التغير في نمط الحكم وتأثيره على بنية النظام السياسي الصيني
أ. م. د. محمد كاظم المعيني (مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، جامعة بغداد، العراق)
م. م. رفـل إياد صالح (مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، جامعة بغداد، العراق)
ملخص
يناقش البحث ظاهرة التغير والتحول في نظام الحكم الصيني، وانعكاساتها على عملية صنع القرار السياسي، والكيفية التي أُعيد من خلالها تشكيل مؤسسات صنع القرار، مثل اللجنة الدائمة للمكتب السياسي، بما يعكس انتقالاً تدريجياً من نمط التوافق الجماعي إلى نمط اكثر مركزية وشخصنة في اتخاذ القرار، ويوضح ايضاً ان أنموذج القيادة الجماعية الذي تاسس لضمان الاستقرار وتجنب الحكم الفردي قد تراجع لصالح نمط أكثر مركزية للسلطة نتيجة التحديات والمعوقات التي واجهت القيادة الجماعية.
وخلص البحث إلى أن هذا التغير أسهم في تسريع عملية اتخاذ القرار وتعزيز الانضباط السياسي؛ لكنه في الوقت ذاته أضعف آليات المشاركة المؤسسية، وأوجد تحديات محتملة تتعلق باستدامة الاستقرار السياسي على المدى الطويل، وما يرافقها من تراجع في أدوار الرقابة المؤسسية، وانحسار مساحة النقاش الداخلي، الامر قد يحد من مرونة النظام السياسي في استيعاب الازمات أو تصحيح الاخطاء.
الكلمات المفتاحية: تغير الحكم، الصين، القيادة الجماعية، النظام الشمولي، اتخاذ القرار.
المقدمة
شهد النظام السياسي في الصين خلال العقود الأربعة الماضية تحولات جوهرية في نمط الحكم، انتقلت به من نموذج القيادة الثورية ذات الطابع الأيديولوجي الصارم في عهد (ماو تسي تونغ)، إلى نموذج القيادة الجماعية والإصلاح الاقتصادي في عهد (دينغ شياو بينغ)، وصولاً إلى مرحلة إعادة تركيز السلطة وتعزيز المركزية السياسية في عهد (شي جين بينغ).
وهذا التحول لم يكن مجرد تغيير في القيادات، بل مثّل إعادة صياغة لعلاقة الحزب بالدولة، وتعديلًا في آليات صنع القرار، وتغيراً في فلسفة إدارة الحكم داخلياً وخارجياً. فبينما اتسمت مرحلة ما بعد (ماو تسي تونغ) بتكريس مبدأ القيادة الجماعية داخل الحزب، برز في العقد الأخير اتجاه واضح نحو مركزية القرار وإعادة هيكلة المؤسسات الحزبية والدستورية.
كما جعل الاهتمام المشترك بالاستقرار الاجتماعي الداخلي والطموح المشترك لتعزيز صعود الصين على الساحة العالمية ممكنة ومستدامة، ومع ذلك، لم تعد السياسة النخبوية الصينية لعبة محصلتها صفرية، بل انها تكشف كيف تتغير وتتطور حكم أكثر الدول كثافة سكانية في العالم، وانها جاءت استجابة لجملة من التحديات الداخلية والخارجية، أبرزها الحاجة إلى سرعة اتخاذ القرار، وضمان الانضباط الحزبي، ومواجهة الضغوط الدولية، وعليه، فإن نظام الحكم في الصين أعاد طرح إشكالية العلاقة بين الفعالية السياسية والاستقرار طويل الأمد في الأنظمة السلطوية.
أهمية دراسة
تنبع أهمية دراسة هذا الموضوع من كون الصين اليوم فاعلاً مركزياً في النظام الدولي، ما يجعل فهم نمط حكمها وتحولاته شرطاً أساسياً لتحليل سلوكها السياسي والاقتصادي والاستراتيجي على المستويين الإقليمي والدولي.
ويسعى البحث إلى تحليل المراحل التاريخية لتطور نمط الحكم في الصين، تفسير العوامل البنيوية والسياسية التي أدت إلى إعادة تركيز السلطة، دراسة أثر التحول في نمط الحكم على عملية صنع القرار، واستشراف مستقبل نمط الحكم الصيني في ظل المتغيرات العالمية.
إشكالية البحث
تتمثل الإشكالية الرئيسة في التساؤل الآتي: إلى أي مدى يعكس التغير في نمط الحكم في الصين تحولاً بنيوياً في طبيعة النظام السياسي، أم أنه يمثل تكيفاً مؤسسياً مرحلياً يهدف إلى تعزيز استقرار الحزب الشيوعي الصيني واستمراريته؟
ويتفرع عنه عدد من الأسئلة الفرعية: ما العوامل الداخلية والخارجية التي أسهمت في التحول من القيادة الجماعية إلى المركزية المتزايدة؟ كيف أثّر هذا التغير في آليات صنع القرار السياسي؟ هل يمثل هذا النمط الجديد قطيعة مع مرحلة الإصلاح، أم امتداداً لها بأدوات مختلفة؟
فرضية البحث
تنطلق فرضية البحث من: إن التغير في نمط الحكم في الصين لا يمثل انتقالاً من نظام إلى آخر بقدر ما يعكس إعادة هندسة للنظام الحزبي بهدف تعزيز مركزية السلطة وضبط التحديات الداخلية والخارجية، في إطار استمرار هيمنة الحزب الشيوعي الصيني. وبعبارة أخرى، فإن التحول نحو مركزية أكبر للسلطة هو استراتيجية لإعادة إنتاج شرعية النظام في ظل تصاعد التحديات الاقتصادية والتكنولوجية والجيوسياسية.
منهجية البحث
يعتمد البحث على المنهج التحليلي المؤسسي لتتبع تطور نمط الحكم منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، ولدراسة العلاقة بين الحزب والدولة وإعادة هيكلة المؤسسات، فضلاً عن المنهج الاستشرافي بإعتبار الصين أنموذجاً لتحول أنظمة الحكم في الأنظمة ذات الحزب الواحد.
هيكلية البحث
تنقسم هيكلية البحث إلى ملخص ومقدمة ومبحثين، المبحث الاول: صنع القرار في النظام الصيني، وينقسم إلى مطلبين، الاول: من الحكم المطلق إلى الحكم الجماعي، أما الثاني: تطورات صنع القرار السياسي الصيني، أما المبحث الثاني: الإصلاح السياسي في الصين، وينقسم إلى مطلبين، الاول: التحولات في الدستور الصيني، اما الثاني: ملامح المستقبل في ظل القيادة الحالية، فضلاً عن الخاتمة والاستنتاجات والتوصيات.
المبحث الاول: صنع القرار في الديمقراطية الصينية
امتلك الزعيم (ماوتسي تونغ) سلطة واسعة وفريدة ربما هي رد فعل لسنوات الاذلال التي مرت بها الصين، إذ اعتبره فريق من الصينيين “شخصية إلهية”، لاسيما خلال مرحلة الثورة الثقافية، ولم تكن عملية التغير في نمط الحكم الصيني وانتقالها من حكم قائد واحد قوي إلى قيادة جماعية مفاجأه ولحظية، بل هي عملية تدريجية، فخلال عصر الزعيم دينغ، أصبحت الخلافة السياسية والتغير الجيلي في القيادة الصينية مسألة اهتمام عام، ومع ذلك، وبسبب مسيرته السياسية الاسطورية وروابطه القوية بين الرعاة والعميل، حافظ دينغ على دوره كقائد أعلى للصين حتى عندما لم يشغل أي منصب قيادي مهم بعد حادثة تيانانمن، وكانت مرحلة دينغ هي أساس عملية التحول والتغير في نمط الحكم ليأتي خلفائه كل من (جيانغ زيمين) و(هو جينتاو) اللذان حظيا بتأييد دينغ ودعمه، لما يملكانه من خبرة في الإدارة وبناء التحالفات والتسويات السياسية، إلا أن كلا الزعيمين كانا يفتقران إلى الكاريزما والمؤهلات الثورية التي تمتع بها دينغ، إذ يظهر تطور الاجيال الأربعة من القادة الصينيين اتجاهاً ثابتاً نحو قيادة أكثر جماعية، والابتعاد عن سياسة (الرجل القوي).
المطلب الاول: من الحكم المطلق إلى الحكم الجماعي
كانت عملية صنع القرار في الصين تأتي استجابة للتطورات التي تفرضها البيئة الداخلية والخارجية وليس نتيجة تخطيط مسبق ومدروس، مما أدى إلى تشعبها واتساعها من المركزية التي كانت قائمة في مدة حكم الزعيم ماو والذي هيمن على المجتمع والجيش والحزب والحكومة، فكلما كان النظام أكثر مركزية، كان الصراع من أجل السلطة أكثر مرارة، فبدون وريث واضح، وقيادة عليا موحدة، سيكون من الصعب تأمين انتقال مستقر ومنظم للسلطة، إذ ظلت عملية صنع القرار مرتبطة بشخصه، ولم يستطع اي شخص او جهة مهما ارتفعت مرتبتها ان تعارض قراراته، وانتقلت تلك الحاكمية المطلقة إلى خلفه دينغ؛ ولكن بشكل أقل حدة، مبتعدة تدريجياً من المركزية المطلقة إلى حالة متدرجة من صيغة أقرب إلى المؤسساتية، وتبلورت بداية في مدة حكم الرئيس زيمين، وهي آلية فريدة من نوعها ابتكرها الحزب الشيوعي الصيني لإدارة الحكم في البلاد، تسمى بطريقة القيادة الجماعية ذات الخصائص الصينية، وهي ليست ابتكاراً عادياً متداولاً، وانما هي عمل منظم له معنى عميق يمثل ثورة في اسلوب الحكم، إذ مرت هذه الطريقة باختبارات وتجارب كثيرة.
وترتكز تلك الطريقة على خمس آليات رئيسة، وهي: التنسيق الجماعي، تقسيم العمل، استلام وتسليم السلطة الجماعي، البحث والاستطلاع الجماعي، اتخاذ القرار بشكل جماعي.
وتحاول طريقة القيادة الجماعية الصينية أن تعطي رسالة إلى العالم والغرب، الذي يضع الصين في خانة الدول الشمولية؛ بانها عكس ذلك، فطبيعة الحكم والإدارة لدولة يعيش فيها خمس سكان العالم ومساحة بحجم قارة تقريباً يتطلب نوع من الحكم اعتبرته الصين شكلاً من اشكال الديمقراطية بثوب صيني، تختلف عن الديمقراطية في المفهوم الغربي، إذ يقوم على حكم الصين نظام متكامل من سبعة اشخاص ليشكل مايسمى بطريقة القيادة الجماعية[1].
وظلت الخلافات في الإدارة والحكم تحسم بطريقة القيادة الجماعية حتى بعد نهاية العصر الماوي، الا ان طريقة التعامل مع الازمات قد يتعذر فيها الوصول إلى الاجماع داخل القيادة، وكان لابد من ايجاد طريقة اخرى لمعالجة الازمة او الموقف؛ فجاء الحل من خارج السلطة الرسمية، إذ اجتمع متقاعدي الثورة الصينية ومؤسسوا الدولة، واتفقوا على منح الحزب الشرعية لمعالجة تلك الازمات.
وظهر ذلك جليا بعد اطلاق يد الحزب لسحق الاحتجاجات الطلابية عام 1989 واعلان الاحكام العرفية في البلد، وتعد تلك الحقبة بداية مرحلة جديدة ازدهرت فيها السلطة غير الرسمية الموازية بالتأثير في القرار السياسي والاقتصادي، وشكّل ذلك حالة تزاوج بين السلطة السياسية والمكاسب الاقتصادية والتي تحققت بسبب الفساد والانفتاح، مع ضرورة تقديم مصلحة الحزب فوق كل اعتبار، على ان تبقى الخلافات داخل الحزب خلف الابواب المغلقة وعدم تسريبها للخارج والحفاظ على النظام والحكم المطلق للحزب الشيوعي الصيني[2].
خلال مدة حكم الرئيس هو جينتاو (2003-2013)، عانى الحزب من صعوبة اتخاذ القرارات في ظل طريقة القيادة الجماعية؛ فبات التوصل إلى اجماع داخل اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للحزب الشيوعي (أعلى هيئة حاكمة) يأخذ زمناً طويلاً بين اطراف غير متفقة، وقد يصل إلى طريق مسدود، ربما يعود سبب ذلك إلى ضعف شخصية الرئيس وانتشار الفساد الناتج من توازنات القوى، إذ أدت تلك التعطيلات في اتخاذ القرارات، إلى عجز في عمل الحكومة والحزب وأصبح مبدأ القيادة الجماعية عبء ثقيل أوصل البلاد إلى مفترق طرق، إما الاستمرار بحالة العجز بسبب بطء عملية اتخاذ القرار، أو التحول من القيادة الجماعية إلى تركيز السلطة بيد شخص، فاذا كان ترسيخ القيادة الجماعية، وكتمان الخلافات الحزبية أدى إلى استقرار النظام السياسي الصيني؛ فنفس تلك الاسباب سمحت بتعطيل اتخاذ القرارات.
المطلب الثاني: تطورات صنع القرار السياسي الصيني
لو قرأنا تاريخ النظام السياسي الصيني، وتتبعنا عملية صعود الرئيس الحالي شي، لوجدنا أنه نتيجة طبيعية لفشل الحزب باتخاذ وتنظيم قراراته بعد حقبة الرئيس ماو، وما عانته الصين من صراع اقطاب السلطة الرسمية وغير الرسمية، اضطر فيها الحزب لحل مشكلة الوصول إلى الاجماع بكلف كبيرة وبطء شديد، وهذه الحالة استغلها الرئيس شي ببراعة وساعده بفرض سيطرته على الحزب والدولة.
عندما تولى الرئيس شي السلطة عام 2012، رأى أن التراخي في الانضباط الحزبي والسيطرة غير الفعالة على المجتمع هما اتجاهان يجب السيطرة عليهما، بعد عقد من الزمن، تمكن من توسيع قدرة الحزب بشكل كبير على مراقبة وقمع المجتمع، وطهر عدد كبير من الكوادر الفاسدة و/أو غير المخلصه له، وتركيز السيطرة على النظام الشيوعي، ولعله لم يكن بالصدفة وصول الرئيس شي إلى سدة الحكم المطلق وقيادة الحزب بطريقة لم تشهدها الصين منذ حقبة الرئيس ماو.
جاء ذلك نتيجة العمل بهدوء وذكاء لتعزيز مكانته داخل الحزب، من خلال تحييد خصومه بالحزب وتقريب الموالين وبسط نفوذه على اللجنة الدائمة واللجنة العسكرية المركزية، وسلسلة القرارات الجريئة والحاسمة، والاجراءات الاستراتيجية التي اتخذها لسنوات، واثبت مقدرته بالحكم من خلال توجهاته الاصلاحية الشاملة التي عززت نفوذ الصين عالمياً وحسنت صورتها عبر استخدام القوة الناعمة واحياناً الصلبة، ولعل مبادرة الحزام والطريق مثال حقيقي لذلك[3] .
وأصبح نمط الحكم المركزي للرئيس شي يختلف كثيراً عن الطريقة الماوية بالحكم؛ لانها حدثت من داخل الحزب: ولكنها تشترك في صفات رئيسة واحدة: القيادة الجماعية، والديمقراطية الداخلية، وبناء التوافق تضحى بها لصالح الانضباط والولاء للقائد؛ ففي بيئة لاتوجد فيها ضوابط على السلطة تقريباً، يكون للكاريزما الشخصية والحكم ونقاط القوة والاخفاقات لدى القائد تأثيراً كبيراً على الاتجاه المستقبلي ومرونة النظام، مقارنة عندما تقيد القواعد والحاجة المستمرة لبناء التوافق الحاكم[4].
وحالة تركيز السلطة والانفراد بها قد يضعف مرونة النظام الصيني وقدرته على التكيف لمواجهة التحديات المستقبلية، ويثير قلقاً وجدلاً داخلياً وخارجياً، وتساؤلاً عن مستقبل الحكم والتوازن الداخلي للحزب؛ فمن أهم التحديات التي تواجه الصين، هي[5]: مشكلة تايوان، المشكلة الديموغرافية، المشكلة البيئية، التوترات السياسية والتجارية مع بعض الدول لاسيما في بحر الصين الجنوبي.
وبدأ الرئيس شي عصر جديد من الحكم وكأنه حصل على توكيل عام من النظام السياسي، قبض فيه على مقاليد الحكم، إذ نجح بالسيطرة على اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، وتمكن من تحجيم قدرتها على تعطيل قراراته، لاسيما بعد تنصيبه اميناً عاماً للحزب عام 2012، جاعلاً من نفسه امبراطوراً جديداً للصين.
مع نمط الحكم الجديد الذي اسسه الرئيس شي، الا ان بسبب طبيعة النظام الصيني المعقدة، من الصعب ان يستحوذ عليها شخص واحد لمدة طويلة، فشراء الولاءات لايتم بالتخويف والتهديد؛ وانما يحتاج إلى مساومات وتنازلات وتقديم امتيازات، مما يعني تقوية اطراف[6]* قد تتفق معك او تختلف حسب المصلحة، على الرغم من عدم وجود تحديات حقيقية تواجه حكم الرئيس شي، الا انه من الصعب التنبؤ بما سيحث مستقبلاً في حال غيابه لاي سبب كان؛ ففي هذه الحالة قد يتفجر صراع داخلي قوي يعصف بالنظام السياسي الصيني لم يسبق له مثيل، بسبب الاختلال في ميزان القوى الداخلية السائدة [7].
المبحث الثاني: الإصلاح السياسي في الصين
في المؤتمر السابع عشر للحزب الصيني، كان هناك مستوى في التحليلات الخارجية المتناقضة غالباً على أن تكوين المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني (CPC)، والذي يعد عاملاً حاسماً في تحديد المسار السياسي للبلاد:
المطلب الأول: التحولات في الدستور الصيني
بالتوازي مع المسارات السياسية المتنوعة تبرز التحولات الدستورية في الصين من خلال الدستور عام 1982 والذي اعطى دوراً متجدداً للتحالف الأساس المكون للطبقات العاملة في المصطلحات الشيوعية كالمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني والاحزاب الديمقراطية والمنظمات الجماهيرية[8] .
ففي المادة الأولى من الدستور نصت على: ان جمهورية الصين الشعبية هي دولة اشتراكية في ديكتاتورية الشعب الديمقراطية وبقيادة الطبقة العاملة وتستند إلى تحالف العمال والفلاحين، والنظام الاشتراكي هو النظام الأساس في جمهورية الصين الشعبية، وان أجهزة الدولة في جمهورية الصين الشعبية تطبق مبدأ المركزية الديمقراطية، والمؤتمر الشعبي الوطني والمؤتمرات الشعبية المحلية في مختلف المستويات هي تؤسس من خلال الانتخاب الديمقراطي وهي مسؤولة امام الشعب وتخضع لأشرافه، وهذا من جانب [9].
ومن جانب آخر، قلص هذا الدستور بعض الحقوق التي وردت في دستور عام 1978 والتي عن طريقها يستطيع المواطنين نقد سياسة الحزب الشيوعي الصيني والتي سميت بـ(جدار الديمقراطية)، إلا ان هذه السياسة قد ضيقت على المواطنين واعتبرت سبباً في زعزعة الاستقرار السياسي للبلاد والتي سببت في خروج احتجاجات طلابية على النظام السياسي عام 1986 لنقد الحزب الشيوعي الصيني وإلقاء اللوم عليه[10] (جدول 1)
جدول(1) التحول في الدساتير الصينية[11]

وقد شهدت القيادة السياسية في الصين تجديداً في عام 2002، إذ عينت إدارة شابة وعلى رأسها الرئيس الصيني السابق(هو جينتاو)، فقام الرئيس الأسبق (جيانج زيمين) الذي يمسك بزمام السلطة منذ أكثر من 13 عاماً بتنظيم عملية تجديد قيادة الحزب الشيوعي ببراعة خلال مؤتمره السادس عشر في تشرين الثاني/ نوفمبر2002، وقد استطاع خلال هذا المؤتمر أن يدرج عقيدته المعروفةبـ(التمثيل الثلاثي) والهادفة إلى إشراك الطبقات الصاعدة وبينها الطبقة الرأسمالية في ميثاق الحزب الذى يحكم الصين منذ عام 1949([12]).
كما عملت القيادة السياسية الجديدة برئاسة على ترسيخ دعائم الاصلاح السياسي والدستوري في البلاد، خاصة داخل الحزب الشيوعي الحاكم. وخرج المؤتمر السابع عشر للحزب الذي انعقد في أكتوبر 2007 بقرارات هامة حول تعزيز العملية الإصلاحية داخل الحزب والدولة والاقتصاد والمجتمع، إذ تقرر مضاعفة الإنتاج المحلى أربع مرات بحلول عام 2020، وخلق نظام يكفل توزيع المزايا الاجتماعية بالعدل على المواطنين، وعملت الصين على دعم وجودها الدولي من خلال زيادة مشاركتها بشكل كبير في المنظمات الحكومية وغير الحكومية، وبدأت تخرج من العزلة التي فرضتها عليها حقبة (ماو تسي تونغ) [13].
مما سبق نجد ان أهم التحولات في الدستور الصيني الدائم لعام 1882 هي:
1- فكرة بناء مجتمع الحياة الرغيدة على نحو شامل في عام 2002، أي تركيز كل القوة لبناء مجتمع رغيد عالي المستوى يحقق الخير لكل أبناء الشعب الصيني، في العشرين سنة الأولى من القرن الحادي والعشرين، ليصبح الاقتصاد متطورا أكثر، وتصبح الديمقراطية كاملة أكثر، والعلوم والتعليم متقدمة أكثر، والثقافة مزدهرة أكثر، والمجتمع متناغما أكثر.
2- إستراتيجية نهوض القواعد الصناعية القديمة في عام 2003، فقد طرح مجلس الدولة في اجتماعه الدوري في شهر سبتمبر الفكرة المرشدة والمبادئ والمهام والسياسات والإجراءات لنهوض القواعد القديمة بشمال شرقي الصين، وفي 29 أيلول/ سبتمبر 2003 ترأس أمين عام الحزب الشيوعي الصيني (هو جين تاو) اجتماع المكتب السياسي للجنة الدائمة للحزب في بكين، وأشار فيه إلى أن دعم نهوض القواعد الصناعية القديمة في شمال شرقي الصين هو مهمة استراتيجية كبيرة تنطلق من الوضع العام لبناء المجتمع الرغيد الحياة. وعلى مختلف الأقاليم والوحدات أن تدرك الأهمية العظيمة لتنفيذ هذه الاستراتيجية من منظور الإصلاح والانفتاح الصيني في المرحلة الجديدة في القرن الجديد وقضية التحديث الاشتراكي، وعليهم أن يحرروا أفكارهم أكثر، ويركزوا القوة في دفع الابتكار النظامي والآلي، والإسراع بالإصلاح التكنولوجي للمؤسسات، لاكتشاف طريق جديد وتعديل وإصلاح ونهوض القواعد الصناعية القديمة.
3- صدور آراء مجلس الدولة حول دفع إصلاح وانفتاح سوق الرأسمال وتنميته بصورة مستقرة 2004، إذ توضح هذه الآراء التي صدرت يوم 31 كانون الثاني/يناير أن تطوير سوق المال ذو أهمية عظيمة لتحقيق الهدف الاستراتيجي وهو زيادة الناتج المحلي الصيني أربعة أضعاف في العشرين سنة الأولى من القرن الحادي والعشرين.
4- إصلاح البنوك التجارية المملوكة للدولة 2004، إذ قيمت شركة بنك الصين المساهمة المحدودة في 26 آب/أغسطس وشركة بنك التشييد الصيني المساهمة المحدودة في21 أيلول/سبتمبر، الأمر الذي يعني أن البنكين التجاريين المملوكين للدولة وحدها، وان الدولة هي القابضة على أسهمهما.
5- النص في الدستور على حماية الممتلكات الخاصة عام 2004، إذ ناقش وأجاز الاجتماع الثاني للمجلس الوطني العاشر لنواب الشعب في 14 آذار/مارس المشروع الرابع لتعديل الدستور، وقد ينص الدستور المعدل على أن: “ممتلكات المواطن الخاصة الشرعية لا يعتدي عليها”، وان “الدولة تحترم وتحمي حقوق الإنسان”، وغيرها من المحتويات، الأمر الذي يتفق مع المتطلبات الموضوعية لحماية الممتلكات الخاصة، ويوسع مجال حماية الممتلكات الخاصة، ويحسن نظام حماية الممتلكات الخاصة.
6- إلغاء الضريبة الزراعية عام 2005، إذ أجاز الاجتماع التاسع عشر للجنة الدائمة للمجلس الوطني العاشر لنواب الشعب في 29 كانون الأول/ديسمبر قرار إلغاء لوائح الضريبة الزراعية لجمهورية الصين الشعبية، بذلك ألغيت الضريبة الزراعية التي طبقت في الصين الجديدة لمدة نحو 50 سنة، وانتهى نوع من الضرائب استمر في الصين أكثر من ألفي سنة.
وابتداء من عام 2004 طبق مجلس الدولة سياسة إعفاء الفلاحين من الضريبة الزراعية أو تخفيض هذه الضريبة. في نهاية عام 2005، ألغى أعلى جهاز للسلطة بالصين الضريبة الزراعية، فودع الفلاحون الصينيون البالغ عددهم 900 مليون الضريبة الزراعية نهائيا.
7- طرح مهمة بناء الريف الاشتراكي 2005، إذ أجازت الدورة الكاملة الخامسة للجنة المركزية السادسة عشرة للحزب في 11 تشرين الأول/أكتوبر اقتراح اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني حول وضع الخطة الخمسية الحادية عشرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وأوضح الاقتراح هدف وبرنامج عمل التنمية الاقتصادية والاجتماعية في السنوات الخمس القادمة، وطرح المهمة التاريخية العظيمة لبناء الريف الاشتراكي الجديد، هذه السياسة لا تحقق خيراً لكل الفلاحين فقط، بل تعد إجراءً استراتيجياً ذا علاقة باستقرار البلاد الدائم، وأيضاً تعد رسالة هامة لا بد من إنجازها في المرحلة المحورية لبناء التحديث الاشتراكي في الصين.
8- بدء إصلاح توزيع حقوق الأسهم 2005، فبموافقة مجلس الدولة، أصدر المجلس الصيني لمراقبة سوق الأوراق المالية في 29 نيسان/إبريل منشور المسائل ذات العلاقة بإصلاح توزيع حقوق أسهم الشركات المسجلة في البورصة بصورة تجريبية، معلناً بدء إصلاح توزيع حقوق الأسهم، بعد ذلك بسنة واحدة حقق سوق المال الصيني تقدما كبيرا ونتائج مرحلية في إصلاح توزيع حقوق الأسهم، ورفع نوعية الشركات المسجلة في البورصة، والمعالجة الشاملة لشركات الأوراق المالية، وتطوير وتعظيم المستثمرين المؤسسيين وإكمال وتحسين قانون سوق الرأسمال.
9- قرار بناء المجتمع الاشتراكي المتناغم 2006، إذ عقدت الدورة الكاملة السادسة للجنة المركزية السادسة عشرة من 8 إلى 11 تشرين الأول/أكتوبر وأجازت قرار للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني حول مسائل خاصة ببناء المجتمع الاشتراكي المتناغم، مما جعل رفع القدرة على بناء المجتمع الاشتراكي المتناغم جانباً هاماً لقدرة الحزب الحاكم لأول مرة في تاريخ الحزب الشيوعي الصيني.
10- صدور قانون الملكية 2007، حيث أجاز الاجتماع الخامس للمجلس الوطني العاشر لنواب الشعب في 16 آذار/مارس قانون الملكية، وبدأ تنفيذه في أول تشرين الأول/أكتوبر 2007، ويتعلق بالتمسك بالنظام الاقتصادي الأساسي للدولة وإكماله وتحسين نظام اقتصاد السوق وتحقيق وحماية المصلحة الجذرية للجماهير.
11- إدراج مفهوم التنمية العلمي في دستور الحزب عام 2007، ففي أثناء انعقاد المؤتمر الوطني السابع عشر للحزب الشيوعي الصيني في تشرين الأول/ أكتوبر، أُدرج مفهوم التنمية العلمي في دستور الحزب، فكان ذلك تحديداً عملياً لما هو مفهوم التنمية العلمي، كما أنه إسهام تاريخي هام قدمه هذا المؤتمر[14].
المطلب الثاني: ملامح المستقبل في ظل القيادة الحالية
مع تصاعد مكانة الصين خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين في السياسة العالمية، طُرحت تساؤلات غربية منها: هل سيكون المستقبل للصين؟ كيف يمكن منعها من الإضرار بالقوى الغربية الديمقراطية؟
وعلى الجانب الآخر، تتخذ بعض النخب في الصين موقفاً أكثر عدوانية ضد الغرب، لا سيّما تجاه الولايات المتحدة الأميركية[15]، وأصبح من غير المرجح أن يبقى تأثير الصراع على الخلافة محصورًا داخل حدود الصين، بل سيؤثر على سياستها الخارجية وعلاقاتها مع بقية العالم، لا سيّما ما يتعلق بتايوان. وقد أصدر الرئيس الصيني تعليماته للجيش بالاستعداد لشن حملة على الجزيرة بحلول العام 2027، رغم أن التقارير العامة لا تقدم أدلة كافية لتحديد الظروف التي سيوافق فيها على هذه الخطوات بشكل قاطع، وعدم وجود موعد في عام 2027 (لإعادة التوحيد) مع تايوان، إلا أنه يرى ذلك بوضوح جزءاً من برنامجه للتجديد الوطني، إذا شعر بدنو ساعة الخلافة، فقد يصبح أكثر استعداداً للمخاطرة بالحرب.
من ناحية أخرى، لن يكون هناك إرث أسوأ من كونه القائد الذي حاول التوحيد مع تايوان وفشل، ورغم التقدم الذي أحرزه الجيش الصيني على مدى العقود الماضية، فإن نجاح الحصار أو الغزو بعيد المنال، وحتى لو نجح الرئيس الحالي في ساحة المعركة، فقد تكون الكلفة باهظة لأنه في وقتها ستصبح الصين منبوذة دولياً، وينهك اقتصادها بالعقوبات، وتثقل كاهل قواتها الأمنية بمهمة جديدة شاقة تتمثل في الحفاظ على السيطرة على تايوان المضطربة، فقد يصعب على المرؤوسين التحدث بصراحة عن التكاليف المرتبطة بالغزو على سبيل المثال، وقد تشوّه عمليات تقييم الاستخبارات الصينية مع قيام المحللين بصياغة تقارير غامضة يُمكن تفسيرها على أنها تتماشى مع تفكير القائد – بغض النظر عما ستؤول إليه الأمور [16] .
ففـي عـام 2018 بذل الرئيـس الصيني (شـي جين بينـج) جهـوداً كبيـرة لرفـع مكانتـه داخـل الحـزب الشـيوعي الحاكـم، بـدءاً مـن وضـع معاييـر جديـدة للخلافـة علـى نطـاق واسـع داخـل الحـزب، مـروراً بإقصـاء المسـؤولين الصاعديـن المحتمليـن لخلافتـه، وانتهـاء بإزالـة حـد الولايتين لمنصـب الرئاسـة عبـر إجـراء تعديلات دسـتورية، الأمـر الـذي يفسـح المجـال أمامـه للبقـاء علـى سـدة الحكـم مـدى الحيـاة[17] .
وبعد أن كان المخطط لهذه الحقبة يقسم إلى ثلاث مراحل: المرحلة الأولى انتهت عام 2020 والانجاز بناء مجتمع رغيد الحياة، بينما تأتي المرحلة الثانية التي تنتهي عام 2035 باستكمال بنيان التحديثات الاشتراكية التي تتضمن إتمام بناء النظم في مختلف المجالات، وتحقيق طفرة اقتصادية وعلمية وتكنولوجية، لتصبح البلاد في مقدمة الدول المبتكِرة في العالم. وبعدها المرحلة الثالثة، عام 2050، والتي تصبح فيها الصين دولة اشتراكية حديثة قوية ومزدهرة وديمقراطية ومتحضرة ومتناغمة، وقوية ورائدة في تأثيرها في الساحة الدولية. حينئذٍ ستقف الأمة الصينية، كما أعلنها الرئيس الصيني أمام المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني ” شامخة وسط أمم العالم بمعنوياتها العالية” [18] .
وتساهم اخفاقات القيادة الجماعية في إقناع أعضاء آخرين من نخبة الحزب الشيوعي الصيني بالعودة إلى قيادة الرجل القوي، فلم تتقدم عملية تأسيس السياسة القيادية بعد (ماو تسي تونغ) بما يكفي لمنع زعيم طموح مثل (شي جين بينغ) من استعادة الحكم الديكتاتوري الشخصي، وتم اتباع بعض المعايير والسوابق، لكن هذا الترسيخ المؤسسي البسيط فشل في منع (شي جين بينغ) من الاستيلاء على السلطة نتيجة:
(1) القواعد المتعلقة بتقاعد الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني غير مكتوبة: من خلال تحديد القواعد المكتوبة سن التقاعد للمسؤولين الحكوميين والجيش والحزب على مستويات مختلفة وتفرض حدوداً للفترات الكاملة: خمس سنوات في كل فترة، إذ يمكن لكل مسؤول أن يخدم في نفس المنصب لمدة لا تزيد عن فترتين، ونفس الرتبة القيادية لأكثر من ثلاثة فترات.
(2) ما يزال القادة المتقاعدون يمارسون النفوذ غير الرسمي: يمكن أن يكون للقادة المتقاعدين أيضا تأثير إيجابي تحت حدود الفت ارت، يمكن للديناميكيات غير الرسمية بين القادة المتقاعدين والقادة الحاليين الكبار، وكذلك بين القائد الحالي وخليفته في التدريب، أن تساعد في كبح الميول الديكتاتورية وتسهيل تقاسم السلطة والرعاية داخل النخبة، كما يقول عالم السياسة في جامعة بكين (شياو ما) أن: “هذا الاتفاق المتطور حول توزيع السلطة السياسية بين أجيال متعددة من القادة يمنع أي فصيل من الهيمنة على الآخر”.
(3) أزمة تيانانمن: إن نموذج الصين للقيادة المدمجة، إذ يخدم شخص واحد منصب الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني، ورئيس جمهورية الصين الشعبية، ورئيس اللجنة العسكرية المركزية، هو نتاج آخر الأزمة تيانانمن، قبل عام 1989، كان منصب رئيس الدولة مجرد لقب، وكان دنغ شياو بينغ يدير اللجنة العسكرية دون أن يكون الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني. بعد الأزمة، عندما اختار (دينغ جيانغ) زعيم الحزب الشيوعي الصيني في شنغهاي جيانغ زيمين ليخلف األمين العام المفصول (تشاو زييانغ) الذي وضع تحت اإلقامة الجبرية بسبب تساهله مع المحتجين والمبالغة في الإصلاحات السياسية، منح (دينغ جيانغ) لقب القائد الأساس، فضلاً عن المناصب الثلاثة العليا، كانت الفكرة هي تعزيز مكانة جيانغ في مواجهة الخصوم السياسيين الذين قد يضعونه، وإن مقارنة القيادة الصينية المندمجة مع القيادة الجماعية في فيتنام، التي تقسم السلطة بين الأمين العام للحزب الشيوعي، ورئيس الوزراء، والرئيس، تبرز التأثيرات المركزية طويلة الأمد لأزمة تيانانمن الصينية.
(4) لا يوجد تطبيق خارج الحزب الشيوعي الصيني: حتى أثناء عمله على جعل الحزب الشيوعي الصيني وحكمه أكثر مؤسسية، كان لدى (دنغ شياو بينغ) خط لا يتجاوزه: “لا فصل للقوى على الطريقة الغربية”، هذا النفور من منح الهيئة التشريعية أو المحاكم السلطة للحد من سلطة الحزب الشيوعي الصيني أو زعيمه يعني أن مشروع المؤسسات منذ بدايته كان له حد مدمج.
(5) الاحزاب الشيوعية تعاني من مشكلة غموض السلطة: بما أنه لا توجد مؤسسة خارج الحزب الشيوعي الصيني قادرة على مراقبة سلوك قادة الحزب، تقع هذه المسؤولية على عاتق المؤسسات الجماعية للحزب، وخاصة اللجنة المركزية، ولكن مركز السلطة داخل الأحزاب الشيوعية.
فيبدو النظام السياسي في الصين كتسلسل هرمي حيث يذكر كبار قادة الحزب المسؤولين الأدنى من الحزب الشيوعي الصيني والحكومة والجيش. ومع ذلك، وفقاً لدستور الحزب الشيوعي الصيني، تمتلك اللجنة المركزية سلطة رسمية الانتخاب المكتب السياسي، واللجنة الدائمة، والأمين العام، مما يجعل القادة الأعلى مسؤولين أمام نخبة سياسية أوسع. ومع ذلك، يشغل جميع أعضاء اللجنة المركزية مناصب متزامنة في الحزب أو الحكومة أو الجيش ويشغلون هذه المناصب بتعيين من كبار قادة الحزب.
(6) وجود إخفاقات في القيادة الجماعية: قد يعزز تقاسم السلطة تحت القيادة الجماعية صمود النظام االستبدادي، لكنه قد يكون له سلبيات. تحت حكم هو، كان األمين العام األول فقط بين المتساوين؛ كان لكل عضو في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي.
ومما سبق، نجد أن نظام الحكم في الصين هو ليس فقط آلية لتقاسم السلطة، بل هو أيضاً عملية اتخاذ قرار أكثر ديناميكية وتعددية يمكن للقادة السياسيين من خلالها تمثيل مختلف الظروف الاجتماعية والجغرافية، وان صعود القيادة الجماعية قد يؤدي إلى تقليل السياسات التي تهدف إلى تعظيم معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي بأي ثمن، مثل التكاليف الهائلة المتعلقة بتدهور البيئة التي شهدتها حقبة الإصلاح[19].
الخاتمة
توضح الدراسة أن التغير في نمط الحكم في الصين لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق الداخلي المتعلق بضبط النخب الحزبية، ومحاربة الفساد، وإدارة التحولات الاقتصادية، فضلاً عن السياق الخارجي المرتبط بتصاعد المنافسة الدولية.
لقد انتقل النظام من نموذج مؤسسي قائم على توزيع نسبي للسلطة داخل الحزب إلى أنموذج يتميز بمركزية واضحة في القيادة، مع تعزيز دور الأمين العام للحزب في توجيه السياسات الكبرى. ومع ذلك، لم يتغير الجوهر البنيوي للنظام بوصفه نظاماً حزبياً أحادي القيادة، بل جرى إعادة تنظيمه لضمان الفاعلية والاستمرارية.
الاستنتاجات
يمكن ان نتوصل إلى مجموعة من الاستنتاجات منها:
– إن التحول في نمط الحكم يعكس أولوية الاستقرار السياسي على حساب التعددية داخل النخبة الحزبية.
– مركزية القرار أسهمت في تسريع تنفيذ السياسات الاستراتيجية، لكنها قد تقلل من مرونة التفاعل المؤسسي.
– إعادة هيكلة المؤسسات عززت اندماج الحزب في أجهزة الدولة.
– التحول يعكس استجابة استراتيجية للتحديات الجيوسياسية المتزايدة.
– استمرار هذا النمط مرهون بقدرته على تحقيق توازن بين الكفاءة الاقتصادية والضبط السياسي.
التوصيات
– ضرورة تعميق الدراسات العربية المقارنة حول نماذج الحكم الآسيوية.
– أهمية دراسة العلاقة بين التحول المؤسسي والاستقرار السياسي طويل الأمد.
– تعزيز البحث في تأثير نمط الحكم الصيني على شراكاته الدولية، خصوصاً في الدول النامية.
– متابعة أثر التحولات الداخلية في الصين على بنية النظام الدولي.
– توسيع نطاق الدراسات المستقبلية لاستشراف احتمالات تطور القيادة الجماعية أو ترسيخ المركزية.
[1] هوان جانج، نظام الحكم في الصين، ترجمة: احمد ظريف القاضي، دار بتانة للنشر، مصر، 2018.
[2] عزت شحرور، صناعة القرار في الصين.. مراكزها وتطورها، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، تشرين الثاني/نوفمبر 2013، تاريخ الدخول: 27 أكتوبر2024 الرابط:https://studies.aljazeera.net/ar/issues/2013/11/201311137631298783.html
[3] فيصل محمود خليفة، قراءة في الاستراتيجية الصينية خلال عقدين، تريندز للبحوث والاستشارات، اكتوبر ،2023، بلا. تاريخ الدخول: 27 اكتوبر2024، على الرابط: https://trendsresearch.org/ar/insight/
[4] Susan L.Shirk, China in Xi’s “New Era”: The Return to Personalistic Rule, Journal Democracy, Volume 29, Issue2, April 2018, P 23.
[5] فيصل محمود خليفة، مصدر سبق ذكره.
[6]* المقصود بالاطراف هي الجهات الرسمية وغير الرسمية مثل: (المكتب السياسي، اللجنة المركزية، الكونغرس الحزبي والوطني، قادة الجيش والشرطة، عمالقة الاقتصاد الصيني).
[7] Konstantinos Tsimonis, Collective Leadership, Consensus Building Sacrificed for Personalization of Rule Around Xi, Domino Theory, October 25, 2022. On the link:
[8] ستار جبار علاي، التحولات الدستورية في الصين، مجلة حمورابي للدراسات، بغداد، العدد 56، 2025، ص26.
[9] المصدر نفسه، ص16.
[10] نفس المصدر السابق، ص27.
[11] الجدول من اعداد الباحثين بالاعتماد على: ميسوم إلياس، النظام السياسي في جمهورية الصين الشعبية، المجلة الجزائرية للحقوق والعلوم السياسية، المجلد10، العدد1، حزيران/ يونيو 2025، ص ص17-19، وكذلك موقع شبكة الصين، النظام السياسي، شبكة المعلومات الدولية، 23/4/2010. تمت الزيارة 1/2/2026، الرابط http://arabic.china.org.cn/china/txt/2010-04/23/content_19894937.htm.
[12] دينا عماد محمد كمال، الحزب الشيوعي والإصلاح السياسي في الصين 2002-2015، المركز الديمقراطي العربي، شبكة المعلومات الدولية، 17 حزيران/ يونيو 2016، تمت الزيارة 1/2/2026، الرابط: https://democraticac.de/?p=34154
[13] دينا عماد محمد كمال، مصدر سابق.
[14] دينا عماد محمد كمال، مصدر سابق.
[15] نشوى عبد النبي، رؤية مغايرة: لماذا يستفيد العالم من صعود المكانة الصينية؟، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 10 حزيران/ يونيو2024، شبكة المعلومات الدولية. او على الرابط: تمت الزيارة 2/7/2026
https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/9371/%D8%B1%D8%A4%D9%8A%D8%A9-%D9%
[16] تايلر غوست، ودانيال سي. ماتينغلي، بعد شي: مسألة الخلافة: غموض مستقبل الصين وزعزعة حاضرها، الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين، 7/8/2025، تمت الزيارة 7/2/2026 ، الرابط:https://apa-inter.com/post.php?id=8725
[17] فيصل عبد الله، مستقبل الصين ما بعد شي جين بينج، آفاق استراتيجية، العدد3، مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار- مجلس الوزراء، حزيران/ يونيو2021، ص2.
[18] علي الجرباوي، رؤية الصين لدورها العالمي، مركز جامعات الوحدة العربية، 11 تموز/يوليو 2023، شبكة المعلومات الدولية. او على الرابط. تمت الزيارة 2/7/2026https://caus.org.lb/%D8%B1%D8%A4%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%
[19] Konstantinos Tsimonis, I bad.




