Uncategorizedأوراق و دراساتاقتصادية

الإقتصاد الليبي بعد 2011: خرائط المقدرات والتحديات

د. أبوعزوم اللافي أبوجديريه

أستاذ بقسم الإقتصاد، جامعة سبها، ليبيا.

ملخص :

يهدف هذا البحث إلى إبراز أهم المقدرات الاقتصادية لدولة ليبيا مع توضيح أهم التحديات التي تعيق من الاستثمار في تلك المقدرات، وقد اعتمد الباحث على المنهج الوصفي التحليلي، مع الاستعانة بالمنهج الكمي في عرض الإحصاءات وتحليلها. وتوصل الباحث إلى أن ليبيا تمتلك العديد من المقدرات الاقتصادية غير المستغلة، بما في ذلك النفط والغاز، وكذلك مقومات في قطاع الصناعة وتجارة العبور والطاقات المتجددة والسياحة، والتي إذا تم استثمارها بالشكل الأمثل سيمكن الدولة من تنويع مصادر دخلها والتقليل من اعتمادها على النفط كمصدر رئيسي للدخل.

ومع ذلك تواجه ليبيا العديد من التحديات التي تعيق أي مجهودات تبدل في سبيل تنويع اقتصادها، ومن هذه التحديات ما هو تاريخي مرتبط بطبيعة الاقتصاد الليبي، ومنها ما هو حديث مرتبط بالأحداث التي تعيشها ليبيا حالياً. في هذا الإطار، توصي الدراسة بضرورة إعادة تحديد دور الدولة في النشاط الاقتصادي وفسح المجال أمام القطاع الخاص المحلي والأجنبي للاستثمار في تلك القطاعات الواعدة لتحقيق نمو غير نفطي ولخلق فرص العمل وصولاً إلى تنويع الاقتصاد الليبي.

الكلمات المفتاحية: المقدرات الاقتصادية، التحديات الاقتصادية، ليبيا.

مقدمة:

تعتمد ليبيا على العوائد النفطية كمصدر رئيسي للدخل، إذ يشكل قطاع النفط في الاقتصاد الليبي نحو 94% من الايرادات من النقد الأجنبي و60% من العائدات الحكومية و30% من الناتج المحلي الإجمالي، حسب إحصائيات عام 2020، وهذه النسب الكبيرة تجعل أداء الاقتصاد الليبي مرهوناً بالتقلبات في الأسعار العالمية للنفط وبتراجع كميات الإنتاج فضلاً عن أن النفط مورد طبيعي آيل للنضوب[1].

بالتالي فإن ليبيا تحتاج إلى تنويع اقتصادها للحد من الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل، خاصة أنها تمتلك العديد من الموارد الطبيعية، خلاف النفط والغاز، والتي لها القدرة على دفع عجلة التنمية ولكنها لم تستثمر بالشكل الأمثل.

ومن هذا المنطلق يسعى هذا البحث إلى إبراز أهم المقدرات الاقتصادية للدولة الليبية، ومدى إمكانية مساهمة هذه المقدرات في تنويع مصادر الدخل للتقليل من الإعتماد على النفط. كما يسعى البحث أيضاً إلى توضيح أهم التحديات التي يمكن أن تعيق أي مجهودات تبدل في سبيل تنويع الإقتصاد الليبي.

1-أبرز ملامح الاقتصاد الليبي:

يتميز الاقتصاد الليبي بمعظم خصائص اقتصادات الدول النامية، فهو اقتصاد أحادي يعتمد بشكل رئيسي على إيرادات النفط كمصدر رئيسي للإنفاق الحكومي وأكبر مساهم في الناتج الاجمالي[2]، بل هو أقل الاقتصاديات النفطية تنوعاً.  كما أن الاقتصاد الليبي اقتصاد موجه يدار مركزياً ويهيمن القطاع العام على الأنشطة الإقتصادية[3].

ويتسم الإقتصاد الليبي بضعف القاعدة الإنتاجية للقطاعات غير النفطية وهو من أكثر الإقتصاديات إنكشافاً على العالم الخارجي، حيث يتركز الإنفتاح في توفير السلع الغذائية لسد العجز القائم  في الاحتياجات المحلية وكذلك توفير مستلزمات الانتاج التي تطلبها العملية التنموية [4]. بجانب أن ظاهرة الإقتصاد الخفي منتشرة ومتنامية بشكل واضح في الإقتصاد الليبي[5].

2-أهم التطورات الإقتصادية الليبية الأخيرة (الوضع الحالي):

2-1- النمو الإقتصادي:

بسبب إغلاق موانئ تصدير النفط في عام 2013، انخفض الإنتاج إلى مستويات قياسية حيث بلغ حوالي 190 ألف برميل يومياً [6]. ونتيجة لذلك، شهد الإقتصاد الليبي ركوداً اقتصادياً دام لأربعة سنوات من 2013 إلى غاية 2016.

وقد أدى التحسن في الأوضاع السياسية والأمنية خلال 2017، إلى زيادة الإنتاج النفطي بأكثر من الضعف، والذي بدوره أدى إلى تحقيق نمو قياسي بزيادة 28.3% في عام 2017. ولكن عاود متوسط معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الانخفاض بشكل حاد إلى 2.5% عام 2020 بسبب الحصار المفروض على صادرات النفط، بالإضافة إلى انخفاض أسعار النفط عالمياً نظراً لتداعيات جائحة كوفيد-19[7]. وفي أعقاب رفع الحصار النفطي في أواخر عام 2020، ومرونة أسعار النفط العالمية، شهد قطاع النفط والإقتصاد الليبي انتعاشاً كبيراً، حيث بلغ متوسط إنتاج النفط 1.2 مليون برميل يومياً في عام 2021 [8].

2-2- سعر الصرف:

أدى الصراع السياسي إلى انخفاض قيمة الدينار الليبي بشكل مستمر منذ عام 2014، حيث وصل انخفاض الدينار مقابل الدولار إلى نسبة 75%، في حين ظل سعر الصرف الرسمي ثابتًا عند 1.4 دينار للدولار. في عام 2017، وصل السعر في السوق الموازية إلى 12 دينار مقابل الصك المصرفي، وتصرفت السوق الموازية للعملة بشكل منفصل عن المصرف المركزي حتى أواخر عام 2018 [9].

وأدى تطبيق سياسة فرض الرسوم على سعر الصرف وتسهيل إجراءات الحصول على النقد الأجنبي من المصارف التجارية إلى تراجع كبير في متوسط سعر صرف العملات الأجنبية في السوق الموازي إلى أن وصل إلى نحو 4.25 دينار في شهر فبراير 2019 [10].

2-3- التضخم:

شهد الإقتصاد الليبي تزايداً سريعاً في معدلات التضخم خلال السنوات 2015 – 2022، حيث قفز من 9.9% في عام 2015 إلى مستويات غير مسبوقة ليصل إلى نحو 25.8% في عام 2017. ويعزى هذا إلى عدة أسباب منها الاضطرابات في سلسلة التوريد وضعف العملة المحلية والدعم الحكومي للمحروقات والسلع الأساسية التي تأثرت بشكل مباشر بتدني إنتاج النفط. كذلك الإنقسام المؤسسي ووجود حكومتين متنافستين مولتا ميزانياتهما من خلال الإقتراض من البنوك التجارية[11].

وبعد أربع سنوات سجل معدل التضخم في ليبيا انخفاضاً كبيراً في العام 2019 حيث بلغ  2.2%، ويعود هذا التراجع إلى فرض الرسوم على مبيعات النقد الأجنبي في أواخر 2018،ولكن هذا الإنخفاض في معدلات التضخم لم يستمر طويلاً حيث عاود الارتفاع مرة أخرى إلى 4.8% في 2022، وهو ما يُعزى إلى نفس الأسباب سابقة الذكر [12].

2-4- الميزانية العامة:

يعتمد الإقتصاد الليبي بشكل كلي على النفط في تمويله للميزانية العامة، فبالتالي نتيجة لانخفاض كميات الإنتاج وانخفاض الأسعار العالمية، انخفضت إيرادات الدولة وأصبحت الميزانيات العامة تمول بالعجز، حيث سجل هذا العجز 20 مليار في عام 2014، وارتفع إلى 56 مليار في عام 2016، قبل أن ينخفض إلى 10 مليارات دينار في 2017. مما اضطرها للجوء إلى احتياطاتها من النقد الأجنبي والاقتراض من المصارف المحلية، وأدى اقتراض وزارة المالية في طرابلس إلى زيادة إجمالي الدين العام المحلي إلى 74 مليار دينار في عام 2017، وإقراض مصرف ليبيا المركزي بالبيضاء الحكومة المؤقتة حوالي 43.7 مليار[13].

وخلال 2019 تحقق فائض في الميزانية العامة قدره 11 مليار دينار، وذلك بفضل الضريبة على بيع العملة الأجنبية التي حققت ايراداً 21 مليار، وبدون هذه الإيرادات يكون هناك عجزاً قدره 10 مليار.

3- خرائط القدرات الاقتصادية للدولة الليبية:

3-1-النفط والغاز:

تمتلك ليبيا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في افريقيا بنحو 48 مليار برميل[14] وتحتل المرتبة التاسعة عالمياً بنحو 3.3% من احتياطيات النفط المؤكدة في العالم[15]، بالإضافة إلى أنها تمتلك خامس أكبر احتياط مؤكد من الغاز الطبيعي في أفريقيا يقدر بنحو 1.4 تريليون م³. في الأوقات الطبيعة (عام 2010)، بلغ انتاج ليبيا الكلي من النفط نحو 1.8 مليون برميل يوميا [16].

يساهم قطاع النفط بأكثر من 70% من إجمالي الناتج المحلي، وما يزيد على 95% من الصادرات، وقرابة 90% من الإيرادات الحكومية[17]. تشير هذه الأرقام وهذه المكانة إلى أن ليبيا تمتلك إمكانيات ضخمة تمكنها من مضاعفة الإنتاج إلى أكثر من 3 ملايين برميل يوميّاً، بحيث تحقق 9 مليارات دولار إضافية في السنة من صافي التدفق النقدي، لتكون هذه الإيرادات الركيزة الأساسية لأي تطوير مستقبلي في الاقتصاد الليبي، إلا أن هذا الأمر يتوقف على سعر النفط وكذلك يتطلب زيادة كبيرة في تمويل أنشطة التنقيب والتطوير.

إلى جانب إمكانية مضاعفة الإنتاج، يوفر قطاع النفط والغاز العديد من الفرص للنمو وللتنويع الاقتصادي، حيث أن الطلب على الكيماويات الزراعية (الأسمدة( قد يخلق فرصة استثمارية جيدة في ليبيا، خاصة وأن ليبيا توفر حالياً منتجات وسيطة مثل اليوريا (رقائ ( والأمونيا )التي يتم شحنها كغاز مسال( لشركات الأسمدة النيتروجينية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويمكن تطويرها لإنتاج منتجات ذات قيمة عالية مثل النيتروجين، والأسمدة المخلوطة أو المعقدة. ومن الفرص الاستثمارية في هذا القطاع أيضاً إنشاء مصافي جديدة للقضاء على الحاجة إلى الواردات المتزايدة من وقود السيارات والزيوت قدر الإمكان[18].

3-2- قطاع الزراعة:

من أهم القطاعات الاقتصادية في ليبيا باعتبارها المصدر الرئيسي للغداء، تمتلك ليبيا مساحة تبلغ حوالي 1.8 ملیون كم₂، وتقدر المساحة الصالحة للزراعة بنحو 2% من إجمالي المساحة، أي حوالي 3.6 ملیون هكتار معظمها أراضي رملية أو طفلية رملية، حوالي 80% من النشاط الزراعي يتركز في المناطق الساحلية[19]. أما مناخ لیبیا فهو عبارة عن خليط من مناخ البحر الأبيض المتوسط والمناخ الصحراوي، ويقع الجزء الأكبر من البلاد في مناطق المناخ الحار، باستثناء المناطق الساحلية والمرتفعات الشمالية حیث یسودها المناخ البحري.

وتعد المیاه الجوفیة من أھم الموارد المائیة التي یتم استغلالھا في لیبیا، خاصة بعد ربط شبكة میاه النھر الصناعي بالسواحل اللیبیة، ویقدر الاستھلاك السنوي للمیاه الجوفیة بحوالي 97% من إجمالي المیاه المستھلكة في لیبیا وقرابة 3% من المصادر المائیة الأخرى[20].

إن المناطق الصحراویة التي یتوفر بھا مخزون جوفي للمياه تسمح بزراعة المحاصیل التي تحتاج إلى كمیات كبيرة من المیاه وبعض المحاصیل الشتویة التي لھا القدرة على تحمل الجفاف. أما المناطق الساحلية والجبلية التي تتوفر فيها مياه الأمطار تسمح بزراعة غالبیة الخضروات والفواكھة[21]. يوضح الجدول رقم (1) أهم المحاصيل الزراعية التي تنتج في ليبيا وبعض الفرص الاستثمارية المصاحبة والتي يحتاجها السوق المحلي وتسهم في تعزيز منظومة الأمن الغذائي واستدامة القطاع الزراعي.

ونظراً لمحدودية الموارد الطبيعة من الأراضي الزراعية وكمية المياه، فإن قطاع الزراعة لا يمكن أن يكون قطاعاً استراتيجياً بديلاً في تنويع مصادر الدخل بقدر ما يمكن أن يعول عليه في سد احتياجات السوق المحلي والوصول إلى الاكتفاء الذاتي من السلع الزراعیة، فضلاً عن المساهمة في خلق فرص عمل. كما أنه بالامكان التغلب على تلك الصعوبات عن طریق وضع الخطط وتنفيذ السیاسات التي تتناسب مع الموارد المتاحة مع التركيز على زراعة بعض المحاصيل مثل: القمح والشعیر والزیتون والنخیل باعتبارها الأكثر ملاءمة للظروف المحلیة واحتیاجاتھا المائیة قلیلة مقارنة بالمحاصیل الأخرى.

جدول رقم (1) : يوضح الفرص الاستثمارية المتاحة في مجال الزراعة

أهم المحاصيل الزراعية التي تنتج في ليبيا  الفرص الاستثمارية المتاحة في مجال صناعة المستلزمات الزراعية
الحبوب   (المساحة المزروعة: 410 الف ه – إنتاج: 5 طن/ه)مصنع للمعدات الزراعية المعدنية
النخيل    (8 مليون شجرة – الانتاج: 140 ألف طن)مصنع للمعدات الزراعية البلاستيكية
الزيتون   (12 مليون شجرة)مصنع لتصنيع حضائر الدواجن والصوبات
العنبالفرص الاستثمارية المتاحة في مجال الصناعات الغدائية
الحمضيات
اللوزياتمصانع للتعبئة والتغليف
التينمطاحن للدقيق والسميج
الرمانصوامع لتخزين الحبوب
البطاطسمصنع لاستخلاص وتعبئة الزيوت النباتية
البصل والثوممصانع عصائر الفواكه
العسلمخازن تبريد وتجميد الخضروات والفواكه
 أسواق للخضروات والفواكه واللحوم والالبان

المصدر: مجلس التخطيط الوطني (2013).

3-3- قطاع الصناعة:

لقد تم اكتشاف العديد من المواد الخام الطبيعية التي تعتبر كمواد أولية للعديد من الصناعات وخصوصاً في مجال صناعة الإسمنت ومواد البناء المختلفة، وقد تم استخدام بعض منها وقامت عليها العديد من المصانع، إلا أن البعض الآخر لم يستغل حتى الآن رغم توفر احتياطي جيد منها، مما يؤكد على إمكانية الاعتماد عليها وخصوصا في صناعة مواد البناء من أجل توفير احتياجات السوق المحلي وللتصدير أيضاً [22].

ويمكن تلخيص نوعية هذه المواد الخام وأماكن تواجدها وحجم الاحتياطي منها واستخداماتها  في بيانات (الجدول رقم 2).

الجدول رقم(2):  نوعية المواد الخام الموجودة في ليبيا وامكان تواجدها وحجم الاحتياطي منها واستخداماتها:

استخداماتهاالاحتياطي م. طنأماكن تواجدهاالمواد الخام
المحتملالمؤكد
الإسمنت وفي إنتاج مادة الشرشور وكمادة مساعدة في مجمع الحديد والصلب، هناك العديد من المواقع الأخرى التي لازلت لم تستغل بعد711,045تتركز بشكل كبير في الشمال ومواقع أخرى لم تستغل بعد بالشرق، والوسط (الجفرة)، والجنوب (وادي الشاطئ).الصخور الكربونية الأحجار الجيرية، الدولوميت، الكالكارنيت
الأسمنت، الخزف، القيشاني، الفخاريات، طوب الآجر، الورق، المطاط، العوازل، والصناعات النفطية500175تغطي معظم المناطق وخاصة المنطقة الجنوبية (سبها ووادي الشاطئ)الطينات
الزجاج والإسمنت ومواد البناء وفي صناعة الطلاء وإنتاج الطوب الرملي والمطاط الصناعي والعوازل.200829الشاطئ، والمنطقة الوسطى، ومواقع أخرى يتم استغلالها حالياً بطرابلس وسبها.رمال السيليكا
الإسمنت والصناعات الدوائية والصناعات الكيماوية وفي الطلاء والورق وفي مواد البناء.8,240348الغرب (بئر الغنم) والشرق والوسطى، حالياً يتم إستغلال جزء بسيط منها في صناعة الإسمنت وكمصيص الجبس بمصنع السواني.الجبس والاملاح
الصوف الصخري وفي رصف الطرقات والمهابط ومسارات السكة الحديدية وصخور الجرانيت ويمكن إستغلالها كأحجار للزينة والبناء.كميات كبيرة3,515 (الحديد)كالذهب والنحاس والرصاص والزنك والحديد والفوسفات والفحم والكبريت. توجد في الجنوب والمنطقة الوسطى.الصخور النارية والمعادن الفلزية

المصدر: دراسة قام بها مركز البحوث الصناعية.

من خلال الاستعراض السابق للمواد الخام الطبیعیة والمعدنیة المتوفرة بمختلف مناطق لیبیا یمكن إقتراح 77 فرصة استثمارية واعدة على ھیئة مصانع من شأنھا أن تساھم في التنمیة المكانیة في 24 بلدیة، على أن تخضع كل هذه الفرص المقترحة لدراسات الجدوى الفنیة والاقتصادية الأولية والتفصيلية قبل الشروع في تنفیذھا (جدول 3).

جدول رقم (3): الفرصة الاستثمارية المقترحة في قطاع الصناعة

العددالنشاط الصناعي
8صناعة الإسمنت
7صناعة الزجاج
10إقامة محاجر شرشور
8صناعة طوب الأجر
8صناعة الطوب الحراري
1صناعة الحديد والصلب
6صناعة الخزفيات
5صناعة البلاط (الارضي / الجدران)
9صناعة الطوب الرملي الجيري
2صناعة الفخاريات
1صناعة أنابيب الصرف الصحي
2مصنع للطلاء
2مصنع لإنتاج الخرسانات
3مصنع تقنية وتكرير ملح الطعام
2مصنع لإنتاج الخرسانات
3مصنع لإنتاج المنظفات والصناعات الكيميائية
77المجموع

المصدر: دراسة قام بها مركز البحوث الصناعية، مجلس التخطيط الوطني (2013)، مصدر سابق.

نلاحظ من الجدول أعلاه أنه في قطاع صناعة الإسمنت مثلاً، هناك ثماني فرص استثمارية على ھیئة مصانع اسمنت موزعة في مواقع مختلفة، اثنين من هذه المواقع درست بشكل مفصل، الموقع الأول بمنطقة محروقة الشاطئ، أما الثاني يقع في منطقة سوكنة، حيث تقدر الطاقة الإنتاجية لكل مصنع بحوالي نصف مليون طن سنوياً. إلى جانب ذلك، هناك سبع فرص استثمارية على هيئة مصانع زجاج. أحد هذه المواقع بمنطقة إدري الشاطئ، والذي درس تفصيلياً لإقامة مجمع للصناعات الزجاجية لإنتاج الزجاج العالي الجودة بطاقة انتاجية تقدر بـ 5000 طن سنوياً من زجاج شبه بلوري، و 4000 طن سنوياً من الكريستال. أما المواقع الأخرى تحتاج إلى المزيد من الدراسات التفصيلية [23].

كل هذه الإمكانيات وغيرها من شأنها أن تكون مورداً مولداً للدخل ومنوعاً لقاعدة الناتج المحلي الإجمالي، خصوصاً وأن بعضها يمكن أن يصدر إلى الخارج ويكون عاملاً لجلب العملات الأجنبية. فضلاً عن ذلك يحتوي قطاع الصناعة على أكثر من 180 منشأة صناعية التي أنشئت في ليبيا خلال العهود السابقة والمتوقفة عن العمل منذ سنوات وأن بعض هذه المنشآت في حالة جيدة، وأنها جذبت أنظار الكثير من المستثمرين الأجانب في مقدمتهم رجال الأعمال والصناعيين الأتراك [24].

3-4- قطاع الطاقة المتجددة:

تتوافر في ليبيا موارد متعددة يمكن استغلالها في إنتاج الطاقة المتجددة، ومن أهمها الإشعاع الشمسي، والرياح، وطاقة الجوف الحرارية، والكتلة الحية، حيث تقع ليبيا في منطقة الحزام الشمسي التي تتمتع بشدة الإشعاع الشمسي وتعد الأعلى عالمياً ويصل معدل الإشعاع الشمسي الذي تستقبله ليبيا يومياً إلى 7.1 كيلوواط/ساعة/م² في المناطق الساحلية وإلى 8.1 كيلوواط/ساعة م² في المناطق الجنوبية، هذا ما جعلها تتميّز بطول ساعات سطوع شمسي عالية تزيد على 3500 ساعة سنوياً [25].

أما بالنسبة إلى طاقة الرياح يتمتع الساحل الليبي والذي يبلغ طوله حوالي 1,880 كم والممتد من طبرق شرقاً إلى طرابلس غرباً، بتيارات رياح عالية، ويتراوح المتوسط السنوي لسرعة الرياح في ليبيا ما بين (5-10م/ث)[26]. إن الطاقة الشمسية في ليبيا يمكن أن توفر حوالي 140000 تيراواط/ساعة في السنة. أمّا طاقة الرياح وطاقة الكتلة الأحيائيّة فلديهما إمكانات تتراوح بين 2000 – 15000 تيراواط/ ساعة في السنة على التوالي[27].

بالرغم من توفر هذه الموارد إلا أن ليبيا تعتمد على حوالى 95% من إحتياجاتها للطاقة من النفط والغاز علاوة على ذلك تعاني البلاد من أزمة انقطاع الكهرباء، إذ بلغ العجز في الكهرباء نحو 2500 ميغاواط يومياً؛ مما أدى إلى اعتماد أغلب الليبيين على المولدات الخاصة[28]. بالتالي يمكن الاستفادة من هذه الإمكانيات الهائلة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لتكون مصدراً من مصادر الامتدادات المستقبلية للطاقة، وخاصة أن الطاقة الشمسية مخزون هائل لا ينضب كما هو الحال بالنسبة للنفط والغاز.

تحقق الطاقة الشمسية نمواً اقتصادياً مهماً من خلال تخفيض الإعتماد على النفط والغاز في توليد الطاقة والحد من الاستنزاف الهائل لميزانية الدولة وكذلك تخفيض نسبة الاستيراد من مواد الوقود الأحفوري. بل إن الكم الهائل من الإشعاع الشمسي والمساحة الشاسعة والموقع الجغرافي الذي تتميز به ليبيا يمكن أن يؤهلها لتكون في مقدمة الدول المصدرة للطاقة الكهربائية الشمسية ورائدة في إرساء قواعد التعاون الدولي في هذا المجال.

في هذا الإطار بدأت ليبيا بخطة تهدف إلى توليد 22% من الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2030[29]، وذلك من خلال التعاقد على إنشاء محطات شمسية في الجنوب وغدامس والجغبوب، ومزارع رياح لإنتاج الطاقة في مواقع متعددة. بالإضافة إلى مبادرة شركاء المؤسسة الوطنية للنفط، حيث بدأت شركة إيني الإيطالية في المسح المبدئي لمشروع الطاقة الشمسية في ربيانية. وتدرس المؤسسة مع شركة ريبسول الإسبانية سبل استغلال الطاقة الشمسية في الجنوب[30]. وقامت شركة توتال الفرنسية بوضع حجر الأساس للبدء في تنفيذ أول مشروع للطاقة الشمسية بقدرة 500 ميغاواط بالسدادة.[31]

وكذلك تم استيراد المعدات المخصص لتنفيذ مشروع مزرعة الرياح في درنة. بالإضافة إلى مذكرة التفاهم التي وقعتها الشركة الكهرباء مع شركة دبليو سولار الاماراتية لإنتاج 500 ميغاواط كمرحلة أولى مع هدف طويل الأجل يبلغ 2000 ميغاواط، ستستثمر دبليو سولار في توليد الطاقة الشمسية وبيعها للحكومة الليبية لمدة 25 عاماً [32].

3-5- تجارة العبور:

انطلاقاً من موقع الجغرافي لليبيا وساحلها الذي يبلغ طوله حوالي 1.880كلم، فإن ليبيا مؤهلة بأن تكون بوابة افريقيا على البحر الأبيض المتوسط وممراً لتجارة العبور يربط افريقيا بأوروبا، كما تعد موانئها الواقعة على البحر الأبيض المتوسط الذي يستحوذ على 29% من حجم التجارة العالمية وبمعدل نمو سنوي حوالي 8% سنوياً خلال الفترة من 1995 إلى 2005، وفق لإحصاءات منظمة التجارة العالمية.

بلغ حجم التبادل التجاري للقارة الإفريقية مع العالم مستوى كبير خلال الفترة 2000-2005، حيث تجاوزت الواردات الإفريقية من العالم الخارجي مبلغ 249.3 مليار دولار عام 2005، فيما بلغت صادرات إفريقيا لنفس العام 297 مليار دولار. ويعد الاتحاد الأوروبي أهم شريك تجاري لمجموعة الدول الإفريقية، حيث تشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 71% من واردات القارة الإفريقية مصدرها الإتحاد الأوروبي، وأن حوالي 57% من صادرات إفريقيا اتجهت إلى دول الاتحاد الأوروبي.

تتركز تجارة الإتحاد الأوروبي مع الدول الافريقية في منطقة شمال وغرب وجنوب الصحراء حيث تستحوذ هذه المنطقة على 86% من حركة التجارة الإفريقية مع الاتحاد الأوروبي[33].هذه الإحصاءات والمقومات تؤكد بأن لليبيا فرصة نجاح كبيرة في أن تلعب دوراً محورياً في استيعاب جزء كبير من نمو حركة التجارة الدولية بين إفريقيا وأوروبا عبر موانئها المطلة على البحر المتوسط، وفي هذا الإطار فقد أعلنت ليبيا عن مشروع تجارة العبور الذي يتمثل في تشغيل ثلاثة مسارات: أولها عبر ميناء مصراته، والثاني عبر ميناء بنغازي (المنطقة الحرة المريسة)، أما المسار الثالث عبر ميناء طرابلس، عبر المنطقة الجنوبية وصولاً إلى دول تشاد والنيجر.

3-6- قطاع السياحة:

تمتلك ليبيا مقومات سياحية هامة ومتعددة، منها على سبيل المثال المدن الإغريقية والرومانية في شحات وسوسة وبنغازي، والمدن الفينيقية والرومانية في لبدة وصبراته وطرابلس، كما تمتلك ليبيا أيضاً آثار ما قبل التاريخ وتتمثل في النقوش والرسوم الصخرية في جبال أكاكوس وأبار مجي والشرسارة والعوينات، هذا بالإضافة إلى الواحات الصحراوية، مثل واحة غدامس وغات ومرزق والجغبوب. كل هذه الموارد تمثل عوامل جذب سياحي مهمة. إلا أن هذه الامكانيات والمقومات السياحية لم يتم توظيفها بشكل جيد لتأخد ليبيا دورها ومكانتها على الخريطة السياحية [34]

4- خرائط الأزمات والتحديات الإقتصادية الليبية:

4-1- عدم الإستقرار السياسي والأمني:

تعيش ليبيا على واقع انقسام سياسي حاد بين مجلسي النواب والدولة منذ عام 2014، وكان لهذا الانقسام أثر سلبي على معدلات إنتاج النفط من ناحية، وعلى الاقتصاد الليبي ككل من ناحية أخرى، فقد أدى ضعف الظروف الأمنية والإنقسامات السياسية والإشتباكات حول المرافق النفطية إلى تعطيل إنتاج النفط وصادراته، مما أضر بعموم الاقتصاد [35].

كما أدى الإنقسام السياسي إلى الإنفاق العشوائي والموازي وطباعة النقود وارتفاع الدين العام المحلي ومعدلات التضخم، في عام 2021 بلغ الدين العام نحو 137 مليار دينار منها 84 مليار لحكومة الوحدة و53 مليار للحكومة الليبية. إلى جانب الوضع الأمني الذي يتسم بالهشاشة، حيث لا يزال العنف وأعمال الشغب أموراً شائعة ولا تزال المليشيات والقوات الأجنبية تشكل تهديداً للاستقرار.

4-2-سياسات الإقتصاد الموجه التي تستحوذ على نسبة كبيرة من الميزانية العامة:

عرف الاقتصاد الليبي تدخلاً واسعاً للحكومة إثر تحولها إلى دولة اشتراكية في بداية السبعينيات من القرن العشرين[36]، ولا يزال القطاع العام يهيمن على الاقتصاد حيث يوظف 85% من إجمالي القوى العاملة، وتنفق الدولة أكثر من ثلث الميزانية العامة سنوياً على المرتبات والأجور. ناهيك عن البطالة المتزايدة وعدم قدرة الدولة على توفير فرص عمل جديدة. وكذلك الدعم الحكومي للسلع الأساسية والمحروقات الذي يستحوذ على 28% من الإنفاق العام بما يرهق كاهل الدولة ويساهم بشكل كبير في إهدار المال العام[37].

4-3- الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل:

وفقاً لطبيعة الاقتصاد الليبي المعتمد على سلعة النفط كمصدر رئيسي لإيرادات الحكومة، ومع تأثر هذه السلعة بانخفاض الأسعار العالمية للنفط، والأحداث السياسية والأمنية التي تشهدها ليبيا منذ عام 2011، سواء كان الانقسام السياسي أو الصراع حول الحقول النفطية، التي أثرت على حجم الصادرات والذي وصل إلى 400 ألف برميل يومياً في 2015، هذا التأثير شكل عبئاً على الموازنة العامة للدولة وأثرت على العملة المحلية وظهور السوق الموازية للنقد الأجنبي[38].

وهذا يعكس حقيقة الإقتصاد الليبي كاقتصاد ريعي يعتمد على النفط كمصدر رئيسي للدخل وأن انخفاض أسعار النفط أو كميات الانتاج والتصدير لأية أسباب كانت تؤدي إلى انخفاض مفاجئ في الايرادات النفطية للدولة الليبية والتي ستؤثر سالباً على أوضاع المالية العامة، كما سيترتب عليها العديد من الصعوبات والمشاكل، لعل من أبرزها حدوث عجز كبير في الميزانية العامة وميزان المدفوعات واللجوء إلى الدين العام كأحد المصادر لتمويل العجز[39].

4-4- ضعف مساهمة القطاعات غير النفطية:

على الرغم من الجهود المتكررة لتنويع الاقتصاد الليبي، إلا أن قطاع النفط ظل المصدر الرئيس محققاً أكبر نسبة من الناتج المحلي الإجمالي حيث ساهم بأكثر من 70% من الناتج المحلي الإجمالي، 90% من الإيرادات الحكومية وأكثر من 95% من الصادرات في عام 2018 [40]، في الوقت الذي بقيت مساهمات القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الاجمالي عند مستويات منخفضة جداً، حيث بلغ متوسط مساهمة قطاع الزراعة خلال الفترة الماضية نحو 2.7% وقطاع الصناعة التحويلية 2.2% وقطاع الخدمات العامة 22.5%. كما اتسمت معدلات النمو المحققة للقطاعات غير النفطية بالانخفاض[41].

كما أن مبيعات القطاع النفطي تُشكل، دائماً، النسبة الأكبر من الإيرادات العامة، بالمقارنة مع الإيرادات السيادية الأخرى مثل الضرائب والجمارك والاتصالات والرسوم الأخرى. فعلى سبيل المثال في عام 2017 حقق قطاع النفط 22 مليار دينار في حين حققت الإيرادات السيادية الأخرى مبلغاً إجمالياً وقدره 3 مليار دينار. فبالتالي فإن هذه المساهمة الضعيفة للإيرادات السيادية تؤكد الحاجة إلى إصلاحات لتطوير تحصيل الإيرادات السيادية وإدارتها [42].

4-5- محدودية الموارد الطبيعية مثل المياه والتربة الصالحة للزراعة:

تعاني ليبيا من نقص في إمداد المياه ومحدودية الأراضي الصالحة للزراعة وسوء إدارة الموارد الطبيعية بصورة مستدامة، تشير الدراسات إلى أن حوالي 97% من إجمالي المیاه المستھلكة في لیبیا هي المياه الجوفية وأن حوالي 3% المتبقية من المصادر المائیة الأخرى. وتقدر المساحة الصالحة للزراعة بحوالي 3.6 ملیون ھكتار أي بنحو 2% من إجمالي المساحة البالغة حوالي 1.8 ملیون كم₂.

ومن خلال دراسات التربة یتبین أن مساحة لا بأس بھا من هذه الأراضي تتسم بعدد من الخواص السلبیة التي تعوق نمو وانتاج كثیر من المحاصیل الزراعیة لعدم ملاءمتھا للزراعة، أو لطبیعتھا الصخریة أو تضاریسھا الطبیعیة، أضف إلى ذلك التي تستخدم للأغراض غیر الزراعیة مثل (الاستخدامات العمرانیة، الصناعیة، والتجاریة وغیرھا،…..إلخ)[43].

كما أن عدم الاستخدام الأمثل للموارد المائية المتاحة في ليبيا أدى إلى عجز قدر بحوالي 275 مليون م₃ وذلك بسبب السحب الجائر من المياه الجوفية نتيجة إنتاج محاصيل شرهة للمياه وحدوث تدهور في نوعية المياه مما جعلها غير صالحة للاستخدام وذلك بسبب ارتفاع نسبة ملوحتها [44].

وبالرغم من محدودية هذه الموارد، إلا أنه يمكن التغلب على هذه التحديات من خلال الترشيد في استهلاك الموارد الزراعية المحدودة وإنفاق المبالغ لإعداد البنیة الأساسية اللازمة لتنمیة القطاع الزراعي وكذلك وضع الخطط و اعتماد السیاسات التي تتناسب مع الموارد المتاحة لتمكین القطاع من المساھمة في تحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع الزراعیة الرئیسیة.

4-6- بيئة الأعمال للقطاع الخاص ومنافسة الشركات العامة والشركات الأجنبية:

من المتوقع أن يساهم القطاعالخاص بشكل كبير في تطويرالاقتصاد الليبي وتنويع مصادر الدخل واستيعابالبطالة، إلا أنه يواجه العديد من التحديات التيتعرقل تطوره، حيث أن غيابالأمن والبيروقراطيةوضعف مصادر التمويل كلها عوامل أثرت بشكلسلبي في استقرار القطاع الخاص. أضف إلى ذلكتفضيل الشركات العامة على الشركات الخاصة في الاستفادة من التعاقدات الحكومية، بالإضافةإلى المنافسة الشرسة من القطاع غير الرسميوالمنافسة غير المتكافئة مع الشركات الأجنبية ذاتالخبرة والقدرة المالية الجيدة. كل هذه التحدياتتحول دون نمو وتطور القطاع الخاص للمساهمة في تنمية وتطوير الاقتصاد الليبي[45].

4-7-استشراء الفساد الإداري والمالي في مؤسسات الدولة:

عرفت ليبيا الفساد منذ الاستقلالولكنه كان محدوداً ومن ثم انتشر وتفشي في كافة مؤسسات الدولة بعد التحول الاقتصادي في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، وبعد عام 2011 استشرى الفساد بشكل كبير عن ما كان سابقاً [46].

 الفساد الإداري بشتى صوره من وساطة ومحسوبية، وكذلك الفساد المالي المتمثل في العقود والاعتمادات الوهمية، وصرف المكافآت لغير مستحقيها، وغيرها من التجاوزات المالية والمستندية التي تضر بالاقتصاد الليبي بشكل كبير، خطر الفساد وعواقبه لا تقف عند جزئية هدر المال العام، بل أن للفساد تداعيات اقتصادية كبيرة تشكل شبكة من العوائق التي تمنع تحقيق التنمية.

ويؤثر الفساد المالي سلباً على مناخ الاستثمار من خلال طلب الرشاوي من أصحاب المشروعات، كما يحد من قدرة الدولة على زيادة حجم الإيرادات المالية، وارتفاع حجم التهرب الضريبي والجمركي، وارتفاع معدلات التضخم من خلال ارتفاع تكاليف الانتاج كنتيجة مباشرة للرشوة والعمولات، وغيرها من التداعيات السلبية على الاقتصاد. وبالتالي يمثل الفساد تحدي حقيقي أمام بناء الاقتصاد الليبي وسبب رئيسي في فشل كلّ محاولات الإصلاح التي انتهجتها الدولة منذ زمن[47].

خلاصة:

على الرغم من الخطط والسياسات والبرامج التنموية المطبقة خلال العقود الأربعة الماضية، لا يزال الاقتصاد الليبي اقتصاداً أحادياً يعتمد بدرجة كبيرة على إيرادات النفط، ولا يزال أداؤه يتأثر بشدة بتقلبات الأسعار العالمية للنفط من ناحية وبالأحداث السياسية والأمنية التي تشهدها ليبيا منذ عام 2011 من ناحية أخرى.

ليبيا دولة غنية بالثروات الطبيعية وتمتلك إمكانيات هائلة إلا أنها لم تستثمرها بالشكل الأمثل، بما في ذلك النفط الذي هو مصدر دخلها الرئيسي، حيث لدى هذا القطاع القدرة على مضاعفة إنتاجه إلى أكثر من 3 ملايين برميل بدلاً من 1.6 مليون برميل يومياً، الأمر الذي يُولد 9 مليارات دولار إضافية في السنة.

إلى جانب ذلك تمتلك ليبيا المساحة الشاسعة والموقع الجغرافي المميز الذي يؤهلها بأن تلعب دوراً محورياً في استيعاب جزء كبير من نمو حركة التجارة الدولية بين إفريقيا وأوروبا عبر موانئها المطلة على البحر المتوسط. ناهيك عما تمتلكه من خامات أولية ومعادن فلزية، لو تم استغلالها بشكل الأمثل فإنها يمكن أن تكون مصدراً من مصدر الدخل القومي. تمتلك ليبيا أيضاً مقومات سياحية هامة ومتعددة تُمثل عومل جذب سياحي مهمة لو تم توظيفها بشكل الأمثل ستأخذ ليبيا دورها ومكانتها على الخريطة السياحية.

أما قطاع الزراعة وبسبب محدودية الأراضي الزراعية وكمية المياه فلا يمكن أن يكون قطاع استراتيجي بديل في تنويع مصادر الدخل بقدر ما يمكن أن يعول عليه في تخفيض القيمة الاستيرادية وتغطية المتطلبات المحلية للوصول إلى الإكتفاء الذاتي من السلع الزراعية الرئیسیة ويساهم خلق فرص عمل.

إلا أنه على الرغم من كل هذه المقومات والإمكانيات التي تتمتع بها ليبيا إلا أنها تواجه العديد من التحديات التي تقوض أي محاولة للتنمية والتطوير. هناك تحديات تاريخية ملازمة للاقتصاد الليبي، كالاعتماد على النفط وسياسات الاقتصاد الموجه التي تستحوذ على نسبة كبيرة من الميزانية العامة وتشكل عائقاً أمام تنمية وتطوير الاقتصاد الليبي. وتحديات أخرى حديثة مرتبطة بالانقسام السياسي وحالة الفوضى التي تعيشها ليبيا حالياً يشكل هذا التحدي عائقاً أمام توظيف المقومات التي تتمتع بها ليبيا والاستفادة من إرتفاع أسعار النفط.

توصيات الدراسة:

1- العمل على تعزيز الاستقرار السياسي والأمني كونهما التحدي الحقيقي الذي قد يتسبب في طول أمد الأزمة ويؤدي إلى تصعيد عسكري جديد يهدد وحدة البلاد.

2- تحقيق التنوع الاقتصادي من خلال الدفع بتنمية بعض القطاعات الواعدة غير المستغلة بما في ذلك قطاع النفط والغاز وكذلك قطاعات مثل الصناعة وتجارة العبور والطاقات المتجددة والسياحة مما يمكن الاقتصاد الليبي من تنويع مصادر دخله والتقليل من الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل.

3- الاهتمام بقطاع الزراعة كقطاع استراتيجي، ليس كمصادر للدخل، بقدر ما يمكن أن يعول عليه في تخفيض القيمة الإستيرادية وتغطية المتطلبات المحلية من السلع الزراعیة، وصولاً إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي.

4-إعداد خارطة استثمارية توفر معلومات شاملة ودقيقة عن جميع الفرص الاستثمارية المتاحة في كل قطاع من القطاعات الاقتصادية الواعدة لتكون قاعدة بيانات يستند عليها المستثمر في التأسيس أو التوسع في مشروعه الاستثماري.

5- خلق مناخ استثماري سليم يجذب الاستثمار الأجنبي للمساهمة في تمويل وتنفيذ الاستثمارات في القطاعات الاقتصادية الواعدة غير المستغلة لتساهم في زيادة الانتاج المحلي وخلق مزيد من فرص العمل.

6- إعادة تحديد دور الدولة ومؤسساتها من خلال تقليص هيمنة القطاع العام على النشاط الاقتصادي وفسح المجال أمام القطاع الخاص للمشاركة في تنمية وتطوير الاقتصاد الليبي.


الهوامش:

[1] حميدة أبورونية “ليبيا: أثر الريع الخارجي على الاقتصاد الليبي: وكيف ننتقل لاقتصاد انتاجي تنافسي” مجلة البحوث والدراسات الاقتصادية، 3(2021) ص 39.

[2] مصطفى العبدالله الكفري، ” ملامح الاقتصاد الليبي 19970 – 2005 ” الحوار المتمدن-العدد: 7212 – 2022 / 4 / 7 – 13:12، ص: 1.

[3] عبدالله امحمد شامية، ” دور الدولة في النشاط الاقتصادي”، تقرير، المنظمة الليبية للسياسات والاستراتيجيات، اغسطس (2016)، ص: 1.

[4] على سعيد و احميد مجحود، ” أثـر انخفاض العوائد النفطية على الاقتصاد المحلى: (دراسة قياسية خلال الفترة 1992 -2012) ” جامعة بنغازي، ص: 10.

[5] سمية ميلاد باكير، ” تقدير حجم اقتصاد الظل في الاقتصاد الليبي خلال المدة (1981-2010) “، مجلة المنتدى الاكاديمي، 3(1) يناير (2019)، ص: 69.

[6] الإسكوا، ” دراسة تمهيدية عن الاقتصاد في ليبيا: الواقع والتحديات والآفاق “، اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، (2020)، ص: 13.

[7]  حميدة أبورونية، (2021) مصدر سابق، ص 41.

[8]   The World Bank, “Libya Economic Update October 2021 (Arabic) MPO October 2021, p 165

[9]  الإسكوا، (2020)، مصدر سابق ص: 16.

[10]  مصرف ليبيا المركزي، تقرير الرقم القياسي لأسعار المستهلك والتضخم (ابريل 2020)، ص:2.

[11] حميدة أبورونية، (2021) مصدر سابق، ص 43.

[12] مصرف ليبيا المركزي، (ابريل 2020)، المصدر السابق، ص:2

[13] الإسكوا، (2020)، مصدر سابق ص: 11.

[14] ناصر عبدالكريم الفزواني ” الاقتصاد الليبي: الواقع والتطلعات دراسة تحليلية مبسطة بالتطبيق على قطاع النفط خلال الفترة من 1969-2014 ” دراسة بحثية، المجلة العربية للعلوم ونشر الأبحاث، 2(1)، ص ص: 315-349، مارس (2016)، ص: 337.

[15] على المهدي ناصف ” التحديات التي تواجه الاقتصاد الليبي: واقع ومقترحات “، الجامعي، مجلة علمية محكمة، 25(2017)، ص: 167.

[16] ناصر عبدالكريم الفزواني، (2016)،مصدر سابق، ص: 337 .

[17] البنك الدولي، ” تقرير حول مراجعة القطاع المالي في ليبيا “، (2020)، ص: 7.

[18] الإسكوا، (2020)، مصدر سابق ص: 66.

[19] ناصر عبدالكريم الفزواني، (2016)، مصدر سابق، ص: 326.

[20] مجلس التخطيط الوطني، ” الاستراتيجية الوطنية للتنمية المكانية ” اعداد فريق المجلس، يونيو (2013)، ص: 70، 90.

[21] مجلس التخطيط الوطني، (2013)، مصدر سابق، ص:  91، 92.

[22] ناصر عبدالكريم الفزواني، (2016)، مصدر سابق، ص: 329.

[23] مركز البحوث الصناعية، ” نتائج البحوث والدراسات في مجال التخريط الجيولوجي والبحث والتنقيب عن الموارد المعدنية “، ص: 7، ص: 11، ص: 36.

[24]  ليبيا الأحرار، ليبيا، رئيس جمعية رجال الأعمال الليبيين – الأتراك يدعو للاستثمار في المصانع الليبية المتوقفة عن العمل، 20 مايو، 2023

[25]  الطاقة، الرئيسية/ طاقة متجددة/ بدء تنفيذ أول مشروع للطاقة الشمسية في ليبيا بقيادة توتال، 2022-06-16، https://www.attaqa.net/

[26] الجهاز التنفيذي للطاقات المتجددة، ” المخطط الوطني لتطوير الطاقات المتجددة (2013-2025)”، ورشة عمل إقليمية لبناء القدرات حول: الربط بين المياه والطاقة – الطاقة المتجددة، بيروت، لبنان، 2017، ص: 19. 

[27] الإسكوا، (2020)، مصدر سابق ص: 40.

[28] الطاقة، مصدر سابق، 2022-06-16.

[29] الطاقة، الرئيسية/الطاقة المتجددة في ليبيا تتلقى استثمارات إماراتية، 2022-06-27 https://www.attaqa.net/

[30] علي الفارسي، ” مستقبل الطاقة المتجددة في ليبيا ” مقال، الطاقة، 2021-06-22 https://www.attaqa.net/

[31] الطاقة، مصدر سابق، 2022-06-16.

[32]  الطاقة، مصدر سابق، 2022-06-27 .

[33]  المنطقة الحرة المريسة، عرض مرئي غير منشور، (2017)، ص: 10.

[34] ناصر عبدالكريم الفزواني، (2016)، مصدر سابق، ص: 330.

[35]  البنك الدولي، (2020)، مصدر سابق، ص: 30.

[36] البنك الدولي، ليبيا، تقرير اقتصادي رقم: LY-30295، 2006، ص: vi

[37]  الإسكوا، (2020)، مصدر سابق، ص: 4.

[38]  على المهدي ناصف، (2017)، مصدر سابق، ص: 169.

[39] مصرف ليبيا المركزي، التقرير السنوي، الربع الرابع للعام 2014، ص: 11

[40]  الإسكوا، (2020)، مصدر سابق، ص: 15.

[41] عبدالله امحمد شامية، “الاقتصاد الليبي: الواقع وسبل النهوض”، تقرير المنظمة الليبية للسياسات والاستراتيجيات، أغسطس 2018، ص: 3.

[42] الإسكوا، (2020)، مصدر سابق، ص: 20.

[43] مجلس التخطیط الوطني، ” الاستراتيجية الوطنية للتنمية المكانية ” اعداد فريق المجلس، يونيو (2013)، ص: 70، 90.

[44] ناصر عبدالكريم الفزواني، (2016)، مصدر سابق، ص: 326.

[45] الإسكوا (2020)، مصدر سابق، ص: 59.

[46] الإسكوا (2020)، مصدر سابق، ص: 58.

[47] المنظمة الليبية للسياسات والاستراتيجيات، ” الفساد المالي في الاقتصاد الليبي”، تقرير، مايو (2016)، ص: 47.

Admin

مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية: مؤسسة فكر وتخطيط استراتيجي تقوم على إعداد التقديرات وتقديم الاستشارات وإدارة المشروعات البحثية حول المتوسط وتفاعلاته الإقليمية والدولية. لا يتبنى المركز أية توجهات مؤسسية حول كل القضايا محل الاهتمام، والآراء المنشورة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى