أوراق و دراساتسياسية

التمدد الصيني والفواعل غير الدولية في الشرق الأوسط

د. غادة كمال محمود

خبير سياسي، مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، مجلس الوزراء (مصر) أستاذة العلاقات الدولية بجامعة القاهرة، وجامعة الوفاق الدولية.

ملخص

تشهد منطقة الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين تناميًا ملحوظًا في الحضور الصيني، حيث لم يعد مقتصرًا على العلاقات الرسمية مع الدول، بل امتد ليشمل التفاعل مع الفواعل غير الدولية، التي باتت تشكّل عنصرًا مؤثرًا في ديناميات الإقليم. وفي هذا السياق، تسعى هذه الورقة إلى تحليل انعكاسات التمدد الصيني على استراتيجيات الفواعل غير الدولية في الشرق الأوسط، وتتمثل أهمية هذه الدراسة في سد الفجوة المعرفية في الأدبيات التي ركّزت على العلاقات بين الدول، مع إغفال الأدوار المتنامية للفواعل غير الحكومية في تشكيل التفاعلات الإقليمية، مع تسليط الضوء على التحولات النوعية في السياسة الخارجية الصينية التي تتجاوز مبدأ عدم التدخل بصيغته التقليدية.

وتنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن الصين، رغم تبنّيها خطاب عدم التدخل واحترام سيادة الدول، باتت فاعلًا مؤثرًا في بنية النظام الإقليمي للشرق الأوسط، الأمر الذي دفع الفواعل غير الدولية إلى إعادة صياغة استراتيجياتها بما يتوافق مع الفرص والقيود التي يفرضها التمدد الصيني. وتهدف الدراسة إلى تحليل طبيعة التفاعل بين الصين والفواعل غير الدولية، ورصد أنماط التكيّف التي تتبناها هذه الفواعل، وتفسير الكيفية التي توظف بها الصين هذه الشبكات لتحقيق مصالحها الاستراتيجية دون الانخراط العسكري المباشر، فضلًا عن تقييم تأثير ذلك على موازين القوة الإقليمية.

وتركز هذه الورقة على دراسة التمدد الصيني في الشرق الأوسط من خلال التفاعل مع الفواعل غير الدولية، وتحليل أنماط التكيّف التي تتبناها الصين لإدارة علاقاتها مع هذه الفواعل وإعادة تشكيل خرائط النفوذ الإقليمي. وفي حين تركز معظم الدراسات على تحليل العلاقات بين الدول، تسعى هذه الورقة إلى إبراز الكيفية التي توظف بها الصين شبكات من الفواعل غير الدولية، بما في ذلك الجماعات المسلحة والحركات السياسية، والشركات شبه الحكومية، وشركات البنية التحتية، وشركات الأمن الخاصة، لتحقيق مصالحها الاستراتيجية، وذلك من خلال دراسة حالات تطبيقية مثل حركة حماس في فلسطين، وجماعة الحوثيين في اليمن، إضافة إلى فواعل اقتصادية وأمنية مثل شركات CICC وSUNGROW وCOSCO وHutchison Ports وFrontier Services Group.

وتعتمد الدراسة على مقاربة تحليلية تجمع بين المنهج البنيوي في تحليل العلاقات الصينية–الشرق أوسطية ومنهج دراسة الحالة، وذلك بهدف الكشف عن آليات التفاعل غير المباشر بين الصين وهذه الفواعل، وتأثير ذلك على موازين القوة الإقليمية، كما تناقش الورقة الأثر غير المباشر لهذا التكيّف على استراتيجيات القوى الإقليمية، والتأثير الاستراتيجي للصين على الفواعل غير الدولية، فضلًا عن التداعيات الإقليمية والدولية لتنامي النفوذ الصيني عبر هذه الفواعل.

وتبيّن الدراسة أن النهج البراغماتي الذي تتبناه الصين سوف يعيد تشكيل خرائط النفوذ في الشرق الأوسط من خلال مزيج من الاستثمار الاقتصادي طويل الأمد، والشراكات المؤسسية، والحياد الدبلوماسي، وتأمين المشاريع الاستراتيجية عبر فواعل غير حكومية، بما يعزز حضورها الإقليمي ويمنحها صورة الفاعل المسؤول والمحايد في آن واحد. وعليه قد تم تقسيم الدراسة إلى ثلاثة محاور: يتناول الأول الإطار النظري لتحليل التمدد الصيني عبر الفواعل غير الدولية، بينما يركز الثاني على تحليل دراسات الحالة التطبيقية وأنماط التفاعل مع الفواعل غير الدولية، أما المحور الثالث يستعرض التداعيات الإقليمية والدولية والسيناريوهات المتوقعة

وتخلص الورقة إلى أن هذا النهج يتيح للصين الحفاظ على وصولها إلى الموارد الحيوية، وتأمين مسارات التجارة الدولية، وتعزيز حضورها الجيوسياسي، مع تعزيز صورتها كفاعل دولي مسؤول ومحايد، كما تشير الدراسة إلى أن فهم طبيعة تفاعلات الصين مع الفواعل غير الدولية يُعد أمرًا أساسيًا لتقييم تأثيرها المستقبلي على الاستقرار الإقليمي ومسار العلاقات الدولية في الشرق الأوسط.

الكلمات المفتاحية: التمدد الصيني، الفواعل غير الدولية، الشرق الأوسط، التكيّف الاستراتيجي، مبادرة الحزام والطريق، الشركات شبه الحكومية، الأمن غير التقليدي.

مقدمة

شهدت منطقة الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين تحولات عميقة في بنية التفاعلات الإقليمية، تمثلت في تراجع نسبي لدور الدولة الوطنية مقابل صعود فواعل غير دولية باتت تؤدي أدوارًا متزايدة في تشكيل موازين القوة، سواء من خلال التأثير الأمني أو الاقتصادي أو السياسي. وفي هذا السياق، لم يعد تحليل العلاقات الدولية في المنطقة ممكنًا من خلال منظور تقليدي يركز على الدول فقط، بل أصبح يتطلب مقاربة متعددة المستويات تأخذ في الاعتبار التفاعل بين الدولة والفواعل من غير الدول.

 بالتوازي مع ذلك، برزت الصين كفاعل دولي صاعد يسعى إلى توسيع نفوذه في الشرق الأوسط، مستندة إلى أدواتها الاقتصادية بشكل أساسي، وفي مقدمتها مبادرة الحزام والطريق، مع تحول تدريجي نحو التدخل السياسي والدبلوماسي والأمني، دون أن تتخلى عن مبدأ “عدم التدخل” بشكل كامل، بل أعادت تفسيره بما يسمح بانخراطها بشكل غير مباشر عبر أدوات مرنة،

وفي هذا السياق، تتجلى خصوصية الحضور الصيني في اعتمادها على أنماط غير تقليدية من التفاعل، تتسم بالمرونة والقدرة على التكيّف مع البيئات المعقدة، بما في ذلك الانخراط مع فواعل غير دولية مثل حركة حماس وجماعة الحوثيين، إلى جانب الشركات متعددة الجنسيات وشركات الأمن الخاصة، ويعكس هذا التوجه تحولًا في أنماط التفاعل داخل النظام الإقليمي، حيث لم تعد الدولة الفاعل الوحيد في العلاقات الدولية، بل باتت تشاركها أدوار مؤثرة لقوى غير دولية متنوعة.

ومن ثم، تطرح هذه الدراسة إشكالية رئيسية تتمثل في: كيف تتكيّف الصين مع الفواعل غير الدولية في الشرق الأوسط، وما أثر ذلك على إعادة تشكيل خرائط النفوذ في المنطقة؟، كما تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن الصين لا تسعى إلى ممارسة نفوذ تقليدي قائم على السيطرة المباشرة، بل تعتمد على نمط “النفوذ الشبكي المرن” الذي يقوم على التفاعل غير المباشر مع مختلف الفواعل، بما يسمح لها بتعظيم مصالحها مع تقليل تكاليف الانخراط.

المطلب الأول: الإطار النظري لتحليل التمدد الصيني عبر الفواعل غير الدولية في الشرق الأوسط

تشهد العلاقات الدولية تحولًا في طبيعة الفاعلين وأنماط التفاعل، حيث لم يعد النظام الدولي قائمًا فقط على الدول، بل أصبح أكثر تعقيدًا بفعل صعود الفواعل غير الدولية، وتزايد اعتماد القوى الكبرى – وعلى رأسها الصين – على أدوات مرنة وغير تقليدية في إدارة نفوذها الخارجي.

وفي هذا السياق، يُعد تحليل التمدد الصيني في الشرق الأوسط عبر الفواعل غير الدولية من القضايا المعقدة التي تتطلب مقاربة متعددة المستويات، في ظل تزايد دور الفواعل غير الحكومية في تشكيل التفاعلات الإقليمية، فقد أصبحت هذه الفواعل، خاصة المسلحة منها، عنصرًا حاسمًا في التأثير على مسارات الصراعات والسياسات، بل وأحيانًا تتجاوز الدول في قدرتها على التأثير على الأحداث الأحداث الإقليمية .لذا لم يعد النفوذ الدولي يُمارس فقط عبر العلاقات الرسمية بين الدول، بل من خلال شبكات متعددة تضم فواعل حكومية وغير حكومية، وهو ما يفسر تدخل الصين بشكل متزايد في هذه الأنماط المركبة من التفاعلات.[1]  ومن ثم، يتناول هذا المحور الإطار النظري والمفاهيمي للتمدد الصيني في الشرق الأوسط في إطار يجمع بين عدة مقاربات تفسيرية.

أولًا: الإطار المفاهيمي

1- مفهوم الفواعل غير الدولية (Non-State Actors)

تُعرّف الفواعل غير الدولية بأنها كيانات لا تتمتع بالسيادة القانونية، لكنها تمتلك القدرة على التأثير سياسيًا أو اقتصاديًا أو أمنيًا خارج الإطار الرسمي للدولة، وتشمل الشركات متعددة الجنسيات، الميليشيات المسلحة، المنظمات الدولية غير الحكومية، شبكات الاقتصاد غير الرسمي، وشركات التكنولوجيا العابرة للحدود، حيث تعمل هذه الكيانات بصورة مستقلة عن سلطة الدولة، وتمارس تأثيرًا متزايدًا في التفاعلات الدولية عبر الحدود.

وقد كشفت التحولات الجيوسياسية المتسارعة في الشرق الأوسط عن انتقال هذه الفواعل من أدوار هامشية إلى أدوار مؤثرة، حيث باتت قادرة على إعادة تشكيل ديناميكيات الصراع والتوازنات الإقليمية، بل والتأثير في مسارات الأمن والاستقرار بدرجة تفوق في بعض الأحيان قدرة الدول ذاتها. وفي هذا السياق، لم تعد الدولة الفاعل الوحيد في النظام الدولي، بل أصبحت البيئة الدولية متعددة الفواعل، وهو ما يفرض إعادة النظر في أدوات تحليل النفوذ الخارجي، بما في ذلك النفوذ الصيني. [2]

2- مفهوم التمدد الصيني:

يشير مفهوم التمدد الصيني في الشرق الأوسط إلى عملية توسّع تدريجي لنفوذ بكين عبر أدوات غير تقليدية، تعتمد على أدواتها الاقتصادية والدبلوماسية، بدلًا من التدخل العسكري المباشر، ويأتي هذا التمدد في سياق بيئة إقليمية تشهد صعود الفواعل غير الدولية، التي باتت تؤثر بشكل مباشر في تشكيل التفاعلات الإقليمية، خاصة في ظل ضعف بعض الدول وتعدد بؤر الصراع. وفي هذا السياق، تتسم البيئة الإقليمية في الشرق الأوسط بوجود تحالفات غير رسمية، وتفاعلات متعددة المستويات، ما يجعل دور هذه الفواعل جزءًا أساسيًا من تحليل النفوذ الخارجي. [3]

وفي هذا السياق، ارتبط التمدد الصيني في الشرق الأوسط في مراحله الأولى بالاعتبارات الاقتصادية، لا سيما تأمين مصادر الطاقة وتوسيع الأسواق، إلا أنه شهد تحولًا تدريجيًا نحو تبني أبعاد جيوسياسية أكثر اتساعًا وتعقيدًا. فقد أصبحت الصين فاعلًا مؤثرًا في المنطقة من خلال مبادرة الحزام والطريق، التي أسهمت في إعادة تموضع الشرق الأوسط بوصفه محورًا رئيسيًا في استراتيجيتها العالمية، خاصة في ظل تصدّر دول المنطقة للاستثمارات الصينية في قطاعات الطاقة والبنية التحتية. ويعكس هذا التحول انتقال الصين من فاعل اقتصادي تقليدي إلى قوة جيوسياسية صاعدة، تسعى إلى إعادة تشكيل أنماط التفاعل الإقليمي عبر توظيف أدوات غير تقليدية، تجمع بين النفوذ الاقتصادي، والدبلوماسية المرنة، والتدخل الانتقائي في القضايا الإقليمية.

ثانيًا: الإطار النظرية المفسرة:

يقوم الإطار النظري لهذه الدراسة على دمج ثلاث مقاربات رئيسية لفهم التمدد الصيني في الشرق الأوسط، وذلك من خلال تحليل تفاعل القوة، والشبكات، والتبعية في تشكيل أنماط النفوذ الصيني، يتضح ذلك فيما يلي:

(1) الواقعية الجديدة  (Neo-Realism)

تفترض الواقعية الجديدة أن الدول في النظام الدولي تسعى لتعظيم نفوذها بما يضمن حماية مصالحها الاستراتيجية، لا سيما في المناطق ذات الأهمية الجيو‑استراتيجية مثل الشرق الأوسط، الذي يُعد ساحة رئيسية لتفاعلات وتنافس القوى الكبرى. وفي هذا السياق، تسعى الصين إلى تعزيز مكانتها الدولية وإعادة تشكيل توازنات القوة في مواجهة الولايات المتحدة، ولكن عبر مقاربة تختلف عن النماذج التقليدية للصراع، فبدلًا من الاعتماد على القوة العسكرية المباشرة، تتبنى الصين نهجًا متكاملًا يجمع بين القوة الاقتصادية والدبلوماسية لتعزيز نفوذها الإقليمي وتعزيز حضورها الاستراتيجي في الشرق الأوسط، خاصة في مجالات تأمين الطاقة وحماية مسارات التجارة الحيوية.

ويعكس هذا التوجه نمطًا من “القوة المرنة” (Flexible Power)، الذي يجمع بين تعزيز المصالح وتقليل تكاليف التدخل، حيث يدفع اعتماد الصين المتزايد على موارد الطاقة في الشرق الأوسط إلى تكثيف حضورها الاقتصادي والدبلوماسي بما يضمن استقرار الإمدادات، مع الحرص على تجنّب التدخل المباشر في الصراعات الإقليمية. وعليه، يتجلى النفوذ الصيني في المنطقة من خلال أنماط الترابط الاقتصادي والمؤسسي، بدلًا من التحالفات العسكرية التقليدية، بما يعكس نموذج نفوذ يقوم على التغلغل التدريجي والاعتماد المتبادل بين الفاعلين، ويتيح للصين توسيع نطاق نفوذها دون الدخول في مواجهة مباشرة مع القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. [4]

وعليه، يُعدّ الشرق الأوسط منطقة محورية في الحسابات الجيوسياسية الصينية، ليس فقط كمصدر للطاقة، بل كساحة لإدارة التوازنات الدولية والإقليمية. كما يُفسّر انفتاح الصين على التفاعل مع الفواعل من غير الدول في إطار استراتيجية مرنة تهدف إلى الحفاظ على نفوذها وتعزيزه، مع تجنّب تحمّل أعباء أمنية مباشرة، بما يعكس نهجًا عمليًا قائمًا على الواقعية في توظيف أدوات القوة الناعمة والاقتصادية ضمن بيئة إقليمية معقدة. [5]

وفي هذا الإطار، تتركز أولويات السياسة الصينية في تحقيق الأمن الاقتصادي، من خلال تأمين تدفقات النفط والموارد، إلى جانب الحفاظ على أمنها القومي عبر تجنّب تشكّل تحالفات معادية لها في المنطقة. ومن ثمّ، لا تسعى الصين إلى فرض رؤى أيديولوجية، بل تعمل على تعزيز مصالحها من خلال تبنّي مقاربة مرنة تقوم على التعامل مع مختلف الفاعلين.

(2) نظرية الشبكات (Network Theory) والاعتماد المتبادل (Complex Interdependence)

تُقدِّم نظرية الشبكات رؤية تحليلية لفهم كيفية بناء النفوذ من خلال العلاقات المتشابكة بين الفاعلين، إذ لم يعد النفوذ الصيني مقصورًا على العلاقات الثنائية التقليدية بين الدول، بل بات يشمل شبكات معقدة ومتداخلة من العلاقات الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية. وتشمل هذه الشبكات الدول، والشركات متعددة الجنسيات، والمؤسسات المالية، فضلًا عن الفواعل من غير الدول، بما يعكس تحولًا في أنماط القوة من الهيمنة التقليدية إلى الترابط الشبكي.

وفي هذا السياق، تتجلى الاستراتيجية الصينية من خلال مبادرة الحزام والطريق، كمشروع جيو‑اقتصادي يعيد تنظيم شبكات التعاون والبنية التحتية والطاقة والموانئ بين الصين ودول الشرق الأوسط، ومن خلال هذه المبادرة، لا تكتفي الصين بالتعامل مع الحكومات، بل تتعامل أيضًا مع شركات محلية وإقليمية، ومؤسسات التمويل، بل وأحيانًا مع فواعل غير رسمية، بما يعزز من تشابك المصالح ويُرسّخ نمطًا من الاعتماد المتبادل، ويُحوِّل النفوذ إلى شبكة من العلاقات متعددة المستويات. كما أن هذا النمط من التفاعل يمنح الصين قدرة أكبر على توسيع نفوذها دون الحاجة إلى وجود عسكري مباشر أو تحالفات أمنية تقليدية، وهو ما يتناسب مع نهجها القائم على تجنّب التدخل في الصراعات الإقليمية[6].

وفي المقابل، يعكس تزايد التفاعلات بين القوى الكبرى والفواعل غير الدولية طبيعة النظام الإقليمي الذي يتسم بالتعددية والتشابك، حيث تتداخل الأبعاد الاقتصادية والسياسية والأمنية في شبكة معقدة من العلاقات، تتيح للصين العمل بمرونة وتحقيق مكاسب استراتيجية طويلة الأمد.

واستكمالًا لتفسير طبيعة النفوذ الصيني في الشرق الأوسط، توفر نظرية الاعتماد المتبادل (Complex Interdependence) رؤيةتحليلية لفهم طبيعة هذه العلاقات داخل الشبكات، حيث توضح أن الترابط الاقتصادي لا يعني بالضرورة تكافؤًا في الاعتماد المتبادل، بل قد ينطوي على تفاوت في مستويات القدرة على التأثير.

وفي هذا السياق، يمكن تفسير العلاقات بين الصين ودول الشرق الأوسط بوصفها شكلًا من الاعتماد المتبادل غير المتكافئ، حيث تعتمد الصين على المنطقة كمصدر رئيسي للطاقة، في حين تعتمد دول المنطقة على الاستثمارات والتكنولوجيا الصينية، وهو ما يبرز هيكلية العلاقات غير المتكافئة داخل الشبكات [7]، كما يوضح هذا التوجه عن سعي الصين إلى بناء شراكات طويلة الأمد تعزز من درجة الاعتماد المتبادل بينها وبين دول المنطقة، كما أن هذا التشابك الاقتصادي يمنح بكين نفوذًا سياسيًا غير مباشر، ويقلل من احتمالات التدخل في مواجهات مباشرة، بما يعزز نمطًا غير تقليدي من التفاعل مع مختلف الفواعل، سواء كانت دولًا أو فواعل غير دولية. [8]

وعليه، يمكن القول إن الشبكات تمثل الإطار البنيوي الذي تنشأ داخله علاقات الاعتماد المتبادل، بينما يحدد هذا الاعتماد طبيعة توزيع القوة داخل هذه الشبكات. ومن ثمّ، فإن الجمع بين النظريتين يتيح فهمًا أعمق للنفوذ الصيني، باعتباره قائمًا على بناء شبكات مترابطة تُنتج في الوقت ذاته أنماطًا متفاوتة من الاعتماد، قد تتراوح بين التعاون المتبادل والتبعية الجزئية.

(3) نظرية التبعية وعدم التكافؤ

تركز نظرية التبعية على عدم التكافؤ في علاقات الاعتماد المتبادل بين القوى الكبرى والدول الإقليمية؛ إذ تنطلق هذه النظرية من فرضية مفادها أن الشبكات الاقتصادية والسياسية، ورغم طابعها التعاوني الظاهري، قد تؤدي في حالات معينة إلى إعادة إنتاج لعلاقات التبعية، لاسيما عندما تكون الفواعل المحلية في مواقع ضعف هيكلي مقارنة بالشريك الأكبر. وفي سياق العلاقات الصينية–الشرق أوسطية، يمكن للموارد المالية التي توفرها الصين لتمويل مشروعات البنية التحتية أن تُقوض من القدرة التفاوضية للدول المستقبِلة، خاصة إذا اقترنت بشروط ائتمانية غير متوازنة، مما يعزز هيمنة غير مباشرة ضمن علاقات الاعتماد،

إذ قد يستفيد الجانب الصيني من تعزيز موطئ قدم اقتصادي واسع بينما تلجأ بعض الدول إلى تسويات لتأمين التمويل والبنية التحتية، ما قد يعزز من انعكاسات تبعية طويلة المدى (تحليل نقدي لنتائج شبكات العلاقات الاقتصادية)، فعلى الرغم من أن مبادرة الحزام والطريق تهدف إلى تعزيز الترابط التجاري والاقتصادي بين الدول، إلا أن بعض الدراسات الحديثة تشير إلى ضرورة تقييمها في ضوء توزيع المنافع والمخاطر داخل العلاقات المتشابكة بين الصين وشركائها في الشرق الأوسط. ومن ثمّ، فإن العلاقة داخل الشبكات لا تضمن تكافؤًا تلقائيًا، بل يمكن أن تولد

وفي الوقت الذي يسعى فيه الجانب الصيني لترسيخ موطئ قدم اقتصادي واسع، تضطر بعض الدول لتقديم تنازلات أو تسويات لتأمين التمويل، وهو ما يكرس انعكاسات تبعية طويلة المدى. وبالرغم من أن مبادرة “الحزام والطريق” تهدف إلى تعزيز الترابط التجاري، إلا أن بعض الدراسات تؤكد ضرورة تقييمها في ضوء توزيع المنافع والمخاطر داخل هذه العلاقات المتشابكة. وبناءً عليه، فإن الانخراط داخل الشبكات لا يضمن تكافؤًا تلقائيًا، بل قد يولد اعتمادًا غير متوازن يجسد نمطًا من التبعية الاقتصادية الجديدة، ما يُطلق عليها “التبعية الشبكية”.[9]

المطلب الثاني: أنماط التكيّف الصيني مع الفواعل غير الدولية في الشرق الأوسط:

شهدت البيئة الإقليمية في الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة تحولات بنيوية متسارعة، تمثلت في تصاعد دور الفواعل غير الدولية بوصفها عناصر فاعلة في إعادة تشكيل موازين القوة والنفوذ، ولم تعد هذه الفواعل مجرد أطراف هامشية، بل أصبحت تمتلك قدرات عسكرية وتنظيمية تمكّنها من التأثير المباشر في الأمن الإقليمي، واستقرار الدول، وحركة التجارة العالمية، بما يعكس تحوّلًا في طبيعة النظام الإقليمي نحو مزيد من التعقيد والتشابك، خاصة في ظل تداخل الأدوار بين الفواعل الدولية وغير الدولية. وعليه، لم تتبنَّي بكين مقاربة قائمة على التدخل العسكري أو الانحياز السياسي، بل طورت نمطًا مرنًا من التفاعل يقوم على التوازن بين حماية مصالحها وتجنب التورط في الصراعات المباشرة.

وانطلاقًا من ذلك، يهدف هذا المحور إلى تحليل أنماط التكيّف الصيني مع الفواعل غير الدولية في الشرق الأوسط، من خلال فهم الأسس المفاهيمية التي يقوم عليها هذا السلوك وتحليلها بصورة منهجية عبر حالات تطبيقية مختارة تعكس تنوع طبيعة هذه الفواعل واختلاف مستويات تأثيرها، بهدف توضيح كيفية تطبيق هذه الأنماط عمليًا، وإبراز طبيعة تفاعل الصين مع بيئة إقليمية تتسم بتعدد مراكز القوة وتداخل مستويات الصراع.

وبناءً عليه، يُنقسم المحور إلى إطار مفاهيمي يحدد أبرز أنماط التكيّف الصينية، يليه تحليل تطبيقي لحالات مختارة تشمل حماس، وحزب الله، والحوثيين، والحرس الثوري الإيراني، بهدف إبراز كيفية ترجمة هذه الأنماط على أرض الواقع، والكشف عن منطق التفاعل الصيني مع بيئة إقليمية تتسم بتعدد مراكز القوة وتشابك مستويات الصراع.

أولًا: أنماط التكيّف الصيني مع الفواعل غير الدولية

برزت الصين كفاعل دولي يتبنى مقاربة مختلفة في التعامل مع هذه البيئة الإقليمية المعقدة، تقوم على التكيّف بدلًا من المواجهة، وعلى إدارة النفوذ بدلًا من فرضه. وفي هذا السياق، يستند التكيّف الصيني إلى اعتبارات استراتيجية، نظرًا لاعتمادها على المنطقة في تأمين احتياجاتها من الطاقة وضمان استمرارية خطوط التجارة البحرية الحيوية، إلى جانب الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، دون الانخراط في التزامات عسكرية مباشرة، وعليه، لم تتبنَّي بكين مقاربة قائمة على التدخل العسكري أو الانحياز السياسي، بل طورت نمطًا مرنًا من التفاعل يقوم على التوازن بين حماية مصالحها وتجنب التورط في الصراعات المباشرة، وفي إطار هذه المقاربة، يمكن تحديد ثلاثة أنماط رئيسية تحكم سلوك الصين تجاه الفواعل غير الدولية، تتمثل في: الحياد البراغماتي، والتكيّف غير المباشر، وإدارة المخاطر، وهي أنماط تتداخل فيما بينها لتشكّل نموذجًا مرنًا لإدارة بيئة إقليمية شديدة التعقيد.

(1) الحياد البراغماتي وإدارة التوازنات الإقليمية:

تعتمد الصين في الشرق الأوسط على ما يمكن توصيفه بـ”الحياد البراغماتي”، وهو نمط سلوكي يقوم على تجنب الانحياز العلني لأي طرف في الصراعات الإقليمية، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الفاعلين الدوليين وغير الدوليين، ولا يعكس هذا الحياد موقفًا قائمًا على اعتبارات معيارية أو أيديولوجية، بل يعبر عن استراتيجية وظيفية تهدف إلى تعزيز المصالح وتقليل المخاطر.

ففي الوقت الذي تعلن فيه الصين دعمها للاستقرار والحلول السياسية، فإنها تتجنب إدانة أطراف بعينها مثل بعض الجماعات المسلحة، بما يسمح لها بالحفاظ على توازن في علاقاتها الإقليمية، وقد وُصف هذا النمط بـ”الحياد المنحاز” الذي يتيح لبكين تحقيق مكاسب من جميع الأطراف دون التدخل المباشر في الصراعات الإقليمية.[10]

(2) التكيّف غير المباشر مع بيئات السيطرة الميدانية:

يقوم هذا النمط على التعامل مع الفواعل غير الدولية باعتبارها جزءًا من الواقع الميداني، دون الاعتراف الرسمي بها أو الانخراط المباشر معها، مع التركيز على حماية المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، لاسيما في المناطق التي تسيطر فيها هذه القوى على موارد استراتيجية أو ممرات ملاحية، إذ لا تقدم الصين دعمًا عسكريًا أو أمنيًا لهذه الجماعات، لكنها تتعامل مع البيئات التي تسيطر عليها باعتبارها واقعًا قائمًا يجب التكيف معه،ويعكس هذا السلوك إدراكًا صينيًا عميقًا لتحولات القوة في الشرق الأوسط، حيث لم يعد تجاهل هذه القوى ممكنًا عمليًا.

لذا، تركز بكين على حماية استثماراتها ومشروعاتها عبر وسطاء محليين أو ترتيبات غير رسمية، مما يجسد استراتيجية الفصل بين المصالح الاقتصادية والالتزامات الأمنية، ويتيح هذا النهج للصين التوسع الاقتصادي في بيئات غير مستقرة، مع تجنب أعباء التدخل العسكري أو التورط في صراعات الهوية والسيادة. [11]

(3) إدارة المخاطر:

يرتبط التكيف الصيني بنهج بنيوي في إدارة المخاطر، يقوم على تجنب الانخراط العسكري المباشر أو الصدام الاستراتيجي مع القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، مع التركيز على حماية المصالح الحيوية مثل أمن الطاقة وسلامة خطوط الملاحة الدولية. ويتجلى هذا النمط بوضوح في تعامل بكين مع التهديدات التي تواجه الممرات البحرية الحيوية، مثل البحر الأحمر ومضيق هرمز، حيث تسعى لضمان حرية الملاحة عبر أدوات الضغط الدبلوماسي والسياسي والدعوة إلى التهدئة بدلًا من القوة العسكرية. وقد أكدت الصين مرارًا على أهمية حماية الملاحة الدولية وضمان استقرار أسواق الطاقة، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

وعلى الرغم من التأثير المباشر للهجمات البحرية على مصالح الصين بوصفها قوة تجارية كبرى، إلا أنها تواصل تبني سياسة “الانخراط المحدود”؛ وهي استراتيجية توازن بين حماية الاستثمارات وتجنب التورط في صراعات إقليمية مفتوحة، ويعكس هذا السلوك رغبة الصين تقليل التعرض للتهديدات الناتجة عن عدم الاستقرار الإقليمي، مع تفضيل الدعوة إلى التهدئة واحتواء التصعيد لضمان استقرار أسواق الطاقة. وبذلك، تكرس الصين نمطًا استراتيجيًا قائمًا على “إدارة المخاطر بدل مواجهتها”، مما يسمح لها بالحفاظ على دورها كلاعب اقتصادي مهيمن دون تحمل أعباء التدخلات الأمنية المكلفة.[12]

بناء على ما سبق، تكشف هذه الأنماط الثلاثة عن أن التكيّف الصيني مع الفواعل غير الدولية لا يقوم على التفاعل المباشر معها، بل على إدارة البيئة التي تعمل فيها هذه الفواعل، ويعكس ذلك تحولًا في أدوات السياسة الخارجية الصينية نحو نموذج أكثر مرونة، يجمع بين الحياد الظاهري، والانخراط الاقتصادي، وإدارة المخاطر، بما يسمح للصين بتوسيع نفوذها في بيئة إقليمية معقدة دون تحمل تكاليف المواجهة المباشرة.

ثانيًا: الحالات التطبيقية لأنماط التكيّف الصيني

(1) حالة حزب الله (لبنان)

يُعد حزب الله أحد أبرز نماذج الفواعل غير الدولية في الشرق الأوسط، حيث يجمع بين القدرات العسكرية المتقدمة، والتمثيل السياسي داخل الدولة اللبنانية، كما يمثل الركيزة الأساسية في شبكة النفوذ الإقليمي المرتبطة بإيران، والتي تُستخدم كأداة لإدارة الصراعات عبر آليات غير مباشرة، بما يعزز من منطق “الحروب بالوكالة” في المنطقة، وقد أتاح له هذا التكوين المركب أن يتحول إلى فاعل “شبه دولي”، يمارس أدوارًا أمنية واجتماعية وسياسية تتجاوز الإطار التقليدي للجماعات المسلحة.

وتجاه هذا التكوين المركب لحزب الله، تتبنى الصين سياسة “التكيّف غير المباشر”؛ فهي لا تمنح الحزب اعترافًا رسميًا مستقلًا، لكنها لا تغفل تأثيره الجوهري في صياغة التوازنات الأمنية والسياسية في لبنان. ويتجلى هذا النهج في حرص بكين على حصر تعاملاتها الرسمية عبر قنوات الدولة اللبنانية، مع استيعاب الحزب ضمنيًا كجزء من الواقع الميداني الذي يصعب تجاوزه دون منحه اعترافًا صريحًا أو دورًا معلنًا في التفاعل الدبلوماسي.

وعلى مستوى الخطاب، تلتزم الصين بـ “الحياد البراغماتي”، حيث ترفض تبني التصنيفات الغربية للحزب ضمن قوائم الإرهاب، وتفضل بدلًا من ذلك استخدام خطاب عام يركز على الاستقرار الوطني والسيادة، لتجنب الاستقطابات الإقليمية التي قد تضر بمصالحها الاقتصادية والدبلوماسية والسياسية، لا سيما في سياق لبناني شديد التعقيد.[13]

أما من منظور “إدارة المخاطر”، فتنظر الصين إلى حزب الله كحالة مزدوجة؛ فمن ناحية، يساهم دوره الداخلي في الحفاظ على قدر من التوازن السياسي داخل لبنان، بما قد يُفسَّر كعامل استقرار نسبي. ومن ناحية أخرى، فإن تدخله في الصراعات الإقليمية، ولا سيما مع إسرائيل، يجعله مصدرًا محتملًا للتصعيد بما قد يهدد الاستقرار الإقليمي. وانطلاقًا من ذلك، تتبنى الصين سياسة حذرة تقوم على تجنب التصعيد وعدم التدخل المباشر، بالتوازي مع الاستمرار في تعزيز حضورها الاقتصادي في لبنان، بما يضمن حماية مصالحها مع كافة القوي دون الانزلاق إلى تعقيدات الصراع.

(2) حالة حركة حماس (فلسطين)

تُجسّد حركة حماس نموذجًا مركّبًا للفواعل غير الدولية ذات الطابع السياسي–العسكري، إذ تجمع بين العمل المسلح وأداء وظائف شبه حكومية داخل قطاع غزة، بما يشمل إدارة الخدمات العامة والبنية المؤسسية المحلية، وقد ساهم هذا الطابع المزدوج في ترسيخ موقعها كفاعل مؤثر في معادلات الأمن الإقليمي، خاصة في سياق الصراع مع إسرائيل، حيث باتت قادرة على فرض وقائع ميدانية تؤثر في مسار التصعيد والتهدئة على حد سواء، كما أن تنامي دور حماس يعكس تحولًا بنيويًا في طبيعة التفاعلات الإقليمية، إذ أصبحت الفواعل غير الدولية تمتلك قدرة متزايدة على التأثير في مسارات الصراع، بل ومشاركة الدولة في بعض وظائفها المرتبطة باحتكار أدوات القوة والتأثير وإدارة المجال الأمني.[14]

 وفي هذا الإطار، تتبنى الصين تجاه حماس نمط “الحياد البراغماتي”، إذ تحرص على تجنب الانخراط في تصنيفات قانونية أو مواقف سياسية عدائية، مع التركيز في خطابها الرسمي على دعم القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، ولا يعكس هذا الموقف تبنّيًا أيديولوجيًا بقدر ما يعبر عن مقاربة وظيفية تهدف إلى الحفاظ على توازن العلاقات مع مختلف الأطراف الإقليمية، بما في ذلك الدول العربية وإسرائيل وإيران، كما يندرج هذا النمط ضمن ما يمكن وصفه بـ”الحياد المنحاز”، الذي يسمح لبكين بتجنب الإدانة الصريحة لحماس، مع الحفاظ على شبكة علاقات مرنة تخدم مصالحها الاستراتيجية .

أما على المستوى العملي، فإن تفاعل الصين مع حماس يندرج ضمن نمطي “التكيّف غير المباشر” و”إدارة المخاطر”، إذ لا تقدم دعمًا مباشرًا للحركة، لكنها تتعامل مع تداعيات أفعالها، خاصة فيما يتعلق بتأثير التصعيد على استقرار الإقليم وأمن الممرات التجارية. وفي هذا السياق، تميل الصين إلى توظيف أدواتها الدبلوماسية مثل الدعوة إلى وقف إطلاق النار واحتواء التصعيد، بما يعكس إدراكها بأن الفواعل غير الدولية ومن بينها حماس أصبحت عنصرًا مؤثرًا في استقرار سلاسل الإمداد والطاقة العالمية، الأمر الذي يفرض التعامل معها كعامل اضطراب ينبغي احتواؤه أكثر من كونه فاعلًا يمكن يُعوَّل عليه استراتيجيًا.[15]

(3) حالة جماعة الحوثيين (اليمن)

تُمثل جماعة الحوثيين نموذجًا متقدمًا للفواعل غير الدولية التي نجحت في توسيع نطاق تأثيرها من المجال المحلي إلى المجالين الإقليمي والدولي، خاصة من خلال سيطرتهم على مناطق استراتيجية مطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وقد أتاح هذا الموقع للجماعة التأثير على أحد أهم الممرات البحرية العالمية، الذي يُعد شريانًا رئيسيًا لحركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا، وهو ما منحها وزنًا جيو سياسيًا يتجاوز قدراتها التقليدية كفاعل مسلح غير دولي، حيث تحولت من طرف في صراع داخلي إلى فاعل مؤثر في أمن الملاحة العالمية وديناميكيات التوازن الدولي.

وفي هذا السياق، يبرز نمط إدارة المخاطر بوصفه النمط الأكثر وضوحًا في السلوك الصيني تجاه الحوثيين، حيث ترتبط أولويات بكين بدرجة كبيرة بأمن سلاسل الإمداد واستقرار تدفقات الطاقة، فقد أدت الهجمات التي شنّها الحوثيين على السفن التجارية في البحر الأحمر منذ أواخر عام 2023 إلى اضطرابات في حركة الملاحة الدولية، مما أجبر كبري شركات الشحن على تحويل مساراتها نحو طرق بديلة أكثر طولًا وتكلفة مثل طريق رأس الرجاء الصالح، وقد انعكس ذلك في تصاعد تكاليف النقل والتأمين، وزيادة الضغوط التضخمية على أسعار الطاقة عالميًا، بما يعكس قدرة الفاعلين غير الدوليين على إحداث تأثيرات هيكلية في الاقتصاد الدولي. [16]

وبالنسبة للصين، التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة القادمة عبر هذه الممرات، فإن هذا التهديد لا يُنظر إليه بوصفه أزمة أمنية إقليمية فحسب، بل باعتباره خطرًا مباشرًا على مصالحها الاقتصادية العالمية، لذلك تميل بكين إلى تبني مقاربة حذرة تركز على احتواء تداعيات الأزمة بدلًا من الانخراط المباشر في مواجهتها، وهو ما يفسر تكثيف خطابها الدبلوماسي الداعي إلى حماية الملاحة الدولية وضمان استقرار الممرات البحرية. وفي المقابل، يظهر نمط التكيّف غير المباشر كأحد الأبعاد المكملة للسلوك الصيني، حيث تتعامل بكين مع الواقع الميداني الذي فرضه الحوثيون، لا سيما سيطرتهم على أجزاء من الساحل اليمني، دون أن يصل ذلك إلى مستوى الاعتراف السياسي أو الانخراط الرسمي معهم، ويتجلى هذا النمط في استمرار الصين في الحفاظ على علاقاتها مع مختلف الأطراف الإقليمية، بما في ذلك الدول الخليجية وإيران، مع تجنب اتخاذ مواقف تصعيدية تجاه الجماعة.  [17]

كما يعكس هذا السلوك التزام الصين بمبادئها التقليدية في السياسة الخارجية، وعلى رأسها عدم التدخل وتغليب الحلول الدبلوماسية، حيث تركز في خطابها الرسمي على الدعوة إلى التهدئة وخفض التصعيد، بدلًا من الانخراط في تصنيفات سياسية أو قانونية قد تقيد هامش حركتها. وفي هذا الإطار، يمكن تفسير المقاربة الصينية تجاه الحوثيين باعتبارها مزيجًا من البراغماتية الاقتصادية والتحفظ السياسي، بما يتيح لها التكيف مع بيئة إقليمية شديدة التعقيد دون تحمل تكاليف الانخراط المباشر في الصراع.

وبناءً عليه، تكشف الحالة الحوثية عن نمط التفاعل الصيني الذي يرتكز إدارة التداعيات أكثر من التأثير في مصادر التهديد، حيث تتعامل بكين مع الجماعة بوصفها عامل اضطراب في النظام الاقتصادي العالمي، يتطلب الاحتواء والتكيّف، وليس شريكًا استراتيجي يمكن الاعتماد عليه أو خصمًا يستدعي المواجهة العسكرية المباشرة. وبذلك، تكرس بكين نموذجًا للدبلوماسية الحذرة التي تعطي الأولوية لتامين المكاسب الجيوسياسية بأقل قدر من التدخل في التفاعلات الأمنية المعقدة للمنطقة، كما تعكس هذه المقاربة إدراكًا صينيًا بأن الفواعل غير الدولية أصبحت جزءًا من معادلات الأمن البحري العالمي، وليس مجرد أطراف محلية.

(4) حالة الحرس الثوري الإيراني

 يُمثل الحرس الثوري الإيراني نموذجًا مركّبًا للفواعل غير الدولية ذات الطابع شبه الدولي، إذ يتجاوز دوره الإطار العسكري التقليدي ليضطلع بوظائف استراتيجية عابرة للحدود، من خلال إدارة شبكة واسعة من الفواعل المسلحة الحليفة في الشرق الأوسط، عبر ذراعه الخارجية المتمثلة في “فيلق القدس”- وهي وحدة قوات خاصة للحرس الثوري الإيراني، ومختصة بالعمليات العسكرية والاستخبارية خارج الحدود الإيرانية-، وهو ما مكّنه من لعب دور محوري في إعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية بصورة غير مباشرة.

كما تمثل هذه الشبكة إحدى الأدوات الرئيسية التي تعتمد عليها إيران في توسيع نفوذها دون الانخراط في مواجهات تقليدية مباشرة، عبر تقديم الدعم العسكري والمالي والتدريب لهذه الجماعات، بما يعكس نمطًا متقدمًا من “الحرب بالوكالة” وإدارة الصراعات عبر الفواعل غير الدولية، وهو ما يمنح إيران مرونة استراتيجية وقدرة على الردع غير المباشر، مع الحفاظ على قدر من الإنكار السياسي، كما يعكس هذا الدور تحوّلًا في طبيعة الصراعات الإقليمية، وتوجيه مسارات الأمن الإقليمي وتوازناته، حيث تتداخل أدوار الدولة والفواعل غير الدولية في إنتاج أنماط معقدة من القوة والنفوذ. [18]  

وفي هذا السياق، تتبنى الصين في تعاملها مع الحرس الثوري نمطًا مركبًا يجمع بين “إدارة المخاطر” و”التكيف غير المباشر”، حيث تدرك بكين أن أنشطة الحرس الثوري وشبكاته الإقليمية تمثل تهديدًا لمصالحها الاقتصادية، التي تعتمد بدرجة كبيرة على استقرار هذه المنطقة خاصة فيما يتعلق بالملفات الحيوية مثل أمن الطاقة واستقرار الممرات البحرية، خاصة في الخليج العربي ومضيق هرمز، فالتصعيد المرتبط بهذه الأنشطة ينعكس بشكل مباشر على تدفقات النفط والتجارة العالمية.

لكنها في الوقت ذاته تتجنب التدخل في أي سياسات تصادمية أو تبني مواقف عدائية صريحة تجاهه، وبدلًا من ذلك، تحافظ على علاقات استراتيجية مع الدولة الإيرانية، دون الانخراط في دعم مباشر لأنشطة الحرس الثوري، أو الاعتراف به كفاعل مستقل، وهو ما يعكس نمطًا من التكيّف البراغماتي مع الواقع القائم، كما يندرج هذا السلوك ضمن ما يُعرف بـ”الحياد المنحاز أو المرن”، حيث تتجنب الصين إدانة الفواعل المرتبطة بإيران، مع الحفاظ على خطاب دبلوماسي يدعو إلى التهدئة وحماية الاستقرار الإقليمي، بما يتيح لها الاستمرار في تحقيق مصالحها الاستراتيجية، وتوازن علاقاتها مع مختلف الأطراف الإقليمية، وتجنب الانخراط في استقطابات قد تهدد مصالحها في المنطقة[19].

وبذلك، تكشف حالة الحرس الثوري عن نموذج متقدم للفواعل المركّبة التي تتجاوز الحدود التقليدية بين الدولة واللا دولة، وتفرض على القوى الكبرى ومنها الصين تبني استراتيجيات مرنة تقوم على إدارة المخاطر والتكيّف، بدلًا من المواجهة المباشرة، بما يتلاءم مع طبيعة النظام الإقليمي المتشابك.

وفي ظلّ التصعيد الراهن في مضيق هرمز عام 2026، بوصفه أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة والتجارة العالمية، تتكشّف أنماط جديدة من التفاعلات الدولية التي تتجاوز الأطر التقليدية للصراع بين الدول، فلم تعد الأزمة محصورة في إطار المواجهة المباشرة بين القوى الكبرى، بل أضحت تعكس حضورًا متزايدًا لفواعل غير دولية قادرة على التأثير في معادلات الأمن الإقليمي والدولي، وفي مقدمتها الحرس الثوري الإيراني، الذي بات يمارس دورًا يتجاوز كونه فاعلًا غير دولي محدود التأثير، ليغدو طرفًا فاعلًا في إدارة المجال البحري والتحكم في مساراته الحيوية.

وفي هذا السياق، يتسم التفاعل الصيني مع الحرس الثوري الإيراني بطابع مركّب يجمع بين الحياد الرسمي والتكيّف البراغماتي والانخراط غير المباشر. فعلى المستوى العلني، تؤكد بكين التزامها بخطاب دبلوماسي قائم على الدعوة إلى ضبط النفس وضمان أمن الملاحة الدولية، مع نفي أي تقديم دعم عسكري لإيران، وقد شددت وزارة الخارجية الصينية على ضرورة وقف الأعمال العدائية والعمل على تأمين تدفقات الطاقة والتجارة العالمية، باعتبار أن استقرار المضيق يمثل مصلحة جماعية للنظام الدولي[20].

كما تشير التصريحات الأميركية إلى وجود تفاهمات أو ضغوط دفعت الصين إلى التعهد بعدم تزويد إيران بالسلاح، وهو ما يعكس حرص بكين على تجنب الانخراط المباشر في الصراع[21]. إلا أن هذا الحياد الظاهري لا ينفي وجود نمط من التكيّف العملي مع واقع سيطرة الحرس الثوري الإيراني على المضيق، فقد أعلن الحرس الثوري إحكام السيطرة على حركة الملاحة واستهداف أي تحركات معادية، بما يعكس دوره كفاعل فعلي في هذا الممر الحيوي. وفي هذا السياق، لم تتجه الصين إلى مواجهة هذا الواقع أو تحديه، بل اعتمدت استراتيجية إدارة المخاطر، حيث واصلت تعزيز احتياطاتها النفطية وتكثيف مشترياتها من الطاقة تحسبًا لأي اضطراب في الإمدادات العالمية[22]، بما يعكس إدراكًا صينيًا بأن الحرس الثوري لم يعد مجرد فاعل غير دولي هامشي، بل طرفًا مؤثرًا في معادلة الأمن البحري في الخليج.

وعلى صعيدٍ آخر، تسعى الصين إلى توظيف الأزمة الراهنة لتعزيز موقعها بوصفها قوةً وسيطةً ومسؤولةً في النظام الدولي؛ إذ تطرح نفسها فاعلًا قادرًا على التواصل مع مختلف الأطراف دون الانخراط في أنماط الاستقطاب ذات الطابع التصادمي، مع التركيز على خطاب الاستقرار وحماية الاقتصاد العالمي، ويتسق هذا التوجه مع الاستراتيجية الصينية في الشرق الأوسط، والتي تقوم على تجنّب الانخراط العسكري المباشر، مقابل توسيع مجالات النفوذ عبر الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية، بما يضمن استمرارية مبادرة الحزام والطريق وتأمين خطوط التجارة الحيوية .

وفي إطار التفاعلات المعقدة التي تفرضها أزمة مضيق هرمز، ورغم النفي الرسمي لأي تعاون عسكري، تظل هناك مؤشرات على أنماط من التفاعل غير المباشر بين الصين وإيران، بما في ذلك اتهامات باستخدام تقنيات أو بنية تحتية تكنولوجية صينية لأغراض عسكرية، وهي اتهامات دأبت بكين على نفيها، ويعكس هذا النمط ما يمكن توصيفه بـ”التعاون الرمادي”، حيث يجري الفصل بين مجالات التعاون الاقتصادي والتكنولوجي من جهة، والالتزامات العسكرية المباشرة من جهة أخرى، بما يتيح للصين الحفاظ على علاقاتها مع إيران دون تحمّل تكلفة سياسية أو أمنية مرتفعة.[23]

وفي ضوء ما تقدم، يمكن تفسير التفاعل الصيني مع الحرس الثوري الإيراني في أزمة مضيق هرمز ضمن إطار “التوازن المرن”، حيث تسعى بكين إلى الموازنة بين علاقاتها مع إيران بوصفها شريكًا رئيسيًا في مجال الطاقة، وبين مصالحها مع الولايات المتحدة والنظام الاقتصادي العالمي. وعليه، لا تنحاز الصين بشكل كامل لأي من الطرفين، بل تعتمد مقاربة براغماتية تقوم على تقليل المخاطر وتعظيم المكاسب، بما يدل يعكس تحولًا تدريجيًا في سلوكها الدولي نحو إدارة الأزمات واحتواء تداعياتها، بدلًا من الانخراط المباشر في مساراتها التصادمية.

المطلب الثالث: تداعيات التكيّف الصيني مع الفواعل غير الدولية والسيناريوهات المتوقعة

بعد تحليل طبيعة التفاعل الصيني مع هذه الفواعل، يصبح من الضروري بحث الانعكاسات المترتبة على هذا النمط من السلوك، سواء على مستوى بنية النظام الإقليمي في الشرق الأوسط أو على توازنات القوى الدولية أو على مستقبل الفواعل غير الدولية ذاتها، لذا يهدف هذا المحور إلى استشراف الاتجاهات المستقبلية المحتملة لهذا التفاعل، في ضوء المتغيرات المتسارعة في البيئة الدولية والإقليمية، وما تفرضه من تحولات في أولويات الصين الاستراتيجية، وبناء السيناريوهات المستقبلية التي تساعد على فهم المسارات المحتملة لتطور الدور الصيني في المنطقة خلال المرحلة المقبلة. لتفاعل الصين مع هذا النمط المعقد من الفواعل.

أولًا: التداعيات الإقليمية للتكيّف الصيني في الشرق الأوسط

(1) إعادة تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط: ساهم التكيّف الصيني مع الفواعل غير الدولية في إعادة تشكيل لموازين القوة داخل الشرق الأوسط، حيث لم يعد النفوذ الإقليمي محصورًا في الفاعلين الدوليين أو في ثنائية الاستقطاب التقليدي، بل بات يتوزع عبر شبكة معقدة من الفاعلين المتداخلين، حيث لم تعد الدول هي الفاعل الوحيد، بل باتت هناك شبكات نفوذ عابرة للحدود تُعيد تشكيل التوازنات الإقليمية بصورة أكثر سيولة وتعقيدًا، ففي ظل اعتماد الصين على أدواتها الاقتصادية والدبلوماسية بدلًا من القوة العسكرية، يتعزز نمط “النفوذ الهادئ” الذي يقوم على التغلغل التدريجي في البنية الاقتصادية والمؤسسية للدول، دون الدخول في الصراعات المباشرة، بما يؤدي ذلك إلى إضعاف الهيمنة الأحادية، وفتح المجال أمام تعددية قطبية إقليمية مرنة، تتداخل فيها أدوار الدول والفواعل غير الدولية على حد سواء، بما يعكس تحولًا في طبيعة القوة من السيطرة المباشرة إلى إدارة العلاقات والتشابكات.

(2) التأثير على استقرار الصراعات: لا تسعى الصين إلى حسم الصراعات أو فرض تسويات سياسية ملزمة، بل تميل إلى إدارة الاستقرار من خلال الدعوة إلى التهدئة والحلول الدبلوماسية، وهو ما ينعكس في مواقفها من الأزمات الإقليمية، خاصة تلك المرتبطة بالفواعل غير الدولية، ويؤدي هذا النهج إلى خلق حالة من “الاستقرار الهش”، حيث يتم احتواء التصعيد دون معالجة جذور الصراع، كما يساهم هذا النمط في استمرار التفاعلات الصراعية ضمن مستويات محددة يمكن احتواؤها، بما يخدم المصالح الاقتصادية الصينية، خصوصًا فيما يتعلق باستمرار تدفق الطاقة وحماية الاستثمارات، دون تحمل تكلفة التدخل العسكري أو السياسي المباشر.[24]

(3) تصاعد دور الفواعل غير الدولية: أدي التدخل الصيني غير المباشر في البيئات الجيوسياسية التي تسيطر عليها الفواعل من غير الدول إلى تعزيز التموضع الاستراتيجي لهذه الفواعل ضمن  معادلة التوازنات الإقليمية؛ إذ إن مجرد إدماج أدوارها في عمليات صنع السياسات، أو التعامل مع تداعيات أفعالها وسلوكها الميداني، يمنحها نمطًا من ‘الاعتراف الضمني”، الذي يرسخ شرعيتها الواقعية ويعزز من تأثيرها ويضمن استدامة فاعليتها.

وقد تطورت قدرة هذه الفواعل على توجيه مسارات الصراع وإعادة صياغة معادلات الأمن الإقليمي بشكل تجاوز -في حالات بعينها- قدرات الدول، خاصة في ظل امتلاكها التقنيات العسكرية والأدوات التكنولوجية المتقدمة، مما جعلها فاعلًا محوريًا في إدارة الأزمات الإقليمية، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط وممرات التجارة الدولية بالبحر الأحمر؛ حيث برزت هذه الفواعل كقوى قادرة على فرض واقع ميداني يؤثر مباشرة على تدفقات الطاقة العالمية، وأكسبها ذلك قدرة على “التعطيل أو التيسير” للمصالح الدولية الاستراتيجية، بما يتسق مع البراغماتية الصينية التي تعطي الأولوية لاستدامة طريق الحرير البحري على حساب الالتزامات التقليدية تجاه سيادة الدول. [25]

(4) تآكل السيادة الدول ونشوء “السيادة المتداخلة”: تُشير التحولات الجيوسياسية الراهنة في الإقليم إلى تآكل تدريجي في مفهوم سيادة الدولة التقليدية، نتيجة تصاعد نفوذ الفواعل من غير الدول، إذ لم تعد الدولة تحتكر أدوات العنف المشروع، بل برزت فواعل تمتلك قدرات عسكرية وتنظيمية موازية، وأحيانًا تتفوق على المؤسسات الرسمية، وقد أدى هذا التنامي إلى إعادة تعريف السيادة من مفهومها المطلق إلى حالة من “السيادة المتداخلة”، حيث تتقاسم القوى الموازية مع الدولة الوظائف العسكرية والأمنية والمؤسسية.

(5) التحول نحو أنماط الحروب غير التقليدية: أدى انتشار الفواعل الغير الدولية إلى ظهور أنماط من “الحروب الهجينة” التي تمزج بين الأدوات التقليدية وغير التقليدية (كالحروب السيبرانية، وحروب الوكلاء، واستهداف البنية التحتية الحيوية)، هذا التحول يعكس انتقال استراتيجيات الصراع من “الحسم العسكري المباشر” إلى “استنزاف القدرات الوظيفية للدول”، مما يجعل استقرار الأقاليم رهنًا بالتوافق مع هذه الفواعل وليس فقط مع الحكومات المركزية.

(6) التأثير على الاستقرار الأمني والسياسي: على الرغم من أن الصين لا تدخل عسكريًا مع الفواعل غير الدولية، إلا أن وجودها الاقتصادي والدبلوماسي يؤثر على استراتيجيات الأطراف الإقليمية، حيث تُعيد بكين صياغة مفهوم الاستقرار من خلال “السلام الاقتصادي”.

فعلى سبيل المثال، في اليمن أدى الانخراط الصيني الغير المباشر مع الحوثيين إلى خلق مسار تفاوضي يرتكز على المصالح المتبادلة لتأمين الممرات المائية؛ مما حوّل الجماعة إلى طرف دولي “فاعل” في معادلة أمن الطاقة العالمي، ومنحها اعترافًا ضمنيًا يتجاوز حدود الصراع المحلي.

وفي لبنان وقطاع غزة يوفر نهج “الحياد الإيجابي” الصيني غطاءً للمشاريع التنموية والاقتصادية التي تخفف حدة التوترات، مما يسمح للفصائل المحلية بالمناورة والاستمرار ضمن معادلة “الاستقرار الاقتصادي” مقابل التهدئة. ومع الحرس الثوري الإيراني يبرز النفوذ الصيني كأداة دفع نحو التعاون الاقتصادي الاستراتيجي كبديل لخيار التصعيد العسكري المباشر في الخليج العربي؛ مما يحول الاقتصاد إلى أداة لضبط التوازنات الإقليمية، ويجعل من القوة الاقتصادية الصينية بديلًا فعالًا عن أدوات الردع العسكرية التقليدية.

بناءً على ذلك، تساهم السياسة الصينية في خلق بيئة استقرار نسبي قائمة على “نموذج القوة المرنة”، حيث يتم احتواء الفواعل العنيفة عبر دمجها في شبكة من المصالح الاقتصادية العابرة للحدود. [26]

ثانيًا: التداعيات الدولية للتكيّف الصيني في الشرق الأوسط

(1) التنافس الاستراتيجي الصيني-الأميركي: صراع الأدوات والمنهجيات: يمثل التمدد الصيني في الشرق الأوسط، خاصة عبر التفاعل المرن مع الفواعل غير الدولية، تحديًا بنيويًا للمقاربة الأميركية التقليدية القائمة على أدوات القوة الصلبة كالتحالفات العسكرية ونظام العقوبات، فبينما تنتهج واشنطن استراتيجية “الاحتواء والعزل” تجاه هذه الفواعل، تخلق بكين “مساحات رمادية” تتيح لها الانخراط مع هذه الفواعل دون اعتراف رسمي؛ مما يقلل من فعالية أدوات الضغط الأميركية، وهذا التحول ينقل التنافس بين القوتين إلى نمط غير صفري (Non-Zero-Sum Game)، يرتكز على إدارة النفوذ وتوسيع شبكات المصالح بدلًا من المواجهة المباشرة، مما يعيد تشكيل قواعد التفاعل الدولي في المنطقة. [27]

(2) التحول في هيكلية النظام الدولي: نحو “الحوكمة المرنة: يعكس السلوك الصيني تحولًا جوهريًا في بنية النظام الدولي، من الأحادية القائمة على التدخل المباشر، إلى نظام أكثر تعقيدًا يعتمد على التشابك الاقتصادي وتعددية الفاعلين، فلا تسعى الصين إلى استبدال النظام القائم بشكل تصادمي، بل إلى إعادة تشكيله تدريجيًا من الداخل عبر تعزيز دور المؤسسات الاقتصادية، وتوسيع شبكات الاعتماد المتبادل، والانخراط في إدارة الأزمات دون القيادة العسكرية المباشرة، ويؤدي هذا النهج إلى بروز نمط من “الحوكمة غير الصلبة” (Soft Governance)، التي تكرس تراجع مركزية الدولة الرسمية كفاعل وحيد مقابل صعود أنماط تفاعل دولية أكثر تشابكًا. [28]

(3) صعود نموذج “القوة المرنة” : (Flexible Power) يُبرز التكيّف الصيني مع الفواعل غير الدولية نموذجًا متقدمًا لما يمكن تسميته بـ”القوة المرنة”، وهي قدرة الدولة على تحقيق أهدافها الاستراتيجية عبر دمج الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية وإدارة المخاطر بعيدًا عن تكلفة المواجهة الصلبة، يعكس هذا النموذج تحولًا في مفهوم القوة؛ حيث لم تعد تُقاس بالقدرات العسكرية، بل بمدى القدرة على النفاذ إلى شبكات التفاعل المعقدة وتوجيهها، يوسمح هذا النمط للصين بتوسيع نفوذها العالمي بأقل تكلفة سياسية وأمنية، محولةً نفوذها الاقتصادي إلى أداة ضبط استراتيجي طويل المدى. [29]

(3) هشاشة التجارة العالمية والتأثير على أمن الطاقة: تُعد التداعيات الاقتصادية من أبرز نتائج هذا النمط من التكيّف، إذ أدي تنامي نفوذ الفواعل غير الدولية في الممرات الجيواستراتيجية ، لا سيما في البحر الأحمر ومضيق هرمز، إلى التأثير في سلاسل الإمداد العالمية تجاه أي توترات إقليمية،  فقد كشفت الاستهدافات الملاحية في البحر الأحمر لاسيما هجمات الحوثيين عن هشاشة في النظام التجاري العالمي، إذ أدت إلى ارتفاع تكاليف الشحن وتغير في مسارات التجارة الدولية، ما يمس مباشرةً المصالح الحيوية للصين بوصفها قوة اقتصادية تعتمد كليًا على استدامة التدفقات هذه الممرات.  

وفي هذا السياق، يتعزز دور الصين كفاعل محوري يهتم بـ “الأمن الوظيفي” للتجارة الدولية؛ فبرغم ابتعادها عن توظيف الأدوات العسكرية المباشرة في حماية هذه الممرات، إلا أنها تعتمد على نفوذها الدبلوماسي والاقتصادي كأداة “احتواء ناعم” للفواعل الميدانية، في محاولةً لموازنة معادلة الأمن عبر تأمين مصالحها دون الانزلاق إلى تكلفة التدخل العسكري. [30]

و تؤكد هذه التداعيات أن التكيّف الصيني مع الفواعل غير الدولية، يتجاوز كونه مجرد أداة تكتيكية، ليُعبّر عن تحول بنيوي في طبيعة الدور الصيني عالميًا، إذ تنتقل بكين من منطق “المنافسة المباشرة” إلى استراتيجية “إدارة النفوذ عبر التعقيد”؛ وهي مقاربة تقوم على استثمار التوازنات الهشة والفاعلين الموازين لتعزيز مكاسبها الجيوسياسية بأقل تكلفة أمنية، ولذا فإن هذا النهج لا يعيد صياغة ملامح الاستقرار الإقليمي فحسب، بل يضع قواعد جديدة للتفاعلات الدولية، حيث تصبح القدرة على إدارة “المناطق الرمادية” معيارًا أساسيًا للقيادة في النظام الدولي المعاصر.

ثالثًا: السيناريوهات المستقبلية لآفاق التفاعل الصيني مع الفواعل غير الدولية

في ظل التحولات المتسارعة في موازين القوى العالمية، يمكن استشراف المسارات المحتملة لطبيعة العلاقة بين الصين والفواعل غير الدولية، والتي تتمثل فيما يلي:

(1) سيناريو التكيّف المعمّق (الأكثر ترجيحًا): يُشير هذا السيناريو إلى استمرارية الصين في ترسيخ نمط التكيّف الحالي، عبر توسيع حضورها الاقتصادي في المنطقة، والحفاظ على الحياد البراغماتي كأداة لإدارة المخاطر. ومن المتوقع أن تُكثف بكين اعتمادها على الوساطات الدبلوماسية كبديل للتدخل العسكري، بما يضمن تقليل الكلفة السياسية وتعظيم المكاسب الاستراتيجية في البيئات الجيوسياسية المعقدة.

(2) سيناريو الانخراط المحدود في إدارة الأزمات: في حال تنامي التهديدات التي تمس بشكل مباشرة المصالح الصينية، خاصة أمن الطاقة والممرات البحرية، قد تتجه بكين إلى توسيع دورها الوظيفي بشكل محدود، عبر المشاركة في ترتيبات أمنية متعددة الأطراف أو تعزيز حضورها البحري بشكل غير مباشر “غير الصدامي”، ومع ذلك، سيظل هذا الحضور محكومًا بعدم التحول إلى قوة عسكرية تقليدية في المنطقة، مع التركيز على تأمين الممرات الحيوية وفقًا لمعايير أمن الملاحة.

(3) سيناريو التصعيد الجيوسياسي: يرتبط هذا السيناريو بتصاعد حدة التنافس الصيني-الأميركي، حيث قد تضطر بكين للتخلي عن حيادها التقليدي، لتصبح أكثر “انحيازًا وظيفيًا”، بما قد يدفعها إلى توثيق علاقاتها مع بعض الفواعل أو الدول في مواجهة النفوذ الأميركي، ورغم الثقل الاستراتيجي لهذا السيناريو في سياق الصراع القطبي، إلا أنه يظل الأقل ترجيحًا على المدى القريب، نظرًا لحرص الصين على تجنب التدخل في صراعات مباشرة قد تقوض استقرارها الاقتصادي.

خاتمة

خلصت الدراسة إلى أن الصين أصبحت فاعلًا محوريًا في الشرق الأوسط، وذلك من خلال تبنيها نموذجًا جيوسياسيًا مبتكرًا يرتكز على إدارة التعقيد بدلًا من محاولة احتوائه قسريًا؛ إذ وظفت بكين أدواتها الاقتصادية والدبلوماسية المرنة للتكيف مع بيئة إقليمية شديدة التعقيد، محولةً الفواعل غير الدولية من مهددات أمنية هامشية إلى عناصر فاعلة ضمن معادلة إدارة النفوذ العالمي، وهو ما يعكس تحولًا في طبيعة النظام الدولي ذاته، نحو فضاء جيوسياسي متعدد الأنماط والفاعلين، تتراجع فيه مركزية الدولة لصالح شبكات نفوذ أكثر تعقيدًا وعابرة للحدود.

ويضع هذا النموذج الصين في موقع محوري في رسم خرائط النفوذ المستقبلية للمنطقة، ما يجعل الشرق الأوسط ساحة اختبار حقيقية لفاعلية “القوة المرنة” في رسم توازنات النظام الدولي الصاعد، وهو ما يفرض واقعًا جيوسياسيًا يتطلب إعادة قراءة مفهوم الاستقرار الإقليمي وفق منظور تعدد الفاعلين والأنماط.


[1]–  Intel Brief: Non-State Actors in the Middle East Demonstrate Increasing Power and Influence, The Soufan Center, April 9, 2024, available at: bit.ly/3O3R52C, accessed on: 29 March 2026.

[2] – Legal Clarity Team, What Is a Non-State Actor in International Law?, Aug 19, 2025, vailable at: bit.ly/4t1MNs0, accessed on: 29 March 2026.

[3]– Council on Foreign Relations (CFR),  China in the Middle East, February 2025, March 3, 2025, vailable at: bit.ly/4bFaq3k, accessed on: 29 March 2026.

[4] – John Calabrese, China’s Model of Power Projection in the Middle East, March 30, 2026, available at: bit.ly/4ma1uX3, accessed on: 29 March 2026.

[5] – Yueting Zhao, Beyond power transition theory: explaining the absence of U.S.-China power shift in the Middle East, Frontiers in Political Science journal, Edward’s University, United States, Volume 7 , 02 July 2025, pp. 2-3.

[6] – Junhua Chen, Xiaolu Yang, Meijun Wang, Min Su, Evolution of China’s interaction with Middle Eastern countries under the Belt and Road Initiative, PLOS ONE is an inclusive journal , California, US, November 9, 2023, pp.6-8.

[7] – محمد عبد اللطيف الشوكاني، محمد أحمد الصيادي، مبادرة الحزام والطريق وتأثيرها على العلاقات العربية الصيني 2013-2025، مجلة جامعة الملكة أوري، اليمن، مجلد 29، عدد 29، 2025، ص ص 12-13.

[8]– China in the Middle East: February 2025, op.cit,.

[9] -Jones, L., & Hameiri, S, The Politics of the Belt and Road Initiative: Strategic Foundations and Regional Responses, International Affairs ,Oxford Academic, Chatham House , 2022. available at: https://bit.ly/42vX9Vn, accessed on: 29 March 2026.

.

[10] – مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المستقبلية، دبلوماسية التوازن: لماذا اختارت الصين “الحياد البراغماتي” في الحرب على إيران؟، 17 مارس 2026، متاح على الرابط: https://bit.ly/42B8z1L، تاريخ الزيارة 30 مارس 2026.

[11] – Legal Clarity Team, What Is a Non-State Actor in International Law?,op.cit,

[12] – Reuters, China calls for promoting Middle East ceasefire in talks with EU, Germany, April 2, 2026, available at: https://bit.ly/42By9Zq, accessed on: 5 April 22026.

[13] – مركز الجزيرة للدراسات، الصين وأزمات الشرق الأوسط: حدود الدور والحياد النشط، 3 أكتوبر 2024. متاح على الرابط: https://bit.ly/42vX9Vn، تاريخ الزيارة: 30 مارس 2026.

[14] – Vanda Felbab-Brown, Nonstate armed actors in 2024: The Middle East and Africa, Brookings’s, January 16, 2024, available at: https://bit.ly/42ByN6w, accessed on: 5 April 22026.

[15] – Ahmed Aboudouh, The Fatah–Hamas’s agreement increases Chinese influence in Palestinian affairs. But the road to unity is rocky, Chatham House, 24 July 2024, available at: https://bit.ly/42BySjY, accessed on: 5 April 22026.

[16] – Ferhan Oral , Environmental impacts of the Houthis’ attacks against commercial shipping in the Red Sea, International Studies, 19 December 2025, available at: https://bit.ly/42BB3pC, accessed on: 5 April 22026.

[17] – Ines Nastali, Red Sea shipping reopens, but renewed Houthi threats keep route uncertainty high, S&P Global Market Intelligence, Feb 20, 2026, available at: https://bit.ly/3W3O8C9,accessed on: 6 April 22026.

[18] – Council on Foreign Relations, Iran’s regional armed network, 2024, available at: https://bit.ly/3W5Tz4j https://bit.ly/3W3O8C9,accessed on: 6 April 22026.

[19] – Middle East Council on Global Affairs, China’s Approach to Palestine and Israel: Towards a Greater Role, 2024. accessed on: 6 April 22026.

[20] – الجزيرة نت، الصين تدعو لضمان أمن الملاحة بهرمز وتنفي مساعدة إيران عسكرياً، 13/4/2026. تاريخ الزيارة: 14/4/2026، متاح على الرابط: https://www.ajnet.me/news/2026/4/13/

[21] – ترامب: الصين وافقت على عدم تزويد إيران بالأسلحة والعمل جار لإعادة فتح مضيق هرمز، 15/4/2026، متاح على الرابط: https://www.arab48.com ، تاريخ الزيارة: 15/4/2026.

[22] – الشرق الأوسط، «حصار ترمب» يهدد بتقويض فرص تحقيق انفراجة مع الصين، 12/4/2026. متاح على الرابط: https://aawsat.com، تاريخ الزيارة: 13/4/2026.

[23] – ترامب: الصين وافقت على عدم تزويد إيران بالأسلحة والعمل جار لإعادة فتح مضيق هرمز، مرجع سبق ذكره.

[24] – Ferhan Oral , op. cit.

[25] -Legarda, H, China’s Evolving Approach to Non-State Actors in the Middle East. Mercator Institute for China Studies (MERICS), 2024. available at: https://bit.ly/MERICS-China-NSA-2024,accessed on: 10 April 22026.

[26] -Chaziza, M. , China’s Meddling in Middle East Conflicts: A Non-Interference Policy in Transition. Middle East Institute (MEI), 2024. available at: https://bit.ly/MEI-China-NonState-2024,accessed on: 10 April 2026.

[27] – Ferhan Oral , op.cit.

[28] – Spencer Feingold, Red Sea attacks: What trade experts are saying about the shipping disruptions,  World Economic Forum LLC, Feb 20, 2024, available at: https://bit.ly/WEF-RedSea-2024,,accessed on: 10 April 2026.

[29] – Ferhan Oral , op.cit.

[30] -World Economic Forum وRed Sea Attacks: Understanding the Impact on Global Trade and Energy Security, 2024. available at: https://bit.ly/WEF-RedSea-Trade, accessed on: 10 April 2026.

Admin

مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية: مؤسسة فكر وتخطيط استراتيجي تقوم على إعداد التقديرات وتقديم الاستشارات وإدارة المشروعات البحثية حول المتوسط وتفاعلاته الإقليمية والدولية. لا يتبنى المركز أية توجهات مؤسسية حول كل القضايا محل الاهتمام، والآراء المنشورة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى