أوراق و دراساتسياسية

الإتحاد من أجل المتوسط: الخلفيات والتحديات

نوال منصوري

باحثة دكتوراه في العلوم السياسية، كلية العلوم السياسية، جامعة الجزائر 3.

براهيتي فطيمة

باحثة دكتوراه في العلوم السياسية، كلية العلوم السياسية، جامعة الجزائر 3.

ملخص:

إن قضايا الأمن في المتوسط تأخذ أهمية كبيرة ليس فقط بسبب الموقع الاستراتيجي لحوض المتوسط الذي يربط ثلاث قارات أوروبا شمالا وإفريقيا جنوبا وآسيا شرقا، مما جعله يكتسب أهمية إستراتيجية واقتصادية سواء كمعبر أو كمورد هام للثروات الطبيعية، ولكن كذلك لما تتميز به قضية الأمن المتوسطي من ديناميكية من جراء هذا الموقع الهام، فأمن المتوسط مرتبط بأمن القارات المحيطة به.

وهو ما دفع بالدول الأوروبية إلى إعادة تقييم سياساتها الخارجية وخاصة مع دول جنوب المتوسط من خلال وضع إستراتيجيات جديدة قائمة على التعاون الفعال في إطار الشراكة الأورو-متوسطية.

ومن هذا المنطلق تسعى هذه الورقة البحثية إلى دراسة خلفيات ظهور الشراكة الأورو-متوسطية  في إطار مشروع الإتحاد من أجل المتوسط والبحث في أسباب تبني الدول الأوروبية لهذه السياسة، ورصد أهم التحديات التي تواجه هذا المشروع.

الكلمات المفتاحية: الأمن المتوسطي، البحر المتوسط، الشراكة الأورو-متوسطية، الإتحاد من أجل المتوسط.

مقدمة:

لقد شهد العالم بعد الحرب الباردة تحولات في بنية النظام الدولي وخاصة مع ظهور العولمة بما تحمله من تغيرات على مختلف المستويات، ومن بين المناطق التي تأثرت بهذه الأوضاع الجديدة نجد منطقة البحر المتوسط التي تعتبر من أهم المناطق على المستوى الدولي، فالبحر المتوسط يمثل نقطة التقاء وتقاطع ثلاث قارات أوروبا شمالا، إفريقيا جنوبا وأسيا شرقا، أما من الناحية الغربية فيربط مضيق جبل طارق البحر المتوسط بالمحيط الأطلنطي ويربطه مضيق الدردنيل ببحر مرمرة والبحر الأسود عبر مضيق البوسفور ومع البحر الأحمر قناة السويس التي تعتبر من أهم الممرات المائية عبر العالم.

هذه المميزات ساهمت في تعاقب عدة حضارات مختلفة على البحر الأبيض المتوسط منذ بداية التاريخ، إن ربط البحر الأبيض المتوسط بثلاث قارات ذات حيوية كبيرة اكسبه أهمية بالغة من الناحية الاقتصادية سواء كمعبر أو مخزن أو كمورد هام للثروات، ونظرا لهذه الأهمية الإستراتيجية والاقتصادية للمنطقة تزايد الاهتمام بها وتوجهت الدول الكبرى نحو وضع خطط واستراتيجيات للهيمنة الكاملة عليها.

ومع ظهور التطور التقني وثورة المعلومات كل هذا أدى إلى ضرورة توثيق الروابط والعلاقات بين الدول وزيادة الاعتماد المتبادل كما أن الدول الأورو متوسطية أدركت أنه بوسعها ملئ الفراغ الذي تركه غياب الاتحاد السوفييتي الذي سقط بعد نهاية الحرب الباردة نهاية التسعينيات.

وفي هذا السياق بدأت دول الاتحاد الأوروبي بإعادة تقييم سياستها الخارجية خاصة مع دول الجنوب المطلة على البحر الأبيض المتوسط و بما أن بعض دول الاتحاد الأوروبي تطل على بحر المتوسط فإن أمن هذه المنطقة يمس أمن القارة ككل، و لهذا ارتأت هذه الدول إلى ضوروة السعي إلى إيجاد طرح مغاير للطرح الأمريكي، وهو الطرح الذي يقوم على الشراكة المتوسطية الموحدة والمستقلة عن المشروع الأمريكي (مشروع الشرق الأوسط الكبير)، فكرة تعتمد على التعاون الفعال في المجالات الأمنية والاقتصادية والثقافية الاجتماعية، هذه الشراكة التي بدأت تتجسد في نهاية القرن العشرين مع مؤتمر برشلونة 1995 ومن بعده مشروع الاتحاد من اجل المتوسط منتصف 2008 .

انطلاقا من ذلك وتأسيسا عليه، تسعى هذه الدراسة للإجابة عن إشكالية مفادها: ما مدى علاقة مشروع الإتحاد من أجل المتوسط بمؤتمر برشلونة 1995 في تحقيق طموحات الدول الأوروبية والمتوسطية رغم التحديات التي تعترضه؟.

وتندرج ضمن هذه الإشكالية تساؤلات فرعية تتمثل في: ما المقصود بمشروع الإتحاد من أجل المتوسط وفيما تتمثل خلفية ظهوره؟، فيما تكمن الأهداف الحقيقية من وراء هذا المشروع؟، وماهي الآليات والمشاريع التي جاء بها مشروع الاتحاد من أجل المتوسط؟، وفيما تتمثل الآفاق المستقبلية لهذا المشروع في ظل المتغيرات والتحولات التي تشهدها الساحة الدولية؟

منهجية الدراسة:

تم الاعتماد على مجموعة من المناهج بما يتماشى مع طبيعة الموضوع، وذلك كما يلي:

1ـ المنهج الوصفي: ويساعد هذا المنهج في تفسير وتحليل مختلف الجوانب والأهداف التي قام على أساسها الاتحاد من اجل المتوسط ومعرفة أهم المحطات والآليات التي جسدت التعاون الأورو متوسطي

2ـ المنهج التاريخي: ومن خلال الدراسة يظهر المنهج التاريخي عبر العودة الى الخلفيات التي أدت إلى ظهور مشروع الاتحاد من اجل المتوسط و من قبله مسار برشلونة.

تقسيم الدراسة:

الإلمام بمختلف جوانب الموضوع ومعالجة الإشكالية المطروحة يستدعي تقسيم هذه الورقة البحثية إلى ثلاثة محاور:

 1- الشراكة الأورو متوسطية في إطار الاتحاد من أجل المتوسط.

2- أهداف وأليات الاتحاد من أجل المتوسط من منظور التعاون الأورو متوسطي.

3- مستقبل الاتحاد من أجل المتوسط في ضوء التحديات والمكاسب المحققة.

1- الشراكة الأورو متوسطية في إطار الاتحاد من أجل المتوسط:

عادت فكرة المتوسطية من جديد لتشكل اهتماما دوليا وإقليميا كبيرا، من خلال مبادرة الإتحاد من أجل المتوسط، وذلك في ظل العديد من الدوافع والإعتبارات، من بينها:

1-الإنسداد الذي تعرفه الأوضاع في الشرق الأوسط: الذي يعد من الأسباب الهامة لخلق مبادرة جديدة تزيد من تفعيل دور الاتحاد الأوروبي عن طريق إعطاء أوروبا دور إقليمي أكبر في قضايا المتوسط.

ـ2-تعتبر قضية الأمن من أبرز دوافع خلق إطار جديد للتعامل مع الظواهر المؤثرة على أمن واستقرار منطقة المتوسط، حيث أصبحت هذه الأخيرة تعرف أكثر من أي وقت مضى تأزما كبيرا من جراء مشاكل عدة مهددة للدول الأوروبية مثل مشكلة الهجرة بنوعيها الشرعية وغير الشرعية وظاهرة الإرهاب، وكذا المخدرات وما ينتج عنها من جريمة منظمة عابرة للحدود.[1]

3-فشل مسار برشلونة: لقد أشار الرئيس الفرنسي ساركوزي إلى فشل هذه المبادرة الذي يعتبره إخفاقا لسببين على الأقل، الأول هو أن الاتحاد الأوروبي لم يدخل بفعالية في المشروع نظرا لانشغاله بعمليات التوسعة المتوالية، والثاني أنه كان يركز على الشق الاقتصادي وأهمل الشقيين الأخريين.

4-تهميش الضفة الجنوبية للمتوسط في الاقتصاد العالمي: يظهر ذلك من خلال عدة مؤشرات هي: مساهمة الدول الشرقية والجنوبية في المبادلات العالمية في انخفاض، حيث تؤثر هذه الوضعية كثيرا على الاستقرار الاجتماعي للدول، فيمكن أن تكون لها آثار مباشرة على المحيط المجاور وخاصة على أوروبا.

5-عدم ملائمة السياسة الأوروبية للجوار للمنطقة المتوسطية: حيث تعتبر هذه السياسة من بين السياسات الأكثر إشكالية، فهي تركز على علاقات ثنائية.[2]

ومشروع الاتحاد من اجل المتوسط (UPM) ، هو عبارة عن منظمة حكومية دولية ذات طابع إقليمي تجمع بين الدول الاتحاد الأوروبي وبين دول شرق وجنوب ضفة البحر المتوسط الأعضاء في مؤتمر برشلونة، بالإضافة إلى موريتانيا، ألبانيا، البوسنة والهرسك، كرواتيا وتركيا، ولقد بلغ عدد دول الأعضاء 42 دولة، ويتيح الإتحاد من أجل المتوسط منتدى لتعزيز التعاون والحوار الإقليمين، وتنفيذ مشاريع ومبادرات محددة ذات أثر ملموس على مواطني دوله الأعضاء.[3]

والجذور الأولى لهذا المشروع تعود لفكرة فرنسية طرحها لأول مرة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي سنة 2007 أثناء حملته الإنتخابية، ويمكن تلخيص مراحل نشأة وتطور هذا المشروع من خلال النقاط التالية:

1-خطاب طولون (TOULON) في 7 فيفري 2007: أين طرح المرشح للرئاسيات الفرنسية ساركوزي لأول مرة إنشاء ” اتحاد متوسطي ” جامع لكافة الدول المطلة على حوض المتوسط.

2-خطاب طنجة في 23 أكتوبر 2007: بعد أن أصبح ساركوزي رئيسا طلب رسميا من الدول المطلة على البحر المتوسط الإتحاد من أجل تحقيق هذه المبادرة حيث دعاهم لحضور قمة تأسيسية للاتحاد المتوسطي بباريس في جوان 2008، ولقد وضح في هذا الخطاب خصائص الاتحاد المتوسطي وهي: ضرورة أن يكون متكيف مع المشاريع، وأن يضع في أولوياته الثقافة، التربية، الصحة، العدالة ومكافحة التمييز، وجعل البحر المتوسط أكبر مخبر للتنمية المشتركة، وإعادة بعث المبادرات والمشاريع الموجودة، وتأسيس الاتحاد على الإرادة السياسية التي تترجم إلى مشاريع فعلية مشتركة، وأن الاتحاد المتوسطي لا يتعارض مع المسار الأورو متوسطي ولا يبنى ضد إفريقيا أو أوروبا، وتكون للمفوضية الأوروبية المشاركة الكاملة فيه، كما أن الاتحاد المتوسطي هو مشروع للجميع وليس مشروع لفرنسا فقط.[4]

3-نداء روما: هو نداء صدر بعد قمة ثلاثية فرنسا، إيطاليا وإسبانيا، انعقدت بالعاصمة الإيطالية روما في 20 ديسمبر 2007 ولقد تعهد هذا الثلاثي بتحديد ميادين التعاون الأولية، المشاريع الأكثر ملائمة ودراسة جدواها والموارد المالية اللازمة وإعداد تصور لقائمة الفاعلين الذين يرغبون المشاركة في هذا المشروع.

4-قمة هانوفر بألمانيا يوم 3 مارس 2008: وهي القمة التي جمعت بين الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وهي قمة الحسم بالنسبة لمشروع الاتحاد المتوسطي، حيث أن ألمانيا عارضت صراحة هذا المشروع واعتبرته تهديدا للعمل الأوروبي الموحد باقتصار المشروع فقط على الدول المطلة على الحوض المتوسط، مما قد يؤدي مستقبلا لتفكك مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

وبعد تجاوز الخلافات الفرنسية-الألمانية، تم توسيع المشروع إلى كل دول الاتحاد الأوروبي وحظي بتسمية جديدة وهي “مسار برشلونة : الاتحاد من أجل المتوسط “، وبهذا فإن المجلس الأوروبي قرر أن يكون الاتحاد من أجل المتوسط إعادة بعث لمسار برشلونة ولقد كلف المجلس الأوروبي الذي انعقد في 13 و 14 مارس 2008 المفوضية الأوروبية بتقديم مقترحات بغية تحديد كيفية وضع هذا المشروع حيز التنفيذ، حيث قامت هذه الأخيرة بدعوة الدول الأوروبية والمتوسطية لحضور المؤتمر التأسيسي للاتحاد يوم 13 جويلية 2008 في العاصمة الفرنسية باريس.[5]

5-قمة باريس 2008: وهي القمة التي شهدت الميلاد الرسمي لمشروع الإتحاد من أجل المتوسط، عقدت بالعاصمة الفرنسية باريس يوم 13 جويلية 2008، شاركت فيها كل الدول المشاطئة للبحر المتوسط ودول الاتحاد الأوروبي باستثناء ليبيا التي حضرت كملاحظ ممثلة بوزير خارجيتها.[6]

وشارك في رئاسة القمة كل من الرئيس الفرنسينيكولا ساركوزي والرئيس المصري حسني مبارك، وتمثلت المشاريع الستة المقترحة في القمة التأسيسية: تنقية مياه البحر المتوسط، وبناء طرق سريعة برية وبحرية تسهل تنقل الأشخاص والبضائع بين الدول المتوسطية، والعمل المشترك على إنشاء حماية مدنية ضد الكوارث الطبيعية، وإقامة برنامج للطاقة الشمسية، والعمل على تنمية المؤسسات الاقتصادية للدول الأعضاء، وإنشاء جامعة أورو- متوسطية، وأكد بيان باريس على مبدأ قمة تعقد كل عامين بالتناوب بين البلدان الأوروبية والمتوسطية، واجتماع لوزراء الخارجية كل عام.[7]

6-الندوة الوزارية في مرسيليا: لقد عقدت هذه الندوة في مدينة مرسيليا يومي 3 و4 نوفمبر 2008، شارك فيها وزراء خارجية دول الاتحاد من اجل المتوسط، ولقد تضمن يبان مرسيليا التقسيم الجيد للمسؤوليات ومبدأ المساواة والمشاريع الأولية وكذلك اقتراح تعديل التسمية حيث أن “مسار برشلونة: الإتحاد من أجل المتوسط” أصبح يسمى “الإتحاد من أجل المتوسط[8]

وتم اختيار برشلونة مقرا للأمانة العامة وقرر الوزراء أن “الجامعة العربية سوف تشارك في كل اجتماعات الإتحاد من أجل المتوسط وعلى كل المستويات”.

وتعرض بيان مرسيليا إلى الصراع العربي – الإسرائيلي، حيث تم التأكيد على ضرورة التوصل إلى تسوية عادلة وشاملة لهذا الصراع وفقا للأحكام والمبادئ المعلن عنها في مؤتمر مدريد، وعلى أساس قرارات مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة، وقدم بيان مرسيليا الهيكلية المؤسساتية للاتحاد من أجل المتوسط المتمثلة في: الرئاسة المشتركة، الموظفون الكبار، لجنة دائمة مشتركة، أمانة عامة.[9]

2- أهداف وأليات الاتحاد من أجل المتوسط من منظور التعاون الأورو متوسطي

مع ظهور مشروع الاتحاد من اجل المتوسط في 2008 ظهرت معه مجموعة من الأهداف التي وصفت بالطموحة، إلا أن بعض المحللين يرون أن هذا المشروع يحمل بين طياته أهداف أخرى تسعى أوروبا وفرنسا على وجه الخصوص نحو تحقيقها ويمكن تقسيم هذه الأهداف إلى مجموعتين:

أ-الأهداف المعلنة:

تمحورت الأهداف المعلنة أو الظاهرة لمشروع الإتحاد من أجل المتوسط في مجموعة من المشاريع سعت الدول الأوروبية والدول المتوسطية لتنفيذها من خلال الشراكة بين الطرفين وهي:

  • مكافحة التلوث في منطقة البحر المتوسط.
  • إنشاء طرق بحرية وبرية لتحسين تدفق التجارة بين ضفتي المتوسط الشمالية والجنوبية.
  • وضع خطة للطاقة الشمسية في المتوسط من خلال البحث عن الطاقة البديلة للنفط والغاز.
  • إقامة جامعة أورو-متوسطية مقرها سلوفينيا تساعد على تشجيع الحراك الأكاديمي.
  • مبادرة إعمال المتوسط من خلال هيئة لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة.

هذا بالإضافة إلى سلسلة من الأهداف التي تم الاتفاق عليها في اختتام القمة الفرنسية وهي:

  • التصميم على تعزيز الديمقراطية والتعددية السياسية.
  • دعم عملية السلام الإسرائيلية – الفلسطينية.
  • إدانة الإرهاب بكل أشكاله ومظاهره والتصميم على القضاء عليه ومكافحة الذين يدعمونه. 
  • تحسين التفاهم بين الثقافات وضمان احترام كل الديانات والمعتقدات.[10]

ب-الأهداف الخفية:

ويمكن إجمالها في النقاط التالية:

  • كبح جماح الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا: والتي تزايدت وتيرتها في الآونة الأخيرة، وأصبحت المنطقة المتوسطية الجنوبية من وجهة النظر الأوروبية، هي بؤرة كل المخاطر من إرهاب وصراع ديني طائفي، كما أن التصدي لهذه الظاهرة هو أحد المحاور الرئيسية لبرنامج ساركوزي الانتخابي.
  • استيعاب الدور التركي في منظومة بديلة عن الاتحاد الأوروبي: تلعب فيها أنقرة دوراً محوريّاً، فعلى الرغم من الرفض الفرنسي القاطع لانضمام تركيا إلى الاتحاد، فإن باريس في الوقت ذاته لا تريد عزل تركيا، خاصة مع إدراكها لتحول الدور التركي إلى دور إقليمي محوري في منطقة الشرق الأوسط.
  • تعزيز الموقع الإستراتيجي الفرنسي، سواء في الدائرة الأوروبية أو الساحة الدولية: خاصة بعد ضعف التأثير الفرنسي على سياسات وإستراتيجيات الاتحاد، إلى جانب ضعف الدائرة الفرانكفونية التي لم تتجاوز كونها منتدى للشراكة الثقافية، والتخوف الفرنسي المتزايد من المد الأمريكي والصيني في منطقة شمال إفريقيا، الأمر الذي يقلق باريس التي تحاول من خلال المشروع استعادة دورها الإستراتيجي في دول جنوب المتوسط التي تعتبرها بحكم التاريخ الاستعماري منطقة نفوذ فرنسية.
  • التطبيع العربي مع إسرائيل: يعكس الرغبة الأوروبية والفرنسية في إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي وليس حلّه، بمعنى تجاوز أسباب الصراع ومرور مباشرة إلى مرحلة التطبيع، وبالتأكيد من دون حل للقضية الفلسطينية أو عودة الأراضي العربية.[11]

ولتحقيق هذه الأهداف اعتمد مسار برشلونة ومن بعده الاتحاد من أجل المتوسط عدداً من الآليات، هي:

1-خلق منطقة تجارة حرة:

لقد عادت هذه النظرية بعد انهيار الكتلة الاشتراكية واتخاذ الحكومات المنتخبة بشكل ديمقراطي كافة القرارات بالتحول نحو اقتصاد السوق لتحتل مكانة هامة، وتحمل الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والدول العربية المتوسطية آثار سلبية مدمرة على الصناعات الخفيفة والتحويلية التي تشكل العمود الفقري للصناعة في الكثير من الدول.

فهناك دول الاتحاد الأوروبي التي تمثل أنظمة اقتصادية واجتماعية ومالية وتكنولوجية متطورة وعملاقة وهناك الكيانات العربية المتوسطية المنعزلة التي تمثل أنظمة اقتصادية صغيرة أو ناشئة، إذن خلق مناطق تجارة حرة بشكلها الكلاسيكي بين دول شمال المتوسط ودول جنوبه سوف تقود إلى عدم التوازن وعدم المساواة في العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الطرفين.[12]

2ـ سياسة الجوار الأوروبية PEV)):

بعد مرور فترة زمنية على إطلاق الشراكة الأوروبية–المتوسطية، وأمام تواصل النزاعات الإقليمية المتوسطية واتساع الفجوة التنموية بين الضفتين، أدرك الاتحاد الأوروبي أن غياب الاستقرار ونقص التنمية في دول الجوار قد يشكل تهديدا محتملا لأمنه في المستقبل، لذا عمل الاتحاد الأوروبي على إيجاد سياسة تمثل رؤية جريئة وعرض جديد يهدف إلى:

  • العمل مع الدول المجاورة على خلق فضاء مزدهر وقيم متبادلة تتأسس على الاندماج الاقتصادي المتنامي والعلاقات السياسية والثقافية الأكثر ملائمة.
  • تقوية التعاون العابر للحدود والعمل بصورة مشتركة لتجنب النزاعات.
  • تشجيع الربط المتبادل للبنى التحتية ومواءمة التشريعات في مجال النقل والطاقة والاتصالات.[13]

أما فيما يخص الأبعاد فهي كالتالي:

أ- البعد الأمني: يعتبر هذا البعد الركيزة الأساسية لمسار برشلونة ومن بعده مشروع الإتحاد من أجل المتوسط، حيث يعتمد الحوار بين الدول الأعضاء في الشراكة الأوروبية – المتوسطية حول القضايا السياسية والأمنية الحساسة، وفي هذا الإطار يجري تمويل عدة مشاريع هدفها خلق منطقة سلام واستقرار قائمة على أساس احترام حقوق الإنسان والحريات وتطبيق القانون بالإضافة إلى المسائل المتعلقة بمراقبة الحدود ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والتعدي للهجرة غير القانونية ودعم السلام في الشرق الأوسط.

ب-البعد الاقتصادي والمالي:  يرتكز هذا البعد على نقطة قيام منطقة تبادل تجاري حر عن طريق الإشراف على تمويل حوالي 25 مشروع في إطار الشراكة الاقتصادية والمالية التي تعتبر أحد ركائز الاتحاد، وتنقسم المشاريع في إطار هذه الشراكة بين قطاعات الاقتصاد والطاقة والبيئة والنقل ومجتمع المعلومات.

ج-البعد الثقافي والاجتماعي والإنساني: يركز على تعزيز مبادئ المساواة والديمقراطية والحكم الراشد بالإضافة إلى تسهيل عملية الحوار بين الثقافات والمتعاملين من ضفتي المتوسط من خلال تفعيل دور وسائل الإعلام وإشراك منظمات المجتمع المدني أكثر في الشراكة، ويشمل هذا البعد: التعليم، الثقافة، التدريب، الشباب، وسائل الإعلام ،…،إلخ[14].

3- مستقبل الاتحاد من أجل المتوسط في ضوء التحديات والنتائج المحققة:

شهدت المرحلة الثانية التي بدأت منذ عام 2012، برئاسة مشتركة يتولاها الاتحاد الأوروبي والأردن، زيادة مطردة في عدد الأنشطة والشراكات، في ظل وجود 50 مشروعاً تحمل ختم الاتحاد. وقد سُلط الضوء على ضرورة تعزيز الاتحاد من أجل المتوسط في أحدث استعراض أُجري لسياسة الجوار الأوروبية للاتحاد الأوروبي. علاوة على ذلك، فخلال المنتدى الإقليمي الثاني للاتحاد من أجل المتوسط، الذي عُقد في يناير 2017، اعتمد وزراء الخارجية والممثلون من الدول الأعضاء الثلاث والأربعين خارطة الطريق “الاتحاد من أجل المتوسط: منظمة مدفوعة بالعمل قوامها الطموح المشترك”[15].

وعلى الرغم من النتائج المحققة لهذا المشروع الأورو متوسطي،إلى أنه يظهر جليا أن بناء فضاء مشترك للاستقرار والازدهار الذي طالما تطلعت إليه الضفة الشمالية والجنوبية لم يتحقق بعد، ليس فقط بسبب غياب الإرادة السياسية في أوروبا وعدم توفر الآليات التي تتماشى مع الديناميات السياسية الجديدة على مستوى الجنوب المتوسطي بل نتيجة كذلك لعدم التزام دول الجنوب، التي وجدت نفسها بعيدة عن هذا الطموح وما يقتضيه من إصلاحات ترقى إلى مستوى هذا المشروع التكاملي المتعدد الأبعاد، كما أن الاضطرابات التي حدثت على المستوى الدولي والجهوي وبروز تحديات جديدة، سلطت الضوء على عجز الدول الأعضاء والمؤسسات في خلق الظروف الملائمة لمساعدة بلدان المنطقة على تجاوز صعوباتها.

كما أن أزمة الهجرة خلقت بدورها فجوة جديدة بين دول الاتحاد، وشلت أي حل أوروبي لأزمة اللاجئين في الوقت الذي يتعين على هذه الدول تخطي الاعتبارات الوطنية وتبني مقاربة إقليمية موسعة، فلم يتمكن الاتحاد من أجل المتوسط من العمل كفضاء للحوار السياسي وتقريب وجهات النظر بسبب المهمة التي أوكلت له منذ البداية والتي تراجعت وتم حصرها في الجوانب التقنية.

لقد أظهرت أوروبا محدوديتها عندما يتعلق الأمر بحل الصراعات والأزمات التي تنشأ في فضائها المباشر هذا هو الحال بشكل خاص في ليبيا، سوريا، أو الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، يجب الاعتراف بأننا لم نتمكن من إيجاد توافق في الآراء وتقارب في وجهات النظر حول القضايا الإقليمية والدولية الكبرى، ومع ذلك، تبرز اليوم وأكثر من أي وقت مضى، الحاجة الى فضاء موحد وقوي ومتضامن يجعل بلدان المنطقة ترفع تحدياتها المشتركة وتستجيب للتطلعات المشروعة لشعوبها وعلى وجه الخصوص لشبابها.[16]

وبعد فشل مسار برشلونة الذي تم الإعلان عنه نهاية التسعينيات وعودة ظهور فكرة تأسيس اتحاد يجمع الدول المتوسطية الشمالية والجنوبية، طرحت مسألة إلقاء هذا المشروع نفس مصير مسار برشلونة بالرغم من أن الظروف الدولية والإقليمية مختلفة بين الفترتين.

إن الحديث عن مستقبل الشراكة الأورو-متوسطية الجديدة يبقى مرهون بحسابات الربح والخسارة فيه فنجاح أو فشل المشروع يبقى مرتبط أساسا بإمكانية هذه المبادرة أن تتجاوز أخطاء وعراقيل التجارب الماضية، وقد تباينت توقعات المحللين من أهداف الاتحاد من أجل المتوسط فبعضها كان متفائلا ورأى فيه أمل أن تتيح لبلدان جنوب المتوسط الفرصة لتنمية اقتصادية مستدامة استنادا على ما وصلت عليه دول الاتحاد الأوروبي في هذا المجال لاسيما أن هذه الأخيرة شريكا هذا الاتحاد، كما رأى فيه البعض مناسبة جيدة لتقارب بين ضفتي المتوسط من خلال المشاريع التي يشارك في تمويلها تخطيطا وتنفيذا.[17]

في حين يرى البعض الآخر في الاتحاد من أجل المتوسط بمثابة عودة لسياسة الأحلاف ومناطق النفوذ وغزوا غير مباشر، وأن الإدارة الأمريكية وإسرائيل ليستا بعيدتين عن فكرة المشروع.[18]

في الأخير ما يمكن التوصل إليه هو أن المشروع المتوسطي الذي تبنته فرنسا منذ بدايته كان محل اختلاف العديد من المتتبعين والمحللين حيث أن أن مشروع ساركوزي بهذه الطريقة لا يخرج عن كونه أداة لإدارة الأزمات الأوروبية على الطريقة الفرنسية، دون أية اعتبارات لمصالح الدول المرشحة لعضويته من خارج أوروبا، وبالذات تركيا والدول العربية، الأمر الذي يفرض على هذه الدول الوعي والحذر في تعاملها مع مثل هذا المشروع، وهي الأمور التي قد تقوض إمكانية تحقيقه على أرض الواقع حيث إن احتمالات النجاح والفشل لمشروع الإتحاد من أجل المتوسط حسب مصالح الدول، فنجد أن معظم المؤشرات تذهب نحو الاحتمال الثاني، وسيكون مآله مثل العديد من المشاريع التي شهدتها المنطقة، ولعل ما يعزز هذا القول العقبات التي تقف ضد إمكانية تحقيقه والتي تم الإشارة إليها سابقا.

وعلى ضوء ما سبق ولكي يتمكن الإتحاد من أجل المتوسط من تحقيق آمال وطموح شعوب الضفتين يجب عليه وفق منظور هذه الدراسة إتباع التوصيات المقترحة المتمثلة في:

  • إحداث تغييرا في التصور من أجل شراكة عميقة وفعلية بين الشمال والجنوب.
  • يجب على الإتحاد من أجل المتوسط مواءمة مهمته مع الأولويات الجديدة.
  • إنشاء بنك أورو – متوسطي لتمويل المشاريع على غرار البنك الأوروبي للاستثمار
  • إنشاء وكالات متخصصة تتعلق بالهجرة للدراسة وإعطاء الأرقام الحقيقية.
  • تشجيع دول الضفة الجنوبية على الانفتاح السياسي والحكم الرشيد.
  • تشجيع التبادلات بين المجتمع المدني في الضفتين.
  • وضع سياسة متوسطية متناسقة ذات مسؤولية مشتركة تتلاءم مع وضع دول البحر المتوسط وتسمح بإعطاء معنى ملموسا لعمل الاتحاد من أجل المتوسط في المنطقة.
  • صياغة إستراتيجية جديدة ومبادرات مبتكرة للتنمية ورؤية مشتركة لبناء محور متكامل ورفع التحديات

خاتمة:

بالرغم من التحديات والصعوبات التي واجهت مشروع الاتحاد من أجل المتوسط، بدءا من موقف الدول العربية من عضوية إسرائيل في هذا الاتحاد، مرورا بمسألة التمويل التي شكلت ولا زالت تشكل عقبة رئيسية في نجاح هذا المشروع دون أن ننسى موقف بعض دول الاتحاد الأوروبي الرافضة لهذا الاتحاد الذي كاد أن يحول دون إطلاق المشروع، وصولا الى التحولات والتطورات الإقليمية الراهنة التي أثرت بشكل كبير في تحقيق أهداف هذا الإتحاد المتوسطي، إذ لم يستطع المشروع أن يجسد الشراكة الحقيقية وتحديدا الاقتصادية نتيجة الهوة الكبيرة والتفاوت الذي يميز أعضاء الاتحاد، وحتى في المجال الأمني والعسكري فإن الإستراتيجية الموضوعة لم ترقى لتوصل إلى حلول فيما يخص مسألة الهجرة الغير شرعية والجريمة المنظمة وتهريب المخدرات، وبالتالي فان مشروع الاتحاد من أجل المتوسط لم يساهم في إعادة إحياء المسار بالمعنى الحقيقي نظرا لما ينطوي عليه هذا المشروع من أهداف غير معلنة تعكس المصالح الضيقة لفرنسا وحلفائها الأوروبيين.

إلا أنه مازالت هناك فرص كثيرة لتدارك هذه الأمور وتجاوز العقبات، فالمشروع الأورو-متوسطي مدعو للتكيف مع التحولات المختلفة في المنطقة لتقديم الحلول المناسبة للتحديات والرهانات، كما يجب أن ندرك أن الفضاء الأورو متوسطي فرصة لتحقيق المصالح والإثراء المشترك، وليس مجرد منطقة مجزأة ومشتتة وفضاء للتنافس بين القوى.


[1]  رتيبة برد، “الحوار الأورو متوسطي من برشلونة الى منتدى 5+5 “، مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في العلوم السياسية والعلاقات الدولية تخصص علاقات دولية، جامعة بن يوسف بن خدة، الجزائر، 2008-2009، ص ص.219،218.

[2] عبد النور خليفي، الشراكة الأورو متوسطية من إعلان برشلونة الى الاتحاد من اجل المتوسط (الحصيلة والآفاق)، أطروحة مقدمة لنيل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية فرع التنظيم السياسي والإداري، جامعة الجزائر 3، الجزائر، 2010-2011، ص ص.248،247

[3]   “Membre States”, in: https://urlz.fr/mbuP

[4] عبد النور خليفي، مرجع سابق، ص ص.236-240.

[5] عبد النور خليفي، مرجع سابق، ص ص.258-261.

[6] المرجع نفسه، ص.265.

[7]  رتيبة برد، مرجع سابق، ص ص.223-225.

[8]  عبد النور خليفي، مرجع سابق، ص.270.

[9]  خضر بشارة، أوروبا من اجل المتوسط من مؤتمر برشلونة إلى قمة باريس (1995 – 2008)،ط.1 (لبنان: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010)، ص ص.275-277.

[10]  أحمد مختار الجمال، ” الاتحاد من أجل المتوسط: بداياته وتطوره ومستقبله “، المركز الدولي للدراسات المستقبلية والإستراتيجية، موقع المفكر والسفير المصري أحمد محمود الجمال، ديسمبر 2008، 18/07/2020

[11] أحمد حسين الشيمي، ” مشروع ساركوزي المتوسطي.. لمصلحة من؟ “، في:

18/07/  2020                                                                                                                    https://islamonline.net

[12]  توفيق المديني، المغرب العربي ومأزق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، ط.1 (لبنان: دار لبنان للطباعة والنشر والتوزيع، دار الضياء للنشر والتوزيع الكويت، 2004)، ص ص.155-157.

[13] خضر بشارة، مرجع سابق، ص ص.183-185.

[14]  “الاتحاد من أجل المتوسط”، في:

https://urlz.fr/mbvn 30/06/ 2020

[15] “History of the Union for the Mediterranean”, in:

https://urlz.fr/mbvy.20/07/2020

[16] يوسف العمراني، ” عشر سنوات على ميلاد الاتحاد من اجل المتوسط: في الحاجة إلى رؤية متبصرة”، في:

                                             https://urlz.fr/mbvT    30/07/  2020     

[17] رتيبة برد، مرجع سابق، ص ص..233،232.

[18] عبد القادر رزيق المخادمي، الاتحاد من اجل المتوسط الأبعاد والآفاق، (الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 2009)، ص ص.88-90.9

admin 2

مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية: مؤسسة فكر وتخطيط استراتيجي تقوم على إعداد التقديرات وتقديم الاستشارات وإدارة المشروعات البحثية حول المتوسط وتفاعلاته الإقليمية والدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى