تطور المواقف الصينية تجاه القضية الفلسطينية (1948 – 2025)
د. محمد المحمد الحسين
أستاذ مساعد، قسم التاريخ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة حلب، سوريا
المُلخص
تناول هذا البحث التحولات الجيوسياسية والأيديولوجية في السياسة الخارجية لجمهورية الصين الشعبية تجاه القضية الفلسطينية على مدار سبعة عقود، وقد غاص البحث في أعماق التغيير البنيوي الذي طرأ على العقل السياسي الصيني؛ كيف انتقل من “تصدير الثورة” ودعم الكفاح المسلح في عهد “ماو تسي تونغ”، إلى “البراغماتية الاقتصادية” في عهد “دينغ سياو بينغ”، وصولاً إلى “الدبلوماسية الهجومية الناعمة” في عهد “شي جين بينغ”.
إن الهدف من هذا البحث هو إبراز محطات كبرى ونقاط تحول أساسية في الموقف الصيني تجاه القضية الفلسطينية؛ ولذلك تم تقسيم البحث إلى أربع مراحل رئيسة: بدأت بـ المرحلة الثورية 1949-1976م؛ التي غلب عليها الدعم العسكري المطلق، مروراً بـ مرحلة الواقعية السياسية 1977-1991م، ثم مرحلة التوازن المؤسسي 1992-2012م، وصولاً إلى مرحلة الدور القيادي 2013م حتى الآن في عهد الرئيس “شي جين بينغ”.
وتكمن إشكالية البحث في التساؤل عن كيفية نجاح الصين في الحفاظ على التوازن بين دعم الحقوق الفلسطينية، وبناء شراكة تكنولوجية مع إسرائيل؟ وكيف وظفت مجريات أحداث فلسطين (خاصة أحداث غزة 2023م) لتعزيز مكانتها كقطب دولي بديل للولايات المتَّحدة الأميركية؟
أثبتت نتائج هذا البحث؛ أن الصين نجحت في تقديم نموذج “السلام التنموي” كبديل للمقاربات الغربية، مما عزز مكانتها كوسيط دولي موثوق، وقد تجلى بوضوح في “إعلان بكين 2024م” للمصالحة الفلسطينية.
الكلمات المفتاحية: القضية الفلسطينية، الصين الشعبية، الكيان الصهيوني.
مقدمة
تُعد القضية الفلسطينية حجر الزاوية في السياسة الخارجية الصينية تجاه منطقة الشرق الأوسط، وشاهداً حياً على تحولات العقيدة السياسية لبكين منذ تأسيس الجمهورية الشعبية عام 1949م، فمنذ اللحظات الأولى لنكبة عام 1948م؛ لم تكن الصين مجرد مراقب بعيد، بل كانت طرفاً دولياً صاغ مواقفه بناءً على تقاطع الأيديولوجيا الثورية مع المصالح الاستراتيجية العليا.
لقد مر الموقف الصيني بمخاضات عسيرة؛ فبدأ من الدعم المطلق لحركات التحرر الوطني في عهد “ماو تسي تونغ”، حيث كانت فلسطين بالنسبة لبكين خندقاً أمامياً لمواجهة الإمبريالية العالمية. ومع مطلع الثمانينيات، وتحت وطأة “الإصلاح والانفتاح”، بدأت الدبلوماسية الصينية تنحو منحىً براغماتياً؛ يسعى للموازنة بين الإرث التاريخي الداعم للحقوق الفلسطينية، وبين ضرورات الاندماج في النظام الدولي، وإقامة علاقات تقنية واقتصادية مع إسرائيل، وفي العقد الأخير، ومع صعود الصين كقطب عالمي منافس، انتقلت بكين من دور “المؤيد الصامت” إلى دور “الوسيط النشط”؛ مقدمةً رؤىً ومبادرات.
إن دراسة تطور هذه المواقف ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي استشراف لمستقبل النظام الدولي متعدد الأقطاب، وكيفية تعاطيه مع أعدل قضايا العصر، حيث تُعد القضية الفلسطينية الاختبار الأكبر لضمير النظام الدولي وفاعلية قواه العظمى، وفي هذا السياق، يبرز الدور الصيني كأحد أكثر الأدوار الدولية تحولاً ونضجاً.
هدف البحث وأهميته
يهدف هذا البحث بشكل أساسي إلى تحليل وفهم التحولات الجيوسياسية والأيديولوجية التي طرأت على السياسة الخارجية للصين تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي عبر مراحل تاريخية مختلفة، بدءاً من قيام دولة الكيان الصهيوني عام 1948م وحتى الوقت الحاضر.
تكمن أهمية هذا البحث من خلال تسليط الضوء على كيفية تحول الصين من “دولة ثورية” تدعم حركات التحرر، إلى “قوة عظمى” تدير توازنات معقدة في الشرق الأوسط. كما يكتسب البحث أهمية خاصة من خلال رصد التحول في الموقف الصيني عبر أربعة عهود قيادية (ماو تسي تونغ، دينغ سياو بينغ، جيانغ زيمين/هو جينتاو، وشي جين بينغ) في سياق واحد، بالإضافة إلى كشف التناقض (أو التكامل) بين الدعم السياسي الصيني التاريخي لفلسطين، والشراكة الاقتصادية/التكنولوجية المتنامية مع إسرائيل.
مشكلة البحث وفرضياته
تتمحور الإشكالية حول التساؤل التالي: كيف استطاعت الصين الموازنة بين مبادئها الأيديولوجية التاريخية الداعمة للقضية الفلسطينية، وبين مصالحها البراغماتية الصاعدة مع إسرائيل والغرب، وهل تملك بكين الأدوات الكافية لفرض رؤيتها للحل في ظل التغلغل الأميركي في المنطقة؟
ومن خلال هذه الإشكالية تبرز التساؤلات الفرعية الآتية: كيف ساهمت الرؤية الصينية في صياغة دعم مطلق وغير مشروط للثورة الفلسطينية كجزء من الصراع ضد “الإمبريالية”؟ كيف أثر اعتراف الصين بإسرائيل عام 1992م، والسعي للانضمام للاقتصاد العالمي على حدة الخطاب السياسي تجاه القضية الفلسطينية؟ كيف تحولت فلسطين في الاستراتيجية الصينية من “قضية تضامن ثوري” إلى “ورقة دبلوماسية” لتعزيز النفوذ في الشرق الأوسط ومنافسة الدور الأميركي؟ هل تملك الصين القدرة على تقديم مبادرة سلام حقيقية تتجاوز الدعم اللفظي، في ظل تشابك مصالحها التكنولوجية والاقتصادية مع إسرائيل؟
ويقوم البحث على الفرضيات العلمية التالية:
الفرضية الأولى: هناك علاقة طردية بين صعود الصين كقوة اقتصادية عالمية وبين تحول خطابها تجاه فلسطين من “الثوري الراديكالي” إلى “الدبلوماسي البراغماتي”.
الفرضية الثانية: تسعى الصين للحفاظ على القضية الفلسطينية كأداة “قوة ناعمة” لتعزيز نفوذها في العالم العربي والإسلامي، ومنافسة الهيمنة الأميركية.
الفرضية الثالثة: نجاح الدور الصيني في حل الصراع مرهون بقدرة بكين على تحويل ثقلها الاقتصادي إلى ضغط سياسي “صلب” على الأطراف المتصارعة، وهو ما لا تزال بكين تتردد في فعله حالياً.
منهج البحث
اعتمد البحث على المنهج التاريخي لتتبع التطور الزمني للمواقف الصينية منذ نكبة 1948م وحتى اليوم، بالإضافة إلى منهج تحليل النظم (أو الواقعية السياسية)؛ لفهم كيف تؤثر تغيرات النظام الدولي (الحرب الباردة ثم القطبية الواحدة ثم التعددية) على القرار الصيني. كما تم الاعتماد على المنهج الوصفي التحليلي؛ لتحليل الخطابات الرسمية والمبادرات السياسية الصينية تجاه الأزمات (مثل حرب غزة الأخيرة).
حدود البحث
الحدود الزمانية: تمتد من عام 1948م (نكبة فلسطين) وصولاً إلى عام 2024/2025م (تداعيات حرب غزة وإعلان بكين).
الحدود المكانية: يركز البحث على التحركات الدبلوماسية في بكين، والنشاط الصيني في أروقة الأمم المتَّحدة، وتأثير هذا الدور ميدانياً على فلسطين.
المطلب الأول: المرحلة الثورية 1949 – 1976:
لم تكن علاقة جمهورية الصين الشعبية بالقضية الفلسطينية في عهد الزعيم “ماو تسي تونغ” مجرد علاقة دبلوماسية عابرة، بل كانت تجسيداً للصراع الأيديولوجي العالمي بين الشرق والغرب. وفي هذه المرحلة، صاغت بكين رؤيتها لفلسطين من منظار “الثورة العالمية”، ومناهضة الإمبريالية، معتبرة أن تحرر فلسطين هو جزء لا يتجزأ من تحرر الشعوب الآسيوية والأفريقية.
1. الموقف الأيديولوجي الصيني، ورفض الاعتراف بإسرائيل
عند إعلان قيام إسرائيل، كانت الصين تعيش أواخر حربها الأهلية، ومع انتصار الثورة الشيوعية عام 1949م، صنَّف الزعيم “ماو تسي تونغ” إسرائيل كجزء من “المعسكر الإمبريالي” بقيادة الولايات المتَّحدة الأميركية، وعلى الرغم من أن إسرائيل كانت من أوائل الدول التي اعترفت بجمهورية الصين الشعبية في شباط 1950م (محاولةً لكسر عزلتها في آسيا)، إلا أن بكين ردت ببرود شديد، وجمدت العلاقات، واعتبرت الصين الشعبية منذ تأسيسها أن إسرائيل “وليد استعماري”، مما جعلها تصنف إسرائيل “قاعدة متقدمة للإمبريالية الأميركية” في الشرق الأوسط[1]، ويبدو كان السبب في الأعتراف انخراط إسرائيل في التحالف الغربي خلال الحرب الكورية؛ حيث اعتبرت الصين هذا الاعتراف “مناورة إمبريالية” تهدف إلى تفتيش ثورة الصين عن عمقها العربي والآسيوي[2].
2. دور الصين في مؤتمر باندونغ 1955
لقد صاغ “شو إن لاي” في باندونغ رؤية مفادها أن القضية الفلسطينية ليست مجرد مشكلة لاجئين يبحثون عن مأوى، بل هي قضية شعب سُلبت أرضه بفعل التواطؤ الاستعماري، وفي مؤتمر باندونغ؛ استطاع الوفد الصيني بناء جسور متينة مع القومية العربية الصاعدة بقيادة جمال عبد الناصر، وهناك؛ أعلن “شو إن لاي” بوضوح أن الصين تدعم حق الشعب الفلسطيني في العودة إلى أرضه، وتبنت في هذا المؤتمر لأول مرة خطاباً رسمياً يربط بين “النضال الفلسطيني” و”النضال الأفرو-آسيوي” ضد الاستعمار بجميع أشكاله[3].
رفضت بكين رسمياً إقامة أي علاقات دبلوماسية أو تجارية مع تل أبيب، واصفة إياها بـ “القاعدة المتقدمة للغرب[4]“، وتعزز هذا الموقف الراديكالي بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، حيث رأت الصين في إسرائيل الأداة العسكرية التي يستخدمها الاستعمار القديم (بريطانيا وفرنسا) والاستعمار الجديد (الولايات المتَّحدة الأميركية) لضرب حركات التحرر، وأدركت الصين أن كسب ثقة “العالم الثالث” يمر عبر دعم القضية الفلسطينية[5].
3. الاعتراف بمنظمة التحرير، والدعم العسكري واللوجستي 1964-1970
كانت الصين أول قوة دولية كبرى تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1964م؛ أي قبل الاتحاد السوفيتي، وفي آذار 1965م استقبلت بكين أحمد الشقيري (المؤسس الأول لمنظمة التحرير الفلسطينية)، كقائد دولة، وتم توقيع اتفاقية رسمية لفتح مكتب للمنظمة في بكين بمرتبة “سفارة”، مما أعطى القضية الفلسطينية اعترافاً دولياً قانونياً، وخلال اللقاءات، وجه “ماو تسي تونغ” نصيحة شهيرة للقيادة الفلسطينية قائلاً: “إن العرب هم القوة الأساسية في الشرق الأوسط، وإسرائيل هي رأس جسر للإمبريالية، وعليكم بالاعتماد على النفس في حرب العصابات[6]“.
وبناءً على ذلك، بدأت السفن الصينية في تفريغ شحنات الأسلحة في الموانئ العربية (خاصة اللاذقية والعقبة) المتجهة للفدائيين الفلسطينيين، وقد شملت هذه المساعدات بنادق، وقاذفات صواريخ، بالإضافة إلى كميات ضخمة من الألغام والذخائر[7]، ولم يقتصر الدعم الصيني على العتاد، بل فتحت الصين أبواب أكاديمياتها العسكرية (مثل أكاديمية نانجينغ) لتدريب الكوادر الفلسطينية[8]. وبدأت الزيارات للقادة البارزين الفلسطينيين بين عامي 1964م، و1970م لتنسيق العمليات الفدائية، وقد توجت هذه المرحلة بزيارة “ياسر عرفات” التاريخية لبكين عام 1970م، حيث استُقبل استقبال الأبطال، وكانت الصين ترى في حركة “فتح”، و”الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” حلفاء طبيعيين في الثورة العالمية ضد الاستعمار والصهيونية، والرجعية السوفيتية (بسبب الخلاف الصيني السوفيتي آنذاك) [9].
4. التنافس الصيني-السوفيتي، والموقف من حرب تشرين 1967-1973
لعب الانقسام الأيديولوجي بين بكين وموسكو دوراً في زيادة وتيرة الدعم الصيني، واستخدمت الصين القضية الفلسطينية كأداة للمزايدة الثورية على الاتحاد السوفيتي، متهمةً موسكو بـ “المساومة” مع الغرب. وأكد “ماو تسي تونغ” حينها أن “فلسطين هي القلب النابض للثورة العالمية، ومن خلال هذا الخطاب تؤكد الصين أن السوفيت يبيعون الكلام، بينما الصين تبيع السلاح والموقف المبدئي[10].
أمَّا موقف الصين من حرب تشرين كان واضحاً ومؤيداً لمصر وسوريا وحركة المقاومة الفلسطينية وعكس موقفها في الأمم المتَّحدة أولويات سياستها الخارجية في الصراع العربي – الاسرائيلي ككل، وتأييد الصين جاء بعد وجود علامات واضحة على أن الجيوش العربية على الجبهتين المصرية والسورية كانت متقدمة، وهو أمر مغاير لوضع تلك الجيوش في الحروب الثلاثة السابقة، وظهر أبرز تطور في موقف الصين من الحرب في الأمم المتَّحدة ، فقد كان متعارفاً أن الاتحاد السوفيتي والولايات المتَّحدة الأميركية لعبا دوراً قيادياً في الصراع العربي-الاسرائيلي في الأمم المتَّحدة، حيث تبقى الدول الأعضاء الأخرى على الهامش، ولكن هذه الصورة تغيرت بدخول الصين للأمم المتَّحدة كما هو واضح من المناقشات التي دارت حول حرب تشرين.
حيث أسرعت الصين التي دخلت الأمم المتَّحدة وأخذت مكانها في مجلس الأمن الدولي عام 1972، إلى التنديد بإسرائيل وبالولايات المتَّحدة الأميركية، واصفة حرب تشرين بالعدوان الاسرائيلي المدعوم أميركياً، وقد انتقدت بشدة وقف إطلاق النار الذي تم برعاية أميركية-سوفيتية، واصفة إياه بـ”المؤامرة” لتجميد القضية الفلسطينية[11].
انتهت هذه المرحلة بوفاة “ماو تسي تونغ” عام 1976م، تاركةً إرثاً من الثقة العميقة بين بكين والفلسطينيين، وكانت الصين خلالها “الرئة العسكرية”، والظهير الأيديولوجي الذي رفض الاعتراف بإسرائيل جملة وتفصيلاً، معتبراً أن الحق لا يُسترد إلا بفوهة البندقية.
يلاحظ مما سبق؛ أن الدعم الصيني في عهد “ماو تسي تونغ” لم يكن مجرد تعاطف إنساني، بل كان توظيفاً للقضية الفلسطينية في إطار “الشرعية الثورية”، ولقد سعت الصين حينها لتقديم نموذج شيوعي منافس للاتحاد السوفيتي، ونموذج يتبنى الكفاح المسلح بلا هوادة، ويلاحظ أيضاً أن هذا الدعم المطلق هو الذي أسس لـ “الرصيد العاطفي” الكبير للصين في الوجدان الفلسطيني، وهو رصيد لا تزال بكين تستثمره حتى اليوم لإحراج الولايات المتَّحدة الأميركية سياسياً.
المطلب الثاني: مرحلة الواقعية السياسية 1977 – 1991م
تميزت هذه المرحلة بصعود “دنغ شياو بينغ” الذي تبنى سياسة “الإصلاح والانفتاح”، مما جعل الصين تتحول من دعم “الثورات المسلحة”، إلى دعم “التسوية السلمية”، والبحث عن توازن دقيق.
1. سياسة “الإصلاح والانفتاح”، وتغيير فلسفة الدعم 1978م
بعد وفاة “ماو تسي تونغ”، وصعود “دنغ شياو بينغ” عام 1978م، تبنت الصين سياسة “الإصلاح والانفتاح”، وانتقلت بكين من تصدير “الثورة” إلى البحث عن “التنمية[12]“، ورأت القيادة الجديدة أن القوة الاقتصادية أهم من القيادة الثورية، وأدى هذا التحول إلى إعادة صياغة الموقف من فلسطين؛ حيث لم تعد بكين ترى في الكفاح المسلح الفلسطيني وسيلة لتقويض الإمبريالية فحسب، بل أصبحت تراه أحياناً عائقاً أمام الاستقرار الإقليمي الذي تحتاجه الصين لتأمين تدفقات الطاقة والاستثمارات، وبدأت بكين تطالب منظمة التحرير بتبني “الواقعية السياسية” وبدأت تدريجياً في تقليص المساعدات العسكرية المجانية، واستبدالها بدعم سياسي في المحافل الدولية[13].
2. الموقف من “اتفاقية كامب ديفيد”، والمبادرات السلمية 1979-1982م
على عكس مرحلة الستينيات التي كانت ترفض أي تسوية، اتسم الموقف الصيني من كامب ديفيد 1979م بـ “الغموض الإيجابي”، ولم تُدِن الصين الاتفاقية صراحة كي لا تخسر علاقتها المتنامية مع واشنطن، ولكنها انتقدت تجاهلها للحقوق الفلسطينية، وفي عام 1981م، سارعت بكين لدعم “مشروع الملك فهد” (مبادرة السلام العربية لاحقاً)، معتبرة أن “حل الدولتين” هو المخرج الوحيد الممكن، وهو تحول جذري من شعار “تحرير فلسطين من النهر إلى البحر”[14].
3. الدبلوماسية السرية مع إسرائيل، والحاجة للتكنولوجيا 1980-1989م
شهدت الثمانينيات “أغرب” تناقض في السياسة الصينية، حيث بدأت الصين وإسرائيل تعاوناً سرياً في المجال العسكري والزراعي، وكانت الصين بحاجة لتطوير أسلحتها[15]، وإسرائيل كانت تمتلك تكنولوجيا غربية متطورة، وكانت إسرائيل البوابة لذلك (تطوير دبابات، صواريخ، ورادارات)، وأدى هذا التعاون إلى تلطيف الخطاب الصيني تجاه إسرائيل، وتخفف من حدة هجومها الإعلامي على إسرائيل، وانتقال وصفها من “عدو إمبريالي”، إلى “طرف في الصراع يجب التحاور معه[16]“.
4. الموقف من الانتفاضة الفلسطينية الأولى 1987م، والاعتراف بدولة فلسطين 1988
أعادت الانتفاضة الأولى القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الصيني الشعبي والرسمي، واستغلت بكين الانتفاضة لتؤكد للعالم أن “الاستقرار في الشرق الأوسط لن يتحقق بتجاهل الحقوق الفلسطينية”، وقدمت الصين دعماً سياسياً كبيراً للانتفاضة في مجلس الأمن، ونددت بـ”القبضة الحديدية” الإسرائيلية، موازنةً بذلك علاقاتها السرية مع تل أبيب[17].
ورغم التقارب السري مع إسرائيل، لم تتخلَّ الصين عن فلسطين، وأرادت الحفاظ على رصيدها العربي، وفور إعلان ياسر عرفات استقلال دولة فلسطين في الجزائر عام 1988، كانت الصين من أولى الدول العظمى التي اعترفت بالدولة الفلسطينية رسمياً، وحولت مكتب منظمة التحرير في بكين إلى “سفارة دولة فلسطين” في خطوة سياسية أرادت بكين من خلالها إثبات أنها لا تزال “الظهير السياسي” للفلسطينيين رغم تبدل المصالح[18].
5. نهاية الحرب الباردة، والمشاركة في “مؤتمر مدريد” 1991
مع انهيار الاتحاد السوفيتي وانفراد أميركا بالقمة، أدركت الصين ضرورة الانخراط في “النظام العالمي الجديد”، وشاركت الصين في مؤتمر مدريد للسلام بصفة “مراقب”، وكانت هذه المشاركة هي “الجسر” الذي عبرت من خلاله بكين نحو التطبيع الكامل والعلني مع إسرائيل في العام التالي، معلنةً نهاية حقبة “السرية”، وبداية حقبة “التوازن الرسمي المعلن”، وهو ما مهد الطريق لاعترافها الرسمي والكامل بإسرائيل في العام التالي 1992م[19].
يتضح مما سبق؛ في هذه المرحلة، انتقلت فلسطين في العقل السياسي الصيني من “خندق الثورة”، إلى “ملف دبلوماسي” يُدار بميزان الربح والخسارة، مع الحفاظ على الالتزام الأخلاقي التاريخي كأداة لتعزيز النفوذ في العالم العربي.
المطلب الثالث: مرحلة التوازن المؤسسي 1992– 2012:
شهدت هذه المرحلة انتهاء “السرية” في العلاقات الصينية الإسرائيلية، بالتزامن مع توقيع اتفاقيات أوسلو، مما أتاح للصين هامش حركة أوسع للجمع بين الشريكين الفلسطيني والإسرائيلي.
1.المصالح الاقتصادية مع إسرائيل مقابل الدعم السياسي لفلسطين
تعتبر الصين إسرائيل “مركزاً للابتكار التكنولوجي”، حيث استثمرت الشركات الصينية العملاقة مثل: (شاومي، وهواوي) مليارات الدولارات في قطاع الهايتك الإسرائيلي، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والأخطر من ذلك هو “دبلوماسية الموانئ”؛ حيث تدير شركة (SIPG) الصينية محطة الحاويات الجديدة في ميناء حيفا، وهو ما يمنح بكين موطئ قدم استراتيجي على البحر المتوسط[20].
لا يمكن فهم السياسة الصينية تجاه القضية الفلسطينية بمعزل عن شبكة المصالح الاقتصادية المعقدة التي تربط بكين بتل أبيب، فبينما ترفع الصين سقف خطابها السياسي المؤيد للحقوق الفلسطينية في أروقة الأمم المتَّحدة، فإن الواقع الاقتصادي يكشف عن شراكة استراتيجية مع إسرائيل لا يمكن الاستغناء عنها بسهولة، وبالرغم من ازدياد مستوى النظرة الإيجابية لإسرائيل بين النخبة الصينية، إلا أن عامة الصينيين كما تكشف استطلاعات الرأي، لا تشاركها هذه النظرة إذ بلغت النظرة السلبية 57% عام 2017[21].
يظهر مما سبق؛ تناقضاً واضحاً في العلاقات الصينية-الإسرائيلية-الفلسطينية؛ هذا التناقض يطرح تساؤلاً جوهرياً؛ لماذا لا تستخدم الصين سلاح المقاطعة الاقتصادية للضغط على إسرائيل؟ الإجابة تكمن في العقيدة الصينية التي تفصل تماماً بين “التجارة”، و”السياسة”، وترى بكين أن قطع العلاقات الاقتصادية سيفقدها “أوراق الضغط” الهادئة، كما أن الصين تحتاج للتكنولوجيا الإسرائيلية لتعويض الفجوة التقنية التي يفرضها الغرب عليها، ومن هنا، يظهر الموقف الصيني كـ “لاعب مزدوج”؛ يمنح الفلسطينيين “الشرعية السياسية، والاعتراف الدولي”، بينما يمنح الإسرائيليين “الازدهار الاقتصادي والاستثماري”؛ “هذا التوازن الدقيق هو ما يجعل الدور الصيني مقبولاً لدى الطرفين كـ “وسيط غير منحاز” أيديولوجياً، ولكنه منحاز لمصالحه الوطنية العليا أولاً”[22].
2. تطبيع العلاقات الدبلوماسية الصينية-الإسرائلية شباط 1992م
بعد مؤتمر مدريد للسلام 1991م، رأت بكين أن استمرار مقاطعة إسرائيل رسمياً يحد من دورها كقوة عظمى في الشرق الأوسط، وفي 24 شباط 1992م[23]، وقع وزيرا خارجية البلدين في بكين بيان إقامة العلاقات، مع تأكيد الصين أن هذا القرار “لا يمس دعمها المبدئي للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني[24]“، ومع ذلك هذا الحدث وصفه المراقبون بـ “الزلزال” في السياسة الآسيوية[25]؛ حيث لم تكن هذه الخطوة وليدة الصدفة، بل سبقتها سنوات من “الدبلوماسية السرية” التي انطلقت منذ عام 1979م عبر وسطاء في “هونغ كونغ”، و”باريس”، وكان المحرك الأساسي لبكين هو “العطش للتكنولوجيا العسكرية”، ووجدت بكين في إسرائيل “نافذة خلفية” للحصول على تقنيات الرادارات، والمحركات النفاثة، وتطوير صواريخ (Lavi) التي أصبحت أساساً للطائرة الصينية (J-10)[26].
يبدو أن عام 1992م لم يكن مجرد “تطبيع” للعلاقات مع إسرائيل، بل كان إعلاناً صينياً عن “نهاية الأيديولوجيا”، وبداية عصر “المصالح الوطنية العليا”[27]، وإن قدرة الصين على إقناع القيادة الفلسطينية بجدوى هذا التحول تعكس براعة الدبلوماسية الصينية في استخدام لغة “الضرورة والمصلحة الوطنية العليا”[28].
يتضح مما سبق؛ أن الصين في هذه المرحلة نجحت في أن تكون “صديقاً للجميع”، وهي استراتيجية سمحت لها بالاستفادة من التكنولوجيا الإسرائيلية دون أن تخسر التصويت العربي في الأمم المتَّحدة.
3. الموقف من اتفاقيات “أوسلو”، وتعيين “المبعوث الخاص” لعملية السلام
رحبت الصين باتفاق “غزة-أريحا” 1993م، واعتبرته خطوة تاريخية. وسارعت بكين لتقديم الدعم المالي، واللوجستي للسلطة الفلسطينية الناشئة، حيث ساهمت في بناء مقر وزارة الخارجية الفلسطينية في رام الله، وقدمت مساعدات طبية، وتعليمية، لتعزيز صمود المؤسسات الفلسطينية.
ومع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية 2000م، وانسداد أفق السلام، قررت الصين الانتقال من “التصويت في الأمم المتَّحدة”، إلى “الفعل الدبلوماسي الميداني”، وعينت بكين “وانغ شي جيه” 2002م كأول مبعوث خاص لعملية السلام في الشرق الأوسط، في محاولة لمنافسة “اللجنة الرباعية الدولية”، وتقديم رؤية صينية متوازنة تدعو لوقف العنف، والعودة لطاولة المفاوضات.
4. الموقف الصيني من (اللجنة الرباعية-جدار الفصل العنصري-فوز “حماس بالانتخابات”)
انتقدت الصين ضمناً “احتكار” الولايات المتَّحدة الأميركية لملف السلام عبر اللجنة الرباعية 2003م، وطالبت بكين بتوسيع مظلة الرعاية الدولية لتشمل أعضاء مجلس الأمن الدائمين (بمن فيهم الصين)، معتبرة أن الرؤية الأميركية “منحازة” ولا توفر ضمانات حقيقية للفلسطينيين، مما مهد لظهور “المبادرات الصينية المستقلة” لاحقاً.
لقد برزت قوة الدعم الصيني في المحافل القانونية الدولية، فعندما نُظرت قضية جدار الفصل العنصري أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي 2004م، قدمت الصين مطالعة قانونية مكتوبة وشفهية صلبة، أكَّدت فيها أن بناء الجدار في الأراضي المحتلة “غير قانوني، ويخالف اتفاقية جنيف الرابعة”، مما وفر غطاءً قانونياً دولياً مهماً للموقف الفلسطيني[29].
تميز الموقف الصيني بالبراغماتية الشديدة؛ فعلى عكس الغرب، لم تصنف بكين “حماس” كمنظمة إرهابية، بل اعتبرت فوزها في الانتخابات “خياراً ديمقراطياً للشعب الفلسطيني[30]“. واستقبلت وزير خارجية حكومة حماس (محمود الزهار) في بكين عام 2006م، داعية إلى الوحدة الوطنية كشرط أساسي لنيل الحقوق[31].
5. الدعم الصيني لعضوية فلسطين في الأمم المتَّحدة 2011-2012م
قادت الصين حملة دبلوماسية كبرى لدعم طلب فلسطين الانضمام للأمم المتَّحدة كدولة كاملة العضوية، وصوتت بكين بقوة لصالح منح فلسطين صفة “دولة مراقب” عام 2012م، معتبرة ذلك “تصحيحاً لظلم تاريخي”، وهو ما عزز صورتها كـ “حليف موثوق” في مواجهة الفيتو الأميركي[32].
تتبنى الصين في توجهها إزاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أهمية حصول فلسطين على العضوية الدائمة في الأمم المتَّحدة، وهو التوجه الذي عكسه بيان وزارة الخارجية في 11 شباط 2024م بأن بكين تدعم منح فلسطين عضوية كاملة في هيئة الأمم المتَّحدة، وأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الجاري والأزمة الإنسانية الحادة الناجمة عن الصراع، يمثلان تذكيرًا آخر بأن السبيل الوحيد لإنهاء الدائرة المفرغة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، هو التنفيذ الكامل لحل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وتصحيح الظلم التاريخي الذي عاناه الفلسطينيون[33].
نستخلص مما سبق؛ أن الصين في نهاية هذه المرحلة 2012م، نجحت في التحول إلى “لاعب لا يمكن تجاوزه”؛ فهي تمتلك استثمارات تقنية مع إسرائيل، وشرعية سياسية وتاريخية لدى الفلسطينيين، وكانت قد استكملت بناء “جسور الثقة” مع الطرفين؛ فهي المستثمر في “حيفا”، و”أسدود”، وهي الظهير السياسي لـ”رام الله”، و”غزة”، مما مهد الطريق لمبادرات “شي جين بينغ” الكبرى في المرحلة التالية.
المطلب الرابع: مرحلة الدور القيادي 2013 – 2025
1. مبادرة النقاط الأربع للرئيس “شي جين بينغ” 2013-2017م
مع تولي الرئيس “شي جين بينغ” السلطة في عام 2013م، بدأت الصين مرحلة “الدبلوماسية الهجومية” الهادئة، حيث لم تعد تكتفي بالمشاهدة بل أصبحت تسعى لصياغة النظام الدولي. طرح “شي” مفهوم “الحلم الصيني”، وربطه بمبادرة “الحزام والطريق”[34] ( مشروع يرى في الشرق الأوسط عقدة مواصلات استراتيجية[35])، وفي هذه الرؤية، لم تعد فلسطين مجرد قضية تضامن ثوري قديم، بل أصبحت “حجر زاوية” في الأخلاق الدولية الصينية، وقد طرح الرئيس الصيني رؤية متكاملة تقوم على: إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967م وعاصمتها القدس الشرقية، ووقف الاستيطان، وتوفير ضمانات أمنية مشتركة، وتقديم “دعم تنموي” للفلسطينيين، وكانت هذه المبادرة أول محاولة صينية لفرض أجندة سياسية مستقلة تماماً عن “خارطة الطريق” الأميركية، بالإضافة لذلك؛ طرحت بكين منذ 2013م أربع مبادرات سلام متتالية[36]، أُعلنت أمام الرئيس الفلسطيني محمود عباس في بكين 2013م، ثم حدثتها في2017م.
ترتكز هذه الرؤية على أن “القضية الفلسطينية هي لب الصراع في الشرق الأوسط”، وطالبت بإنشاء آلية دولية جديدة تتجاوز الانفراد الأميركي، مع التأكيد على سيادة دولة فلسطين على حدود 1967م وعاصمتها القدس الشرقية، ومبادرة أخرى عام 2021م، والتي تنص صراحة على أن “الفقر هو جذر الصراع”، وترى الصين أن غياب التنمية الاقتصادية في الأراضي الفلسطينية هو ما يغذي الراديكالية، ولذلك عرضت استثمارات في البنية التحتية، والمناطق الصناعية في الضفة الغربية وغزة كجزء من “ممر التنمية”، أمَّا دبلوماسياً، فقد شدد الرئيس “شي” في خطاباته أمام القمم العربية (مثل قمة الرياض 2022م) على أن “الظلم التاريخي الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني لا يمكن أن يستمر”، مما جعل من فلسطين منصة صينية لإظهار الفشل الأخلاقي للسياسة الأميركية المنحازة[37].
2. الموقف من “صفقة القرن”، ونقل السفارة الأميركية للقدس 2017-2020م
وقفت بكين بقوة ضد قرارات إدارة الرئيس الأميركي “دونالد ترامب”، واعتبرت أن نقل السفارة الأميركية للقدس “تقويض لعملية السلام[38]“. واستقبلت الوفود الفلسطينية بانتظام لتأكيد أن الصين لن تعترف بأي تغييرات أحادية الجانب تمس الوضع القانوني للقدس، مما عزز صورتها كـ “حامٍ للحقوق التاريخية[39]“.
كان رد الفعل الصيني على قرار الولايات المتَّحدة الأميركية الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل واضحًا ظاهريًا، فبعد إعلان الرئيس ترامب نقل السفارة الأميركية إلى المدينة المقدسة في 6 كانون الأول 2017م، صوتت الصين، بعد أيام، مع جميع أعضاء مجلس الأمن الدولي الآخرين، لصالح الإجماع الدولي، وقرارات الأمم المتَّحدة السابقة بشأن القدس؛ إلا أن الولايات المتَّحدة الأميركية، بصفتها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن، صوتت ضد القرار، فسقط.
وردًا على ذلك، نُوقش القرار وصُوّت عليه في الجمعية العامة للأمم المتَّحدة في 21 كانون الأول 2017م، ورغم تهديدات الولايات المتَّحدة الأميركية بقطع المساعدات عن الدول التي صوتت ضده، صوتت أغلبية ساحقة من الأعضاء، بمن فيهم الصين، (128 صوتًا ضد؛ مقابل 9 مع القرار؛ مع امتناع 35 عضوًا عن التصويت) لصالح قرار يطالب الولايات المتَّحدة الأميركية بسحب إعلانها الصادر في 6 كانون الأول 2017م بشأن القدس[40].
3. الموقف من حرب غزة تشرين الأول 2023 – 2024م
شكلت أحداث “طوفان الأقصى”، والحرب الإسرائيلية اللاحقة على قطاع غزة اختباراً حقيقياً لسياسة التوازن الصينية، وانتقلت بكين من لغة “الحياد الحذر”، إلى لغة “الانحياز المبدئي” للحقوق الفلسطينية، حيث رفضت إدانة حماس بشكل مباشر في بياناتها الأولى، وركزت بدلاً من ذلك على “حق الشعوب في تقرير مصيرها”، وضرورة “وقف العقاب الجماعي”. واستخدمت بكين رئاستها لمجلس الأمن تشرين الثاني 2023م للدفع بقرارات إنسانية، معتبرة أن جوهر الصراع هو “الظلم التاريخي” الذي لحق بالفلسطينيين. كما قادت بكين حراكاً دبلوماسيًا مع “اللجنة الوزارية العربية الإسلامية” للضغط من أجل وقف حرب الإبادة، واعتبرت أن الأمن في المنطقة لن يتحقق عبر القوة العسكرية بل عبر “العدالة السياسية”[41].
يُعد خطاب وزير الخارجية الصيني “وانغ يي” خلال مؤتمر القاهرة للسلام، وفي أروقة الأمم المتَّحدة عام 2024م[42]، مادة دسمة لتحليل التحول في العقيدة السياسية الصينية، ولم يعد الخطاب الصيني يكتفي بعبارات التضامن التقليدية، بل انتقل إلى مرحلة “الهجوم الدبلوماسي الممنهج”[43].
وعند تحليل عبارة “وانغ يي” الشهيرة: “إن الظلم التاريخي الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني لا يمكن أن يستمر إلى الأبد دون معالجة”؛ نجد أن بكين تعمدت استخدام مصطلح “الظلم التاريخي” (Historical Injustice) لترسل رسالة مزدوجة؛ الأولى للشعوب العربية بأن الصين هي الحارس الأخلاقي لحقوقهم، والثانية للغرب بأن النظام الدولي الذي تقوده واشنطن قد فشل في تحقيق الحد الأدنى من العدالة[44].
يبدو أن الصين وظفت مفهوم “الأمن المشترك” (Common Security) لنقد المقاربة الإسرائيلية-الأميركية، فالخطاب الصيني يشدد على أنه “لا يوجد أمن لطرف على حساب طرف آخر”، وهو تفكيك ذكي للسردية الإسرائيلية القائمة على الأمن العسكري الصرف، كما أن إصرار “وانغ يي” على وصف أحداث غزة بأنها “تجاوز لحدود الدفاع عن النفس” يمثل شجاعة دبلوماسية نادرة من قوة عظمى، تهدف من خلالها بكين إلى كسب ثقة “الجنوب العالمي” الذي سئم من ازدواجية المعايير الغربية[45].
يتضح مما سبق؛ أن هذا الخطاب التحليلي السابق يكشف أن الصين انتقلت من دور “المتفرج الحذر”، إلى دور “المُنظّر الأخلاقي” للنظام الدولي الجديد، حيث أصبحت فلسطين هي “المختبر” الذي تثبت فيه بكين زيف الادعاءات الأميركية حول حماية حقوق الإنسان.
4. “إعلان بكين” للمصالحة الفلسطينية تموز 2024م
أدركت بكين أن الانقسام الفلسطيني (فتح وحماس) هو الذريعة التي تستخدمها إسرائيل والولايات المتَّحدة الأميركية لتعطيل حل الدولتين، فعملت على استضافة/14/ فصيلاً فلسطينياً (بما في ذلك فتح وحماس)، وانتهت اللقاءات بتوقيع “إعلان بكين تموز 2024م” لإنهاء الانقسام وتشكيل حكومة وفاق وطني، الصادر في بكين بتاريخ 23 تموز 2024م؛ حيث اشتضافت جمهورية الصين الشعبية، في الفترة من 21 إلى 23 تموز 2024م، حواراً وطنياً شاملاً ضم 14 فصيلاً فلسطينياً (بما في ذلك حركتي فتح وحماس)، برعاية وزير الخارجية الصيني “وانغ يي”، لتعزيز الوحدة الوطنية ومواجهة التحديات الراهنة، وفي نهاية الاجتماعات صدر إعلان بكين، ومن أهم بنوده:
– التأكيد على وحدانية التمثيل: الالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، والتأكيد على حق الشعب في ممارسة كافة أشكال النضال لاستعادة حقوقه المشروعة.
– تشكيل حكومة وفاق وطني: الاتفاق على تشكيل حكومة توافق وطني مؤقتة بتوافق الفصائل الفلسطينية، لتمارس صلاحياتها على كافة الأراضي الفلسطينية (الضفة الغربية، القدس، وقطاع غزة)، والإشراف على جهود إعادة الإعمار والتحضير للانتخابات العامة.
– مواجهة حرب الإبادة: إدانة العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة، والمطالبة بوقف فوري ودائم لإطلاق النار، ورفض كافة مخططات التهجير القسري للشعب الفلسطيني.
– تفعيل الإطار القيادي الموحد: تفعيل وتطوير الإطار القيادي الموحد للمنظمة لاتخاذ القرار السياسي الجماعي، بما يضمن الشراكة السياسية الكاملة[46].
هذا الحدث كرس الصين كـ “وسيط نزيه” قادر على جمع الفرقاء الذين فشلت عواصم أخرى في توحيدهم[47]، ويُستدل من ذلك؛ أن الصين تستخدم فلسطين كـ “مختبر” لإثبات نجاح رؤيتها للأمن العالمي القائمة على التنمية، وهو ما يضع إسرائيل في مأزق بين حاجتها للاقتصاد الصيني، وضغوط حليفها الأميركي، ومن هنا، أصبحت القضية الفلسطينية في عام 2024م هي الورقة الرابحة التي تستخدمها الصين لكسب ود “الجنوب العالمي” (دول أفريقيا، وآسيا، وأميركا اللاتينية) ضد ما تصفه بـ “الهيمنة والمعايير المزدوجة للغرب”.
5. التوظيف السياسي للقضية الفلسطينية في التنافس الصيني-الأميركي
استخدمت الصين “المظلمة الفلسطينية” لكشف “ازدواجية المعايير” الغربية (بالمقارنة مع أوكرانيا)، وترى بكين أن دعم واشنطن غير المشروط لإسرائيل يُفقدها “الشرعية الأخلاقية” لقيادة العالم[48]؛ هذا التوجه جعل الصين تكسب ثقة “الجنوب العالمي” (Global South)، حيث أصبحت فلسطين هي المنصة التي تبرهن من خلالها الصين أنها “قوة سلام” عالمية بديلة[49].
حالياً؛ تربط الصين حل القضية الفلسطينية بمشاريع “طريق الحرير”، فقد قدمت وعوداً بدمج دولة فلسطين المستقلة في شبكة التجارة العالمية الصينية، وقدمت عام 2025م منحاً لإعادة إعمار البنية التحتية المدمرة في قطاع غزة، مؤكدة أن “التنمية هي مفتاح الأمن”، وهو المفهوم الصيني الخاص الذي تحاول تعميمه دولياً[50]؛ ودعوتها للحفاظ على السلام ودعم التنمية العالمية، وهو مبدأ أساسي للصين في تشكيل العلاقات الدولية، وقد تم اعتماد الميثاق الذي يحدد المبأدى الأساسية للسياسة الخارجية الصينية[51].
خاتمة
إن استقراء مسار المواقف الصينية منذ عام 1948م وحتى يومنا هذا يكشف عن تحول بنيوي في استراتيجية القوى العظمى؛ حيث لم تعد الصين تكتفي بالدعم الأيديولوجي الذي كان يرى في فلسطين مجرد جبهة قتالية ضد الإمبريالية، بل انتقلت إلى مربع “البراغماتية الجيوسياسية” التي تخدم طموح بكين في قيادة نظام عالمي متعدد الأقطاب.
يثبت البحث أن الصين انتقلت من دعم “البندقية” إلى دعم “الدبلوماسية والتنمية”، ولقد نجحت بكين في الحفاظ على “توازن قلق” بين شراكتها مع إسرائيل، ودعمها التاريخي لفلسطين، مما جعلها الرقم الصعب في معادلة الشرق الأوسط الجديدة، بالإضافة أنها نجحت في كسر الاحتكار الأميركي لملف السلام؛ مقدمةً نفسها كقطب دولي “منصف”، مع الحفاظ على توازن دقيق مع إسرائيل يخدم مصالحها القومية.
ويمكن تلخيص أهم النتائج التي توصل إليها هذا البحث فيما يلي:
1- كانت بكين أول قوة كبرى تمنح منظمة التحرير الفلسطينية اعترافاً كاملاً 1965م، وقدمت دعماً عسكرياً وفنياً للفصائل الفلسطينية.
2- تطور الموقف الصيني من “الثورة” إلى “الدولة”، ومن “البندقية” إلى “الدبلوماسية والاقتصاد”.
3- نجحت بكين في الحفاظ على علاقة “شراكة ابتكارية” مع إسرائيل دون التنازل عن “الثوابت السياسية” تجاه فلسطين.
4- القضية الفلسطينية هي الساحة التي تثبت فيها الصين أهليتها كـ “بديل أخلاقي” للولايات المتَّحدة الأميركية في قيادة النظام الدولي.
5- نجاح الصين في كسر الاحتكار الأميركي لملف السلام عبر وساطات “المصالحة” الميدانية.
6- تظل العلاقة الصينية-الإسرائيلية “كابحاً” يمنع الصين من الصدام العسكري المباشر، ولكنها لا تمنعها من الهجوم السياسي العنيف دفاعاً عن فلسطين.
7- قدمت الصين نموذجاً فريداً يربط الحل السياسي بالتنمية الاقتصادية (عبر مبادرة الحزام والطريق)، معتبرة أن الفقر وغياب الأمل هما وقود الصراع، وأن الاستثمار في البنية التحتية الفلسطينية هو طريق الاستقرار.
8- يمثل “إعلان بكين 2024م” ذروة النجاح الدبلوماسي الصيني، حيث نجحت بكين في جمع الفصائل الفلسطينية تحت مظلة واحدة، مما كسر الاحتكار الغربي لملف الوساطة السياسية.
9- تشير المعطيات الحالية إلى أن الدور الصيني سيشهد تصاعداً في المسارات “الدبلوماسية الناعمة” (المصالحة، التصويت الدولي، المساعدات)، ولكنه سيظل يواجه تحدي “القدرة على الضغط الميداني”، فرغم ثقلها الاقتصادي، ولا تزال بكين تتردد في ممارسة ضغوط خشنة على إسرائيل لعدم رغبتها في الصدام المباشر مع واشنطن، مما يجعل دورها حالياً دور “المُيسّر” و”الراعي السياسي” أكثر منه “الضامن العسكري”.
10- إن النتيجة الأبرز لهذا البحث هي أن الصين، رغم تشابك مصالحها الاقتصادية مع إسرائيل، لم تتنازل عن دورها التاريخي كداعم للحق الفلسطيني، بل طورت هذا الدور ليكون جزءاً من رؤية صينية جديدة للأمن العالمي تقوم على التنمية والوساطة، بعيداً عن سياسة المحاور العسكرية. ويبقى التحدي الأكبر مستقبلاً هو: هل ستكتفي الصين بالدعم السياسي والوساطة الهادئة، أم أنها ستمارس ضغوطاً اقتصادية حقيقية لفرض حل الدولتين على أرض الواقع؟
خاتمة القول؛ إن تطور الموقف الصيني يعكس نضج التجربة السياسية لبكين؛ فهي اليوم “صديق قديم” للفلسطينيين، و”شريك تقني” للإسرائيليين، وهذه الوضعية الفريدة تمنحها ميزة تنافسية قد تجعل منها في العقد القادم “عرّاباً” لنظام إقليمي جديد يتجاوز القطبية الأحادية، شريطة أن تنجح في تحويل “إعلان بكين” للمصالحة من حبر على ورق؛ إلى واقع ملموس على الأرض.
التوصيات
– ضرورة استغلال الجانب الفلسطيني للمساحة الدبلوماسية التي توفرها الصين لتدويل القضية بعيداً عن الفيتو الأميركي.
– يجب على القيادة الفلسطينية مأسسة العلاقة مع بكين كـ “شريك استراتيجي” طويل الأمد، وتفعيل “دبلوماسية التنمية” لكسر الحصار الاقتصادي، وضرورة تفعيل المسار الاقتصادي الفلسطيني مع بكين لتقليل التبعية للاحتلال تماشياً مع رؤية “الحزام والطريق”.
– تعزيز الروابط الثقافية والعلمية بين الصين والعالم العربي عامةً، والفلسطيني خاصةً؛ من خلال زيادة التبادل الثقافي والأكاديمي مع الجامعات ومراكز الفكر الصينية.
– مراقبة التوازن لتطور العلاقات التكنولوجية بين بكين وتل أبيب بدقة؛ فكلما زاد الاعتماد الصيني على التكنولوجيا الإسرائيلية، قلّت هوامش المناورة السياسية لبكين، والعكس صحيح.
[1] Hashim S. H. Behbehani, China’s Foreign Policy in the Arab World, KPI Limited, London, 1981, p. 32.
[2] وليد عبد الناصر، الصين والقضايا العربية، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، العدد(182)، 1994م، ص 34-45.
[3] Yitzhak Shichor, The Middle East in China’s Foreign Policy, Cambridge University Press, 1979, p. 41.
[4] عبد القادر يس، فلسطين في السياسة الصينية، دار الصمود العربي، بيروت، 1985م، ص 15-18.
[5] شحادة موسى، العلاقات العربية الصينية: دراسة في الأبعاد السياسية والاقتصادية، دار المنهل، عمان، 2011م، ص 88.
[6] Lillian Craig Harris, China Considers the Middle East, I.B. Tauris, London, 1993, p. 128.
[7] خليل شقاقي، العلاقات الفلسطينية الصينية 1949-1982م، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1983م، ص 98-115.
[8] يزيد صايغ، الكفاح المسلح والبحث عن الدولة، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 2002م، ص 240-248.
[9] ياسين سويد، الصين والقضايا العربية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1985م، ص 156-159.
[10] خليل شيكات، العلاقات الصينية-الفلسطينية: التاريخ والمستقبل، دار الفكر الأكاديمي، 2015م، ص 93-95.
[11] شيماء فاضل مخيبر، السياسة الخارجية الصينية تجاه فلسطين 1966-1988، مجلة الجامعة العراقية، العدد (49)، جـ2، بغداد، ص 426.
[12] محمد السيد سليم، السياسة الخارجية الصينية، مركز الدراسات الآسيوية، جامعة القاهرة، 1990م، ص 102-104.
[13] John Calabrese, China’s Changing Relations with the Middle East, Pinter Publishers, 1991, p. 112.
[14] ياسين سويد، مرجع سابق، ص 210-212.
[15] جمال مظلوم، مرجع سابق، ص 145-148.
[16] Yitzhak Shichor .Op. Cit., p. 192.
[17] John Calabrese, Op. Cit , p. 148.
[18] Hashim S. H. Behbehani, Op. Cit, p. 201.
[19] John Calabrese, Op. Cit, p. 156.
[20] Jonathan Fulton. China’s Relations with the Gulf and the Wider Middle East. Routledge, 2019, pp. 145-160.
[21] محمد مكرم بلعاوي، العلاقات الصينية الإسرائلية وآفاقها، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، تقدير استراتيجي(116)، بيروت، 21/11/2019م، تاريخ الزيارة 2026 /3/21م،
[22] محمد خليل كوكاس، الصين والشرق الأوسط: توازنات القوة والمصلحة، مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، العدد(505)، بيروت، آذار 2021م، ص 44-58.
[23] جمال مظلوم، مرجع سابق، ص 162-164.
[24] P.R. Kumaraswamy, The PRC and Israel: From Hostility to Engagement, Oxford University Press, 2005, p. 110.
[25] Jonathan. Goldstein, China and Israel (1948-1998): A Fifty Year Retrospective. Praeger Publishers. 1999. pp. 195-212.
[26] مجيد كمال، التعاون العسكري الصيني الإسرائيلي وأثره على الأمن القومي العربي، مركز الدراسات الاستراتيجية، 1995م، ص 210-225.
[27] عمران أبو حجلة، العلاقات الصينية الإسرائيلية: الأبعاد والدوافع، مجلة السياسة الدولية، مؤسسة الأهرام، القاهرة. 2000م، ص81.
[28] An, Gang. “The Core of Issue: China’s Declaration of Its Key Interests Misinterpreted by Many.” Beijing Review. Accessed March 20, 2026. bjreview.com.cn.
[29] Guy Burton, China and the Palestinian-Israeli Conflict, Middle East Institute, 20 Feb 2018, p. 32-35. www.mei.edu/publications/china-jerusalem-and-israeli-palestinian-conflict.
[30] جمال مظلوم، مرجع سابق، ص 182-185.
[31] محمد بن هويدن، السياسة الصينية تجاه القضية الفلسطينة، مجلة العلوم الاجتماعية، مجلد /35/، العدد(1)، بغداد، 2007م، ص84.
[32] Guy Burton, Op. Cit, p. 45-47.
[33] مبارك أحمد، كيف تتدخل الصين لوقف العدوان الإسرائيلي على غزة؟ موقع القاهرة الإخبارية، تاريخ النشر 3/6/2024م، تاريخ الزيارة 25/3/2026م، على الرابط: https://alqaheranews.net/news/82818/
[34] عماد عوض، الصين والشرق الأوسط: من القوة الناعمة إلى الشراكة الاستراتيجية، دار النهضة العربية، القاهرة. 2018م، ص 240-255.
[35] المركز العربي للأبحاث، السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط في عهد شي جين بينغ. تقدير موقف، الدوحة،2022م، ص 15-28.
[36] Times, Global. “China Puts Forward Four-Point Proposal Regarding Palestine-Israel Conflict.” Global
Times, 17 May 2021, www.globaltimes.cn/page/202105/1223631.shtml 25/3/2026
[37] Jonathan Fulton. China’s Changing Role in the Middle East. Atlantic Council. 2020. pp. 12-18
[38] Wong, Catherine. “China Accuses US of Being ‘Indifferent to the Suffering’ of Palestinians.” South
China Morning Post, 14 May 2021, www.scmp.com/news/china/diplomacy/article/3133537/chinaaccuses- 25/3/2026
[39] Guy Burton, Op. Cit,, pp. 88-90.
[40] Guy Burton. Ibid, p. 95.
[41] المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، “الصين وطوفان الأقصى: الدبلوماسية في حقل ألغام”، مجلة سياسات عربية، المركز العربي للأبحاث، المجلد /12/، العدد(66)، الدوحة، كانون الثاني 2024م، ص 4-6.
[42] وزارة الخارجية الصينية (MFA)، نص خطاب “وانغ يي” في الجمعية العامة للأمم المتَّحدة بشأن غزة، وثيقة رسمية رقم 102/2024، 2024م، ص 2-5.
[43] المركز العربي للأبحاث، تحليل مضمون الخطاب الصيني تجاه القضية الفلسطينية بعد 7 أكتوبر، مجلة دراسات استراتيجية، الدوحة، 2024م، ص 44-58.
[44] Gering Tuvia. Discourse Power: How China Frames the Israel-Hamas War. Atlantic Council, 2024. pp. 12-20.
[45] انظر: وزارة الخارجية الصينية، “بيان حول اتصال وانغ يي بنظيره السعودي”، وكالة أنباء شينخوا، 15 تشرين الأول 2023م؛ وأيضاً: علاء فوزي، “السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط”، مجلة السياسة الدولية، العدد(235)، القاهرة، كانون الثاني 2024م.
[46] وزارة الخارجية الصينية (MFA). البيان المشترك للفصائل الفلسطينية في بكين. وثيقة رسمية صادرة في 23 تموز 2024م.
[47] Ministry of Foreign Affairs of the PRC. . The Beijing Declaration on Ending Division and Strengthening National Unity of Palestine. Beijing, 2024, July 23.
[48] جمال مظلوم، مرجع سابق، ص 215-218.
[49] Jonathan Fulton .China’s Relations with the Gulf and the Wider Middle East, Op. Cit, p. 165.
[50] تقرير مركز الدراسات الدولية بوزارة الخارجية الصينية، مبادرة الحزام والطريق وآفاق السلام في الشرق الأوسط، بكين، مطبعة الشؤون الخارجية، 2024م، ص 30-33.
[51] للإطلاع على الميثاق الصيني، انظر: د.ذ.ك، السياسة الخارجية للصين: المبادئ الأساسية للعلاقات الدولية، بكين، متاح على الرابط: على الرابط: https://bit.ly/32DGDH. تاريخ التصفح 9/4/2026م.



