
الأستاذ المتمرس الدكتور سعد حقي توفيق
معهد العلمين للدراسات العليا
النجف الأشرف- العراق
الملخص:
يسعى ترامب في ولايته الثانية إلى الاستمرار في اتباع مبدأ (أمريكا أولا) الذي تخلى بموجبه عن سياسة التدخل العسكري المباشر لتغيير الأنظمة السياسية، التي اتبعها المحافظون الجدد في الحزب الجمهوري، إلى التركيز، بدلا من ذلك، على الصفقات العملية وتحقيق الأرباح والمكاسب التي يعول عليها لكسب الداخل الأمريكي. ولهذا استخدم أسلوب فرض الرسوم الجمركية على أعداءه ومنافسيه وحتى حلفاءه من الدول.
وفي الشرق الأوسط اعتمد على أسلوب الصفقات المالية والسياسية مثل انهاء حرب غزة، وتحقيق التطبيع بين اسرائيل مع بقية الدول العربية، وكبح جماح الدول المناوئة لمشروعه، وجماح الدول الكبرى المنافسة لسياساته في المنطقة.
الكلمات المفتاحية: السياسية الأمريكية، ترامب، الولاية الثانية، الشرق الأوسط، الاستقرار.
مقدمة:
وصل ترامب إلى السلطة في الولايات المتحدة والأزمات الدولية في الشرق الأوسط على أشدها، فمن الحرب في أوكرانيا إلى الحرب على غزة، ومن التوترات مع إيران إلى التوترات في سوريا ولبنان. وتختلف ولاية ترامب الثانية عن الولاية الأولى، وهو رئيس يحمل في أعماقه نزعة محافظة. ففي الوقت الذي تأثرت فيه سياسة الولايات المتحدة بمبادئ المحافظين الجدد، والتي تميزت بالتدخل العسكري غير المحسوب لتغيير الأنظمة السياسية، بينت النتائج السلبية لهذه التدخلات إلى تراجع سيطرة المحافظين الجدد في الحزب الجمهوري. وتحت قيادة ترامب شهدت السياسة الخارجية للحزب الجمهوري تحولا ملحوظا حيث تبدو اليوم أكثر رسوخا. ولقد انتقل ترامب وفق ذلك إلى تبني مشروع محافظ جديد، وأصبح أكثر تشككًا في التحالفات الدفاعية والالتزامات الأمنية والانتشار العسكري، ولم يعد له اهتمام بنشر الديمقراطية وحقوق الانسان عالمياً.
وفي هذه الولاية الثانية للرئيس ترامب تأثرت السياسة الخارجية الأمريكية بشخصيته المتقلبة والمزاجية فنراه تارة يركز على العلاقات المتشددة تجاه الصين، وتارة يركز على الاقتصاد والتجارة قبالة التوصل إلى اتفاق تجاري مع الصين.
لقد إهتم ترامب في منطقة الشرق الأوسط بشكل كبير لوجود مصالح اقتصادية حيوية للولايات المتحدة فيه، ولإهتمامه بأمن اسرائيل حيث يخضع لتأثير اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، ولكثرة المستشارين اليهود المحيطين به، والسياسات التوسعية لحكومة نتنياهو في ظل دعم أمريكي مطلق لها. كما منح الأولوية لتصفية الحضور الايراني وحلفائها في المنطقة وهذا ما جرى من قبل اسرائيل في لبنان ومساعيها التوسعية في سوريا. وكذلك رغبته في عقد صفقات تجارية وأرباح كبيرة مع دولها الغنية، ولهذا نجده يختار الشرق الأوسط في أول زيارة له في العالم، وذلك لإيجاد مناخ اقتصادي ملائم لسياساته القائمة على مصالح اقتصادية مربحه.
اشكالية الدراسة:
في ظل ولاية ترامب الثانية تواجه الولايات المتحدة حرب وأزمات في منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي يتطلب مواجهتها ومعالجتها، ويمكن معرفة ذلك من خلال طرح الأسئلة الاتية:-
1. ما هي أهمية الشرق الأوسط للولايات المتحدة؟
2. ما هي أزمات المنطقة؟
3. ما هي تحولات السياسة الخارجية الأمريكية في ولاية ترامب الثانية؟
4. ما هي رؤية ترامب لمواجهة هذه الأزمات؟
5. كيف يمكن مواجهتها في ظل وجود دول ذات أهداف متناقضة؟
فرضية الدراسة:
تقوم فرضية البحث على أن منطقة الشرق الأوسط تتمتع بأهمية استثنائية لمصالح الولايات المتحدة الأمنية والسياسية والاقتصادية بشكل مستمر وخاصة في ولاية ترامب الثانية.
محاور الدراسة: وسيتم تقسيم البحث الى النقاط الآتية:
1. أهمية الشرق الأوسط للولايات المتحدة.
2. الاستراتيجية الأمريكية للأمن القومي عشية ولاية ترامب الثانية
3. مبادئ ترامب في الشرق الأوسط.
4. أهداف ترامب في الشرق الأوسط.
5. تحولات السياسة الخارجية الأمريكية في ولاية ترامب الثانية.
6. ترامب والصراع الفلسطيني – الاسرائيلي.
7. التوتر مع ايران.
8. الولايات المتحدة والدور التركي في الشرق الأوسط
9. كبح مساعي روسيا والصين من الهيمنة على الشرق الأوسط.
أولاً: أهمية الشرق الأوسط للولايات المتحدة
تتمتع منطقة الشرق الأوسط بخصوصية كبيرة للولايات المتحدة التي تجعله في مركز اهتماماتها، إذ غدت مكاناً يخضع لتدخلاتها وتفاعلاتها، وتنظر إليها بوصفها تتمتع بموقع جيوستراتيجي مهم لاحتوائها على ثروات كبيرة من الطاقة، كما تشرف على ممرات الملاحة الدولية، وتقع في المنتصف الجغرافي بين الغرب والشرق الأقصى. وهي تعد بالنسبة لها منطقة بالغة الأهمية كونها تجمع بين المزايا الاقتصادية والاستراتيجية والجيوسياسية[1]. وخلال الحرب الباردة استندت الولايات المتحدة على أعمدة ثلاث في سياستها تجاه الشرق الأوسط:
- تأمين مصادر آمنة ورخيصة للطاقة.
- ضمان أمن إسرائيل.
- مواجهة النفوذ السوفيتي.
وتدريجياً فقدت بعض جوانب هذا الثالوث أهميتها، وقد تغير ذلك بعد انتهاء الحرب الباردة، حيث تحولت الولايات المتحدة إلى الدولة الوحيدة المهيمنة في العالم، في نظام دولي أحادي القطبية، ولم يعد التصدي للشيوعية ومواجهة النفوذ السوفيتي هدفاً أمريكياً[2].
ودخلت متغيرات جديدة لتبرر هذه الهيمنة الأمريكية التي تعكس أحداث جديدة منها، حرب الخليج الثانية، هجمات الحادي عشر من أيلول 2001، والاحتلال الأمريكي لأفغانستان في العام نفسه، والاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، التوتر مع ايران وقضية برنامجها النووي، ظهور الإرهاب العابر للحدود، زيادة التوترات بسبب النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي.
قبالة ذلك، ظهرت مصالح استراتيجية جديدة في الشرق الأوسط مثل، مكافحة الإرهاب والحرب عليه، حماية الملاحة في الممرات المائية الرئيسية مثل: مضيق هرمز وباب المندب، ضمان التدفق الحر للطاقة، تعزيز الاستقرار الإقليمي وحماية الحلفاء من التهديدات، والحفاظ على العلاقات الأمريكية بعيدة الأمد في المنطقة، وردع ايران، ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل. وإزاء هذه التحديات تدخلت الولايات المتحدة في أزمات المنطقة، وأقامت العديد من القواعد العسكرية فيها من أجل حماية مصالحها الاستراتيجية المتجددة[3].
وعلى الرغم من أن منطقة الشرق الأوسط تتوافر على احتياطات كبيرة من النفط والغاز إلا أنها تعاني من صراعات عنيفة وعدم استقرار سياسي وأزمات بشكل مستمر مما يؤثر على أوضاعها الأمنية والسياسية والاقتصادية، لذلك رأى عدد من المسؤولين والسياسيين الأمريكيين أن استمرار اعتماد الولايات المتحدة على النفط في هذه المنطقة يعني استمرار تعرضها إلى أزمات في توريد النفط وعدم استقرار في أسعاره مما يؤثر على أمن الطاقة الأمريكي[4].
وقد برزت أهم إحدى الأزمات في توريد الطاقة عند احتلال العراق للكويت في العام 1990 حيث سارعت الولايات المتحدة إلى إرسال جيوشها وجيوش حلفاءها، وتم استخدام القوة من أجل انهاء احتلال العراق للكويت، عندما أعلنت أن العراق أصبح يسيطر على 20% من النفط العالمي، إذ كانت الولايات المتحدة في ذلك الوقت تعتمد اعتماداً عالياً على استيراد النفط وخاصة من منطقة الخليج العربي والذي بات يشكل حاجة أمنية لها[5].
وعلى الرغم من تراجع اعتماد الولايات المتحدة على النفط المصدر من منطقة الشرق الأوسط بسبب انتاجها للنفط الصخري إلا أنها لازالت تعتبرها منطقة مهمة لمصالحها الأمنية والاقتصادية، حيث أشارت وثيقة مراجعة وزارة الدفاع الأمريكية للانتشار العسكري الأمريكي في العالم (Global Posture Review) المعلن عنها في أكتوبر 2022 أن هناك تحولاً نوعياً في أهمية الشرق الأوسط بالنسبة للمصالح الأمريكية مقارنة بأهمية منطقة الأندو-باسيفيك وأوربا، ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلى تغيير طبيعة التهديدات التي ظهرت في الشرق الأوسط والتي أخذت تؤثر على المصالح الأمريكية، مقارنةً بالتهديدات التي عاشتها المنطقة طوال العقود الماضية، ومقارنةً أيضاً بالتهديدات التي تطرحها كل من روسيا والصين في منطقة الأندو-باسيفيك وأوروبا على الأمن القومي الأمريكي[6].
ثانياً: الإستراتيجية الأمريكية للأمن القومي عشية ولاية ترامب الثانية
على أعتاب وصول ترامب للسلطة في الولايات المتحدة للمرة الثانية، تشير استراتيجية الأمن القومي الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط إلى الأسس التالية[7]:
- دعم وتقوية الشراكات مع الدول التي تحترم النظام الدولي، وتمكينها من الدفاع عن نفسها.
- حماية ممرات الملاحة البحرية في الشرق الأوسط مثل باب المندب ومضيق هرمز.
- ردع أية تهديدات للإستقرار الإقليمي، وتبني الوسائل الدبلوماسية لخفض التوترات وإنهاء الصراعات.
- العمل على تعزيز التكامل الإقليمي، من خلال بناء الروابط السياسية والاقتصادية والأمنية مع شركاء الولايات المتحدة.
- إلتزام الولايات المتحدة بالدفاع عن حقوق الإنسان ونشرها، والقيم الموجودة في ميثاق الأمم المتحدة.
إن تحقيق هذه الأسس تجسدها مهام القيادة المركزية الأمريكية في مقرها في قطر، وتقوم بممارسة سلسلة من التدريبات مع الحلفاء في المنطقة. ففي 7 نوفمبر 2019 تم تشكيل “التحالف الدولي لأمن وحماية الملاحة البحرية وضمان سلامة الممرات البحرية”، وهو تحالف ذو طبيعة دفاعية يهدف إلى التعامل مع تهديد الملاحة في مياه الخليج العربي، مروراً بمضيق هرمز نحو بحر عمان، وصولاً إلى باب المندب في البحر الأحمر، كما أجرت الولايات المتحدة وإسرائيل تدريبات مشتركة مع دولة الامارات والبحرين تمثلت في القيام بإنزال بحري مشترك في البحر الأحمر استمرت خمسة أيام[8].
ثالثاً: مبادئ ترامب في الشرق الأوسط
- الارتكاز على مبدأ (أمريكا أولاً):
ينطلق ترامب من رفضه لتحمل الولايات المتحدة أعباء حماية الآخرين، والانفاق على دفاعهم كي يتمكنوا من حماية أنفسهم. حيث ينطلق من نزعة انعزالية تقوم على إعادة عظمة أمريكا وممارسة الهيمنة على الحلفاء، وهو يعادي المؤسسات الدولية، وهي ليست بنت أفكاره وإنما تعود لممارسات رؤساء سابقين مثل رونالد ريغان وجورج بوش الإبن. كما أنه يتجاهل الأعراف الدبلوماسية التقليدية والإجماع الدولي ويتجاوز القانون الدولي، وهذا الشعار كان يرفعه الحزب الجمهوري منذ سنوات طويلة مضت، يوم كان الحزب معادياً للمغامرات الخارجية والهجرة ومعاهدات التبادل الحر([9]).
2-دعم سياسة إسرائيل في غزة:
لقد أدى دعم ترامب لسياسة إسرائيل في حربها على غزة الى إطلاق يدها في تدمير غزة، وأخذت تتمتع بحرية التصرف المطلق مما أدى إلى تعقيد حل الأزمة والحرب. كما أنه أعلن عن إلغاء عقوبات بايدن على المستوطنين الذين مارسوا القتل ضد الفلسطينيين، حيث انعكس هذا الانحياز الأمريكي على حل الأزمة ووقف إطلاق النار[10].
بالنظر إلى تقلب مواقف ترامب، فقد قدم في البداية مقترحا يقضي بتوطين سكان قطاع غزة في كل من مصر والأردن، غير أن هذا المقترح قوبل بالرفض من الدولتين، فضلاً عن الرفض العربي الواسع. وقد تبنت القمة العربية الخاصة بغزة، المنعقدة في القاهرة في 14 آذار/مارس 2025، خطة مصرية تجاوزت مجرد إعادة إعمار غزة أو وقف مشاريع الاستيطان، إذ سعت إلى توفير إطار دعم وحل عام لإسناد القضية الفلسطينية.
كما حظيت هذه الخطة بدعم عربي ودولي، الأمر الذي أسهم في تقويض خطة ترامب، مما دفعه إلى تحويل فكرته من مقترح إلى توصية غير ملزمة، على أن يتم توفير بديل مناسب لحل مشكلة غزة. وقد اشترط هذا التوجه عدم استمرار حركة حماس في السيطرة الإدارية على قطاع غزة، ونزع سلاح المقاومة، وذلك بهدف إتاحة الفرصة أمام إسرائيل بحرية أكبر في التعامل مع القطاع، ووضع ترتيبات تترجم الأهداف الغير معلنة للحرب[11].
رابعاً: أهداف ترامب في الشرق الوسط
يسعى الرئيس ترامب من خلال سياسته في الشرق الأوسط إلى إيقاف الحرب في غزة لأن استمرارها يضر بأهدافه في المنطقة، وذلك باعتبار أنها ستوقف الصفقات التي عقدها مع دول الخليج العربي، والتي يعتبرها من الإنجازات الاقتصادية الكبرى والهامة، إذ إن مثل هذه القرارات تتطلب استقراراً إقليمياً دون حروب، وهو ما لا يمكن تحقيقه في ظل الحرب على غزة.
في المقابل، يرفض نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل ايقافها لأنها تضر بحكومته، وهو يعتمد على استمرارها للبقاء في السلطة، والتي تقوم على حكومة اليمين المتطرف والمتدينين المتشددين، مما يضعه في موقف صعب. فضلاً عن أن استمرارها يؤدي إلى استنزاف قدرات إسرائيل الاقتصادية، ولما كان ائتلاف نتنياهو هشا، فان ترامب يستغل هذا الضعف لإيقافها.
وفي الوقت الذي يصر فيه نتنياهو على إنهاء الحرب عن طريق (النصر) كما يعتقد، ويرفض إنهاءها بصفقة، مصراً بدلاً من ذلك على تحقيق (النصر الكامل) كما يدعي، فإن موقفه انهار مع تكثيف ترامب الضغط عليه. ويدرك ترامب أن الفشل في إنجاح صفقة غزة لم يكون مجرد اخفاق دبلوماسي له بل تقويض كامل لعلاقاته التجارية القائمة على الصفقات.
بينما يؤدي الوصول إلى إيقاف حرب غزة إلى استقرار إقليمي بعد عدوان إسرائيل على لبنان وإيران وقطر حيث هناك خوف من اندلاع حرب إقليمية واسعة تشمل أرجاء الشرق الأوسط كافة، لاسيما، بعد دعوة إسرائيل إلى ترحيل الفلسطينيين من غزة إلى بلدان أخرى، موقف أيده ترامب ولكن سرعان ما تراجع عنه في إعلان خطته للسلام في 29 سبتمبر/ أيلول 2025[12].
وقد وجه فرنسيس فوكوياما انتقادات إلى فكرة السلام عن طريق القوة التي أشار إليها ترامب، حيث لم يكن الأول، على حد تعبيره، في إطلاقها، فقد سبقه جورج دبليو بوش في السعي إلى تحقيق الديمقراطية عن طريق تغيير الأنظمة السياسية، وهذا ما دفعه إلى القول “إن إحباط المواطن العربي في الشرق الأوسط من السياسة الأمريكية أدى إلى ضياع مصداقية الولايات المتحدة في العالم العربي”، وهذا يعود إلى سببين رئيسيين:
1-تتسم طريقة تعامل الولايات المتحدة مع القضية الفلسطينية بالانحياز الواضح لإسرائيل على حساب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، إذ تنتهج واشنطن سياسة الكيل بمكيالين، حيث توفر الحماية السياسية لإسرائيل، وتعمل على تبرير سياساتها، فضلا عن التغاضي عن الانتهاكات التي ترتكبها بحق الفلسطينيين.
2- ينتقد تعامل الولايات المتحدة مع أنظمة غير ديمقراطية في المنطقة، بالرغم من خطابها الداعي إلى تعزيز الديمقراطية. إذ يرى بعض المنتقدين أن الديمقراطية التي تطالب بها أمريكا في الشرق الأوسط تسير بوتيرة بطيئة. وفي هذا السياق، يشير فوكوياما إلى أن الأمريكيين يقعون في خطأ منهجي عندما يخلطون بين مصالحهم الوطنية الضيقة وعملية الترويج للقيم الديمقراطية على الصعيد العالمي. كما تنبع رؤية الولايات المتحدة للاستقرار في الشرق الأوسط من رفضها وصول القوى الإسلامية إلى السلطة أو حصولها على تمثيل داخل البرلمانات، وهو ما ينعكس على سياساتها وتحالفاتها في المنطقة[13].
خامساً: تحولات السياسة الخارجية الأمريكية في ولاية ترامب الثانية
إن أهم تحولات السياسة الخارجية الأمريكية في ولاية ترامب الثانية تقوم على التحول من النزعة المحافظة الجديدة إلى (أمريكا أولاً) بشكل أكثر وضوحاً. لقد تأثرت السياسة الخارجية الأمريكية في عهد المحافظين الجدد في إدارة الحزب الجمهوري بسياسة التدخل العسكري، والسعي لتغيير الأنظمة، في حين تعكس فترة التحول الجديد في ولاية ترامب الثانية التركيز على الصفقات العملية بدلاً من الالتزامات الأيديولوجية والتدخل العسكري، وهي سياسة تنسجم مع شعار (أمريكا أولاً).
وهكذا سعت إدارة ترامب في ولايته الثانية إلى إعطاء الأولوية للقضايا الداخلية. ويركز نهج ترامب على الحماية الاقتصادية من خلال فرض التعريفات الجمركية، وإعادة سلاسل التوريد وفرض العقوبات على الخصوم، مثل الصين، وتقليل المشاركة العسكرية مع الرد بشكل حاسم على التهديدات المباشرة، وتشكيل تحالفات على أسس عملية وذلك بالطلب من الحلفاء المساهمة بشكل أكبر في تحمل نفقات الدفاع الجماعي كما هو الحال في حلف شمال الأطلسي[14].
لهذا يوصف تيار ترامب في داخل الحزب الجمهوري بأنه تيار يتبنى الأفكار الانعزالية المتشكك في الدور الدولي العالمي للولايات المتحدة، والذي يتمسك بالانكفاء على الذات، وتجنب الاستنزاف في الأزمات والصراعات العالمية، وإن مؤيدي هذا التيار يرفضون كونهم انعزاليون، بل أنهم يؤكدون على تأييدهم اتخاذ مواقف متشددة في القضايا العالمية، من أوكرانيا وتايوان وإسرائيل إلى الصين وحقوق الإنسان والديمقراطية، ولكنهم يصرون على منح الأولوية لقضايا الداخل الأمريكي في مقابل الشؤون الدولية، دون أن يعني ذلك انسحاباً من الساحة العالمية[15].
إن المدافعين عن شعار (أمريكا أولاً) يتحدثون عن بناء أمريكا في الداخل بما يضمن لها أن تكون قوية، ولها هيبة أمام دول العالم المختلفة، خاصة، في مواجهة القوى الصاعدة في مقدمتها الصين[16].
ولهذا إذا ما أردنا تطبيق سياسة ترامب في الشرق الأوسط، بوسعنا القول أن سياسة ترامب في الشرق الأوسط تنطلق من مصالح داخلية أمريكية خدمة للمواطن الأمريكي، ولهذا قام ترامب بفرض رسوم جمركية على عدد كبير من الدول وأبرزها الصين والدول الأوربية ودول حليفة لها، من أجل خدمة الاقتصاد الأمريكي. ولهذا عندما تكون نظرة ترامب أحادية من أجل خدمة مصالح دولته، ينعكس ذلك على سلوكه في إيجاد حلول لقضايا دولية مهمة. ولهذا يسعى لإيجاد حل لأزمة غزة حتى لا تتعرض خططه الاقتصادية إلى الفشل.
يهدف ترامب إلى تحقيق مكاسب آنية، حتى وإن كان ذلك على حساب الأعراف الدولية، إذ لا يولي أهمية للقانون الدولي، ولا للمؤسسات الدولية المعبرة عن الشرعية الدولية. وخلال ولايته الأولى استخدم وسيلة المساعدات العسكرية لممارسة الضغط على أوكرانيا من أجل تحقيق مكاسب سياسية داخلية. كما طرحت إدارته مقترحات قد تؤدي فعلياً إلى منح روسيا مكاسب إقليمية من خلال تسويات تفرض على أوكرانيا لتقديم تنازلات. إن مثل هذه المقاربة لا تقوض سيادة أوكرانيا فقط، وإنما تهدد أحد مبادئ القانون الدولي التي تمنع الاستيلاء على أراض بالقوة أيضاً. وهو ما يشجع دول أخرى على تبني سياسة مماثلة، ويعيد إحياء أنماط من الصراعات الجيوسياسية التي سادت سابقاً.
ويسعى ترامب كذلك إلى توسيع سيطرته على السلطة التنفيذية داخل الولايات المتحدة، وإعطاء دور أكبر من اللازم لإدارته من أجل تحقيق مكاسب وتهميش المؤسسات الدبلوماسية، وهو ما قد يؤدي إلى إضعاف قدرة الولايات المتحدة على إدارة الأزمات الدولية بفعالية، حيث يتم تقليص دور وزارة الخارجية، وإضعاف المؤسسات الاستشارية والوكالات الاستخبارية التي تساهم في عملية صنع القرار الخارجي الأمريكي. وبالتالي تصبح السياسة الخارجية الأمريكي أكثر تذبذباً، وأقل قدرة على تبني استراتيجيات طويلة الأمد.
وفي ما يخص قضية غزة، يظهر أن ترامب يركز على إدارة الأزمة بدلا من العمل على حلها، وفي خطته للسلام في غزة فهو يؤيد “عملية السلام” دون تقديم رؤية متكاملة لتحقيق سلام فعلي، يعود ذلك، في جانب منه، إلى الضغوط التي يتعرض لها من اللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة، فضلا عن وجود حكومة قوية في إسرائيل.
لهذا أصبح دوره مقيداً بعوامل داخلية وحدود لا يستطيع تجاوزها. وإن مثل هذا الدور يضعف مصداقية الولايات المتحدة كشريك دولي موثوق به، ويجعل قراراتها أكثر عرضة للتغييرات السياسية الداخلية، ما يعرقل من قدرتها على اتخاذ قرارات حاسمة، وقيادة النظام الدولي[17].
وبسبب تفضيلها الولاء السياسي على الكفاءة في انتقاء المسؤولين المؤثرين في السياسة الخارجية، فقد تعرضت إدارة ترامب إلى انتقادات، وشهدت خلال ولايته الأولى تعيين شخصيات تفتقر إلى الخبرة في مناصب رئيسية والوكالات الاستخباراتية، مما أدى إلى غياب رؤى متماسكة في التعامل مع التحديات العالمية. وفي ولايته الثانية، استمرت هذه الظاهرة، ما يضعف عملية صنع القرار الأمريكي حيث تصبح القرارات أكثر ارتباطاً بالتوجهات الأيديولوجية للرئيس ومحيطه السياسي، بدلاً من أن يستند إلى تحليلات استراتيجية مبنية على حقائق ومعطيات ميدانية[18].
وبالنظر لتقلّب مزاج ترامب، لاتزال دول الشرق الأوسط العربية غير مطمئنة لسياساته المنحازة لإسرائيل، فقد سبق أن نقلت سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس، وقطعت الأموال عن وكالة الامم المتحدة لتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الانروا)، وانسحبت شأن حليفتها إسرائيل من اليونسكو، وقفلت السفارة الفلسطينية في واشنطن. وحيال إيران لم ينسحب ترامب من الاتفاق النووي لعام 2015 فحسب، بل هو ضامن الاستفزازات والتهديدات الإسرائيلية وكافلها، وبما قامت به في سوريا أيضاً[19].
سادساً: ترامب والصراع الفلسطيني – الإسرائيلي
ساهمت الحرب في غزة في إحداث تطورات لصالح القضية الفلسطينية، فقد أدانت مختلف دول العالم الحرب الوحشية والإبادة التي تشنها إسرائيل على سكان غزة، وطالبت بإنهاءها، كما صدر قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول 2025 يطالب بحل الدولتين، وإنهاء الحرب على غزة، وذلك بأغلبية 142 دولة ومعارضة 10 وامتناع 12 عن التصويت[20].
حيث يدعم هذا القرار إعلان نيويورك الذي تبنته كل من فرنسا والمملكة العربية السعودية، والذي يدعو إلى خارطة طريق واحدة لتحقيق حل الدولتين، والتوصل إلى تسوية عادلة وسلمية للصراع الإسرائيلي–الفلسطيني، والذي أدان الهجمات الإسرائيلية ضد المدنيين في غزة والبنية الأساسية المدنية والحصار والتجويع، بما سبب كارثة إنسانية مدمرة وأزمة حماية، ورفض الحرب والاحتلال والإرهاب والتهجير القسري.
وقد تصاعدت بعد أحداث غزة موجة الاعتراف بدولة فلسطين من قبل دول أوربوية وغيرها مثل: اسبانيا، ايرلندا، النرويج، فرنسا، بريطانيا، كندا، استراليا، وهو ما مهد للاعلان عن حل الدولتين، وإزاء هذا التصاعد الدولي في دعم حل الدولتين، أعلن ترامب في 29 سبتمبر 2025 خطته للسلام في الشرق الأوسط والتي دعت إلى إيقاف الحرب، وانسحاب القوات الإسرائيلية إلى خط ذكر البيان أنه متفق عليه وتعليق العمليات الحربية وتجميد خطوط القتال.
كما نصت الخطة على أن يتم حكم غزة بموجب حكم انتقالي مؤقت من قبل إدارة فلسطينية تكنوقراطية غير سياسية تعمل تحت إشراف هيئة انتقالية دولية جديدة اسمها (مجلس السلام) يرأسها ترامب. وهي خطة وصفت بأنها منحازة إلى إسرائيل حيث تبنى ترامب مفهوم السلام الإسرائيلي الذي يتحقق عبر استثمارات وعقوبات والتهديد بالقوة العسكرية[21].
وقد مارس ترامب ضغوطاً على إسرائيل من أجل أن توقف الحرب حين قال “بأن إسرائيل ستفقد كل الدعم الأمريكي إذا ضمت الضفة الغربية”، وقال أيضاً “كان على نتنياهو أن يتوقف لأن العالم كان سيوقفه”[22].
بالإضافة إلى ذلك، فإن إيقاف الحرب في غزة سيساهم في دفع عملية التطبيع مع إسرائيل من جديد، والتي توقفت بسبب الحرب، بما يحقق وفقاً لوجهة نظره قدراً من الاستقراراً في المنطقة، لاسيما، أن سياسة التطبيع مع إسرائيل تعطلت نتيجة الحرب على غزة، كما يخشى ترامب من أن تتحول الحرب في غزة إلى حرب استنزاف لإسرائيل.
لقد سادت في الولايات المتحدة، منذ عهد أوباما، وجهة نظر تشير إلى ضرورة انسحاب الولايات المتحدة من منطقة الشرق الأوسط لصالح منطقة الباسفيكي والشرق الأقصى، وزاد هذا الجدل في عهد إدارة بايدن. حيث لم تعد هذه المنطقة، في حسابات صانع القرار الأمريكي تمثل مجالاً للمصالح الأساسية. غير أن حرب غزة أعادت فتح النقاش حول جدوى الانسحاب، ولاسيما في حال تعرض مصالح الولايات المتحدة الاقتصادية وأمن إسرائيل إلى للخطر، في ظل تصاعد أزمة البرنامج النووي الإيراني.
كما جرى التأكيد على أن الانخراط الأمريكي في الشرق الأوسط، في ظل التصعيد بين إسرائيل وحركة حماس أنهى الوهم بأن الولايات المتحدة قادرة على إخراج نفسها من المنطقة، التي هيمنت على أجندة الأمن القومي الأمريكي لفترة طويلة من الزمن، وأشارت تحليلات أمريكية أن الحرب في غزة، أعادت حسابات واشنطن حول مدى أهمية الشرق الأوسط للأمن وللسياسة الخارجية الأمريكية[23].
وكانت هناك وجهة نظر تدعم تقليل الانخراط الأمريكي في الشرق الأوسط، وتستند إلى أن زيادة انتاج الولايات المتحدة للنفط الصخري أدى إلى تقليل اعتمادها على نفط الخليج العربي، وتبعاً لذلك فإن صراعات المنطقة لم تعد تشغلها بنفس الرؤية السابقة. فمن جهة لم تعد صراعات المنطقة تشكل تهديداً مباشراً للوضع الاقتصادي والاجتماعي الأمريكي، بينما بقيت بعض المصالح قائمة مثل حماية أمن إسرائيل، حيث أكدت جميع استراتيجيات الأمن القومي الأمريكي على الالتزام بأمن إسرائيل[24].
ترى إدارة ترامب أن ما يحدث في الشرق الأوسط هو أمر حيوي بالنسبة للمصالح الأمنية الأمريكية، وهي تعد منطقة مهمة وأساسية في استراتيجية الأمن القومي (2024-2028) حيث تحول التركيز في السياسة الخارجية الأمريكية نحو الشرق الأوسط مجدداً، حيث وعد ترامب أثناء حملته الانتخابية بأن ينهي الحرب التي اندلعت في 7 أكتوبر 2023.كما تقوم جميع استراتيجيات الأمن القومي الأمريكية تقوم على التزام الولايات المتحدة بضمان أمن إسرائيل، و السعي إلى الحفاظ على تفوقهاالعسكري النوعي والكمي في المنطقة.
أما إسرائيل، فقد وجدت أن نظرتها إلى الأمن القومي لم تعد كافية لضمان بقاءها. ويرى كثير من الإسرائيليين بأن احتواء جماعات مثل حماس أو التعايش مع وجودها على الحدود أمر غير ممكن دون التضحية بأمن دولتهم. وعلى مدى العامين التاليين لحرب غزة تخلى صناع القرار الإسرائيليون عن نماذج الأمن التقليدية لصالح استراتيجيات جديدة.
وعلى الرغم من امتلاك إسرائيل لجيش قوي في المنطقة، وخوضها حروب خارج حدودها، حيث كانت في السابق تكتفي بالحد الأدنى من العمليات لإزالة التهديدات المباشرة، وإعادة الهدوء، فإن هذا النهج قد تغير، فلم تعد استراتيجيتها تقتصر على إضعاف خصومها، بل أصبحت أكثر استعداداً لتسخير قوتها العسكرية من أجل صياغة واقع جديد يخدم مصالحها الوطنية.
ويبرر بعض الإسرائيليين أن هذه الاستراتيجية الجديدة بأنها لا تهدف إلى السعي للهيمنة الإقليمية، بل إلى تعزيز قدراها على التأثير في المنطقة بدرجة أكبر من أي وقت مضى، وهذا يشمل حماية أصولها وحلفائها، والسيطرة على الأراضي أو تعديل الحدود عند الضرورة الاستراتيجية، وبناء تحالفات متنوعة قائمة على المصالح المشتركة، ومنع أي عدو محتمل من تطوير قدرات قد تهدد وجودها أو أمنها[25].
ويرى عدد من المحللين وصناع القرار الإسرائيليون، أن هذه الاستراتيجية قادرة بدرجة أكبر على تحقيق الاستقرار الإقليمي وضمان أمن إسرائيل مقارنةً بالاستراتيجيات السابقة التي اعتمدت بالأساس على الردع.
كما يؤكد هذا الاتجاه على ضرورة امتناع إسرائيل عن تقديم تنازلت أمنية استناداً إلى وجهات نظر تدعو إلى السلام تتجاهل عمق العداء تجاهها كما تدعيه، بناء على ذلك، يدعو هؤلاء إلى تفضيل تحقيق مكاسب ميدانية ملموسة على الاكتفاء بوعود دبلوماسية يرون أنها تفتقر إلى الضمانات الكافية، خاصة في ظل التعامل مع أطراف ينظر إليها على أنها غير موثوقة[26].
سابعاً: التوتر مع إيران
يرجع التوتر في الملف النووي الإيراني إلى انسحاب الولايات المتحدة في ولاية ترامب الأولى من الاتفاق النووي) 5 +1( في عام 2018، إذ عبر ترامب عن عدم رضاه عن هذا الاتفاق ووجه إليه عدة انتقادات، معتبراً أنه يشوبه أربعة عيوب رئيسية[27]:
- لا يتسم الاتفاق بالشمولية، إذ لم يتطرق إلى برنامج الصواريخ البالستية.
- يفتقر إلى الامتداد الزمني، حيث إن القيود المفروضة على تخصيب اليورانيوم تزول عام 2024، في حين تنتهي القيود المتعلقة بمعالجة البلوتونيوم ستزول عام 2030.
- تقتصر صلاحيات الوكالة الدولية للطاقة الذرية على نطاق محدود، إذ لا تشمل المواقع العسكرية، رغم وجود شكوك حول توظيف بعضها في أنشطة نووية.
- غياب مبدأ التدرج في رفع العقوبات الدولية، وربط ذلك بتقددم إيران في تنفيذ التزاماتها الواردة في الاتفاق.
أقدم ترامب على إعادة فرض بعض العقوبات على إيران. غير أن الإشكالية التي برزت في هذا السياق تمثلت في قيام إيران برفع نسبة تخصيب اليورانيوم في منشآتها النووية إلى 20%، في مخالفة واضحة لبنود الاتفاق النووي لعام 2015 الذي حدد سقف التخصيب عند 3,67%. فضلاً عن استمرارها في التخصيب وصولاً إلى نسبة 60%، وقد دفع ذلك إدارة ترامب إلى تشديد موقفها ضد إيران.
ففي شهر فبراير/ شباط 2025، تزامناً مع استعداد إيران للاحتفال بذكرى انتصار ثورتها أصدر ترامب أمراً تنفيذياً يقضي، بإعادة تفعيل سياسة “الضغط الأقصى” ضد النظام الإيراني. كما أعلن في 6 مارس/آذار 2025 أنه بعث برسالة إلى المرشد الأعلى السيد خامنئي، عرض فيها التفاوض حول الملف النووي، مبدياً رغبته في التوصل إلى اتفاق جديد .
وقد جرت عدة جولات من المفاوضات لم تفض إلى التوصل إلى اتفاق، غير أن الأطراف اتقفت على استأنافها لاحقا، إذ أن هذه المفاوضات تعثرت ولم تستكمل بسبب الهجوم الإسرائيلي على إيران في 13 حزيران/يونيو2025، والذي استهدف عدداً من المواقع العسكرية الحيوية وقادة عسكريين إيرانيين، واستمرت المواجهات العسكرية لمدة اثني عشر يوماً، جرى خلالها استهداف المنشآت النووية الإيرانية، في حين قدمت الولايات المتحدة دعما لإسرائيل عبر مشاركتها في الهجوم على منشأة فوردو، وفي لأعقاب هذا الهجوم صرح ترامب قائلا “بتدمير البرنامج النووي، انتهت الهيمنة الإيرانية في الشرق الأوسط”.
يعتبر ترامب إيران مصدراً رئيسياً لتأجيج الاضطرابات في الشرق الأوسط، انطلاقاً من اعتقاده بأنها تسعى لتدمير إسرائيل، ويرى أن تقديم أي تنازلات لإيران من شأنه أن يؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة، وفي هذا الإطار، ربطت ادارته الملف النووي الإيراني بملفات إقليمية أخرى، من بينها الأزمة التي كانت في سوريا وحزب الله والتطورات في اليمن. وبناءً على هذا التصور، أقدم ترامب على إلغاء الاتفاق النووي، وسعى في المقابل إلى إبرام عقد اتفاق نووي جديد يأخذ بعين الاعتبار برنامج الصواريخ الإيرانية والدور الإيراني في المنطقة. يسعى ترامب إلى تحقيق جملة من الأهداف فيما يتعلق بإيران، أبرزها:
- ضمان استمرار تدفق النفط والغاز.
- إعادة احتواء النفوذ الإيراني في المنطقة، استناداً إلى مبدأ “السلام من خلال القوة”.
- مواصلة سياسة الضغط الأقصى على إيران عبر فرض عقوبات اقتصادية صارمة، بهدف دفعها إلى القبول بالمفاوضات والتوصل إلى اتفاق ينسجم مع أهدافه.
- تفضيل توظيف الدبلوماسية كأداة رئيسية لمنع إيران من امتلاك القنبلة النووية.
- التأكيد على الاستعداد لاستخدام وسائل أخرى في حال فشل المسار الدبلوماسي.
- العمل على ردع الأنشطة الإيرانية في المنطقة، والتي يعدها ترامب أنشطة مزعزعة للاستقرار[28].
بعد التحولات التي شهدتها الساحة السورية، والتي أسفرت عن الإطاحة بنظام الأسد، إلى جانب الهجوم الذي شنته إسرائيل على لبنان وما رافقه من اغتيال أبرز قيادات حزب الله، تراجع النفوذ الإيراني في كل من سوريا ولبنان. فبعد أن كانت إيران تضطلع بدور محوري في الشرق الأوسط والمنطقة العربية، وتمارس تأثيرا واسعا في عدد من دول الإقليم، ولاسيما في سوريا ولبنان واليمن والعراق، ومن خلال دعم حلفاءها في المنطقة بما يحقق لها الهيمنة وتوسيع نفوذها، تم تحجيم دورها عن طريق الهجمات التي شنتها إسرائيل على حلفائها وعليها، وخصوصاً حرب حزيران/يونيو 2025.
في المقابل، ظل تأثير حلفاء إيران في اليمن بارزا، من خلال حلفاءها الحوثيين والذين أظهروا قدرة قوية في السيطرة على مداخل البحر الأحمر من جهة باب المندب. وشمل هذا التراجع في قطع طريق إيران للوصول إلى حلفاءها في سوريا ولبنان، وهو ما تسعى إليه الولايات المتحدة في إطار إضعاف الدور الإيراني في الشرق الأوسط[29]. وفي هذا السياق، صرح كبير مسؤولي العقوبات في وزارة الخزانة الأمريكية بأن: “الولايات المتحدة تسعى إلى الإستفادة من فرصة سانحة، في لبنان تستطيع فيها قطع التمويل الإيراني عن حزب الله والضغط عليه للتخلي عن سلاحه”[30]. كما واصلت الولايات المتحدة اعتماد سياسة “أقصى الضغوط” على إيران بهدف الحد من تخصيب اليورانيوم وتقليص نفوذها الإقليمي بما في ذلك في لبنان، إذ ترى الإدارة الأمريكية أن زيادة الضغط على إيران تمثل المفتاح للتخلص من نفوذها وسيطرتها على المنطقة[31].
ثامنا: الولايات المتحدة والدور التركي في الشرق الأوسط
تلعب تركيا دوراً محورياً في منطقة الشرق الأوسط، وقد تعزز هذا الدور بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002، ليغدو دوراً فاعلاً ومكملاً للدور الأمريكي في المنطقة. وتعد تركيا عضواً مهما في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، كما تصنف الدولة الثانية من حيث القوة العسكرية داخل الحلف.
مع انتهاء الحرب الباردة، شهدت السياسة الخارجية التركية تحولاً ملحوظاً، إذ انتقل تركيزها ومجال تأثيرها من الغرب إلى ناحيتي الشرق والجنوب، حيث باتت تمتلك مصالح حيوية. وفي ظل عجز الولايات المتحدة على حل الأزمات في أفغانستان والعراق عقب احتلالهما، برزت حاجة واشنطن إلى الدور التركي للمساعدة في تجاوز هذه الأزمات. ففي الحملة العسكرية على أفغانستان عام 2001 قدمت تركيا دعما مهما للولايات المتحدة الأمريكية، سواء من خلال قاعدة إنجرليك الجوية، أو عبر مشاركتها كشريك فاعل في عمليات تحقيق الاستقرار لقوات الحلفاء هناك[32].
وعقب اندع الحرب الأهلية في سوريا، بدأت الخلافات تظهر بين الولايات المتحدة وتركيا، إذ أبدت أنقرة مخاوف متزايدة من تنامي نشاط الحركة الكردية في شمال سوريا، وما قد يترتب على ذلك من تهديد لأمنها القومي، ولاسيما احتمال ظهور كيان كردي على حدودها الجنوبية. حيث تزداد هذه المخاوف في ظل معاناة تركيا من نشاط حزب العمال الكردستاني في شرق وجنوب أراضيها. وفي السياق ذاته، دخلت القوات التركية بعض مناطق شمال العراق بسبب تصاعد أنشطة لحزب العمال الكردستاني (PKK) .كما أسهم التدخل التركي في شمال سوريا في ظهور خلافات مع الولايات المتحدة، التي تتهمها تركيا بدعم الأكراد السوريين في جنوب أراضها، الأمر الذي انعكس سلباً على الأمن القومي التركي[33].
كما وجهت الولايات المتحدة انتقادات لتركيا بسبب تقاربها مع روسيا، وإبرامها صفقة عسكرية معها، حصلت بموجبها على منظومة دفاعية روسية من نوع S400، الأمر الذي زاد من حدة التوتر بين الجانبين،إذ ترى الولايات المتحدة الأمريكية أن هذه الصفقة تتعارض مع كون تركيا عضوا في حلف شمال الأطلسي. في المقابل، تؤكد تركيا أنها طلبت مراراً من الولايات المتحدة تزويدها بصواريخ باتريوت إلا أن الأخيرة رفضت ذلك.
وفي هذا السياق أوقفت الولايات المتحدة مشاركة تركيا في برنامج تصنيع الطائرة المقاتلة F35، فصلا عن تذمرها من تطوير تركيا علاقاتها مع روسيا. وقد سعت تركيا إلى التقليل من حدة التأويلات المتعلقة بعلاقاتها مع روسيا، حيث أكدت أن “تحسين علاقاتها مع الغرب لن يضر بعلاقاتها مع روسيا”.
إلى جانب ذلك، برزت خلافات أخرى بين تركيا والولايات المتحدة في إطار حلف شمال الأطلسي، حيث رفضت تركيا انضمام السويد إلى الحلف، بحجة أن السويد ترعى جماعات تصفها أنقرة بالإرهابية والمناهضة لتركيا. غير أن تركيا عدلت موقفها لاحقاً ووافقت على انضمام السويد للحلف، بعد حصولها على تطمينات من الجانب السويدي. وفي أعقاب ذلك، أعلنت الولايات المتحدة بأنها ستقوم ببيع تركيا طائرات F16 ، بعد أن وافقت تركيا على انضمام السويد لحلف شمال الاطلسي[34].
لقد سعت تركيا إلى تغيير موازين القوى في الشرق الأوسط بعد اندلاع الأزمة في سوريا، فكانت ايران تسعى إلى توسيع نفوذها في كل من سوريا ولبنان، معتمدة على حلفائها في المنطقة. في المقابل عملت اسرائيل أيضا على تغيير موازين القوى من خلال إبعاد النفوذ الايراني عن سوريا ولبنان. وجاءت الحرب على غزة لتعكس هذا الطموح الاسرائيلي، عبر تدمير غزة وجنوب لبنان حيث سعت اسرائيل لتحقيق مكاسب استراتيجية في هذه المنطقة.
وقد استغلت تركيا الحرب الأهلية في سوريا للتدخل عسكرياً في شمال البلاد، وأقامت قواعد ونقاط ارتكاز لقواتها المسلحة، إذ كانت تخشى من تداعيات الحرب الأهلية على أمنها القومي، ولاسيما، ما يتعلق بنشاط الحركة الكردية، وكان هدفها منع اقامة كيان كردي على خاصرتها الجنوبية، في حين كانت الولايات المتحدة تدعم نشاط الأحزاب الكردية في سوريا وتقوم بتسليحها.
مع وصول ترامب الى السلطة، وجد أن من المناسب توظيف تركيا لتحقيق مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، ولاسيما أنه كان يسعى إلى إيجاد حل للحرب الأوكرانية، وكان يرى في الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الشخصية المناسبة للتوسط في إنهاء هذه الحرب. وقد تزامن ذلك مع تراجع الحضور الايراني في المنطقة، حيث استغلت تركيا انشغال القوى الدولية بقضايا المنطقة من أجل تعزيز حضورها، والدخول في تفاهمات مع الولايات المتحدة من أجل القيام بدور مكمل لها في المنطقة[35].
يسعى ترامب إلى توظيف تركيا لحل بعض مشكلات الولايات المتحدة على الصعيدين العالمي والإقليمي، ولاسيما في منطقة الشرق الأوسط. فخلال ولايته الأولى، تحديداً في الفترة 2018-2019، فرض ترامب رسوم جمركية على واردات الصلب من تركيا بنسبة 25%، ثم ضاعفها لاحقاً لتصل 50%، كما فرض رسوما على واردات الألمنيوم التركية بنسبة 10%، قبل أن يرفعها إلى نسبة 20%. وقد أدت هذه الاجراءات إلى الإضرار بالاقتصاد التركي، وانعكس ذلك على تراجع قيمة الليرة التركية إلى مستويات متدنية.
وقد دفع ذلك تركيا إلى الرد على الرسوم الجمركية الأمريكية بفرض رسوم جمركية مقابلة على واردات أمريكية بقيمة تقارب (1.8) مليار دولار، رغم مخاوفها من أن يؤدي الضغط الأمريكي إلى أضرار اقتصادية أكبر وأعمق على الإقتصاد التركي. غير أن إنخفاض قيمة الليرة التركية منح لتركيا بعض الفوائد، إذ أسهم في زيادة حجم صادراتها إلى الخارج، التي أصبحت أقل تكلفة، ولم تؤد الإجراءات التي اتخذتها الإدارة الأمركية إلى تقليص الواردات التركية، بل على العكس من ذلك، ارتفعت الواردات الأمريكية من تركيا. وقد استغلت تركيا هذا الوضع في السعي إلى الترويج لرفع التبادل التجاري بين البلدين إلى نحو (100) مليار دولار. كما ساهمت عوامل أخرى مثل مرونة ونجاح الشركات التركية في تنويع أسواقها ومنتجاتها، لاسيما تلك غير المشمولة بالعقوبات، فضلاً عن الأثر الإيجابي لإنخفاض قيمة الليرة التركية في تعزيز تنافسية الصادرات التركية، وتحقيق نجاح تجاري في كسب السوق الأمريكية. ومنحت الرسوم الأمريكية الصادرات التركية ميزة تنافسية إضافية. وقبل اللقاء االأخير بين ترامب وأردوغان، ألغت تركيا الرسوم الجمركية التي فرضتها على الواردات الأمريكية[36].
في سياق آخر، يسعى ترامب إلى توظيف تركيا في مسعى عزل روسيا، في ظل تعقد المشهد في أوكرانيا وفرض الرئيس الروسي بوتين شروطاً لإنهاء الحرب، وذلك من خلال ممارسة ضغوط اقتصادية على روسيا بهدف دفعها إلى الجلوس على طاولة المفاوضات. وفي هذا الإطار، سعى ترامب إلى اقناع تركيا بالتخلي عن الغاز الروسي، علماً أنها تعد من أكثر الدول المستوردة له على مستوى العالم. كما يعمل ترامب على توجيه تركيا نحو الإعتماد على التسليح الغربي بدلاً من التسلح الروسي، تفادياً لتكرار صفقة عام 2019، عندما اشترت تركيا منظومة الدفاع الصاروخي الروسية نوع S400، وهو ما ترتب عليه إخراج تركيا من برنامج المقاتلة الشبحية الأمريكية F35، وقد أسفر ذلك عن خسائر كبيرة للشركات التركية المصنعة لنحو (900) جزء من مختلف مكونات هذه المقاتلة من الجيل الخامس، ، والتي تسببت بخسارة هذه الشركات نحو (9) مليار دولار[37].
على صعيد التطورات الإقليمية، ساعدت تركيا النظام السوري برئاسة أحمد الشرع في بسط سيطرته على الأراضي السورية، ووصل الأمر إلى حد الإقتراب من مواجهة مع إسرائيل، التي تسعى إلى توسيع سيطرتها على أراض جديدة في جنوب الجولان، إلى جانب ذلك، أصبحت تركيا راعية لإتفاق غزة إلى جانب كل من مصر وقطر، برئاسة ترامب. وقد أشاد ترامب بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال زيارته للولايات المتحدة، حينما قال: “أردوغان رجل محترم للغاية، ويحضى بإحترام كبير في هذا البلد وفي جميع أنحاء العالم واأووربا”[38].
تاسعا: كبح مساعي روسيا والصين من الهيمنة على الشرق الأوسط
سعت الولايات المتحدة منذ فترة الحرب الباردة إلى ترسيخ نفوذها في منطقة الشرق الأوسط من خلال شراكات أمنية مع دول الخليج العربية، وتحالف عسكري واستخباراتي مع إسرائيل، إضافة إلى اتفاقيات دفاعية تضمن لها استمرار تدفق الطاقة مع الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، كما عززت هذا التوجه عبر شراكة وثيقة مع إيران في عهد نظام الشاه، وهو ما شكل حجر الزاوية في بنية النظام الإقليمي الذي وضعته الولايات المتحدة([39]).
غير أن هذا التوازن الذي رسمته واشنطن بدأ يواجه تحديات كبيرة، تمثلت في صعود الصين كقوة متقدمة عسكرياً وتقنياً، فضلاً عن عودة روسيا إلى الساحة الدولية بوصفها لاعباً دولياً استعاد جانباً مهماً من قوته ([40]).
وقد أخذت الولايات المتحدة تخشى من مساعي هاتين الدولتين إلى بسط نفوذهما وهيمنتهما على منطقة الشرق الأوسط، لاسيما من خلال تطوير علاقاتهما الاقتصادية والتجارية والسياسية والعسكرية مع دول المنطقة، بما في ذلك بيع السلاح، وإجراء المناورات والتدريبات المشتركة[41].
تسعى روسيا إلى الولوج إلى هذه المنطقة لأسباب متعددة، من بينها الاستفادة من ثرواتها الطبيعية، والسعي إلى الاستثمار فيها، ودعم حكوماتها في مواجهة الإرهاب ومكافحته[42]. كما تهدف أيضاً إلى الوصول إلى المياه الدافئة، وهو ما تحقق لها من خلال تواجدها في سوريا في ظل النظام السابق، فضلاً عن تأمين الممرات البحرية ل الأمنية لخدمة مصالحها الأمنية والعسكرية والاقتصادية. وتسعى روسيا كذلك إلى الحصول على استثمارات في مجال الطاقة والاقتصاد، وتعزيز التبادل التجاري مقابل بيع السلاح والتكنولوجيا النووية والمنتجات الغذائية. إضافة إلى ذلك، تطمح إلى تطوير علاقاتها مع إيران في مجال الطاقة والاستثمار والسلاح والعلاقات التجارية، كما تحرص في الوقت نفسه على الحفاظ على علاقاتها مع اسرائيل، ولاسيما في مجال الاستثمارات[43].
أما الصين، فقد أصبحت لها علاقات واسعة مع معظم الدول العربية، حيث باتت الشريك التجاري الأول للدول العربية الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، وذلك بفضل ما تستورده من النفط الخليجي، كما وقعت اتفاقيات شراكة مع المملكة العربية السعودية والإمارات ومصر. فضلاً عن ذلك، يأتي نصف واردات الصين من النفط من منطقة الخليج العربي التي أصبحت بدورها منخرطة جزئيا في المبادرة الصينية المعروفة تحت اسم “الحزام والطريق”[44].
ومع إيران، تطورت علاقات الصين في إطار التعاون النووي والتكنولوجي وتجارة السلاح. كما تطورت علاقاتها مع إسرائيل منذ عام، 1992 حيث أقامت معها شراكة شاملة، لاسيما في مجالات التكنولوجيا ومشاريع البنية التحتية[45].
وأمام هذا التغلغل الروسي والصيني في منطقة الشرق الأوسط، ترى الولايات المتحدة الأمريكية، أن هاتين الدولتين تمثلان تهديداً للنظام الدولي القائم، وبالتالي تهددان مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. فقد أصبحت الصين مستثمراً ضخماً في البنية التحتية لدول الشرق الأوسط، كما ترى واشنطن أن وجودها قد يعرض المصالح الأمريكية للخطر من خلال نشر أدوات رقمية قد تسهل عمليات التجسس، بما في ذلك التكنولوجيات العسكرية وغيرها المنتشرة في المنطقة. أما بالنسبة لروسيا، فإن مشاريعها في مجال الطاقة في الشرق الأوسط تشكل تحديا للولايات المتحدة، وتحد من قدرتها على التأثير في معدلات إنتاج الطاقة وأسعارها في الأسواق العالمية.
وفي المقابل، ترى دول الشرق الأوسط، ولاسيما، الدول العربية، أن الانفتاح والتعاون مع روسيا والصين يساهمان في تنويع علاقاتها الخارجية، ويوفران لها هامشا أوسع للتخلص من الضغوط التي تمارسها عليهم الولايات المتحدة، خاصة في مجال التسليح([46]).
وقد بدأت الولايات المتحدة تنظر بريبة إلى الدور الصيني المتزايد في منطقة الشرق الأوسط والتي تعدها من مناطق نفوذها التقليدي في العالم، ولها فيها مصالح سياسية واقتصادية وأمنية وعسكرية. وترى واشنطن أن التغلغل الصيني في هذه المنطقة يشكل تهديداً مباشراً لمصالحها. وخلال الولاية الأولى لترامب، مارست الولايات المتحدة ضغوطاً على حلفاءها بسبب تعاونهم مع الصين في قطاعات حساسة، مثل الجيل الخامس وإدارة الموانئ. واستمر هذا الاتجاه خلال ولاية بايدن، كما حذر العديد من المسؤولين الأمركيين من احتمال تعرض العلاقات الأمنية بين بعض دول المنطقة والولايات المتحدة للخطر في حال استمرار شراكاتها مع الصين في بعض القطاعات العسكرية والتكنولوجية[47].
كما تطورت العلاقات العسكرية الصينية مع بعض دول الخليج العربي، ففي 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2025 أجرت البحرية السعودية تمريناً بحرياً مشتركاً مع البحرية الصينية قبالة الساحل الشرقي للمملكة، تحت اسم “السيف الأزرق”، كما باعت الصين طائرات للمراقبة الجوية والهجوم بعيد المدى إلى كل من السعودية والإمارات، بعد أن رفضت الولايات المتحدة تلبية طلبات حلفائها العرب لاقتناء طائرات MQg[48].
وتشير الوقائع إلى أنه كلما رفضت الولايات المتحدة تزويد أحد حلفائها العرب بتكنولوجيا دفاعية معينة، لا تتردد الصين في تلبية هذه الطلبات. ويرى محللون أن بيع أنظمة دفاعية كبرى لدول نفطية غنية يمنح الصين موطئ قدم ثابتاً في المنطقة. وحيال ذلك، وفي محاولة للرد على هذا التوجه أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 10 سبتمبر/ أيلول 2025 عن تخفيف القيود المفروضة على بيع الطائرات المسيرة الأمريكية إلى المنطقة العربية بهدف تعزيز قدرتها التنافسية في مواجهة المصدرين الآخرين، ولا سيما الصين[49].
ويشير خبراء أمنيون إلى أن المسألة الأمنية للدول الإقليمية تتجاوز مجرد الحصول على تكنولوجيا دفاعية جديدة، لتشمل علاقات أمنية طويلة الأمد تتعلق بالالتزامات والضمانات الأمنية. مع ذلك يرى بعض الخبراء أن الصين لا تستطيع أن تحل محل الولايات المتحدة كضامن أساسي للمنطقة، إذ لا تقارن إمكانياتها وتاريخ علاقاتها مع دول المنطقة بامكانيات الولايات المتحدة وحضورها الممتد [50].
كما أجرت مصر مع الصين تدريبات مشتركة للقوات الجوية في شهر أيار/مايو 2025 ، الأمر الذي أثار قلق واشنطن، التي لعبت دوراً مهماً في دعم مصر من خلال المساعدات العسكرية وصفقات الأسلحة النوعية، ويعد هذا التطور مؤشراً جديدا على تنامي علاقات الصين العسكرية مع دول المنطقة[51].
وتعد أشد مصادر القلق لدى الولايات المتحدة مظاهر التعاون العسكري المتزايد بين بعض الدول العربية وروسيا، التي عززت حضورها العسكري في الشرق الأوسط، وتجسد الحالة السورية في ظل النظام السابق هذا الحضور، فضلاً عن استمرار الوجود الروسي في قاعدتي في قاعدتي طرطوس البحرية وحميم الجوية حتى بعد التغيير الذي أطاح بالنظام السياسي السابق، وهو مايدل على أن روسيا لازالت تمتلك بعض أدوات التأثير حتى في ظل النظام الجديد. وتشير زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى روسيا في 15 تشرين الأول / أكتوبر 2025 إلى استمرار هذا التأثير في المرحلة الراهنة، كما توسعت العلاقات المصرية–الروسية الاقتصادية والدفاعية في المرحلة الحالية، في ظل سعي روسيا في زيادة نفوذها في المنطقة للتحكم في مصادر الطاقة والممرات البحرية الاستراتيجية[52].
وهناك مسألة أخرى تتعلق بدور روسيا في أوبك بلس، حيث تعد هي والمملكة العربية السعودية من أكبر الدول المصدرة للنفط في العالم، ويقتضي الحفاظ على أسعار النفط ومنع تدهورها تعاوناً روسيا–سعوديا مشتركاً، إلى جانب دول أخرى مثل العراق والكويت والإمارات وغيرها. إن وجود قدر من التعاون في إطار أوبك بلس للحفاظ على مستوى إنتاج مشترك وموحد يساهم اليوم في الحفاظ على أسعار النفط من الهبوط ويحقق استقرار أسعار النفط، وهو ما يحقق مصالح جميع أعضاء أوبك+، ولاسيما روسيا[53].
الخاتمة:
تنظر الولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط باعتباره منطقة مهمة لمصالحها الاستراتيجية وأمنها القومي، لما يتمتع به من ثروات طبيعية، ولوجود الحليف الإسرائيلي، فضلاً عن كونه ساحة تنافس بين القوى الكبرى، وسعيها لمنع القوى الإقليمية من توسيع نفوذها فيه، ولهذه الأسباب أولت واشنطن أهمية كبرى لهذه المنطقة، رغم سيادة رؤية سابقة قللت من أهميتها نسبياً، مقابل إعطاء أولوية لمنطقة شرق آسيا والباسيفيكي.
غير أن الأحداث والتطورات التي شهدها الشرق الأوسط، وبروز أدوار فاعلين دوليين وإقليميين فيه، إلى جانب الحرب في غزة، وتصاعد الدور الإيراني وبرنامجها النووي الذي تعتبره الولايات المتحدة تهديدا مباشرا لمصالحها ومصالح حليفتها اسرائيل، كلها عوامل أعادت للمنطقة مكانتها في الاستراتيجية الأمريكية.
وقد رأت الولايات المتحدة أن أي انتصار لحركة حماس في حرب غزة يعد ضربة لأمن اسرائيل، الذي تعتبره جزءا لا يتجزأ من أمنها القومي، كما عد الفشل في ايقاف الحرب اخفاقا لدبلوماسية الرئيس ترامب، ولاسيما، أنه جاء يسعى في ولايته الثانية ساعياً إلى وقفها وايجاد حل للأزمة. غير أن هذا الحل أثبت محدودية تأثيره، لأنه استمر في إعطاء الأولوية لأمن ومصالح اسرائيل. ففي البداية رفض ترامب حل الدولين انسجاماً مع الموقف الاسرائيلي، قبل أن يظطر لاحقاً إلى طرح مقترحات تسعى إلى إرضاء مختلف الأطراف، وإن جاءت غير مرضية للفلسطينيين، ويعود ذلك إلى خشية الولايات المتحدة من اندلاع حرب إقليمية واسعة تقع في المنطقة لأنها تهدد الأمن والإستقرار فيها.
تقوم فكرة ترامب للأمن والإستقرار في الشرق الأوسط على مبدأ “السلام عن طريق القوة”، الذي يعده الإطار الأنسب لتحقيق أمن المنطقة وفق التصور الأمريكي، رغم انتمائه إلى التيار الانعزالي داخل الحزب الجمهوري. صحيح أن هذا التيار انعزالي ولكنه يسعى في الوقت نفسه إلى الحفاظ على مكانة الولايات المتحدة كقوة فاعلة في الساحة الدولية. ويعكس شعار “أمريكا أولا” هذا التوجه، إذ يهدف إلى ضمان قوة الولايات المتحدة الأمريكية ونفوذها الخارجي لما يخدم نجاحها الداخلي ويحقق مصالح المواطن الأمريكي.
من هذا المنطلق تنبع رؤية ترامب للأمن والاستقرار في الشرق الأوسط من السعي لايجاد حل وسط للقضية الفلسطينية، حل جزئي لا يرقى إلى تسوية نهائية، بما يلبي بالدرجة الأولى مطالب اسرائيل، كما تشمل هذه الرؤية العمل على تحجيم الدور الإيراني في المنطقة ومنع إيران من التسلح النووي، وكبح جماح النفوذين الروسي والصيني في الشرق الأوسط، الذي أخذ يتزايد في السنوات الأخيرة، فضلاً عن ضمان تدفق النفط إلى الأسواق العلمية بشكل آمن.
([1])- ماري ماهر، الشرق الأوسط في معادلة التنافس الجيوسياسي والجيواقتصادي العالمي، في كتاب، التحولات الكبرى: إعادة تشكيل الخريطة العالمية، تحرير وإشراف: د.دلال محمود، ط1، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، القاهرة، 2025، ص139.
([4])- عمرو عبد العاطي، أمن الطاقة في السياسة الخارجية الأمريكية، ط1، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2014، ص82-83.
([5])- أندرو بريستون، مقدمة مختصرة في العلاقات الخارجية الأمريكية، ترجمة: أحمد طارق البوهي، ط1، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2022، ص172-173.
([6])- إيمان رجب، إعادة “هيكلة” الوجود العسكري في الشرق الأوسط، في كتاب، عسكرة التفاعلات: تحولات الحروب والأسلحة، تحرير: رغدة البهي، ط1، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، القاهرة، 2025، ص200-201.
([9]) -المصدر نفسه، ص139-140. للمزيد أنظر: جيل باريس، دونالد ترامب، أو دبلوماسية موازين القوى، في كتاب، نهاية الزعامة الأمريكية: أوضاع العالم 2020، اشراف: برتران بادي ودومينيك فيدال، ترجمة: مروة نصير، ط1، مؤسسة الفكر العربي، بيروت، 2020، ص112-113.
– أنظر أيضا: نور نبيه جميل، السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط في ظل عودة دونالد ترامب: تحليل في التحولات والتحديات، مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية، بغداد، 2024.
([10]) -هشام جعفر، تراجع أمريكي أمام صعود قوى كبرى في المنطقة، روسيا والصين. أنظر في :
urlr.me/WZtSa9
([11]) -محمد أبو الفضل، هندسة الشرق الأوسط أم فوضى خلاقة؟، السياسة الدولية، مركز الأهرام، القاهرة، العدد 240، المجلد 60، ابريل 2025، ص176.
([12]) -لماذا تضغط واشنطن بشراسة لإنجاح صفقة غزة؟، سكاي نيوز العربية، أبو ظبي، أنظر في:
urlr.me/Ar7aDh
([13]) -الحوار الأول: فرانسيس فوكوياما، أنظر: كتاب عزت إبراهيم، صعود ترامب، مصدر سبق ذكره، ص201-207.
([14]) -عزت إبراهيم، صعود ترامب: تحولات السياسة الأمريكية في القرن الواحد والعشرين، مصدر سبق ذكره، ص49.
([17]) -عمرو عبد العاطي، كيف تعيد إدارة دونالد ترامب الثانية تشكيل النظام الدولي الليبرالي؟، السياسة الدولية، مركز الأهرام، العدد 240، المجلد 60، ابريل 2025، ص181.
([19]) -أوليفية دالاج ودومينيك فيدال، واشنطن، تل أبيب، الرياض: أزمة مسارات، في كتاب، نهاية الزعامة الأمريكية: أوضاع العالم 2020، اشراف برتران بادي ودومينيك فيدال، مؤسسة الفكر العربي، بيروت، 2020، ص200-201.
([20]) -الجمعية العامة للأمم المتحدة تعتمد مشروع قرار يدعم اعلان نيويورك بشأن تسوية قضية فلسطين وحل الدولتين، أخبار الأمم المتحدة UNNewsArabi.News.un.org /12 September 2025
urlr.me/zjxBFS
([21]) – مدحت ماهر، مع إكمال عامين على الطوفان: سلام ترامب استكمال لمشروع صهيوني تحت تهديد الإبادة والمجاعة، مركز الحضارات للدراسات والبحوث. 12 أكتوبر 2025، أنظر في:
Hadaracenter.com/
([22]) -لماذا تضغط واشنطن بشراسة لإنجاح صفقة غزة؟، سكاي نيوز العربية، أنظر في:
urlr.me/dHtupq
([23]) -عمر عبد العاطي، الحرب على غزة ومأزق السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، السياسة الدولية، مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، القاهرة، العدد 235، يناير 2024، المجلد 59، ص186.
([24]) -ماري ماهر، مرجع سبق ذكره، ص140-141.
([25]) -مير بن شات وآشر فريدمان، ما الذي تريده إسرائيل؟ استراتيجية الأمن القومي ما بعد 7 أكتوبر التي تقود تحركاتها، 12 سبتمبر 2025، أنظر في:
urlr.me/tsbGfH
([27]) -أحمد السيد النجار وآخرون، حالة الأمة العربية 2017- 2018: عام الأمل والخطر، تحرير: أحمد يوسف أحمد ونيفين مسعد، ط1، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2018، ص63.
([28]) -أسامة خليفة، استراتيجية الأمن القومي الأمريكي وعقيدة ترامب، وكالة وطن للأنباء، 20/4/2025، أنظر في:
urlr.me/kHT4JM
([29])-اللواء أ. ح د. أسامة إبراهيم، الموقف الإيراني في منطقة الشرق الوسط وتداعيات الملف النووي الإيراني، في كتاب: عسكرة التفاعلات: تحولات الحروب والأسلحة، تحرير: رغدة البهي، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، القاهرة، 2025، ص106-107.
([30]) -رغم العقوبات… مليار دولار من إيران لحزب الله في 2025، وكالات أبو ظبي، 9 نوفمبر 2025، أنظر في:
urlr.me/ZzW6E8
[32] -عيادة العلي سر الدين، الدور التركي في رسم خارطة الشرق الأوسط الجديد، ط1، الدار العربية للعلوم، ناشرون، بيروت، 2017، ص92.
[33] -كرم سعيد، دلالات كاشفة: دوافع تركيا للحفاظ على المقاربات الأمنية في توجهاتها حيال الاقليم، في كتاب عسكرة التفاعلات: تحولات الحروب والاسلحة، مصدر سبق ذكره، ص247-255.
- وكذلك سكاي نيوز بتاريخ 11-6-2023، 9 مساءا
[34] دينيس بوشارد، المملكة العربية السعودية، تركيا، ايران: السعي الى زعامة اقليمية، الشرق الاوسط والعالم: اوضاع العالم 2021، اشراف برتران بادي وديمينيك فيدال، ترجمة نصير مروة، ط1، مؤسسة الفكر العربي، بييروت، 2021، ص69-73.
[35] عايدة العلي سري الدين، مصدر سبق ذكره، ص270-271.
كذلك الحدث العربية، 25-1-2024 الساعة 8:30 مساءا.
[36] -حمزة احمد، كيف تحولت نظرة ترامب لتركيا من المواجهة الى الشراكة، أنظر في:
urlr.me/DTYGeQ
[37] – عودة برنامج F35 مقابل ايقاف انقرة لإستيراد الغاز الروسي، أنظر في:
urlr.me/H6jput
[38] -حمزة احمد، مصدر سبق ذكره.
([39]) نبيل فهمي، هل تصبح روسيا والصين بديلاً للفراغ الأمريكي في المنطقة؟، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 10 مايو 2023. أنظر في:
urlr.me/pnMHGC
([40]) فادي حيلاني، أمريكا في مواجهة روسيا والصين..الى أين يتجه العالم؟ 24/9/2025، أنظر في:
urlr.me/dKQyja
([41]) ايمان رجب، مصدر سبق ذكره، ص200-201.
([43]) د. نبيل فهمي، مصدر سبق ذكره.
([46]) ياسمين فاروق، الشرق الأوسط: إعادة اختراع الدبلوماسية، في كتاب، لَن يكون العالم كما كان: أوضاع العالم 2023، إشراف: برتران بادي ودومينيك فيدال، ترجمة: نصير مروة، مؤسسة الفكر العربي، بيروت، 2023، ص246-256.
([47]) -ماري ماهر، مصدر سبق ذكره، ص160-161.
([48]) -رياض قهوجي، بكين تعزز حضورها الاستراتيجي في الشرق الأوسط دون صِدام مع واشنطن، 27 October 2025 موقع الأمن والدفاع العربي، أنظر في:
urlr.me/RpAf6d
([50]) -تعزيز التعاون العسكري بين الصين ومصر يثير مخاوف إسرائيل وأمريكا، أنظر في:
https://middle-east-online.com
([52]) -مصر وروسيا.. كيف تطورت العلاقات المصرية الروسية، اليوم السابع
https://www.youm7.com/story/2025/11/20/7203396
– أنظر كذلك: العلاقات الروسية – المصرية من القطن المصري الى التعاون العسكري
https://www.bbc.com/arabic/articles/cvgdz825eg1o
-الأسلحة الروسية تدعم الجيش المصري: روسيا ومصر تفعلان التعاون المشترك
https://arabic.rt.com/middle_east/1729342
([53]) وزير الطاقة السعودي “أوبك بلس” تحالف موثوق وفعال يراعي الظروف عند حدوثها، صحيفة الشرق الأوسط 19 يونيو 2025.
https://www.alarabiya.net/aswaq/oil-and-gas/2025/06ا/19/ وزير-الطاقة-السعودي-اوبك-تحالف-موثوق-وفعال-ويراعي-الظروف-عند-حدوثها




