهة الولايات المتحدة في الخليج، وبعبارة أخرى، يُعدّون الشراكة الإيرانية–الصينية جزءاً من إستراتيجية مضادة للاحتواء الأميركي في الخليج العربي.

أما المحافظون التقليديون، فيتبنّون مقاربة جيوبوليتيكية وجيوإقتصادية متزامنة للعلاقة الثنائية بين طهران وبكين. وبعد عقدين من المفاوضات النووية وخيبة أمل JCPOA، يعتقدون أن إيران ينبغي أن تجعل من الشراكة مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم إستراتيجية كبرى جديدة لها. ويدعون إلى استقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني لمساعدة إيران على إعادة إحياء اقتصادها، وتعزيز نفوذها الإقليمي، وضمان بقاء نظامها السياسي. ويُعدّ هذا المنظور سائداً بين أعضاء الإدارة الحالية، وخصوصاً في وزارة الخارجية.

كما يؤكد هذا التيار على ضرورة الحفاظ على علاقات متوازنة وتعاونية مع جميع القوى العظمى، بما في ذلك القوى الغربية وروسيا والصين. وتدعم هذه الفئة إستراتيجية «التحوط»، التي تُركّز على التفاعل مع عدد من الدول بدلاً من إعطاء تفضيل مطلق لأي طرف على الآخر. وكان هذا الاتجاه سائداً في أوساط المسؤولين في الإدارة السابقة، لكنه يحظى اليوم بدعم متزايد من بعض المحافظين، بسبب تدهور الوضع الاقتصادي الإيراني، والحاجة الملحة لتخفيف ضغط العقوبات.

وأخيراً، تُشير المجموعة الثالثة إلى أهمية كبيرة للحفاظ على علاقة متبادلة المنفعة مع الصين، نظراً لنمو قوتها الاقتصادية. لكنها تُجادل بأن إيران ينبغي أن تُعيد تقييم أولويات سياستها الخارجية، وأن تركز في المرحلة الأولى على حل الخلافات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وتعتقد أن فوائد الشراكة الإيرانية–الصينية لن تُستكمل بالكامل إلا بعد تخفيف التصعيد في النزاعات بين إيران والولايات المتحدة، وبين القوى الإقليمية المختلفة. ويمكن وصف الإستراتيجية التي تُقترحها هذه المجموعة بوصفها نوعاً من «الانضمام إلى مسار» الغرب في السياسة الدولية. وغالباً ما تلقى هذه الرواية دعماً من نخبة أكاديمية، وبعض السفراء والصانعين السابقين للسياسة، ومن ثم يتضح أن الداخل السياسي الإيراني لا يجتمع على أهمية هذا المحور بشكل مطلق مما يجعل تطوره مرهون أيضًا بالتيار الذي يهيمن على صناعة القرار ومقاربته للعلاقة.

أما عن الصين، فمع صعوبة تبني دبلوماسية الموازنة بين الخصوم، إلا إن مواقفها كانت شاهدة على تمسكها بهذا النهج المتوازن والحياد الإيجابي بين الأطراف خاصة في حالات الاحتكاك الدبلوماسي بين الخصوم. على سبيل المثال قد أثار البيان المشترك الصادر بعد قمة الصين-مجلس التعاون الخليجي استياءً رسمياً كبيراً في طهران، ويرجع ذلك إلى تأكيد البيان الصريح لدعم الحل السلمي للنزاعات الإقليمية بين إيران والإمارات حول ثلاث جزر في مضيق هرمز، والتي فسرتها إيران كانحياز صيني لدول الخليج.

علاوة على ذلك، دعت إلى حوار إقليمي لمعالجة الملف النووي الإيراني والأنشطة المثيرة لعدم الاستقرار وقد عمقت هذه الصياغة الانطباع بأن الصين تنضم إلى دول الخليج في الضغط على إيران في قضايا الأمن الإقليمي. ولمعالجة استياء إيران، استخدمت بكين أداتها الدبلوماسية سريعًا فقد نصت الصين في النسخة الصينية من البيان المشترك على دعوة الدول الإقليمية لمعالجة القضية النووية الإيرانية، الأنشطة الإقليمية المثيرة لعدم الاستقرار. أدى إدراج فاصلة إضافية إلى فصل الملف النووي عن قائمة الأنشطة المثيرة لعدم الاستقرار، مما خفف بمهارة الانطباع بأن إيران مسؤولة وحدها عن كل عدم الاستقرار الإقليمي المذكور في الفقرات اللاحقة.[65]

لكن لا يعد هذا التوجه الصيني أحد التحديات السلبية على علاقة طرفي المحور باستمرار، فمع محاولة الصين المحافظة على التوازن حتى في الخطاب لعدم خسارة أحد من الخصوم، وإدراكها أن التوترات التي قد تنتهي إلى حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. فإدراكها أن استقرار الشرق الأوسط شرط أساسي لحماية مصالحها الاقتصادية، دفعها إلى رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط[66]، وخطوة نحو تعظيم قدرتها التفاوضية، من خلال إظهار استعدادها للعمل مع جميع الأطراف، وفي الوقت ذاته تذكيرهم بأن لديها خيارات بديلة.

ويمكن اعتبار نجاح الوساطة الصينية بين الرياض وطهران تجسيداً عملياً لـمبادرة الأمن العالمي (GSI)  التي أطلقتها الصين في فبراير 2023، إذ شدّدت المبادرة على الالتزام الصيني (الذي تدّعيه) بحلّ الخلافات عبر الحوار السلمي والتشاور، ضمن نهج «عدم التدخل» واحترام سيادة جميع الدول، وهي الصورة التي تسعى بكين لترسيخها في الساحة الدولية وعبر تدخّلها في التوسط الدبلوماسي بين خصمين إقليميين،إذ تسعى لبناء صورة لنفسها باعتبارها رافداً للسلام والاستقرار، ودولة تلعب دوراً فاعلاً في إعادة تشكيل ديناميكيات الأمن الإقليمي[67]. وقد ينظر كثير من الإيرانيين إلى دور الصين في بيئة جيوبوليتيكية متغيرة، وخصوصاً في مقاربتي إيران–السعودية، بأنه بنّاء. ورغم أن جولات سابقة من المفاوضات قد مهّدت الطريق لاستئناف العلاقات الثنائية، فإن الوساطة الصينية كانت حاسمة في تفعيل هذه الخطوة على أرض الواقع.

مما سبق تجدر الاشارة إلى أن المحور الإيراني الصيني يظل قيد الإستراتيجية الصينية التي تتبناها تجاه الشرق الأوسط بكل مزايا وحدودها، وهي وإن استطاعت تحقيق المصالح الصينية وأهدافها بالمنطقة بأقل تكلفة، إلا إنها في وقت الأزمات التي يتعرض لها الشرق الأوسط بصفة عامة والتي تتعرض لها إيران بصفة خاصة تصبح هذه الإستراتيجية موضع تقييم وتصير حدودها مدعاه لإعادة النظر. وهو ما سوف تتناوله الدراسة في المطلب الثالث عند الحديث عن التحديات التي تواجهها جيوسياسة الصين أثناء الأزمات التي تعرض سيادة إيران ووجودها للخطر.

المطلب الرابع: المحور الإيراني الصيني في ظل الحروب الإسرائيلية الإيرانية

شهدت الفترة من 2024 إلى 2026 تصعيدًا في الصراع بين إسرائيل وإيران، تحول من حرب وكالة – بين إسرائيل وحلفاء إيران – إلى مواجهات مباشرة بينهما منذ إبريل 2024 وصولًا إلى حروب مفتوحة كحرب الإثنى عشر يومًا في يونيو 2025، ثم الحرب التي بدأت في 28 فبراير 2026 بضربات أميركية-إسرائيلية (زئير الأسد والغضب الملحمي) على طهران وقتل المرشد علي خامنئي، وعدد من القادة الإيرانيين، والتي أعقبتها ردات هجومية إيرانية مستهدفة إسرائيل ودول الخليج (الإمارات، السعودية، الكويت)، أسفرت عن خسائر مدنية وارتفاع أسعار النفط وإغلاق مضيق هرمز وانضمام حزب الله والحوثيين، وقد استمرت تبادل الضربات المكثفة لأسابيع إلى أن تم التوصل هدنة بوقف إطلاق في أبريل 2026.

ولكن رغم الهدنة المؤقتة المتفق عليها والتي تبقى مرهونة بالتزام الطرفين بها لحين التوصل إلى اتفاق يرضي الطرفين تبقى التساؤلات حول تداعيات تلك الحروب على العلاقات الصينية الإيرانية ومستقبلها مطروحة ومحل جدل.

فقد كثرت التحليلات الجيوسياسية حول الدافع الحقيقي للعدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، وأشار عدد من الباحثين حول العامل الصيني كدافع خفي للسلوك الأميركي العدواني، وتقوم حجج هذا الفريق حول ما تشهده الساحة الدولية من تنافس جيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين بعد أن أصبحت قوة عسكرية واقتصادية وتكنولوجية تهدد الهيمنة الأميركية الأحادية للنظام العالمي. ورأي أن الحرب على إيران هي فصل من فصول هذا التنافس وأحد المحاولات الأميركية لإحتواء الخطر الصيني من خلال إضعاف شركائه ومحاوره الجيوبوليتيكية، فإذا كان التدخل في فنزويلا واعتقال رئيسها هي أولى محطات إستراتيجية ترامب لاحتواء الصين باعتبارها مركزًا نفطيًا هامًا لها، فإيران هي المحطة الثانية باعتبارها محورًا رئيسيًا للصين بالشرق الأوسط وحليفًا لا غنى عنه في أمن الطاقة ومبادرة الحزام والطريق[68]، لذلك جاءت تحركات الأميركية منذ بداية هذا العام هادفة إلى تغيير سلوك النظام الإيراني متدرجة من سياسة الضغط الأقصى الأميركية إلى الهجوم العسكري المباشر والرغبة في تغببر النظام نفسه.

ومن هنا يظهر مدى ما تمثله الحروب الصهيوأميركية ضد إيران من تحديات للجيوسياسية الصينية بالشرق الأوسط، لذلك يركز هذا المطلب على الموقف الصيني إزاء التحديات التي تواجهها جراء تلك الحروب في محاولة لإظهار مدى تأثير العامل الإيراني في إستراتيجية الصين وثوابتها إزاء المنطقة بصفة عامة وتجاه محورها بصفة خاصة.

أولاً: تحديات الحرب على إيران والموقف الصيني منها

يتناول هذا المطلب كيفية تعامل الصين مع محورها الجيوسياسي الإيراني بالشرق الأوسط في حالة التصعيد ضده من قبل القوى الأميركية الإسرائيلية، ومن ملاحظة مجريات الأحداث في الحرب الأخيرة ضدها التي بدأت في نهاية شهر فبراير الماضي وانتعت حتى كتابة الورقة البحثية بهدنة مؤقتة من أجل إجراء المفاوضات وتسوية الصراع، نجد أن الأحداث قد كشفت عن عدة تحديات واجهت الصين وعن عدة فرص ظهرت في الأفق فجاءت تحركاتها محسوبة ببراجماتية حذرة أسفرت عن بعض المكاسب وذلك على النحو التالي:

(1) التحديات والفرص الصينية في ظل الحرب على إيران:

وضعت الحرب على إيران عدة تحديات أمام الصين منها هو متعلق بنهجها الدبلوماسي المتوازن التي تنتهجه تجاه دول الشرق الأوسط ومنها ما هو متعلق بأمن الطاقة وسلاسل الإمداد لديها

فأما بالنسبة لنهجها الدبلوماسي المتوازن الذي تتبناه السياسة الصينية في الشرق الأوسط حين تحاول الصين الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل من وجهة نظر الصين إلى ضرورة إستراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة[69]. وبالتالي يصبح الانحيار الكامل تجاه إيران يضر المصالح الصينية أكثر مما ينفعها خاصة أن الصين تحتاج إلى تجديد علاقتها بالولايات المتحدة الأميركية، فقد واجهت الصين مشكلة اقتصادية كبيرة منذ فرض الولايات المتحدة تعريفات كبيرة على بضائعها. وقد كان هذا موضوع قمة ترامب مع الرئيس شي جين بينغ القادمة. فالصين تحتاج إلى تعاون الولايات المتحدة، لذا لا تريد بكين الظهور كمؤيدة لإيران وبالتالي يكون دور الوسيط المحايد لمصلحتها[70].

اما بخصوص أمن الطاقة وسلاسل الإمداد، أدى تصاعد حرب إيران، إلى جانب تعطل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز أو تراجعها بشكل كبير، إلى إثارة مخاوف عالمية بشأن استقرار إمدادات الطاقة وسلاسل الإمداد، بما في ذلك لدى الصين، التي تُعد أكبر مستورد للنفط الخام وإحدى أكبر الدول استهلاكاً للبتروكيماويات في العالم. وتنبع هذه المخاوف في الأساس من المخاطر المحتملة، خاصة الصدمات التي قد تطال صناعات الغاز الطبيعي والبتروكيماويات، فضلاً عن الضغوط التضخمية المستوردة (ارتفاع أسعار السلع والخدمات محلياً نتيجة عوامل خارجية)، وهي عوامل تستدعي درجة أعلى من الحذر. لكن الجدير بالملاحظة، أن خلال هذه الأزمة تمتعت الصين بوضع أفضل من بقية دول آسيا لتحمل أزمة طاقة طويلة الأمد[71].

ففي السنوات الأخيرة، سعت بكين إلى تحصين نفسها ضد مثل هذه الصدمات وذلك من خلال:

(أ) تكوين احتياطيات نفطية كبيرة: فقد استوردت الصين العام الماضي نحو نصف احتياجاتها من النفط الخام ونحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط. لكنها في الوقت نفسه عززت مخزوناتها الإستراتيجية من الوقود الأحفوري بشكل كبير. خلال زيادة وارداتها على نحو ملحوظ أوائل عام 2026، نجحت في بناء احتياطي إستراتيجي يكفي لنحو 140 يوماً. وتشير التقديرات إلى أن الصين تمتلك أكبر احتياطيات طوارئ من النفط في العالم، بإجمالي 3 مليار برميل[72].

(ب) شراء النفط بأسعار منخفضة واستبدال الدولار: مع استقرار سعر خام برنت عند 109 دولارات للبرميل، بارتفاع نسبته 51 في المئة، منحت قدرة الصين على شراء النفط الروسي والإيراني اليوان الصيني هامشاً أوسع لاحتواء الصدمة التضخمية مقارنة بمنافسيها المرتبطين بالدولار. لكن الدعم الصيني لا يُعد حلاً مستداماً. فعلى الرغم من قدرة بكين على تحمل ارتفاع مؤقت في أسعار الطاقة، فإنها لا تستطيع تحمل استمرار الصراع فترة طويلة. ويرجع ذلك إلى أن ضعف الطلب المحلي يدفع الاقتصاد الصيني إلى الاعتماد على الصادرات، وهي مرشحة للتأثر على نحو ملحوظ بالتضخم خارج الصين وباضطرابات سلاسل الشحن. أما بالنسبة لخبر وقف إطلاق النار، فمن شأنه على الأرجح أن يُخفف بعض المخاوف الصينية على هذا الصعيد، وإن كان إعادة فتح مضيق هرمز أمام الناقلات المتجهة إلى الصين على أقل تقدير، هو الاختبار الحقيقي الذي سيكشف عن عمق الموقف الصيني وحدوده[73].

(ج)  تنويع مصادر واردات وطرق الأمداد:، حيث تتبع الصين سياسة التنوع في مصادر الإمدد، فالنفط الإيراني لا يشكل سوى 10% من واردات الصين النفطية، وقد ذكرت التقارير أنه في العام 2025 بلغ الإنتاج المكافئ لحصص النفط والغاز الخارجية، التي تمتلكها الشركات الصينية 196 مليون طن، مع وجود أكثر من 200 مشروع استثماري وتعاوني في مجال النفط والغاز يعمل في أكثر من 60 دولة ومنطقة حول العالم، تغطي 5 مناطق رئيسية هي آسيا الوسطى، وآسيا والمحيط الهادئ، والشرق الأوسط، وإفريقيا، والأميركيتين، ما أسهم في تشكيل شبكة متنوعة لإمدادات الطاقة الخارجية[74].

كما أن مضيق ليس فقط وسيلة الإمداد الوحيدة، فعلى سبيل المثال وُنقل ما يقرب من نصف الغاز المستورد إلى الصين عبر الأنابيب من روسيا وتركمانستان بموجب عقود طويلة الأجل[75]. لكن على الرغم من أن إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية لا يُعدّ مصدر قلقٍ نظري على المدى القريب إلا إن حرباً طويلة الأمد قد تُلحق الضرر بالبنية التحتية للنفط والغاز في إيران ومنطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي ستشكل مخاطر جسيمة، مهددةً أمن الطاقة الصيني، وربما تُؤدي إلى تباطؤ اقتصادي حاد.

إذ يعتمد اقتصاد الصين المُوجّه نحو التصدير على سلاسة حركة التجارة العالمية، إذ تُمثل الصادرات نحو 20 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، ويتم نقل معظمها بحراً، ومن شأن تأخيرات الشحن، وارتفاع تكاليف التأمين، وتغيير مسارات الشحن لتجنب نقاط الاختناق، أن تزيد من تكاليف المُصدّرين. وفي الوقت نفسه، سيؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى انخفاض الطلب العالمي، ما يُقلل المبيعات الخارجية، وينعكس سريعًا على الاقتصاد المحلي. لا يخدم أي من هذا مصالح بكين[76].

(د) استثمار مليارات الدولارات في الطاقة النظيفة مثل الرياح والطاقة الشمسية والمركبات الكهربائية.: استفادت بكين من تحولها المبكر في قطاع الطاقة، إذ كانت قد وجهت جزءاً كبيراً من استهلاكها المحلي نحو مصادر الطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية، وهو ما أتاح لها احتياطيات هيكلية جعلتها أقل تأثراً بالأزمة مقارنة بغيرها من الدول الآسيوية[77]. 

لكن على الرغم من أن بعض المحللين يرون أن تحول الصين نحو مركبات الطاقة الجديدة (EV) يساعد في تقليل واردات النفط الخام، فإن البيانات ذات الصلة لم تؤكد هذا الادعاء، بل إن التوسع الكبير في استخدام المركبات الكهربائية لم يؤدِّ إلى خفض واردات البلاد من النفط الخام. إذ لا يزال إجمالي استهلاك الصين من النفط كبيراً، إذ يبلغ الاستهلاك السنوي نحو 750 إلى 770 مليون طن، ما يجعلها ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم.

وقد بات استهلاك المنتجات البتروكيماوية يتجاوز استهلاك النفط المستخدم كوقود. فمعظم اللدائن الهندسية اللازمة لهياكل المركبات خفيفة الوزن، ومواد العزل الصوتي والحراري، والمطاط الصناعي في الإطارات، وكذلك فواصل البطاريات وطبقات عزل الأسلاك، تأتي من منتجات النفط الخام المعالجة بشكل أساسي. وهذا يعني أنه على الرغم من تراجع دور النفط كوقود، لايزال دوره كمادة خام في تزايد. لذلك فإن تأثير مركبات الطاقة الجديدة على صناعة النفط التقليدية سيستغرق وقتاً أطول ليظهر بشكل واضح، ولن تتراجع واردات النفط الخام المحلية فقط نتيجة استبدال البنزين بالطاقة الجديدة.[78]

لذلك، لا تنظر الصين إلى هذه الحروب وقدرتها على التكيف مع تداعياتها في المدى القريب بوصفها «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. معنى آخر،، فحتى وقت كتابة الورقة مازالت الحرب محدودة يمكن إدارتها كما إن التداعيات على المصالح الصينية مازالت محدودة يمكن تحملها، فالضربات المحدودة لا تراها الصين تهديدًا وجوديًا لمصالحها الاقتصادية لكنها تعارض تحولها إلى حرب مفتوحة تعرض مصالحها للخطر ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.[79]

(2) الموقف الصيني وتحركاته تجاه الأحداث:

يتماشي الموقف الصيني من الحرب على إيران مع رؤيتها الأمنية العالمية التي صاغتها في مبادرة الأمن العالمي والتي تتحدث صراحة عن إزالة الجذور العميقة للنزاعات، وتحسين الحوكمة الأمنية العالمية، وتشجيع الجهود المشتركة من أجل سلام دائم وتنمية مستقرة. كما تؤكد الالتزامات الستة الشهيرة للمبادرة، وفي مقدمتها احترام سيادة جميع الدول ووحدة أراضيها، والالتزام بمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وأخذ الهواجس الأمنية المشروعة لجميع الدول على محمل الجد، وتسوية الخلافات بالحوار لا بالمواجهة والأحلاف. وعليه، فإن اعتراض الصين على الحرب لم يكن مجرد اعتراض على توقيتها أو على تكلفتها، بل كان اعتراضًا على منطقها نفسه: منطق الأمن الصفري الذي يفترض أن أمن طرف ما يمكن بناؤه عبر ضرب سيادة طرف آخر

يمكن وصف الموقف الصيني من الحرب على إيران بمحاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه، ويتماشى هذا الموقف الذي يدفع نحو السلام، مع إستراتيجية الصين طويلة الأمد في الشرق الأوسط، القائمة على عدم الانحياز وجعل الحفاظ على الاستقرار هدفها الأساسي.لكن ما يلفت الانتباه في الموقف الصيني في تلك الحرب دون غيرها هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط.

وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية – وفي الوقت ذاته – يرفض منطق الحسم العسكري[80]. إذ أن الانحياز الصريح لطهران سيقوض قدرتها على لعب دور الوسيط والفاعل المسؤول، كما إنه سيجرها في مستنقع الشرق الأوسط عانت منه الولايات المتحدة الأميركية واستنفذ مواردها لسنوات دون تحقيق استقرار كامل للوضع الإقليمي. كما أن بكين تنظر إلى إيران بوصفها شريكًا إستراتيجيا طويل الأمد لا أداة ظرفية، وهو ما يجعلها حريصة على عدم استنزاف هذا الشريك في مواجهة غير متكافئة مع واشنطن من خلال اتاحة الفرصة له لتدميره بحسم عسكري.

ومن هنا جاءت التحركات الصينية على مستويين:

الأول: التحركات الدبلوماسية النشطة:

(أ) الدبلوماسية المكوكية المكثفة: فقد أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي عشرات المكالمات الهاتفية مع إيران وإسرائيل وروسيا ودول الخليج والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، بهدف تعزيز محادثات السلام وخفض حدة التوترات. وخلال هذه المكالمات، أكد وانغ يي مجدداً موقف الصين، مشدداً على أن وقف إطلاق النار الفوري يمثل الأولوية القصوى، معارضاً في الوقت نفسه أي إجراءات من شأنها تصعيد المواجهة أو تعريض السلام الإقليمي للخطر، إلى جانب تأكيد الالتزام الراسخ بمقاصد ميثاق الأمم المتحدة والمبادئ الأساسية للقانون الدولي.

(ب) استخدام حق النقض الفيتو: استخدمت الصين مع روسيا، حق النقض فيتو في مجلس الأمن ضد مشروع قرار قدمته البحرين، يتيح استخدام القوة لحماية الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز. وقال فو كونغ، المندوب الدائم للصين لدى الأمم المتحدة، إن إجراءات مجلس الأمن يجب ألا تمنح ترخيصاً لاستخدام القوة، فضلاً عن أنها ستزيد من حدة التوترات، مشيرًا إلى أن روسيا والصين قدمتا بشكل مشترك مشروع قرار إلى مجلس الأمن (بديل)، آخذين بالاعتبار احتياجات جميع الأطراف لحل القضايا ذات الصلة[81].

(ج) تقديم المبادرات والوساطة لوقف القتال وبدء الهدنة للمفاوضات: في ظل تصاعد الصراع، اتخذت الصين وباكستان خطوات وساطة استباقية. إذ طرح وزير الخارجية الصيني وانج يي، ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار، بشكل مشترك مبادرة من خمس نقاط لـاستعادة السلام والاستقرار في الخليج ومنطقة الشرق الأوسط، في خطوة تُعد الأولى التي تصدر فيها الصين مبادرة مشتركة مع دولة أخرى بشأن الوضع الراهن في إيران. ويمكن تلخيص المبادرة في ثلاث كلمات: أوقف، تحاور، واضمن، في إشارة إلى الوقف الفوري للأعمال العدائية، وإطلاق محادثات السلام، وتوفير ضمانات لأمن الأهداف غير العسكرية، وأمن الممرات الملاحية، وأولوية مبادئ ميثاق الأمم المتحدة. ورغم أن هذه المبادرة لم تحظى بصدى يذكر من قبل الولايات المتحدة الأميركية إلى أن الجهود الصينية استمرت بشهادة أميركية أثناء توصل الطرفين لهدنة في يوم 9 من أبريل لوقف اطلاق النار من اجل بدء المفاوضات[82].

الثاني: الدعم العسكري الخفي

فبجانب الدعم العسكري غير المعلن السابق للحرب، اعتمدت الصين مقاربة نابعة من رؤيتها لها باعتبارها ساحة مركزية لإدارة التوازنات الدولية في المرحلة الانتقالية للنظام الدولي. فبدل السعي إلى حسم الصراع أو الانخراط فيه عسكريًا، تعتمد بكين مقاربة تقوم على إدارة التوتر بما يضمن استنزاف الانتباه والموارد الأميركية دون الانزلاق إلى حرب شاملة تهدد استقرار المنطقة أو المصالح الصينية المباشرة.

وفي إطار المقاربة الصينية غير المباشرة لإدارة التصعيد، برز دور شركات صينية خاصة متخصصة في التحليل الاستخباراتي مفتوح المصدر، مثل شركة  Mizar Vision، التي اعتمدت على أدوات مدنية وتقنيات تجارية لإنتاج معرفة أمنية عالية القيمة. فقد استخدمت هذه الشركات صور أقمار صناعية تجارية عالية الدقة، إلى جانب بيانات الطيران المفتوحة، وتحليل مواقع القواعد العسكرية وأنماط الانتشار، من أجل بناء صورة متكاملة للتحركات العسكرية الأميركية في المنطقة. وقد تُرجمت هذه التحليلات إلى منتجات معلوماتية علنية شملت صورًا فضائية مشروحة، وخرائط انتشار، وبيانات رقمية دقيقة تتعلق بعدد الطائرات وأنواعها ومواقع تمركزها. ويكتسب هذا النمط من النشر أهمية خاصة من منظور إستراتيجي، إذ يتيح كشفا معلوماتيا دون تدخل مباشر، ويقوض عنصر الغموض العملياتي، دون أن يرقى إلى مستوى الدعم الاستخباراتي الرسمي أو الالتزام السياسي[83].

مما سبق، يمكن لنا ملاحظة أن السلوك الصيني الذي تكرر أثناء التصعيد ضد محورها الإيراني بالشرق الأوسط سواء في الحروب السابقة أو الحرب الراهنة وهدنتها التي لازالت مرهونة باتفاق أميركي إيراني معقد، والذي يجمع بين الدعوة العلنية للدبلوماسية والوسائل السلمية والدعم الاقتصادي المحدود واستخدام أدوات المنطقة الرمادية مثل إدارة الإدراك والكشف الاستخباراتي غير المباشر، يعكس إدراك صيني عميق لحدود التصعيد وخطورة سوء الحسابات، كما يعكس أيضًا سياسة براجماتية لدولة مدركة مصالحها وحدود تعاملها مع المحاور والخصوم. وفي حقيقة الأمر أن خطورة الوضع الراهن القابل للانفجار في أي لحظة -حتى كتابة هذه الورقة- ما هو إلا اختبار حقيقي لمدى نجاعة المقاربة الصينية في إدارة العلاقات الدولية مقارنة بالمقاربة الأميركية. ونتيجة هذا الاختبار سوف تؤثر ليس على مستقبل المحور الجيوسياسي الصيني الإيراني فحسب بل على مستقبل التوازنات في المنطقة.

ثانيًا: سيناريوهات المستقبل الجيوسياسي للمحور الصيني الإيراني

في ظل الغموض التي يكتف المرحلة الراهنة في تاريخ الصراع الإيراني الصهيو أميركي، والاتفاق المنتظر بين الاطراف المتحاربة يبقى مستقبل المحور الصيني الإيراني مرهون بحسابات القوى العظمى وقدرتها على إدارة الصراع بالشرق الأوسط ويبقى مسار العلاقات بين طرفي المحور متأثر بشدة بمجريات الأحداث المستقبلية للحرب الصهيوأميركية الأخيرة على طهران، وفيما يلي يمكن تحديد أربع سيناريوهات محتملة:

السيناريو الأول: استمرار مرونة المحور الصيني الإيراني سيناريو الصراع المدار

والمقصود به أن يستمر الأداء الصيني المتوازن في حالة الحرب الدائرة بين الدعم الدبلوماسي النشط والدعم الاقتصادي المحدود وا لعسكري المستتر دون الانزلاق إلى صدام مباشر مع القوى الأميركية أو حليفها الإسرائيلي.

شروط تحقق السيناريو: يصبح هذا السيناريو أكثر ترجيحًا إذا بقيت الحرب محدودة النطاق سواء نجحت جهود الوساطة في وقت اطلاق النار والتوصل سريعاً إلى اتفاق بين الطرفين أو لم تنجح في التوصل السريع لإتفاق ولكن تبقى الحلول التفاوضية مطروحة. لأن الحرب المحدودة النطاق الجغرافي والزمني يقل كلفتها وأضرارها لمصالح الصين التي كانت على استعداد مسبق لمثل هذه الأزمات ولتلقى الصدمات وتحمل تداعياتها على المدى القريب كما سبق أن ذكرنا.

المؤشرات على تحققه: تظل هناك عدة مؤشرات ترجح تحقق هذا السيناريو منها

1- مكاسب الصين من مرونة المحور ونهجها المتوازن: يظل تفضيل الصين للنهج المتوازن راجع إلى سبيين، الأول يتماشي مع رؤيتها الإستراتيجية التي صاغتها بكين خلال السنوات الأخيرة عبر مفاهيم الأمن المشترك والشرعية الدولية والحوكمة العالمية والتنمية بوصفها شرطًا للاستقرار. فلم يكن موقفها اعتراض ظرفي على ضربة عسكرية بل كان تعبيرًا عن رؤيتها الأمنية العالمية التي صاغتها في مبادرة الأمن العالمي.

أما السبب الثاني فيرجع إلى المكاسب التي تعود لها والفرص التي يمكن اقتناصها من جراء هذه الحرب وتهجها المتوازن خلالها. فمن الناحية السياسية، تعد الحرب فرصة لتعزيز دور الصين في إدارة الأزمات العالمية وإظهار قيادتها ومبادرتها الدبلوماسية، ولترسيخ سرديتها ورؤيتها السابق ذكرها ج2ص3 كما خدمت الحرب صورة الصين كقوة مسؤولة تدعو للسلام لا تنخرط في النزاعات العسكرية ولا تتدخل في شؤون الدول الأخرى، في وقت يعيد في الحلفاء النظر إلى الولايات المتحدة وقدراتها التكتيكية وجدوى مظلتها الأمنية.

ويأتي ذلك بعد أن رسخت أميركا فكرة الهيمنة وقانون الغاب، على مصالح الدول الصديقة في سبيل تحقيق مكاسب خاصة تتلخص في شعار أميركا أولاً[84]. كما أن حرب الولايات المتحدة بالشرق الأوسط قد يلهيها عن توجهها نحو الشرق الأقصى ساحة التنافس الرئيسي مع الصين ويستنفذ طاقتها ومواردها وهو يصب في صالح الصين. ومن الناحية العسكرية، مثل عدم قدرة الولايات المتحدة على تأمين وفتح مضيق هرمز يمثل مؤشراً واضحاً على وجود خلل عسكري وفني لديها، وهو الأمر الذي سوف يقارن بصعود القدرات البحرية الصينية، التي باتت تمتلك أكبر أسطول بحري في العالم، إلى جانب تطور ملحوظ في تقنيات تحديد الأهداف وتعقبها. وهذا الضعف سوف يعزز من بروز الصين كقوة دولية صاعدة[85].

كما أن رفع كلفة التحرك الأميركي سوف يصب في صالح الصين كخصم جيوسياسي الأمر الذي يجعل الدعم الصيني المحدود وغير العلني والمؤثر أكثر الخيارات تفضيًلا للصين. ومن الناحية الاستخباراتية، كما أن الحرب تمثل فرصة للقيادة الصينية لتقييم القدرات العسكرية الأميركية ومدى صلابتها في فترات الحروب، فمراقبة العمليات البحرية الأميركية في الخليج في الوقت الفعلي – حركات حاملات الطائرات، أنماط اعتراض الصواريخ، تدفقات اللوجستيات تمثل قيمة إستراتيجية بحد ذاتها للصين فقد يعطي ذلك لمحة لصنّاع القرار في بكين عن كيفية إدارة الموارد العسكرية وطريقة استثمارها على نحو أمثل، ويندرج ذلك في إطار التقييم الإستراتيجي، مما يسهل من عملية صنع القرار في الأوقات الحرجة[86]. فكلما نشرت الولايات المتحدة وكشفت كتابها التشغيلي وضعفها في الخليج، أصبحت تخطيط بكين لاحتلال عسكري لتايوان أفضل معايرة [87].

2- ترجيح الجانب الإيراني لعدم التصعيد الحرب: على الرغم من صمود النظام الإيراني أمام الهجمات الأميركية الإسرائيلية وإصراره على المقاومة وعدم الرضوخ إلا إن عقيدة التقيه لديه والبرجماتية التي ظهرت في التجارب الحروب السابقة تظهر أن النظام لن يمانع فتح قنوات الدبلوماسية ليتفادي تكلفة حرب ضد القوة المهيمنة على النظام العالمي. ففجوة القوى واضحة والاستمرار في حرب غير متكافئة ستكون بمثابة انتحار سياسي وإستراتيجي للنظام خاصة أن محاوره مع روسيا والصين لا ترقى إلى مستوي التحالف العسكري الصلب ولن ترقي إلا إذا مست الحرب مصالح حيوية لهما. 

والدليل على ترجيح إيران لعدم التصعيد وإدراكها لقدراتها المحدودة على المواجهة المباشرة، عمدت إلى توسيع نطاق الحرب لتشمل عموم دول الخليج العربي من خلال استهداف القواعد الأميركية والبنية التحتية ومصادر الطاقة، وفي الوقت نفسه إغلاق مضيق هرمز في محاولة للضغط وإثارة الرأي العام العالمي، الذي بات مستاءً من هذه الحرب التي لا تخدم إلا المصالح العدوانية لإسرائيل. إجمالًا، بهذا الرد، تمكنت إيران من رفع كلفة الحرب ماديًا وسياسيًا على خصومها، ونجحت إلى حد كبير في تعميق التخبط الأميركي فيما يخص دواعي استمرار الحرب والنتائج الملموسة المترتبة عنها، وأخيرا دفع الخصم إلى قبول اتفاق وقف إطلاق النار الأميركي الإيراني كفرصة للتوصل إلى صيغة نهائية لهذه الحرب المستعرة منذ نهاية شهر فبراير الماضي[88].

3- التذبذب الأميركي وعدم رغبته في توسيع نطاق الحرب: فقد جاءت الحرب الراهنة بجملة من التداعيات الإستراتيجية التي خالفت التوقعات الأولية لدى صناع القرار في واشنطن وحلفائها. فمسار الحرب جاء مغايراً، حيث لم تتمكن الولايات المتحدة من تحقيق نصر سريع عبر ضربة خاطفة[89].

فجاءت دوافع الولايات المتحدة إلى خفض التصعيد مع إيران مرتبطة أساسًا بانتقالها من منطق الرهان على حسم سريع يحقق مكسبًا سياسيًا وعسكريًا محدودًا إلى منطق إدارة الكلفة وتفادي الانزلاق إلى حرب مفتوحة لا تضمن نتائج إستراتيجية واضحة؛ إذ إن فشل الضربات في إحداث انهيار للنظام الإيراني، وتحوّل الرد الإيراني إلى تهديد مباشر لإسرائيل والقواعد الأميركية ومصالح دول الخليج، ثم امتداد التأثير إلى إغلاق مضيق هرمز واضطراب الأسواق وسلاسل الإمداد وارتفاع الأسعار داخل الولايات المتحدة، كلها عوامل دفعت واشنطن إلى إعادة حساباتها والبحث عن مخرج يثبت ما تحقق من مكاسب تكتيكية ويمنع اتساع دائرة المواجهة. وفي هذا السياق، لم يعد خفض التصعيد تعبيرًا عن تراجع سياسي بقدر ما أصبح خيارًا براجماتيًا لتخفيف الخسائر الداخلية والخارجية، والحد من العزلة الدولية، واحتواء الانقسام داخل الحلفاء الغربيين، خصوصًا في ظل غموض الأهداف الإستراتيجية للحرب وضعف قدرتها على إنتاج تسوية مستدامة أو تغيير حاسم في ميزان القوى[90].

وقد برزت علامات على حجم التورط الأميركي في الحرب في تصريحات ترامب المتضاربة وغير المتزنة، ما أعطى انطباعاً عاماً بأن واشنطن على استعداد في هذه المرحلة لخفض التصعيد والقبول باتفاق وقف اطلاق النار من أجل التفاوص، خصوصاً مع ارتفاع التكلفة الاقتصادية والعسكرية للحرب.

وتظل قيود تحقق هذا السيناريو مرهونة بنتيجة المفاوضات وقدرة الطرفين على إنجاح القناه الدبلوماسية ونجاح جهود الوساطة التي تدعمها كل من الصين وباكستان في تقريب وجهات النظر لكلا الطرفين الإيراني والأميركي.. وبناء على آخر الأحداث التي تغطيها الورقة، أن المفاوضات الأولى تعثرت بالفعل وبدأت التهديدات المتبادلة لكن في مقابل ذلك، نقلت شبكة سي إن إن عن مصدر مطلع أن المسؤولين يدرسون تواريخ ومواقع محتملة لعقد لقاء في حال تقدم المحادثات مع إيران والوسطاء. وأضافت أن إيران وأميركا قد تمددان وقف إطلاق النار بناء على وتيرة المفاوضات خلال الأيام المقبلة. وهذا شاهد على إن التعثر لا يعني نهاية للحلول السلمية لكنه قد يكون مؤشر على إمكانية فشل المفاوضات وعودة التصعيد.[91] وهذا الوضع قد يفتح الطريق إلى سيناريو جديد للحرب أكثر تصعيدًا وغير قابل للسيطرة.

السيناريو الثاني: تعزيز المحور الصيني الإيراني  سيناريو الحرب بالوكالة

هذا السيناريو يعني انتقال العلاقة من المرونة إلى شراكة أمنية وعسكرية–تقنية أعمق، أي عمل الصين على زيادة القدرات العسكرية الإيرانية خصوصًا إذا ارتفعت تكلفة الحرب على إيران وازدادت خسائرها واشتدت حاجاتها للدعم الخارجي

شروط تحقق السيناريو: هذا السيناريو يرتفع احتماله إذا تحولت الحرب إلى صراع طويل يستنزف إيران ويجعلها أكثر اعتمادًا على الصين في التكنولوجيا، والاتصالات، والصواريخ، والاستخبارات. في هذه الحالة قد تقدم بكين دعمًا أعمق، لأن ضعف إيران الشديد قد يدفعها إلى طلب مساعدات أكبر، ولأن الصين قد ترى في إطالة أمد الصراع فرصة لاستنزاف الولايات المتحدة دون مواجهة مباشرة. لكن هذا التعزيز سيبقى غالبًا غير معلن لتجنب كلفة الصدام مع واشنطن. أو توتر العلاقات مع الاطراف الاقليمية الأخرى.

المؤشرات على تحققه: تظل هناك عدة مؤشرات ترجح تحقق هذا السيناريو منها

1- تعثر المفاوضات الأولى بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران: فبعد ساعات من التفاؤل بشأن إمكانية تحقيق تقدُّم في المفاوضات الأميركية الإيرانية التي جرت في باكستان يوم السبت الموافق 11أبريل، خرج جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي، معلنا عدم التوصل إلى اتفاق يرضي الجانبين. ومثَّل إعلان فانس انتكاسة لحالة التفاؤل التي عززتها تقارير عن الترتيب لعقد جلسة مفاوضات أخرى بين الوفدين اليوم الأحد بطلب من باكستان، التي قال فانس إنها بذلت جهودا كبيرة لتقريب وجهات النظر[92]. ويرجع التعثر الأول في تلك المفاوضات بحسب التصريحات التي يجري تسريبها لوسائل الإعلام إلى تمسك كل طرف من الطرفين بأمور يرفضها الآخر ويراها غير قابلة للتحقق، وخصوصا ما يتعلق بمضيق هرمز وبرنامج إيران النووي. كما يرى عدد من المحللين إن عنصر عدم الثقة الأميركي يزداد بخصوص حديث طهران عن عدم السعي لامتلاك سلاح نووي لرفضها تقديم التزام راسخ بعد السعي لهذا الأمر.

ونتيجة لتعثر المفاوضات رجع ترامب لأسلوب الضغط والتهديد، فبعد اليوم السادس من اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، دخل حصار الموانئ الإيرانية حيز التنفيذ، وهددت واشنطن أي سفينة تنتهك الحصار بالاعتراض والاحتجاز. وبدوره توعد المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني بـالكشف عن قدرات لا يملك العدو أي تصور عنها إذا استؤنفت الحرب، مضيفا سنكشف عن أساليب قتالية لن يمتلك العدو قدرة كبيرة على مواجهتها.[93]

2- الجانب الإسرائيلي وموقفه المؤيد للتصعيد: وفق عدد من الخبراء، فإن إسرائيل لا تعوِّل كثيرا على المفاوضات الأميركية الإيرانية، ولا حتى على مفاوضاتها المقررة مع لبنان في واشنطن، ولكنها تحاول كسب الوقت تحت الضغط الأميركي عليها وفصل الجبهة السياسية الإيرانية عن نظيرتها اللبنانية، فرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو -المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية– لا يرغب في وجود مفاوضات أميركية إيرانية من الأساس ناهيك عن توصل الطرفين إلى اتفاق، وإنما يرغب في حسم كل الخلافات بالقوة. وينسحب الأمر نفسه على لبنان الذي يحاول نتنياهو بكل الطرق فصله عن إيران سياسيا بحيث يُجْهز على حزب الله عسكريا، بدليل أنه مارس تصعيدا عسكريا كبيرا ضد بيروت فور الإعلان عن وقف إطلاق النار مع إيران للتأكيد على هذا الفصل.

وقد أكد نتنياهو استعداده للعمل على تحقيق كافة أهداف الحرب بالقوة في حال فشلت المفاوضات في تحقيقها، وهذه الأهداف تتمثل في: إخراج اليورانيوم المخصب من إيران، تقييد برنامج طهران الصاروخي، ووقف دعم حزب الله وبقية الفصائل المرتبطة بطهران في المنطقة.[94]

3- حرص الصين على عدم إضرار الحرب بمصالحها بالمنطقة: تُدرك الصين أن حرب طويلة الأمد بالشرق الأوسط سيكون لها عواقب وخيمة على مصالحها الحيوسياسية والجيواقتصادية وإن استطاعت تلافيها على المدى القصير كما سبق أن ذكرنا. فنذكر على سبيل المثال أحد جوانب المخاطر من جراء حرب مطولة حدوث ركود عالمي، فاقتصاد الصين يظل هيكلياً معتمداً على طلب الصادرات.

أوروبا وحدها تمتص 15% من الصادرات الصينية. لكن صدمة طاقة مطولة ستدفع أوروبا والولايات المتحدة إلى الركود ستُسقط طلبات الصادرات الصينية، مما يكشف ضعف الطلب الداخلي، وتشير النماذج القياسية إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الصيني بنسبة 0.5% مقابل كل زيادة 25% في أسعار النفط. وبخلاف الحكومات الغربية، لدى بكين مجال مالي قليل لحماية المستهلكين: ولا يترك مساحة لتحفيز الاستهلاك. لذلك فيكون الخيار المناسب لها في ظل خطورة التصعيد والمتماشي مع رؤيتها في حل الصراعات سيكون رفع الكفاءة القتالية لإيران بزيادة دعمها العسكري لها غير العلني. سيرفع تكلفة الحرب الأميركية وسيكون أحد أسباب عودة الأطراف إلى مائدة المفاوضات مجددًا.

وخطورة التصعيد مع الولايات المتحدة: يعد قيام الصين بتعزيز القدرات العسكرية لإيران بمثابة إعلان حرب بالوكالة ضد الولايات المتحدة الأميركية، ومثل هذا السلوك سوف يزيد من التوتر بين الجانبين، وقد بدأ مؤشرات التوتر تحدث بالفعل بعد أن زعمت تقارير استخبارية أن بكين تستعد لتسليم منظومات دفاع جوي جديدة إلى طهران في الأسابيع المقبلة.، والذي أتبعه تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الصين بمواجهة مشكلات كبيرة إذا أرسلت أسلحة إلى إيران، دون أن يكشف عن تفاصيل فحوى تلك التهديدات[95].

وهو أمر غير مرغوب فيه من قبل الصين في الوقت الراهن نظرًا لتشابك المصالح بينهما، خاصة أن هناك مؤشرات على رغبة الطرفين في تخيف التوتر بينهما والرغبة في التفاهم، فقد اجتمع الرئيسان الصيني والأميركي في كوريا الجنوبية في أكتوبر 2025 على هامش قمة إقليمية، واتفقا على هدنة في الحرب التجارية التي أشعلتها الرسوم الجمركية العالمية التي فرضها ترامب، وقد كان مقرر أن يلتقي الرئيسان في نهاية شهر مارس للتوصل إلى سلسلة من الاتفاقات التجارية الجديدة وخفض التوترات التجارية والسياسية بين البلدين، لكن ترامب صرّح في 16 مارس بأنه طلب من الصين تأجيل الاجتماع بسبب الحرب في الشرق الأوسط وأعيدت جدولة لقائه به في بكين يومي 14 و15 مايو. وأضاف ترامب أن المسؤولين الأميركيين والصينيين يضعون اللمسات الأخيرة على الاستعدادات للزيارتين التاريخيتين إلى بكين وواشنطن. وأشار إلى شدة تطلعه إلى هذا اللقاء الذي يجده تاريخيًا[96]. ويعد هذا الحدث مؤشر على احتمال خفض التوتر بين الطرفين وعقد صفقات جديدة، كما إنه قد يدفع الصين إلى مزيد من الحذر بعلاقتها بإيران حتى لا تقوض العلاقات بالولايات المتحدة الأميركية.

السيناريو الثالث: انهيار المحور الصيني الإيراني

لا يقصد بانهيار المحور انهيار العلاقات الصينية الإيرانية، وإنما انهيار الهدف الأساسي من تكوينه كمحور جيوبوليتكي وهو الرغبة في تحدي الهيمنة الأميركية والتكريس لنظام عالمي متعدد الأقطاب.

شرط التحقق: يفترض هذا السيناريو تحقيق الهدف الجيوسياسي الأميركي والإسرائيلي المتمثل في كسر شوكة إيران ونفوذها الإقليمي وإعادتها إلى الحظيرة الغربية من خلال إسقاط النظام أو إبقائه ضعيفًا بقيادة موالية للغرب. وذلك لن يتحقق إلا بتوافر شرطين، يتمثل الأول في زيادة حدة التصعيد الصهيوأميركي ضد إيران والشلل التام للقنوات الدبلوماسية، ويتمثل الثاني في تخلي الصين وروسيا عن دعم إيران ( لعدم الرغبة أو عدم المقدرة ) أو عدم كفاية دعمهم الراهن

مؤشرات تحققه:

1- المشهد المعقد لمستقبل المفاوضات الأميركية الإيرانية: على الرغم أن تعثر المفاوضات الأولى لا تعد نهاية للمسار الدبلوماسي ولكن تعقد المشهد التفاوضي قد يزيد من احتمالات فشل هذه القناه. فهناك فجوة عميقة في مواقف الطرفين، خاصة بشأن البرنامج النووي الإيراني ومستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة. وتتمثل أبرز نقاط الخلاف في إصرار واشنطن، بدعم من الرئيس دونالد ترمب، على إنهاء كامل للبرنامج النووي الإيراني، مقابل تمسك طهران بحقها في تخصيب اليورانيوم ورفضها التخلي عن قدراتها الإستراتيجية. وهذا التعقد في المشهد يكرس غموض مسار هذه الحرب ويجعل السيناريوهات القادمة كلها غير مستحبة ومكلفة وهي سيناريوهات تتراوح بين الدخول في مفاوضات طويلة ومعقدة أوالعودة إلى الحرب، أو محاولة إدارة الأزمة دون حل جذري[97].

2- التصعيد الصهيوأميركي ورهاناته: الرد السريع الصهيوأميركي أمام تعثر المفاوضات يشير إلى وجود توقع مسبق لفشلها، ويتمثل السبب الأكثر قربًا لتحليل هذا السلوك في وجود رهانات صهيوأميركية على التصعيد ضد إيران سواء بفرض حصار عليها أو العودة إلى القصف مع إسرائيل لاستهداف الطاقة والبنية التحتية الوطنية، والعمل البري في مضيق هرمز أواحتلال جزيرة خارك والعمل العسكري لإزالة اليورانيوم المخصب، ألا وهي تحطيم المقدرات الإيرانية وجعل إيران غير قادرة على إعادة البناء الاقتصادي. وهي حالة قد تثير الفوضي وسخط الشعب الإيراني ومن ثم خروجه إلى الشارع والتسريع لمسار انهيار النظام.[98]

3- البراجماتية الصينية: وهذه سمة تمثل أحد أهم تحديات المحور الصيني الإيراني كما سبق أن ذكرنا، وقد برزت البرجماتية منذ بداية الحرب على إيران من خلال اتباع الصين لنهج متوازن بين الطرفين، حين أظهرت أولوياتها في إدارة الأزمة من خلال الجمع بين ثلاثة اعتبارات متلازمة: رفض الحرب على إيران من حيث المبدأ القانوني والسياسي، ورفض امتدادها إلى الجوار الخليجي، والحيلولة دون انزلاقها إلى استهداف المدنيين والمنشآت غير العسكرية. وبذلك لم يظهر الموقف الصيني في صورة اصطفاف سياسي مع إيران، بل في صورة محاولة لاحتواء الحرب ومنع تحولها إلى انفجار إقليمي أوسع.

يزداد هذا النهج البراجماتي في ظل استمرار الحرب والتصعيد ضد إيران ويظهر في شكل إحجام صيني عن الدعم المكثف لها في حالتين. الحالة الأولى هي أن يكون التصعيد ضد إيران قد وصل إلى مرحلة خطيرة تهدد مصالح الصين الحيوية وتجعل التعاون مع إيران عبئًا إستراتيجيا عليها خاصة إذا زادت الضغوط الأميركية وتم فرض عقوبات أشد على الشركات الصينية في ظل حرب تهدد طرق التجارة الدولية وأمن الطاقة وغيرها من تداعيات تم ذكرها آنفًا. الحالة الثانية هو الاحجام الصيني عن إيران الناتج عن تحسن نسبي في العلاقات الأميركية الصينية وزيادة التفاهمات بعد لقاء القمة المنتظر قريبا في مايو القادم. عندها قد تختار بكين تقليص الانخراط بشكل حاد لحماية مصالحها الأوسع مع الخليج وأوروبا والولايات المتحدة. أي أن الحرب قد لا تدمر العلاقة بالكامل، لكنها قد تدفعها إلى تقليص كبير إذا ارتفعت كلفة الارتباط بإيران أكثر من فائدته.

كما أن البراجماتية الصينية لا تعتبر تغيير النظام في إيران أسوأ سيناريو ممكن. فالصين ستكون مستعدة للتعاون مع أي حكومة بعد النظام الحالي، شريطة الحفاظ على تدفق النفط وإعطاء الأولوية للمصالح الاقتصادية المشتركة بين البلدين[99].  

أما قيد تحقق هذا السيناريو فيكمن في تداعياته الناتجة من فقد الصين للمكاسب الجيوسياسية والجيواقتصادية التي تعود عليها من علاقتها بإيران. إذا حققت الولايات المتحدة أهدافها في إيران ونحجت في تفكيك نفوذها الإقليمي، وزرع نظام أكثر مرونة أو موالي للغرب الأميركي – فإن المكاسب الدبلوماسية التي حققتها بكين في المنطقة ستتعرض للإضعاف، مثل التقارب السعودي-إيراني في 2023، كما أن البنية متعددة الأقطاب التي سعت الصين إلى إقامتها على المستوى العالمي كالمؤسسات الموازية لمؤسسات الغربية مثل منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) وBRICS بقيادة الصين وروسيا والبرازيل والهند، ودفع انضمام إيران إلىها كمحاولة لزيادة نفوذها، قد تتفكك في حالة انتصار أميركي في إيران وهو أمر قد يرسل إشارة إلى الجنوب العالمي بأن ضمانات الأمن الصينية فارغة. على العكس، ما قد يحدث في حالة انسحاب أميركي – مدفوع بتكاليف داخلية أو صمود إيراني أو كليهما – سيفتح مجالاً لدبلوماسية واستثمار صيني موسع عبر المنطقة.

السيناريو الرابع: تحول المحور الصيني الإيراني إلى تحالف عسكري

ويقوم على الانخراط العسكري الصيني الصريح في الشرق الأوسط والاصطفاف العلني إلى جانب إيران في حرب موسعة ضد الولايات المتحدة الأميركية وحليفها إسرائيل، وهذا يعني تحول جوهري في النهج المتوازن التي تتبناه الصين في إستراتيجيتها تجاه منطقة الشرق الأوسط والتخلي عن فلسفتها التي تدعو إلى الحوار والحلول السلمية واستخدام الادوات الدبلوماسية والاقتصادية لتعزيز النفود وحل الصراعات.

ويتحقق هذا التحول الإستراتيجي في الرؤى والأدوات لدى الصين ليس في حالة المساس بمصالحها بالشرق الأوسط فحسب بل في حالة المساس بمصالحها الحيوية الصينية التي تمس وجودها ودوائر نفوذها القريبة جغرافيًا. أي في حالة توسع نطاق الحرب الدائرة من الاقليمي إلى الدولي. أي في حالة اصطدام القوى الكبرى والتوجه نحو حرب عالمية ثالثة من أجل الهيمنة.

مؤشرات إمكانية تحقق هذا السيناريو:

1- سياسة الاحتواء الأميركي للصين في ظل ولاية ترامب: في ظل رئاسة ترامب برزت تحركات إستراتيجية مترابطة تهدف إلى الحد من التوسع الصيني، والسيطرة على الموارد الحيوية، وإعادة تأكيد الهيمنة الأميركية على النظام الدولي. هذه الإستراتيجية شملت تحركات جيوسياسية متعددة تستهدف مناطق رئيسية من أجل تقليص النفوذ الصيني في مجالات حيوية من النفط، والمعادن النادرة، والممرات البحرية الحيوية إلي جانب تقليص مشاريعها الاقتصادية، مثل التدخل الأميركي لايقاف النزاع بين الكونغو ورواندا كمراكز رئيسية لاحتياطي المعادن النادرة، والتدخل في فنزويلا التي كانت تعد مركزا نفطيا للصين ودعم المعارضة والحركات العسكلرية والانتقال إلى إيران والسعي إلى تغيير نظامها.

هذا بالاضافة إلى الحروب الاقتصادية ضد الصين خلال تلك الفترة، كفرض حرب رسوم جمركية مكثفة منذ 2018 واستمرارها وتوسيعها في عهد ترامب الجديد، وزيادة النفقات العسكرية في المحيط الهندي–الهادئ، مع تعزيز التواجد البحري والجوي الأميركي في بحر الصين الجنوبي والبحر الشرقي، وزيادة المناورات العسكرية المشتركة مع حلفاء مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، لإظهار تفوق القدرة الأميركية. وتعزيز التحالفات والأطر الأمنية مثل كواد QUAD

2- التصريحات الصينية بربط الأمن القومي بالوضع الإيراني: هناك صحف وتحليلات تتحدث عن تحليلات صينية داخلية تُعتبر أي ضربة واسعة لإيران تهديدًا مباشراً للأمن القومي الصيني، لأنها قد تفضي إلى إغلاق ممرات نقل الطاقة وتقليص ممرات التجارة، خصوصاً عبر مضيق هرمز وبحر العرب.

3- الرفض السياسي الصيني الصريح للضربات الأميركية على إيران: فقد أكدت الخارجية الصينية أنه لا يجوز استخدام القوة أو التهديد عليها لحل النزاعات، واعتبرت الهجمات على إيران «انتهاكًا للسيادة» ودعوة لخفض التصعيد. هذه التصريحات تُقرأ في بعض الدوائر كـ«تحذير غير مباشر» من استغلال الضربات على إيران لتحويلها إلى ساحة مواجهة مباشرة بين القوى الكبرى[100].

لكن رغم التصعيد، لا يبدو أن بكين راغبة في التحوّل السريع إلى تحالف عسكري ملزم علني، لأسباب موضوعية كبيرة:

1- سقف الحذر الصيني إزاء التحالفات العسكرية الصريحة: الصين تُفضّل سياسة «النأي غير المباشر» وعدم إعلان تحالفات دفاعية عسكرية صريحة، حتى مع روسيا أو إيران، تجنبًا لاستفزاز تحالف الناتو ودول شرق آسيا مثل اليابان والهند[101]. كما إن التحليلات الصينية تشير إلى أن الضربات الأميركية المحدودة على إيران قد تُعتبر «قابلة للقبول» من زاوية الصين، طالما لا تؤدي إلى انهيار النظام الإيراني أو تغيير الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط لصالح الغرب.

2- انهيار مصداقية الرؤية الإستراتيجية للصين وسياسة التوازن: وهي رؤيتها للعالم وعلاقتها باآخر تبلورت في المبادرات الأربعة، مبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، ومبادرة الحوكمة العالمية،. وهي جميعها تصب في رفض قانون الغاب، والتمسك بالدور المركزي للأمم المتحدة، ومقاومة الأحادية والهيمنة، احترام تنوع الحضارات، والتمسك بالقيم الإنسانية المشتركة، ورفض فرض القيم أو النماذج على الآخرين.

3- ارتفاع كلفة الدخول في حرب مباشرة ضد الولايات المتحدة: الجيش الأميركي لا يزال الأقوى عسكريًا في العالم، وتعلن قياداته عن قدرة أميركية على مواجهة أكثر من جبهة واحدة، ما يجعل أي حرب عالمية ثالثة تُعتبر مجازفة إستراتيجية هائلة لكل الأطراف. إلى جانب وجود عامل الردع النووي الذي يجنب القوى النووية من الصدام المباشر.[102]

4- الوضع العسكري الداخلي الإيراني وفجوة القوة: تشير عدة تحليلات عسكرية إلى أن الضربات الأميركية–الإسرائيلية قد تُضعف القوة العسكرية النظامية الإيرانية، لكنها تُبقي على قدرات «الحرس الثوري» والصواريخ وإستراتيجيات «أسطول البعوض»، ما يعني أن إيران لن تُصبح شريكاً متكافئًا في تحالف عسكري مع الصين وليس من السهل تأمينها دفاعيًّا. الصين قادرة على تزويد إيران بأسلحة متقدمة، لكن من الصعب عليها خلق قدرة دفاعية متكاملة (منظومات جوية، بحرية، إلكترونية) NSO في غضون أشهر، ما يُقلّل من قيمة إيران كحليف عسكري إستراتيجي كامل[103].

ومن هنا يمكن القول إ، السيناريو الرابع لا يزال فرضية تحليلية أكثر منه كونه واقعًا حاضرًا؛ فالمحور الصيني–الإيراني ما يزال بعيد عن امكانية تحوله إلى «التحالف العسكري الملزم»، لكنه يمكن أن تتحوّل إيران إلى منصة ردع إستراتيجية للصين في غرب آسيا في حال استمرّ التصعيد الأميركي–الإسرائيلي وانهيار خيارات التهدئة. في الوقت ذاته، القيود الاقتصادية والجيوسياسية تُحتم على الصين إبقاء التعاون مع إيران في إطار «شراكة ردع غير معلنة» أكثر من تحوّله إلى حلف دفاعي صريح، ما يُقلّل – لكن لا يُلغّي – احتمالات الانزلاق نحو ما يُوصف زائفًا بـ “الحرب العالمية الثالثة”.

نخلص مما سبق أن مستقبل المحور الصيني الإيراني لا يزال قيد عدة سيناريوهات تتراوح علاقة طرفيه فيها إما بين مرونة وظيفية قائمة على المصالح، أوتعزيز انتقائي في المجال الأمني والتقني، أو احتمال تراجع تدريجي بفعل الضغوط الدولية وتضارب المصالح، بينما يظل التحول إلى تحالف عسكري ملزم سيناريو منخفض الاحتمال بسبب تمسك الصين بإستراتيجية عدم الانحياز وحماية مصالحها الأوسع في الخليج والنظام الدولي.كما يلاحظ أن الحرب الأميركية على إيران تعد عاملًا مؤثرا في مستقبل هذا المحور، فهي لا تؤثر فقط على ميزان القوى في الخليج، بل تعيد تشكيل موقع الصين بين خيارين متناقضين: حماية مصالحها الاقتصادية والطاقوية، أو رفع مستوى دعمها لإيران كأداة لموازنة الضغط الأميركي. وبعبارة أدق، الحرب لا تنقل العلاقة الصينية–الإيرانية تلقائيًا إلى تحالف، لكنها تدفعها إلى إعادة تموضع مرهون بحجم التصعيد الأميركي، ومدى تهديده لإمدادات الطاقة، وحدود المخاطرة الصينية.

خاتمة

تطرقت الورقة البحثية في سبيل الإجابة عن تساؤلها البحثي إلى تحليل وتفسير الأهمية الجيوبوليتكية لدولة إيران في الجيوبوليتك الصيني تجاه منطقة الشرق الأوسط ودراسة دورها المؤثر في توجيه وتقييم السياسة الصينية ومرتكزاتها تجاه المنطقة، وذلك من خلال تحليل المعطيات الجغرافية والتوجهات الجيوسياسية لدولة إيران والتي أعطت لها الوزن في الجيوبوليتيك الصين وأثرت في توجه الجيوسياسي نحو تقوية المحور الصيني الإيراني على الرغم من التحديات التي تواجهه، وكذلك من خلال الاستشهاد بأحداث الحرب الأميركية الإسرائيلية – الإيرانية الراهنة كمثال لتفاعلات المتغير الإيراني التي تؤثر في الجيوبوليتك الصيني وتتحدى نهجه المتوازن.

وقد توصلت الورقة البحثية إلى عدة نتائج:

1- إن الركائز الفكرية التي تقوم عليها الممارسات الجيوبوليتكية الصينية تجاه منطقة الشرق الأوسط تنطلق من مزيج فريد بين تراث الفكر الكونفشيوسي الصيني الذي شكل الهوية الجغرافية الصينية ووزنها الجيوبوليتكي ودورها العالمي كدولة مركزية وأمة وسط بين الأمم، تحترم التعددية الثقافية واختلاف الآخر الأجنبي، وبين التراث الفكري للجيوبوليتك التقليدي الغربي بنظرياته الشهيرة عن الصراع الأبدى بين القوة البرية والبحرية. ويظهر هذا المزيج في الخطابات السياسية المعاصرة والمبادرات الصينية العالمية وآليات الممارسة الجيوبوليتكية للصين التي تميل إلى السلمية ونبذ العنف واحترام الآخر مع الرغبة في إثبات الذات كقوة عالمية مسؤولة تدعم الاستقرار وتتحدي الهيمنة الأميركية وتسعى إلى بناء نظام متعدد الأقطاب.

2- ازدياد الأهمية الجيوبوليتكية للشرق الأوسط في التصور الصيني مع صعود الصين وتحديها للقطب الأوحد الأميركي، لذلك فالشرق الأوسط يمثل رافعة للسياسة الصينية في لعبة التنافس الجيوبوليتكي الدولي. وقد انعكس ذلك في ممارستها تجاه دول المنطقة وتحول تركيزها الرئيس من تأمين موارد الطاقة إلى القيام بدور المزود الرئيس للبنية التحتية والتكنولوجية عبر المنطقة والوسيط المتوازن بين الخصوم القادر على التفاوض والحصول على تسوية من دون إجبار عسكري في مفارقة واضحة مع نهج واشنطن التقليدي.

3- أن محورية إيران في الجيوبوليتيك الصيني ترجع إلى أسباب جيوسياسية ناتجة عن أهمية موقعها على خريطة الشرق الأوسط الذي جعلها جائزة جيواقتصادية لأي قوى تسعى لزيادة نفوذها في ظل تنافس جيوبوليتكي أبدي بين الشرق والغرب، وناتج أيضًا عن توجه إيران الجيوسياسي الرافض للهيمنة الأحادية والخضوع لها.

4- إن المنطق الذي يدعم المحور الصيني الإيراني لا يقوم على التضامن الأيديولوجي وحده، بل على حسابات إستراتيجية متشابكة – لكن غير متطابقة. فإيران تبحث عن شريك موثوق في سعيها للاستقلال الإستراتيجي والمقاومة أمام الهيمنة الأميركية، بينما تُقدّر الصين موقع إيران الجيوبوليتيكي وإمكاناتها السوقية ودورها في موازنة النفوذ الأميركي بالشرق الأوسط.

5- يمثل العامل الأميركي والنظرة البراجماتية أبرز التحديات أمام تطوير العلاقات الصينية الإيرانية، فقد اعترف محللو السياسة الخارجية الإيرانيون وصناع القرار مرارًا، أن بكين ليست قوة معادية لأميركا بحد ذاتها، بل دولة يمكن أن تتوافق مصالحها طويلة الأمد مع مصالح طهران فقط عندما يحدد هذا التوافق من خلال البراغماتية الاقتصادية والتوازن الإستراتيجي. لذلك، فإن الإطار الحالي للتفاعل – رغم توسعه – غير محتمل أن يتحول إلى تحالف رسمي. وبدلاً من ذلك، تظل شراكتها مرنة تستجيب لتقلبات السياسة الخارجية الأميركية والأزمات الإقليمية.

6- تمثل دبلوماسية التوازن التي تنتهجها الصين بالشرق الأوسط أحد التحديات أمام تطوير العلاقات الصينية الإيرانية، فالصين ترفض المخاطرة بالعلاقات مع واشنطن أو دول الخليج الرئيسة باصطفاف جيوسياسي علني مع إيران. وينتج عن ذلك علاقة متعددة الأبعاد ومتعددة الطبقات، تُوصف بدقة بالإستراتيجية (الانتهازية) أكثر من كونها تحالفاً. وهذا يعني أن هناك محدودية تأثير للدور الإيراني في الجيوبوليتيك الصيني الذي يقوم على ركائز يسعى إلى الترويج لها وإعطائها مصداقية بالإلتزام بها.

8- مثلت الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران مختبرًا واقعيًا مهمًا لمحدودية الدور الإيراني ومدى تأثيره في الجيوبوليتك الصيني. فعلى الرغم من أهمية إيران كشريك إستراتيجي ومحور جيوسياسي تستخدمه الصين لموازنة النفوذ الأميركي بالشرق الأوسط إلا أن علاقتها بمحورها لا ترقى إلى حد المخاطرة بعلاقتها مع القطب الأميركي أو الانخراط العسكري بالمنطقة.

ففي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، أكدت بكين على رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدلًا من الاكتفاء بإدارة نتائجه. وبالتالي، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط في قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دورًا فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

9- أثرت الحرب الأميركية على إيران في العلاقة الصينية–الإيرانية عبر رفع القيمة الإستراتيجية لطهران لدى بكين من جهة، ورفع كلفة الارتباط العلني بها من جهة أخرى. ونتيجة لذلك، يصبح مستقبل المحور محكومًا بثلاثة متغيرات: مدة الحرب، درجة تهديدها لأمن الطاقة والملاحة، ومستوى الضغط الأميركي على الصين. وفي ضوء ذلك، يظل استمرار المرونة أو التعزيز المحدود أكثر احتمالًا من الانهيار الكامل أو التحول إلى تحالف عسكري ملزم.


[1] بيتر تيلور، كولن فلنت، الجغرافيا السياسية لعالمنا المعاصر- الاقتصاد العالمي، الدولة القومية، المحليات، ترجمة: عبد السلام رضوان، إسحق عبيد، سلسلة عالم المعرفة رقم282 ، (الصفاة -الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، يونيو 2002)، ص.164

[2] كمال بوناب، عرض كتاب: الجيوبوليتيك الكونفوشيوسي: تصورات الصين الجيوبوليتيكية للحرب الأمريكية على الإرهاب، مجلة سياسات عربية، الدوحة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، عدد 48، (يناير2021)، ص143.

[3] Ul Mansoor, Sheikh Inam, China’s Geopolitical Strategy Crafting a New World Order, China Quarterly of International Strategic Studies, Singapoor, World Scientific Publishing Co Pte Ltd,  Vol. 9, No. 1.,(2023), p. p.342-343 Pages:337–359 https://doi.org/10.1142/S2377740023500161

[4] وانغ ييوي، الصين تربط العالم الخلفية التي تستند إليها مبادرة الحزام والطريق، ترجمة:ربيع هندي، (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، ط1، 2021)، ص.ص.89-101

[5] جعفر قرار أحمد، السياسة الصينية تجاه الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران: قراءة عربية، موقع مركز الاهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، نشر بتاريخ 11/4/2026، تاريخ الزيارة 11/4/2026، https://acpss.ahram.org.eg/News/21681.aspx

[6] For more details: Ul Mansoor, Sheikh Inam, op.cit., p.p.349-351.

[7] Ibid., p.343

[8] وانغ ييوي، مرجع سبق ذكره، ص.ص.121-139

[9]  أندرو سكوبيل، عليرظا نادر، الصين في الشرق الأوسط التنين الحذر، (كاليفورنيا: مؤسسة RAND  ، 2016)، ص. 7

[10] ناصر التميمي، العلاقات العربية الصينية: الحاضر وآفاق المستقبل، مجلة الشئون العربية الأوراسية، القاهرة، مركز الدراسات العربية الأوراسية،عدد1، (سبتمبر/أكتوبر 2021)، ، ص. 79.

[11] ناصر التميمي، مرجع سابق،  ص. 331.

[12] المرجع السابق،  ص. 81

[13] نورهان الشيخ، الإستراتيجية الصينية في الشرق الأوسط، آفاق سياسية، الجيزة، المركز العربي للبحوث والدراسات العدد 27، (مارس 2016)، ص. 31

[14] قدري محمود إسماعيل ، التحليل الجيوبولتيكي لعلاقات القوى الدولية،( الاسكندرية: دار فاروس العلمية، ، 2021)، ص.326

[15] Zulfqar, saman, Competing Interests of Major Powers in the Middle East: The case Study of Syria and Its Implications for Regional stability, in Perceptions, Ankara,  T.C Dışişleri Bakanlığı,  vol.23, no.1, (Spring 2018), p.132

[16] أندرو سكوبيل، علي رظا نادر، مرجع سابق ، ص. ص.16-17

[17] دومينيك باري، التحدي الصيني، في برتران بادي ودومينيك فيدال، محرران، نهاية الزعامة الأمريكية؟ أوضاع العالم 2020، (بيروت: مؤسسة الفكر العربي، 2020)، ص.233

[18] لمزيد من التفاصيل، أنظر: أندرو سكوبيل، علي رظا نادر، مرجع سابق، ص. ص.17-19.

[19] المرجع السابق ، ص. 13

[20] نورهان الشيخ، الإستراتيجية الصينية في الشرق الأوسط، مرجع سابق، 33

[21] يبلع عدد سكان إيران حوالي 85 مليون نسمة، وهو يمثل 2.5 ضعف سكان المملكة السعودية ويُعد الأكبر في الشرق الأوسط بعد مصر وتركيا.

[22] د. قدري اسماعيل، مرجع سابق، ص. 236.

[23] هبة الله محسن أبو الوفا البداية ، العلاقات الإيرانية  الروسية في ضوء نظرية تحول القوة، مجلة البحوث المالية والتجارية ، بورسعيد، كلية تجارة ، المجلد 20، العدد 4، الجزء الأول ، (أكتوبر 2019)، ص. ص 274 – 299)، ص. 282

[24] روبرت د.كابلان ، انتقام الجغرافيا ما الذي تخبرنا به الخرائط عن الصراعات المقبلة وعن الحرب ضد المصير، ترجمة د.إيهاب عبد الرحيم على، سلسلة عالم المعرفة رقم 420، (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2015). ص. 318- 319

[25] د. قدري محمود إسماعيل، مرجع سابق، ص.234

[26] روبرت كابلان ، مرجع سابق، ص.318

[27] المرجع نفسه

[28] روبرت كابلان،المرجع السابق،  ص.330

[29] Stanzel , Angela, China’s Path to Geopolitics: Case Study on China’s Iran Policy at the Intersection of Regional Interests and Global Power Rivalry, SWP Research Paper, Berlin, German Institute for International and Security Affairs SWP no 5, (February 2022) p.32,  access date 15/3/2026, https://www.swp-berlin.org/

[30] Ibid. p. 32

[31] Indeo , Fabio , Insight 256: The Middle East in China’s Belt and Road Initiative – Strategic and Geopolitical Implications, Middle East Institute INSIGHTS, Singapore, Middle East Institute, No. 256, (16 March 2021),p.1. access date: 30/3/2026 https://mei.nus.edu.sg/publication

[32] Stanzel , Angela, op. cit., p.p.28-29

[33] Abdollahpour, Behzad; Mozaffari, Maziar, The U.S. Factor in China–Iran Relations A Historical Perspective on Beijing’s Dual Policy, China Quarterly of International Strategic Studies, Singapore, world Scientic connect, Vol. 9, Nos. 1–4, p 88

[34]  أساف أوريون، تقارب “محورين” في إيران،  | The Washington Institute نشر بتاريخ 23 كانون الأول/ديسمبر 2024، تاريخ الدخول 30/2/2026، https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/tqarb-mhwryn-fy-ayran

[35] رؤى خليل سعيد خليل، مكانة إيران في المدرك الإستراتيجي الروسي، مجلة حمورابي، بغداد ،مركز حمورابي للبحوث والدراسات الإستراتيجية،  العدد 29، السنة 7، (شتاء 2019)، ص. 99

[36] دومينيك باري، التحدي الصيني، مرجع سابق، ص. 234

[37] Yazdanshenas , Zakiyeh, China’s Growing Role in The Middle East , Nicosia: Friedrich-Ebert-Stiftung Project on Peace and Security in the MENA Region, May 2024, p.8.

[38] Stanzel , Angela,op.cit., p.p.30-31

[39] Yazdanshenas , Zakiyeh,  op.cit., p.8

[40] Ayres, Graham, and others, China-Iran Fact Sheet: A Short Primer on the Relationship, Washington: U.S.-China Economic and Security Review Commission , 16 Mar.2026,  p.5, access date 2/2/2026, https://www.uscc.gov/research

[41] Ayres, Graham, and others, op.cit., p.4

[42] Ibid., p2

[43]  ELVEREN, MAJ Ibrahim, Prospects and Complexities of China-Iran Relations, Implications for the US, and Regional & Global Repercussions, Washington, Near East South Asia Center for Strategic Studies, 20/5/2024, p.7, access date 30/2/2026.

[44] Ayres, Graham, and others, op. cit. p.5

[45] Ibid.

[46] ELVEREN, MAJ Ibrahim, op. cit., p4

[47]For more details: Ayres, Graham: Tsering, Lyndi, China’s Facilitation of Sanctions and Export Control Evasion, U.S.-China Economic and Security Review Commission, November 14, 2025. Access date 15/2/2026 https://www.uscc.gov/research/chinas-facilitation-sanctions-and-export-control-evasion

[48] رانيا مكرم، مكاسب وتحديات: الشراكة الإستراتيجية بين الصين وإيران إلى أين؟، موقع  المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية، نشر بتاريخ11/7/2021، تاريخ الزيارة 30/2/2026، https://ecss.com.eg/15308/

[49] أحمد قنديل، تعايش أم صدام؟! الترامبية الجديدة ومستقبل العلاقات الأمريكية الصيني، موقع مركز المستقبل للدراسات المتقدمة، نشر بتاريخ 28/1/2025، تاريخ الزيارة 20/2/2026،   https://www.futureuae.com

[50] الصين: لدى بكين وواشنطن مصالح مشتركة ومساحة كبيرة للتعاون، موقع  – RT Arabic نشر بتاريخ 19/2/2025، تاريخ الزيارة 2/2/2026، https://arabic.rt.com/world/1647940

[51]  Abdollahpour, Behzad; Mozaffari, Maziar, op.cit., p.90

[52] Zhang, Yuan, Two Pillars, One Gulf: China’s High-Stakes Balancing Act between Iran and the GCC,  Gulf Research Center | GRC website, published on 3/12/2025, access date 30/2/2026 , https://www.grc.net/single-commentary/338

[53] Ayres, Graham, and others,op.cit. p.6

[54] Falarti , Maziar Mozaffari,  Navigating Strategic Waters: China, Iran, and the U.S. in Middle Eastern (or West Asia) Geopolitics Hong Kong Review of Belt and Road Studies,  Hong Kong, Sino Group Belt and Road Research Institute,,

 Issue 2 (7), 2025. P.43 Access date 2/2/2026 https://www.researchgate.net/publication/395843793

[55] Stanzel , Angela, p. 19

[56] Yazdanshenas , Zakiyeh, op.cit. p.p.8-9

[57] Middle East Task Force, China’s Middle East Strategy in 2025: Between Iran and Israel, Beyond the Horizon International Strategic Studies Group web site, published on 18/6/2025, access date: 15/2/2026  https://behorizon.org/between-tehran-and-tel-aviv-chinas-strategic-balancing-act-in-the-middle-east/

[58]  Downs, Erica, Where China Gets Its Oil: Crude Imports in 2025 Reveal Stockpiling and Changing Fortunes of Certain Suppliers, Including Those Sanctioned , – Center on Global Energy Policy at Columbia University website , published on January 29, 2026, access date: 2/2/2026, https://www.energypolicy.columbia.edu/

[59] source: https://www.energypolicy.columbia.edu/where-china-gets-its-oil-crude-imports-in-2025-reveal-stockpiling-and-changing-fortunes-of-certain-suppliers-including-those-sanctioned/

[60] وارف قميحة، الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن… في لحظة الانفجار الإقليمي، موقع صحيفة الشرق الأوسط، نشر بتاريخ21/3/2026، تاريخ الزيارة 25/3/2026.

[61] Zhang, Yuan, op.cit

[62] ibid

[63] Ayres, Graham, and others, op.cit., p6

[64] For more details: Yazdanshenas , Zakiyeh, op.cit., p.p.8-9.

[65] Zhang, Yuan, op.cit.

[66] وارف قميحة،، مرجع سابق

[67] Yazdanshenas , Zakiyeh,op.cit. p.6

[68] عبد الرحمن فرغلي عباس، تحولات الإستراتيجية الأمريكية للحد من النفوذ الصيني، موقع مجلة السياسة الدولية، نشر بتاريخ 2/2/2026 ، تاريخ الزيارة 25/2/2026،   https://www.siyassa.org.eg/News/22256.aspx

[69] وارف قميحة، مرجع سابق

[70]  Friedman, George, China and the Iran Negotiations, Geopolitical Futures web site, published on 6/4/2026, access date 7/4/2026, https://geopoliticalfutures.com/china-and-the-iran-negotiations/

[71] ترمب يطلب مساعدة الصين في إعادة فتح هرمز ويلوح بتأجيل زيارته لبكين، موقع الشرق للأخبار، نشر بتاريخ 17/3/2026، تاريخ الزيارة 18/3/2026، https://asharq.com/iran/175894 /

[72] الصين وحرب إيران.. ضغوط اقتصادية ومكاسب إستراتيجية، موقع  سكاي نيوز عربية، نشر بتاريخ 30/3/2026، تاريخ الزيارة 1/4/2026، https://www.skynewsarabia.com/live-story/1855676/71005

[73]إمايكل هوروفيتز، دعم بلا تورط… المنطق الإستراتيجي وراء الموقف الصيني-الروسي من إيران حسابات المكسب والخسارة، موقع مجلة المجلة، نشر بتاريخ 9/4/2026، تاريخ الزيارة 10/4/2026، https://www.majalla.com

[74] شين شيوي، حرب إيران.. كيف تواجه الصين تداعيات تعطل واردات الطاقة؟ ، موقع الشرق للأخبار، نشر بتاريخ 18/3/2026، تاريخ الزيارة 20/3/2026، https://asharq.com/iran/

[75] الصين وحرب إيران.. ضغوط اقتصادية ومكاسب إستراتيجية ، موقع سكاي نيوز عربية، مرجع سابق

[76] المرجع نفسه

[77] مايكل هوروفيتز، مرجع سابق.

[78] شين شيوي، حرب إيران.. كيف تواجه الصين تداعيات تعطل واردات الطاقة؟ ،مرجع سابق

[79] وارف قميحة، مرجع سابق

[80]وارف قميحة، مرجع سابق

[81] علي أبو مريحيل، مصلحة صينية بوقف الحرب مع إيران عند هذا الحد – موقع ميدل ايست نيوز بالعربي، نشر بتاريخ 9/4/2026، تاريخ الزيارة 10/4/2026، https://mdeast.news/ar/2026/04/09 /

[82] شين شيوي، رغم “فجوة الثقة”.. الصين على طريق الوساطة في مفاوضات حرب إيران، موقع الشرق للأخبار، نشر بتاريخ 4/4/2026، تاريخ الزيارة 5/4/2026، https://asharq.com/iran/177956

[83] La trêve en Iran consacre la “stratégie habile du flou” de Pékin, courrier international website , published on 8/4/2026, access date: 10/4/2026 https://www.courrierinternational.com/

[84] علي أبو مريحيل، مرجع سابق

[85] الصين وحرب إيران.. ضغوط اقتصادية ومكاسب إستراتيجية، سكاي نيوز مرجع سابق

[86]  علي أبو مريحل ، مرجع سابق

[87]  Ribakova, Elina;  García-Herrero, Alicia, How Russia and China are winning the war in Iran | PIIE website, published on 30/3/2026, access date 2/4/2026. https://www.piie.com/blogs/realtime-economics/2026/how-russia-and-china-are-winning-war-iran

[88]   الحسن بوقنطار، وقف إطلاق النار بين إيران وأمريكا.. بداية تسوية نهائية أم استراحة مؤقتة؟ ، موقع هسبريس، نشر بتاريخ 11/4/2026، تاريخ الزيارة 12/4/2026،     https://www.hespress.com

[89] الصين وحرب إيران.. ضغوط اقتصادية ومكاسب إستراتيجية ، موقع سكاي نيوز عربية، مرجع سابق

[90] الحسن بوقنطار، مرجع سابق

[91]  محمد الخضر وآخرون، حرب إيران مباشر.. أمريكا تبدأ حصار الموانئ الإيرانية ومحاولات لعقد جولة مفاوضات ، موقع الجزيرة نت، نشر بتاريخ 11/4/2026، تاريخ الدخول 12/4/2026،  https://www.ajnet.me/news/liveblog/2026/4/11

[92] الجزيرة، مطالب مستحيلة حالت دون التوصل لاتفاق بين أمريكا وإيران ، موقع الجزيرة نت، نشر بتاريخ 12/4/2026، تاريخ الزيارة 12/4/2026      https://www.ajnet.me/news/2026/4/12

[93] محمد الخضر وآخرون، مرجع سابق

[94] الجزيرة، ما موقف إسرائيل من المفاوضات المرتقبة مع إيران؟، موقع الجزيرة نت، شر بتاريخ 11/4/2026 ، تاريخ الزيارة 12/4/2026       https://www.ajnet.me/news/2026/4/11

[95] الجزيرة، ترمب يهدد الصين بمواجهة “مشكلات كبيرة” في حال تسليح إيران،  موقع الجزيرة نت، نشر بتاريخ 12/4/2026، تاريخ الزيارة 13/4/2026  https://www.ajnet.me/news/2026/4/12

[96] ترامب يلتقي الرئيس الصيني في بكين خلال مايو المقبل.. اعرف الموعد ، موقع جريدة اليوم، نشر بتاريخ26/3/2026، تاريخ الزيارة 28/3/2026      https://www.alyaum.com/articles/6652298، 

[97] الجزيرة ، بعد تعثر المفاوضات.. 3 سيناريوهات تحدد مستقبل صراع واشنطن وطهران ، موقع الجزيرة نت، نشر بتاريخ 12/4/2026، تاريخ الدخول 12/4/2026، https://www.ajnet.me/politics/2026/4/12

[98] المرجع السابق

[99] تحركات باكستانية لإشراك الصين كضامن في اتفاق واشنطن وطهران ، موقع  الشرق للأخبار، نشر بتاريخ 30/3/2026، تاريخ الزيارة 1/4/2026 ، https://asharq.com/iran/17745/

[100] عالم صيني يحذر: نسير نحو حرب عالمية ثالثة!، موقع اليوم الإخباري، https://today-agency.net/Details/53063

[101] لارا رجا الذيب، الأبعاد العسكرية للاتفاقية الصينية الإيرانية – موقع مركز الدراسات العربية الأوراسية، نشر بتاريخ19/1/2022، تاريخ الزيارة 30/3/2026 https://eurasiaar.org/military-dimensions-sino-iranian-agreement/

[102] حرب إيران: هل بات العالم بالفعل على شفا حرب عالمية ثالثة؟، موقع  – BBC News عربي، نشر بتاريخ 2/4/2026، تاريخ الزيارة: 3/4/2026     https://www.bbc.com/arabic/articles/c705rz71px4o    

[103] ناشيونال إنترست، هل تقوض الحرب الإيرانية قدرة أمريكا على بسط نفوذها في الشرق الأوسط؟موقع  – RT Arabic ، نشر بتاريخ 14/4/2026 تاريخ الزيارة:14/4/2026، https://arabic.rt.com/press/1778115

Admin

مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية: مؤسسة فكر وتخطيط استراتيجي تقوم على إعداد التقديرات وتقديم الاستشارات وإدارة المشروعات البحثية حول المتوسط وتفاعلاته الإقليمية والدولية. لا يتبنى المركز أية توجهات مؤسسية حول كل القضايا محل الاهتمام، والآراء المنشورة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى