الاستراتيجية الصينية ومبادئ “صون تزو”: دراسة حالة طوفان الأقصى
د. محمود لملوم (مصر)
باحث في الإدارة والقيادة الاستراتيجية، دكتوراه في علم النفس الإداري
ملخص الدراسة:
تناول هذا البحث الاستراتيجية الصينية تجاه أحداث الشرق الأوسط (2023-2026)، متخذاً من “طوفان الأقصى” نموذجاً تحليلياً لدراسة “فخ الاستنزاف” الذي واجهته الولايات المتحدة، هدفت الدراسة إلى كشف الجذور الفلسفية للسلوك الصيني بربطه بمبادئ “صن تزو” في كتابه (فن الحرب)، وتحديداً مفاهيم “اللاشكل” و”الخمود النشط”، وتوصلت النتائج إلى أن الصين نجحت في تحويل الأزمة إلى “مختبر سيادي” لكسر الأحادية القطبية وتآكل الشرعية الدولية للخصم عبر تعزيز “السيادة المعلوماتية” والبدائل المالية الرقمية، كما كشفت المقاربة التحليلية عن وجه “براجماتي نفعي” للصين؛ إذ وظفت بكين الخطاب المؤيد للعرب لاستنزاف النفوذ الأمريكي، بينما حافظت في العمق على شبكة مصالحها مع إسرائيل (الصهيوصينية) لتحقيق أقصى مكاسب سياسية واقتصادية بأقل كلفة عسكرية، مما أسهم في إعادة صياغة موازين القوى في بيئة دولية شديدة التعقيد. الكلمات المفتاحية: الاستنزاف غير المتماثل، السيادة الرقمية، القطبية التعددية، الجيوسياسية المائوية، الردع الناعم، إجهاد القيادة، البراغماتية النفعية
المقدمة:
تمثل أحداث السابع من أكتوبر وما تلاها من “طوفان الأقصى” الزلزال الجيوسياسي الأبرز في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، بالنسبة لصناع القرار والمحللين الاستراتيجيين، لم يعد الموقف الصيني مجرد “دبلوماسية حذرة”، بل تحول إلى “مختبر حي” لاختبار فاعلية القوة الصينية في مواجهة الأحادية الأمريكية. إننا أمام اشتباك بين مدرستين: مدرسة “القوة الصلبة” الغربية التي سارعت للتحشيد العسكري، ومدرسة “النصر دون قتال” الشرقية التي رأت في الطوفان فرصة لإعادة صياغة “الشرعية الدولية” وتشتيت تركيز الخصوم.
مشكلة الدراسة:
تكمن المشكلة في الفجوة التحليلية بين السلوك الصيني “الهادئ” دبلوماسياً والنتائج “الهائلة” جيوسياسياً، تحاول هذه الدراسة الإجابة على التساؤل الجوهري: كيف وظفت الصين طوفان الأقصى كأداة ضغط استراتيجية لتآكل الهيمنة الأمريكية، وما هي الجذور الفلسفية التي تُفسر تحويل الأزمات الإقليمية إلى فرص سيادية كبرى؟
أهمية الدراسة:
تستمد هذه الدراسة أهميتها من الربط النوعي بين “الواقع الميداني” المعاصر (2024-2026) وبين “الفلسفة العسكرية القديمة”، مما يوفر إطاراً تحليلياً لفهم السلوك الصيني الذي يزاوج بين القوة التقنية الحديثة والعمق الاستراتيجي التاريخي، وهو ما يفسر كيف يمكن للقوى الصاعدة أن تظفر بالسيادة عبر استنزاف الخصم أخلاقياً ومادياً.
مبررات اختيار حالة “طوفان الأقصى” كنموذج للدراسة:
تشتيت التركيز الاستراتيجي: كونه الحدث الذي فرض على واشنطن “الانحراف حتى الآن” عن استراتيجية الالتفاف نحو آسيا، مما وفر للصين مساحة للمناورة.
اختبار “فخ الموارد”: يمثل الطوفان أول حالة استنزاف مادي (ذخائر وتكاليف) وتكنولوجي (اعتراض مسيرات) للقوى الغربية أمام تكتيكات غير متناظرة.
صراع السرديات الرقمية: توفر هذه الحالة مادة دسمة لدراسة “السيادة المعلوماتية” الصينية في مواجهة الماكينة الإعلامية الغربية.
أهداف الدراسة (Research Objectives)
تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق الأهداف الرئيسية التالية، والتي تشكل هيكل التحليل الاستراتيجي للبحث:
الهدف الأول: رصد وتحليل “المصفوفة الاستراتيجية” للصين في إدارة الصراعات الدولية: يهدف هذا المسار إلى تفكيك الركائز الأربع للتحرك الصيني (تآكل الهيمنة، الاصطفاف مع الجنوب، تأمين الممرات، الدبلوماسية الموازية)؛ وذلك لفهم كيفية توظيف بكين لأحداث “طوفان الأقصى” كأداة لإعادة هندسة موازين القوى العالمية وانتزاع القيادة الأخلاقية والدبلوماسية.
الهدف الثاني: التأصيل الفلسفي للسلوك السياسي الصيني المعاصر وفق “مبادئ صن تزو”: يسعى هذا الهدف إلى استنطاق المبادئ الكلاسيكية في كتاب (فن الحرب) وإسقاطها على الواقع الحالي؛ لإثبات أن التحركات الصينية ليست ردود فعل عشوائية، بل هي تمثلات واعية لمفاهيم “الخداع، اللاشكل، والانتصار دون قتال”، مما يمنح الدراسة عمقاً نظرياً يربط العراقة الفلسفية بالبراغماتية الحديثة.
الهدف الثالث: تقييم “المختبر الميداني والتقني” واستخلاص دروس القوة المستقبلية: يهدف هذا المسار إلى تحليل الدروس المستفادة من “حرب الأنفاق، والسيادة المعلوماتية، ومعضلة تكلفة التكنولوجيا”؛ وذلك لتقييم مدى نجاح الصين في بناء “درع سيادي” (تقني ومالي) يسمح لها بإدارة موارد الحرب وتحييد التفوق الغربي، مما يعطي مؤشراً لمستقبل الصدام في مناطق نفوذ أخرى كتايوان وبحر الصين الجنوبي.
تبرير اختيار الاستراتيجيات:
يرتكز اختيار هذه الاستراتيجيات الأربع (تآكل الهيمنة، الاصطفاف العالمي، تأمين الممرات، الدبلوماسية الموازية) على كونها تمثل “مصفوفة النفوذ المتكاملة” للصين؛ فهي تغطي الأبعاد الأربعة للأمن القومي: البعد الاستراتيجي-العسكري باستنزاف الخصوم، والبعد القيمي-الأخلاقي بالاصطفاف مع الجنوب العالمي، والبعد الجيواقتصادي بتأمين سلاسل التوريد، والبعد الدبلوماسي-المؤسسي عبر خلق منصات وساطة بديلة (O”Hanlon, 2024).
وبذلك، فإن دراسة هذه المحاور حصراً تضمن الإحاطة بكافة مستويات الاشتباك الصيني مع تداعيات طوفان الأقصى”.
منهجية الدراسة:
تعتمد هذه الدراسة حصراً على المقاربة التحليلية (Analytical Approach)، والتي يتم توظيفها من خلال المسارات التالية لإضفاء العمق التنظيري والواقعي على البحث:
المسار التحليلي الفلسفي (Philosophical Analysis): يقوم على تفكيك المبادئ الكلاسيكية لـ “صن تزو” في كتابه (فن الحرب)، وإعادة إسقاطها على السلوك الاستراتيجي الصيني المعاصر؛ وذلك لرصد نقاط التقاطع بين التنظير الفلسفي (كاللاشكل والسيولة) والتطبيق الميداني.
مسار دراسة الحالة (Case Study Analysis): يتخذ هذا المسار من “أحداث طوفان الأقصى (2023-2026)” مختبراً تطبيقياً لفحص الفرضيات الاستراتيجية؛ حيث يتم تحليل الاستجابة الصينية تجاه التفاعلات الميدانية في غزة والشرق الأوسط، وكيفية توظيف هذه الأزمة كأداة لاستنزاف القوى المنافسة.
المسار التحليلي النقدي (Critical Analytical Path): يمتد هذا المسار إلى تحليل “البراغماتية النفعية” الكامنة خلف الخطاب الدبلوماسي المعلن. ويهدف إلى الكشف عن كيفية موازنة بكين بين دعم القضايا العربية وبين مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية العميقة (بما فيها البعد الصهيوصينية)، مما يقدم رؤية موضوعية لحدود الدور الصيني.
المصادر والترميز المنهجي:
النسخة المعتمدة: اعتمد الباحث بصفة أساسية على ترجمة ليونيل غايلز (Lionel Giles) الصادرة بالإنجليزية عام 1910، ويأتي هذا الاختيار لكونها تمثل المنعطف الأهم في تاريخ الكتاب؛ فغايلز لم يكتفِ بالترجمة اللغوية، بل أجرى تحقيقاً نقدياً (Critical Editing) قارن فيه بين المخطوطات الصينية القديمة لشرح “أصل المعنى”، مما يجعلها أكثر دقة من الترجمات العربية الشائعة التي غلبت عليها الترجمة الوسيطة (ترجمة عن ترجمة).
المصطلحات الإجرائية للدراسة (Operational Definitions):
الشرق الأوسط (The Middle East): يُقصد به إجرائياً: النطاق الجغرافي والسياسي الذي يتركز فيه الصراع الميداني محل الدراسة، ويشمل تحديداً (فلسطين، الأردن، لبنان، سوريا، مصر) كدولة طوق ومسرح مباشر، بالإضافة إلى (اليمن، والعراق) كساحات انخراط غير متماثل، و(الممرات المائية السيادية: قناة السويس، البحر الأحمر، مضيق باب المندب، مضيق هرمز) باعتبارها نقاط الضغط الاستراتيجي التي اختبرت فيها الصين قدرة الولايات المتحدة على حماية الملاحة الدولية وتأمين حلفائها بين عامي 2024 و2026.
الاستنزاف غير المتماثل (Asymmetric Attrition): عملية التآكل الممنهج لموارد الخصم المتفوق تكنولوجياً (الولايات المتحدة) من خلال دفعه لاستجابات دفاعية باهظة التكلفة لمواجهة تهديدات منخفضة التكلفة، مما يؤدي إلى استهلاك مخزونه الاستراتيجي وقدراته اللوجستية في جبهات ثانوية.
السيادة الرقمية (Digital Sovereignty): قدرة الدولة (الصين) على بسط نفوذها واستقلالها في الفضاء السيبراني، وتوظيف الأنظمة التقنية والعملات الرقمية والخوارزميات كأدوات سيادية لكسر التبعية للمنظومات الغربية وحماية أمنها القومي من الضغوط الخارجية.
القطبية التعددية (Multipolarity): التحول في هيكلية النظام الدولي من الأحادية القطبية الأمريكية إلى نظام تتوزع فيه مراكز القوة والنفوذ، حيث تلعب الصين دور القطب الموازن الذي يقدم سرديات سياسية واقتصادية بديلة تحظى بقبول دولي واسع.
الاستنزاف الاستراتيجي (Strategic Attrition): عملية التآكل التدريجي والممنهج للموارد المادية (الترسانة العسكرية)، والقدرات اللوجستية، والشرعية الأخلاقية للولايات المتحدة الأمريكية، نتيجة انخراطها في استجابات دفاعية مكلفة لمواجهة تهديدات منخفضة التكلفة وغير متناظرة.
السيادة المعلوماتية (Informational Sovereignty): قدرة الصين على كسر الاحتكار الغربي لتدفق المعلومات وصناعة الوعي العالمي، من خلال توظيف الخوارزميات الرقمية (مثل تيك توك) لتقديم سردية بديلة تتوافق مع مصالحها الاستراتيجية وتضعف الرواية الرسمية للخصم.
اللاشكل (Formlessness): وفقاً لفلسفة صن تزو؛ هو النمط الدبلوماسي والعسكري الصيني الذي يتميز بالمرونة العالية وعدم التموضع في صدام مباشر، مما يسمح لها بالانسياب في الفراغات الجيوسياسية التي يتركها الخصم، تماماً كما ينساب الماء في المنخفضات.
الجيوسياسية المائوية (Hydro-Geopolitics): نمط من الممارسة الاستراتيجية يتميز بالسيولة والمرونة العالية (إسقاطاً لمبدأ اللاشكل)، حيث تنساب السياسة الصينية في الفراغات التي يتركها الخصم وتتجنب الصدام المباشر مع نقاط قوته، تماماً كما يتكيف الماء مع تضاريس الأرض.
الردع الناعم (Soft Deterrence): استخدام الأدوات غير العسكرية (الدبلوماسية، الإعلام الرقمي، الاقتصاد) لخلق بيئة دولية ضاغطة على الخصم، مما يحد من خياراته الهجومية ويجبره على اتخاذ مواقف دفاعية دون الحاجة لإطلاق رصاصة واحدة.
إجهاد القيادة (Command Fatigue): حالة التشتت الاستراتيجي والإنهاك الذهني والسياسي الذي يصيب مراكز صنع القرار في واشنطن نتيجة التعامل المتزامن مع أزمات متعددة ومعقدة، مما يقلص من دقة التنبؤ وسرعة الاستجابة للتحديات الكبرى.
حدود الدراسة:
الحدود الزمانية: تمتد الدراسة من أكتوبر 2023 وصولاً إلى التداعيات الجيوسياسية الراهنة في مارس 2026؛ حيث يفرض هذا النطاق منطق التحليل الاستراتيجي لرصد الملامح النهائية للاستراتيجية الصينية التي تبلورت عبر التفاعلات المتراكمة خلال هذه الفترة.
الحدود الموضوعية: تقتصر الدراسة على تحليل الاستراتيجية الصينية تجاه أحداث “طوفان الأقصى”، وكيفية توظيف هذه الأزمة دولياً في سياق صراع القوى العظمى (الولايات المتحدة والصين).
الحدود النظرية (المطارحات الفلسفية): ترتكز الدراسة حصراً على الأدبيات العسكرية الواردة في كتاب “فن الحرب” (The Art of War) للمؤلف “صن تزو” (Sun Tzu)؛ وهو القائد العسكري والفيلسوف الصيني الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، يُعد كتابه أقدم وأهم أطروحة عسكرية في التاريخ (الشنقيطي، 2024، 05:10 – 06:05).
حيث يركز على مبادئ “الانتصار دون قتال”، “الخداع الاستراتيجي”، و”السيولة والمائوية في إدارة الصراع”، وتلتزم الدراسة بإسقاط هذه المفاهيم الكلاسيكية على السلوك الصيني المعاصر دون التوسع في نظريات استراتيجية أخرى.
المطلب الأول: الاستراتيجيات الأربع الكبرى (المسار الميداني والسياسي):
لم تكن الاستجابة الصينية تجاه أحداث “طوفان الأقصى” وتداعياتها الجيوسياسية مجرد رد فعل دبلوماسي عابر، بل جاءت تعبيراً عن عقيدة استراتيجية ناضجة تسعى من خلالها بكين إلى إعادة تعريف دورها كقوة عظمى في الشرق الأوسط والعالم، ويركز هذا المطلب على تشريح أربع استراتيجيات كبرى اتبعتها بكين، تداخلت فيها المسارات الميدانية بالسياسية لتحقيق أهداف بعيدة المدى.
تبدأ هذه الاستراتيجيات بـ “تآكل الهيمنة”، حيث استثمرت بكين في الاستنزاف الأمريكي الميداني والمادي لتحجيم قدرة واشنطن على المناورة في ملفات أخرى كتايوان، وتنتقل إلى “الاصطفاف مع الجنوب العالمي” لانتزاع الشرعية الأخلاقية وكسر السردية الغربية عبر أدوات القوة الناعمة والرقمية، كما يتناول المطلب براغماتية الصين في “تأمين ممراتها التجارية” وسلاسل توريدها عبر سياسة “الحياد النشط”، وينتهي بالمسار الأكثر طموحاً وهو “الدبلوماسية الموازية”، التي حاولت من خلالها بكين كسر الاحتكار الأمريكي لعملية السلام وتقديم نفسها كمركز ثقل دولي بديل وقادر على صياغة حلول استشرافية للصراعات المزمنة.
إن تضافر هذه الاستراتيجيات يظهر كيف وظفت الصين الأزمة كـ “مختبر ميداني” لاختبار قدرة النظام الدولي أحادي القطب على الصمود، وتقديم بديل صيني يرتكز على الأمن التنموي وتعددية الأقطاب.
أولاً: استراتيجية “تآكل الهيمنة” واستنزاف التركيز الاستراتيجي الأمريكي:
تُعد استراتيجية “تآكل الهيمنة” (Hegemonic Erosion) حجر الزاوية في العقيدة السياسية الصينية تجاه الأزمات الدولية الكبرى، فبينما تنخرط القوى التقليدية في مواجهات مباشرة، تتبنى بكين نهجاً يقوم على مبدأ “الاستنزاف غير المتماثل” لموارد الخصم، ليس بهدف الهزيمة العسكرية المباشرة، بل لجعل تكلفة الهيمنة الأمريكية فوق طاقة تحمل الاقتصاد والقدرات اللوجستية لواشنطن، وهو ما تجلى بوضوح في التعاطي الصيني مع تداعيات “طوفان الأقصى”.
(1) توصيف “فخ الموارد” وإعادة التموضع العسكري:
كشفت التجربة الميدانية في البحر الأحمر عن معضلة استراتيجية تواجه الولايات المتحدة في إدارة صراعات المستقبل، وتحديداً في مسألة الإمداد والقدرة الإنتاجية؛ حيث استُنزفت الأسلحة الحيوية والصواريخ الاعتراضية بسرعة تفوق بكثير قدرة مصنعي الدفاع الأمريكيين على تعويضها، لدرجة أن القوات البحرية أطلقت في يوم واحد صواريخ “توماهوك” أكثر مما أنتجته البلاد في عام كامل (Mercogliano, 2025) .
بالإضافة إلى ذلك، أدى الانتشار الطويل لحاملات الطائرات تحت الضغط المستمر إلى تذبذب حالة المعدات ومعنويات الطواقم، مما كشف عن هشاشة في عقيدة الردع المستدام عند العمل في مناطق معادية بعيدة عن الموانئ الآمنة (Mercogliano, 2025). وتؤكد التقارير الاستراتيجية أن هذا الاستهلاك المفرط للذخائر في جبهات الشرق الأوسط وضع القدرات الدفاعية الأمريكية في “مأزق حقيقي” يهدد الجاهزية العسكرية في حال اندلاع صراع واسع النطاق (Knighton, 2024)، وباتت واشنطن مضطرة للمفاضلة الصعبة بين تأمين حلفائها في الشرق الأوسط وبين الحفاظ على رصيدها الاستراتيجي اللازم لردع أي تصعيد في المحيط الهادئ.
في المقابل، “تراقب بكين بكثافة عملية الاستنزاف هذه، حيث تشير التقديرات إلى أن واشنطن تواجه عجزاً حرجاً في مخزونات الأسلحة الضرورية لحماية تايوان؛ مما يمنح الصين ميزة استراتيجية غير مسبوقة ويقلص قدرة الولايات المتحدة على التدخل الفعال في محيطها الحيوي بالمحيط الهادئ في حال اندلاع أزمة متزامنة” (Asia Times, 2026).
(2) تآكل المصداقية الردعية وإجهاد القيادة:
يشير المحللون في مؤسسة بروكينجز إلى أن الانخراط الأمريكي المكثف في أزمات الشرق الأوسط يعيد رسم حدود النفوذ العالمي بشكل يخدم التوجهات الصينية؛ إذ يؤدي هذا التشتت واستنزاف القدرات الذهنية واللوجستية للقيادة الأمريكية إلى حالة من “إجهاد القيادة ” (Command Strain)، مما يسهم في تآكل المصداقية الردعية لواشنطن التي تظهر كقوة مثقلة بالأعباء (Overstretched) وعاجزة عن الحفاظ على نظام “مناطق النفوذ” التقليدي في المحيط الهادئ (O”Hanlon, 2024) .
هذا “الاهتزاز في المصداقية” هو ما تسعى بكين لتكريسه، محولةً العجز الأمريكي عن فرض تسوية سياسية في غزة إلى برهان دولي على نهاية عصر القطبية الواحدة وفشل نظام “الأمن الجماعي” الغربي.
(3) المقايضة الجيوسياسية وملء الفراغات الاستراتيجية:
تتحرك الصين في إطار “المقايضة الجيوسياسية” عبر استغلال التشتت الأمريكي لفرض واقع جديد في محيطها الحيوي، وتشير التحليلات إلى أن السردية التقليدية لواشنطن تجاه تايوان باتت تواجه تحديات وجودية تتطلب تحديثاً جذرياً لمواكبة الضغوط الصينية المتزايدة (Hass, 2024).
إن إدراك بكين لضعف قدرة واشنطن على الحفاظ على “الوضع الراهن” (Status Quo) دفعها لملء الفراغات الاستراتيجية عبر تكثيف ضغوطها العسكرية والدبلوماسية.
ويتجلى هذا في المسار السياسي عبر استخدام الفشل الأمريكي في احتواء الأزمة كحجة دبلوماسية للمطالبة بإصلاح شامل لمنظومة الأمن العالمي، وتقديم “المبادرة الصينية للأمن العالمي” كبديل أكثر توازناً وأقل كلفة من التدخلية الأمريكية المباشرة.
ثانيًا: استراتيجية “الاصطفاف مع الجنوب العالمي” وانتزاع القيادة الأخلاقية:
تمثل استراتيجية “الاصطفاف” إحدى أنجح أدوات القوة الناعمة الصينية التي تبلورت عقب “طوفان الأقصى”؛ حيث لم تكتفِ بكين بالوقوف في منطقة الحياد، بل تحركت بذكاء لتقديم نفسها كـ “صوت المحرومين” والمدافع عن العدالة الدولية، مستغلةً التناقضات الصارخة في السلوك الغربي تجاه الأزمات الإنسانية.
(1) كشف “ازدواجية المعايير” وتآكل السردية الغربية:
استثمرت الصين بشكل مكثف في إظهار التباين بين الموقف الأمريكي والأوروبي الداعم لأوكرانيا والموقف المنحاز لإسرائيل في غزة، وهو ما تصفه الأدبيات السياسية الصينية بـ “الانتقائية الأخلاقية” للغرب، وفي هذا السياق، تبرز السردية الدولية أن موقف الغرب المتناقض قد منح الصين فرصة ذهبية لتقديم نفسها كبديل أخلاقي؛ إذ أدى الفشل الغربي في تطبيق معايير حقوق الإنسان بشكل متسق بين أوكرانيا وغزة إلى تسريع وتيرة تحول دول الجنوب العالمي نحو بكين، إن هذا الانقسام الأخلاقي لم يعد مجرد نقاش دبلوماسي، بل أصبح دافعاً أساسياً لرؤية الصين كقوة حتمية قادرة على قيادة نظام عالمي أكثر عدالة، بعيداً عن الهيمنة التي تتسم بازدواجية المعايير” (Kamran, 2024).
إن السردية الصينية لم تكن مجرد دفاع عاطفي، بل كانت تهدف إلى إثبات أن النظام الدولي القائم على “القواعد” (Rules-based Order) هو نظام تم تصميمه لخدمة مصالح الغرب فقط، وأن البديل الصيني يرتكز على “سيادة القانون الدولي” والمساواة بين الشعوب.
(2) انتزاع القيادة الدبلوماسية في المحافل الدولية:
يرى المحللون في معهد تشاتام هاوس أن الاستراتيجية الصينية في المحافل الدولية تتجاوز الصراع المباشر؛ فهي تهدف بالأساس إلى تقديم بكين كقائد بديل للنظام الدولي عبر استغلال العزلة الدبلوماسية التي واجهتها واشنطن بسبب دعمها غير المشروط لإسرائيل، إن سعي بكين الدؤوب لحشد أصوات الجنوب العالمي في الأمم المتحدة يهدف إلى احتواء النفوذ الأمريكي وإظهار الولايات المتحدة كقوة معزولة أخلاقياً، مما يعزز من شرعية الصين كمركز ثقل دبلوماسي جديد يتبنى قضايا الأغلبية العالمية (Yu, 2023).
(3) توظيف “القوة الرقمية” لكسر احتكار السردية:
تؤكد الدراسات الاستراتيجية الحديثة (Zaheer et al., 2025) أن الصين نجحت في تحويل خوارزمياتها إلى “سلاح معرفي” عابر للحدود، حيث لم تعد منصة مثل (TikTok) مجرد أداة ترفيهية، بل أصبحت وسيلة لفرض “السيادة الخوارزمية” التي تكسر الهيمنة المعلوماتية الأمريكية، مما أتاح للسرديات البديلة في أحداث “طوفان الأقصى” الانتشار بعيداً عن الفلترة الغربية التقليدية”.
وفي ذات السياق، كشفت تقارير Middle East Eye (2024) أن المحاولات الأمريكية لحظر التطبيق لم تكن مجرد مخاوف تقنية، بل ارتبطت بشكل مباشر بقدرة هذه المنصة على نشر محتوى مكثف يناصر القضية الفلسطينية، مما أدى إلى “عزلة أخلاقية” لواشنطن وسط الأجيال الشابة وبناء جبهة رقمية عالمية تتوافق مع الرؤية الصينية للمشهد الدولي.
ثالثًا: استراتيجية “تأمين الممرات” والبراغماتية الصينية في حماية سلاسل التوريد:
تعتبر حماية الممرات المائية وسلاسل التوريد الحيوية أولوية قصوى للأمن القومي الصيني، خاصة وأن ما يقرب من 60% من واردات الطاقة الصينية تمر عبر منطقة الشرق الأوسط، وفي ظل تداعيات “طوفان الأقصى” وتصاعد التوترات في البحر الأحمر، تبنت بكين استراتيجية “الحياد النشط” لضمان تدفق تجارتها مع تجنب التكاليف السياسية والعسكرية للانحياز.
(1) “الممر الآمن” والتمييز الاستراتيجي:
رصدت تقارير الملاحة الدولية تحولاً استراتيجياً في حركة العبور عبر مضيق باب المندب؛ حيث استطاعت السفن المرتبطة بالصين الحفاظ على وتيرة عبور مرتفعة في وقت تراجعت فيه حركة الملاحة العالمية بشكل حاد، وتشير البيانات الصادرة عن (Lloyd”s List, 2024) إلى أن السفن الصينية باتت تهيمن على حركة العبور في منطقة البحر الأحمر، مستفيدةً من تفاهمات ضمنية وتواصل دبلوماسي غير مباشر وفر لها ضمانات أمنية لم تتوفر للسفن الغربية، هذا “التمييز الاستراتيجي” لم يضمن تدفق البضائع الصينية فحسب، بل منح بكين ميزة تنافسية كبرى عبر تجنب تكاليف التأمين الباهظة ومسارات الالتفاف الطويلة، مما يثبت نجاح البراغماتية الصينية في تحويل نفوذها السياسي إلى درع حماية لمصالحها الاقتصادية الحيوية.
(2) استقرار سلاسل التوريد ومشروع “الحزام والطريق“:
تمثل حماية تدفقات الطاقة والسلع جوهر الأمن القومي الصيني، وهو ما دفع بكين لممارسة ضغوط دبلوماسية مكثفة لضمان بقاء الممرات المائية الحيوية مفتوحة أمام حركة التجارة العالمية، وتشير تقارير (Bloomberg, 2026) إلى أن القيادة الصينية كثفت تواصلها مع الأطراف الإقليمية الفاعلة لضمان استقرار مضيق هرمز والبحر الأحمر، مدركةً أن أي تعطل طويل الأمد في هذه الممرات سيقوض جدوى استثمارات “مبادرة الحزام والطريق” (BRI) ، إن استقرار سلاسل التوريد في هذه المنطقة لا يعد مجرد ضرورة اقتصادية لبكين، بل هو اختبار لقدرتها على إدارة الأزمات الدولية بعيداً عن التدخل العسكري المباشر، حيث تسعى الصين لتكريس نموذج “الأمن عبر التنمية” كبديل للسردية الغربية، مما يضمن استمرارية تدفق الموارد الحيوية اللازمة لنمو الاقتصاد الصيني واستكمال مشاريع البنية التحتية العابرة للقارات.
(3) الضغط من أجل “حلول تنموية” للأزمات الأمنية:
تسعى الصين من خلال “مبادرة الأمن العالمي” (GSI) إلى تكريس مفهوم جديد يربط بشكل عضوي بين الأمن والتنمية، معتبرة أن معالجة الجذور الاقتصادية للصراعات هي الوسيلة الوحيدة لتحقيق استقرار مستدام. وتشير التحليلات الاستراتيجية لعام 2026 إلى أن بكين تستغل الأزمات الراهنة للترويج لنموذج “الأمن التنموي” كبديل للتدخلات العسكرية الغربية؛ حيث ترى الصين أن التنمية المشتركة وتحسين البنية التحتية هما الضمان الحقيقي لعدم انزلاق المناطق الحيوية إلى دوامات العنف (The Diplomat, 2026).
هذا التوجه يطمح إلى سحب البساط من السردية الأمنية الأمريكية عبر تقديم حلول قائمة على البناء لا الهدم، مما يعزز من جاذبية النموذج الصيني لدى دول الجنوب العالمي التي سئمت من سياسات العقوبات والمواجهات العسكرية.
رابعًا: استراتيجية “الدبلوماسية الموازية” وتقديم بكين كمركز ثقل دولي بديل:
تمثل استراتيجية “الدبلوماسية الموازية” القفزة الصينية الأكثر جرأة في ملف “طوفان الأقصى”؛ حيث سعت بكين لكسر الاحتكار الأمريكي التاريخي لعملية السلام، وتقديم “منصة بكين” كبديل يتسم بالتوازن والشمولية، بعيداً عن سياسة “الانحياز والضغط” التي تمارسها واشنطن.
(1) “إعلان بكين” وشرعية تمثيل الفصائل:
نجحت الصين في ممارسة “دبلوماسية موازية” عالية المستوى عبر رعاية حوار وطني شامل ضم كافة الفصائل الفلسطينية، وهو ما تُوّج بتوقيع “إعلان بكين” لإنهاء الانقسام وتعزيز الوحدة الوطنية. ويُعد هذا التحرك الصيني بمثابة تحدٍ مباشر للاحتكار الأمريكي لملف الوساطة؛ حيث قدمت بكين منصة سياسية تمنح “الشرعية الدولية” لتمثيل فلسطيني موحد يضم كافة الأطياف، مؤكدةً على أن حل القضية الفلسطينية يجب أن ينبع من إرادة وطنية مستقلة مدعومة بضمانات دولية متعددة الأطراف، لا بقرارات أحادية تفرضها القوى الغربية (وكالة أنباء شينخوا، 2024).
إن قدرة بكين على جمع 14 فصيلاً فلسطينياً تحت سقف واحد تعزز من صورتها كمركز ثقل دولي بديل قادر على صياغة توافقات سياسية عجزت عنها القوى التقليدية، مما يرسخ دورها كـ “وسيط نزيه” يرتكز على مبادئ القانون الدولي.
(2) بناء المنصات الدولية البديلة:
تجاوزت الدبلوماسية الصينية مرحلة الوساطة التقليدية إلى مرحلة طرح رؤى استراتيجية شاملة لإدارة الأزمات، وهو ما تجلى في رفض بكين للمبادرات الأحادية التي تقودها واشنطن وطرحها لرؤية منافسة لمستقبل قطاع غزة. وتشير التقارير الاستراتيجية لعام 2026 إلى أن بكين نجحت في بناء منصة دولية بديلة ترتكز على “تعددية الأقطاب” وتدعو إلى مؤتمر سلام دولي واسع الصلاحيات، يهدف إلى إنهاء الوصاية الأمريكية على الملف الفلسطيني (Modern Diplomacy, 2026).
إن هذا التوجه يسعى إلى تحويل “إعلان بكين” من مجرد اتفاق مصالحة إلى إطار عمل دولي معترف به، مما يضع المجتمع الدولي أمام خيارين: إما الاستمرار في نهج “إدارة الصراع” الذي تتبعه واشنطن، أو الانخراط في “حل الصراع” عبر المنصة الصينية المدعومة من دول الجنوب العالمي والقوى الصاعدة.
(3) “حل الدولتين” من منظور صيني استشرافي:
تتبنى بكين رؤية استشرافية تجاه “حل الدولتين” لا تكتفي فيها بالبيانات الدبلوماسية، بل تسعى لتحويله إلى استحقاق دولي ملزم ينهي حالة التفرد الأمريكي بالملف، وتشير تقارير (Modern Diplomacy, 2026) إلى أن الرؤية الصينية الصاعدة تربط بين الاستقرار الميداني في غزة وبين ضرورة الاعتراف الفوري بالدولة الفلسطينية كاملة العضوية في الأمم المتحدة كمدخل إلزامي لأي ترتيبات أمنية مستقبلية.
إن المنظور الصيني يرى في “حل الدولتين” أداة استراتيجية لتقويض “سياسة إدارة الأزمات” التي تنتهجها واشنطن، مستبدلةً إياها بجدول زمني دولي صارم يحظى برعاية متعددة الأطراف، مما يضمن دمج القضية الفلسطينية ضمن هيكل الأمن العالمي الجديد الذي تروج له بكين، وهو ما يعزز من شرعية الدور الصيني كقوة عظمى مسؤولة وقادرة على طرح بدائل حقيقية للصراعات المزمنة.
المطلب الثاني: المقاربة الفلسفية (إسقاط الاستراتيجيات على مبادئ صن تزو):
لا يمكن فهم التحركات الاستراتيجية للصين تجاه أزمة “طوفان الأقصى” وتداعياتها العالمية بمعزل عن الإرث الفلسفي العسكري الذي يمتد لآلاف السنين في العقل السياسي الصيني. فبينما تميل المدرسة الاستراتيجية الغربية غالباً إلى “المواجهة الصريحة” واستخدام القوة الصلبة لحسم الصراعات، تنهل الدبلوماسية الصينية المعاصرة من نبع كتاب “فن الحرب” (The Art of War) للفيلسوف “صن تزو” (Sun Tzu)، الذي يرى أن قمة المهارة لا تكمن في الانتصار في مائة معركة، بل في “قهر العدو دون قتال”.
إن السلوك البراغماتي الذي اتبعته بكين في إدارة توازنات القوى بين واشنطن والشرق الأوسط، لم يكن مجرد رد فعل آني على الأحداث، بل هو تطبيق منهجي لمبادئ فلسفية كبرى؛ مثل “الخداع الاستراتيجي”، و”الدبلوماسية بلا شكل”، وتوظيف “القوة الكامنة” (Shi).
يهدف هذا المطلب إلى تشريح هذه السلوكيات عبر إسقاطها على المبادئ التقليدية لصن تزو، لإثبات كيف نجحت الصين في تحويل الأزمة من “تهديد لاستقرار ممرات الطاقة” إلى “فرصة استراتيجية” لتقويض الهيمنة الأمريكية وإعادة صياغة السردية الأخلاقية والسياسية للنظام الدولي، محققةً بذلك انتصارات هادئة في ساحات المعارك الدبلوماسية والمعلوماتية قبل أن تبدأ المواجهة المباشرة.
أولاً: تمثلات “تآكل الهيمنة” في ضوء استراتيجيات الخداع عند “صن تزو”
يرى الباحث أن “تظاهر الصين بالحياد” أو العجز عن التدخل المباشر في أزمة الشرق الأوسط ليس خمولاً سياسياً، بل هو تطبيق حرفي لمبدأ “الخمود النشط”، فالهدف هو ترك الخصم (الولايات المتحدة) يغرق في استنزاف موارده العسكرية والسياسية،هذا التكتيك يجد جذوره في الفصل الأول من كتاب (فن الحرب) تحت عنوان “وضع الخطط” في المبادئ (17-18) التي تنص على: “كل حرب تقوم على الخداع، لذا، عندما نكون قادرين على الهجوم، يجب أن نبدو عاجزين؛ وعندما نستخدم قواتنا، يجب أن نبدو خاملين؛ وعندما نكون قريبين، يجب أن نجعل العدو يعتقد أننا بعيدون؛ وعندما نكون بعيدين، يجب أن نجعل العدو يعتقد أننا قريبون”([1]).
لقد طبقت الصين هذا المبدأ في تعاطيها مع أزمة “طوفان الأقصى” عبر استراتيجية “الخمول النشط”؛ فبينما كانت القوى الغربية تنتظر تدخلاً صينياً مباشراً، حافظت بكين على خطاب دبلوماسي اتسم بالتحفظ، مما أعطى انطباعاً لواشنطن بمحدودية الأدوات الصينية للتأثير في المنطقة (Hass, 2024) .
هذا “التظاهر بالعجز” استدرج الولايات المتحدة نحو الاندفاع الكامل لملء الفراغ الأمني، مما أوقعها في “فخ الموارد” واستنزاف ترسانتها الصاروخية في البحر الأحمر بمعدلات تفوق قدرة الإمداد اللوجستي (Mercogliano, 2025).
إن الخداع الصيني هنا -بمنظور صن تزو- استهدف إحباط خطط الخصم عبر تركه يستهلك “زخمه” في جبهات ثانوية، وعندما وصل الإجهاد الأمريكي ذروته نتيجة “إجهاد القيادة” (O”Hanlon, 2024)، كشفت الصين عن قدرتها الفعلية من خلال رعاية “إعلان بكين” (وكالة شينخوا، 2024). لتثبت أنها كانت “قادرة” طوال الوقت، لكنها اختارت اللحظة التي يكون فيها الخصم قد استنزف طاقته الذهنية واللوجستية.
“وعلى الرغم من اللغة الدبلوماسية المؤيدة للحقوق العربية، إلا أن القراءة التحليلية المعمقة تكشف عن “براغماتية نفعية صرفه” تحكم التوجه الصيني؛ حيث توصف العلاقة أحياناً بمصطلح (الصهيوصينية) نظراً للجذور التاريخية للصين كواحدة من أوائل الدول الاعتراف بالحركة الصهيونية، وتتجلى هذه البراغماتية في الاستثمارات الصينية الضخمة داخل المستوطنات وبناء البنى التحتية الإسرائيلية، مما يشير إلى أن بكين لا تتحرك من منطلق أخلاقي محض، بل توظف “الخداع الاستراتيجي” للحفاظ على مصالحها الاقتصادية مع إسرائيل، بينما تستنزف النفوذ الأمريكي سياسياً من خلال تبني خطاب بديل أمام الرأي العام العالمي (شوامرة، 2025، 38:18 – 54:10).
ثانيًا: دبلوماسية “اللاشكل” (Formlessness) والاصطفاف مع الجنوب العالمي
يرى الباحث أن تبني الصين لخطاب “العدالة الدولية” والاصطفاف الأخلاقي مع دول الجنوب العالمي في المحافل الدولية (كالأمم المتحدة) ليس مجرد موقف عاطفي، بل هو تطبيق لاستراتيجية “اللاشكل”؛ حيث تظهر بكين قوتها بعروضها العسكرية القوية “قالب” عسكري غير مباشر”، ثم تختار “قالبًا” أخلاقيًا مائعًا يصعب على الخصم (الولايات المتحدة) مهاجمته أو وصمه بالمعادي للسلام، كما يمكنها من تسويق نفسها دوليا كبديل أخلاقي لأميركا.
هذا التكتيك الفلسفي يرتكز على ما قرره صن تزو في الفصل السادس (النقاط الضعيفة والقوية)، وتحديداً في المبادئ (29-30) التي تنص على: “التكتيكات العسكرية تشبه الماء؛ فالماء في مساره الطبيعي ينساب بعيداً عن المرتفعات ويسرع نحو المنخفضات … هكذا في الحرب، الطريقة المثلى هي تجنب ما هو قوي وضرب ما هو ضعيف”([2]).
لقد جسدت الصين هذه الدبلوماسية “المائوية” في الأمم المتحدة عقب أحداث “طوفان الأقصى”؛ فبدلاً من تبني مواقف أيديولوجية “صلبة” قد تصطدم مباشرة بـ “الفيتو” الأمريكي أو تضعها في مواجهة قانونية حادة، انسابت الدبلوماسية الصينية نحو “المناطق الضعيفة” في السردية الغربية، وهي المظلومية الإنسانية والقانون الدولي، ومن خلال تبني خطاب “بلا شكل” أيديولوجي، استطاعت بكين حشد أصوات الجنوب العالمي حول قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، محولةً العزلة الدبلوماسية لواشنطن إلى واقع ملموس (Yu, 2023).
إن القوة الصينية هنا تكمن في عدم وجود “جبهة ثابتة” يمكن للولايات المتحدة ضربها؛ فهي لا تقدم دعماً عسكرياً مباشراً يمكن تجريمه، بل تقدم دعماً “سائلاً” يتمثل في التنسيق السياسي والقيادة الأخلاقية، هذا التكتيك سمح للصين بالهروب من الضغوط الدولية (المرتفعات) والانسياب نحو قيادة الأغلبية العالمية (المنخفضات)، مما أدى في النهاية إلى “تآكل المصداقية الردعية” للولايات المتحدة التي وجدت نفسها تواجه “قوة ناعمة” لا يمكن كسرها بالوسائل التقليدية (O”Hanlon, 2024).
ثالثًا: “تأمين الممرات” والبراغماتية الصينية في ضوء مفهوم “الأرض الميتة” (Dead Ground)
يرى الباحث أن السلوك الصيني تجاه أزمة الممرات المائية (خاصة في البحر الأحمر ومضيق هرمز 2024-2026) لم يكن مجرد دفاع عن حرية الملاحة، بل هو تحرك براغماتي لمواجهة ما يسميه صن تزو “الأرض الميتة”؛ وهي الوضعية التي لا يملك فيها الفاعل خياراً سوى القتال (دبلوماسياً واقتصادياً) للبقاء، نظراً لاعتماد بكين الكلي على سلاسل التوريد والطاقة.
هذا التحليل يستند إلى ما قرره صن تزو في الفصل الحادي عشر (الأنواع التسعة للأرض)، وتحديداً المبدأ (10) والمبدأ (52)، حيث ينص على: “الأرض التي لا يمكننا النجاة فيها من الهلاك إلا بالقتال دون إبطاء، هي الأرض الميتة … ألقِ بجنودك في مواقع لا مفر منها، وسيفضلون الموت على الفرار”([3]).
لقد نجحت الصين في تحويل منطقة البحر الأحمر ومضيق باب المندب إلى “أرض ميتة” استراتيجية للقوى الغربية؛ حيث وجدت البحرية الأمريكية نفسها في مواجهة لا تملك فيها خيار التراجع دون فقدان هيبتها الدولية، ولا تملك خيار الحسم دون استنزاف مفرط لمواردها (Mercogliano, 2025). ومن خلال هذا الوضع، وظفت بكين مفهوم الـ (Shi) وهو المفهوم الذي يشرحه صن تزو في الفصل الخامس (الطاقة) بأنه “الزخم” أو “القوة الكامنة” التي تشبه تدحرج صخرة مستديرة من جبل شاهق.
“إن الصين لم تطلق رصاصة واحدة، بل استفادت من “زخم” الصراع الإقليمي وتفاعلات الأطراف الفاعلة الأخرى لتوجيه الأحداث لصالحها، لقد تركت واشنطن تواجه “الأرض الميتة” وتستهلك طاقتها في محاولة يائسة لتأمين ممرات أصبحت تمثل عبئاً لوجستياً وأخلاقياً، بينما حافظت بكين على “قوتها الكامنة” لاستخدامها في الوقت والمكان المناسبين، محققةً بذلك مبدأ الاستنزاف غير المتماثل للخصم دون الدخول في مواجهة مباشرة” (Knighton, 2024).
رابعًا: “الدبلوماسية الموازية” وتحقيق استراتيجية “الانتصار قبل المعركة“
يرى الباحث أن سعي الصين الحثيث لتقديم نفسها كـ “وسيط دولي بديل” (من خلال المبادرات الأمنية العالمية واتفاقيات الوساطة في الشرق الأوسط (2024-2026) ليس مجرد نشاط دبلوماسي، بل هو تطبيق لمبدأ “إخضاع العدو دون قتال”، فبناء “مركز ثقل” موازٍ للنظام الغربي يسمح للصين بتهيئة مسرح العمليات الدولي لصالحها قبل وقوع أي صدام مباشر.
هذا التوجه الاستراتيجي هو جوهر ما قرره صن تزو في الفصل الثالث (الهجوم بالخديعة)، وتحديداً في المبادئ (2-3) التي تنص على: “لذا، فإن القتال والانتصار في جميع معاركك ليس هو التميز الأسمى؛ التميز الأسمى يكمن في كسر مقاومة العدو دون قتال”([4]).
لقد طبقت الصين هذا المبدأ عبر استراتيجية “الانتصار المسبق” في معركة الشرعية الدولية؛ حيث ركزت جهودها على كسر “الإجماع الأخلاقي” الذي كانت تتمتع به واشنطن في الشرق الأوسط، ومن خلال توظيف القوة الرقمية (كما في منصة (TikTok) لكسر احتكار السردية الغربية، نجحت بكين في تهيئة بيئة معلوماتية عالمية تناصر القضية الفلسطينية وتدين “ازدواجية المعايير” الغربية (Middle East Eye, 2024).
كما أن رعاية بكين لـ (إعلان بكين 2024) لتوحيد 14 فصيلاً فلسطينياً هو تجسيد لمبدأ (إحباط خطط العدو)؛ فبينما كانت الاستراتيجية الأمريكية تقوم على “إدارة الانقسام” وتهميش أطراف معينة، قامت الصين بـ “هندسة الشمول” لانتزاع دور الوسيط الوحيد والمقبول، مما وضع واشنطن في موقف المدافع عن شرعية نموذجها المتآكل في المنطقة (The Diplomat, 2026; Yu, 2024).
إن هذا “الكسر لمقاومة العدو دون قتال” تجلى في عزل الولايات المتحدة دبلوماسياً وجعل مبادراتها تبدو “فاقدة للشرعية” في نظر الجنوب العالمي، وعندما طرحت بكين “إعلان بكين” ومنصاتها البديلة، لم تكن تحتاج لخوض مواجهة سياسية خاسرة مع واشنطن، بل كانت ببساطة تحصد ثمار “الانتصار الأخلاقي” الذي هيأته مسبقاً.
“إن تهيئة هذه الظروف جعلت النموذج الصيني يبدو كخيار حتمي وأكثر عدالة، مما أدى لتقويض الهيمنة الأمريكية بـ “القوة الناعمة” والشرعية الدولية، وهو ما يمثل التجسيد المعاصر لمفهوم “الانتصار قبل بدء المعركة.
المطلب الثالث: طوفان الأقصى كنموذج للمحاكاة الاستراتيجية الصينية
لا تنظر العقيدة العسكرية الصينية إلى الأزمات الدولية الكبرى بصفتها مجرد تحديات جيوسياسية عارضة، بل تتعامل معها كـ “مختبرات ميدانية” حية لاختبار مدى كفاءة نظرياتها الكلاسيكية في مواجهة التقنيات الغربية الحديثة، ويمثل هذا المطلب حلقة الوصل التطبيقية في دراستنا؛ فبعد رصد الاستراتيجيات الصينية في الميدان (المطلب الأول)، وتأصيلها فلسفياً في ضوء مبادئ صن تزو (المطلب الثاني)، يأتي هذا المطلب ليحلل “الدروس المستخلصة” من واقع أحداث طوفان الأقصى (2023-2026).
إن التركيز هنا ينصب على كيفية محاكاة الصين لظواهر ميدانية وتقنية برزت في هذا الصراع، مثل “حرب الأنفاق” و”المسيرات” و”المعارك الرقمية”، ليس فقط لفهم طبيعة الصراع في الشرق الأوسط، بل لتوظيف هذه الدروس في تعزيز “السيادة الوطنية” الصينية وتحضير مسرح العمليات القادم في المحيط الهادئ. ومن هذا المنطلق، يسعى هذا المطلب لتفكيك الأدوات التقنية والمالية التي تشكل “الدرع السيادي” للصين، بدءاً من المحاكاة المادية لحرب الأنفاق، وصولاً إلى التحصين الرقمي والمالي ضد الهيمنة الغربية.
أولاً: “حرب الأنفاق” ومحاكاة مبدأ “الماء والسيولة” (ارتباطاً باستراتيجية تآكل الهيمنة):
تمثل “حرب الأنفاق” التجسيد الميداني الأبرز لمفهوم “اللاشكل” (Formlessness)؛ حيث تتحول الأرض الصلبة إلى بيئة سائلة تسمح بالظهور والاختفاء المفاجئ. ويقرر صن تزو في الفصل السادس (النقاط الضعيفة والقوية)، المبدأ رقم 9، أهمية الغموض المكاني: “يا لفن الخفاء والكتمان الإلهي! من خلالك نتعلم كيف نكون غير مرئيين، ومن خلالك نكون غير مسموعين؛ وبذلك يمكننا الإمساك بمصير العدو بين أيدينا.”([5])
تراقب العقيدة العسكرية الصينية “شبكة الأنفاق” ليس كأداة دفاعية تقليدية، بل كمنظومة “سيولة قتالية” تحيد التفوق الجوي والتقني للخصم، إن قدرة المقاتل على النفاذ من “مسارات غير مرئية” تحاكي تماماً حركة الماء التي تنساب في الشقوق، مما يجعل “جبهة القتال” غير محددة المعالم (Unfixed Front).
تشير التحليلات الاستراتيجية لعام 2026 إلى أن الصين تستخلص من هذا المختبر الميداني دروساً جوهرية حول “الدفاع النشط” في البيئات الحضرية المكتظة؛ حيث أثبتت التجربة أن “العمق تحت الأرضي” قادر على امتصاص الصدمات التكنولوجية الكبرى وتأخير حسم المعارك لصالح الطرف الأضعف عسكرياً والأقوى استراتيجياً (Asia Times, 2026).
هذا النموذج يعيد صياغة “سيكولوجية المكان” في العقل العسكري الصيني، مؤكداً أن الانتصار لا يتحقق بالسيطرة على السطح، بل بالقدرة على البقاء “غير مرئي وغير مسموع” تحت السطح، مما يمنح المدافع القدرة على التحكم في “مصير الخصم” عبر استنزافه في متاهات لا نهائية.
ثانيًا: “السيادة المعلوماتية” وسيكولوجية “إرباك الخصم” (ارتباطاً باستراتيجية الاصطفاف مع الجنوب العالمي):
في عقيدة صن تزو، يعد الاستيلاء على عقل الخصم أهم من حصونه، يشير في الفصل الثالث (الهجوم بالخديعة)، المبدأ رقم 1، إلى أن الأولوية هي إحباط الخطط: “في فن الحرب العملي، أفضل شيء على الإطلاق هو الاستيلاء على بلد العدو كاملاً وسليماً؛ أما تحطيمه وتدميره فليس جيداً … وهكذا، فإن أسمى أشكال القيادة هي إحباط خطط العدو.”([6])
لقد طبقت الصين هذا المبدأ عبر مفهوم “السيادة المعلوماتية”؛ حيث نجحت في إحباط “خطة السردية الموحدة” التي حاول الإعلام الغربي فرضها عقب “طوفان الأقصى”، ومن خلال خوارزميات منصة TikTok، التي تختلف بنيوياً عن المنصات الأمريكية، سمحت بكين بتدفق محتوى “غير مفلتر” كسر احتكار الرواية الرسمية الغربية، مما أدى إلى تحول جذري في مواقف الأجيال الشابة (Gen Z) في الغرب تجاه القضية الفلسطينية (Middle East Eye, 2024).
إن القوة التقنية الصينية هنا لم تكن في نشر “بروباغندا” مباشرة، بل في توفير “البيئة التقنية” التي سمحت للسردية البديلة بالانتشار والنمو بشكل عضوي، مما أدى إلى “إحباط خطط” واشنطن في الحفاظ على الإجماع الداخلي المؤيد لسياساتها.
ويشير تحليل مجلة ألترا صوت (2024) إلى أن “تحول تيك توك من منصة ترفيهية إلى “ميدان حرب رقمي”، حيث تُخاض معركة السرديات عبر مقاطع قصيرة عابرة للحدود، مما جعل القوة الناعمة الصينية (ممثلة بالتقنية) قادرة على إحداث شروخ عميقة في الإجماع الداخلي الغربي”، وهذا “السلاح الجيوسياسي الرقمي” وضع الولايات المتحدة في مأزق سيادي، حيث وجدت نفسها عاجزة عن السيطرة على تدفق المعلومات داخل حدودها، مما يثبت أن السيادة المعلوماتية الصينية باتت قادرة على “الاستيلاء على الوعي” العالمي دون الحاجة لتحطيم البنية التحتية للخصم، محققةً بذلك “أسمى أشكال القيادة” عند صن تزو.
ثالثًا: “تحييد التكنولوجيا” ومعضلة التكلفة (ارتباطاً باستراتيجية تأمين الممرات):
تعتمد الاستراتيجية الصينية على البحث عن الثغرات في دروع الخصم المثقلة بالتقنيات الباهظة. يوضح صن تزو في الفصل السادس، المبدأ رقم 7، أن المهارة تكمن في مهاجمة الأماكن غير المحمية: “يمكنك أن تثق بالنجاح في هجماتك إذا هاجمت فقط الأماكن غير المحمية. ويمكنك ضمان سلامة دفاعك إذا شغلت فقط المواقع التي لا يمكن مهاجمتها.”([7])
لقد كشفت أحداث البحر الأحمر عن “معضلة التكلفة” التي واجهتها البحرية الأمريكية؛ حيث استُخدمت طائرات مسيرة (درونز) زهيدة الثمن لاستنزاف صواريخ اعتراضية تبلغ تكلفة الواحد منها ملايين الدولارات، تدرس بكين هذا النموذج كأداة لتحييد “الأماكن المحمية” تكنولوجياً عبر إغراقها بهجمات “منخفضة التكلفة” تخرج منظومات الدفاع عن الخدمة فعلياً بسبب استنزاف المخزون (Knighton, 2024).
هذا التحييد التقني يمثل وسيلة لكسر الردع الأمريكي في المحيط الهادئ عبر “جيوش رقمية مسيرة” تضرب مفاصل القوة بأقل كلفة (Asia Times, 2026).
إن التوظيف الصيني للذكاء الاصطناعي في الأسلحة المسيرة يهدف إلى خلق “مواقع لا يمكن مهاجمتها” تقليدياً، حيث تتميز هذه الأسلحة بالصغر والكثرة والقدرة على المناورة الجماعية (Swarm Intelligence).
تشير التقارير الاستراتيجية لعام 2026 إلى أن الصين ترى في هذا “التحييد التقني” وسيلة لكسر الردع الأمريكي في المحيط الهادئ؛ فبدلاً من بناء حاملات طائرات مكلفة تماثل النموذج الأمريكي، تستثمر بكين في “جيوش رقمية مسيرة” قادرة على ضرب مفاصل القوة الغربية بأقل كلفة ممكنة، محققةً بذلك مبدأ صن تزو في الهجوم على “المواضع غير المحمية” اقتصادياً ولوجستياً (Asia Times, 2026).
رابعًا: “الدرع المالي الرقمي” وتأمين الإمدادات (ارتباطاً باستراتيجية الدبلوماسية الموازية):
يرى صن تزو أن الإمدادات هي العمود الفقري للصراع، يقرر في الفصل الثاني (شن الحرب)، المبدأ رقم 9: “أحضر معدات الحرب معك من وطنك، ولكن اعتمد في مؤنك على أرض العدو؛ وهكذا سيكون لدى الجيش طعام يكفي لاحتياجاته.”([8])
لقد استخلصت الصين من أزمة “طوفان الأقصى” والتفاعلات الجيوسياسية المحيطة بها درساً جوهرياً في “السيادة المالية الرقمية”؛ “إن تطوير نظام المدفوعات عبر الحدود بين البنوك (CIPS) ليس مجرد خطوة تقنية، بل هو أداة جيوسياسية تهدف إلى كسر احتكار نظام (SWIFT) وتوفير قناة مالية آمنة للصين وحلفائها بعيداً عن الرقابة الأمريكية” (CSIS, 2024).
إن بناء “درع مالي رقمي” يسمح للصين بمواصلة التجارة وسلاسل التوريد حتى في حال فرض عقوبات شاملة، مما يحول “سلاح الدولار” إلى أداة غير فعالة، تشير التحليلات الاستراتيجية لعام 2026 إلى أن التوسع الصيني في “اقتصاد البلوكشين” والعملات البديلة يمثل تطبيقاً معاصراً لمبدأ صن تزو في تأمين “المؤن” والاحتياجات الأساسية بعيداً عن سيطرة الخصم، مما يضمن للصين نفساً استراتيجياً طويلاً في أي مواجهة مستقبلية حول تايوان أو بحر الصين الجنوبي، محققةً بذلك استقلالية كاملة في “إدارة موارد الحرب” (Modern Diplomacy, 2026).
خاتمة الدراسة:
بعد دراسة وقائع استنزاف الولايات المتحدة ما بين (2024-2026) وإسقاطها على العقيدة العسكرية لـ “صن تزو”، توصل البحث إلى النتائج الآتية:
1- نجاعة “الخمود النشط”: أثبتت الصين أن “عدم التدخل المباشر” استراتيجية هجومية بحد ذاتها؛ حيث نجحت في دفع الخصم (واشنطن) لاستنزاف مخزونه الاستراتيجي من الصواريخ الاعتراضية والجهد العسكري في جبهات ثانوية (البحر الأحمر +إيران).
2- تحطم السردية الأحادية: بفضل “السيادة المعلوماتية” المتمثلة في منصات مثل (TikTok)، فقدت الولايات المتحدة احتكارها للرواية الأخلاقية، مما أدى لنمو “كتلة أخلاقية” عالمية تدعم التعددية القطبية.
انتصار “اللاشكل”: تجسدت عبقرية صن تزو في “الدبلوماسية المائوية”؛ إذ انساحت بكين في الفراغات التي تركها الاندفاع الأمريكي، محققةً “إعلان بكين” كبديل للوساطات الغربية التقليدية.
3- المختبر الميداني: تمثل أحداث (2024-2026) “ميدان تجارب” ذهبياً للصين؛ حيث تعلمت كيفية تحييد التكنولوجيا الغربية المكلفة بواسطة حلول “منخفضة التكلفة” (الدرونز والأنفاق)، مما يعيد صياغة عقيدتها العسكرية، واحتمالات حرب تايوان.
4- البراغماتية المكيافيلية (الصهيوصينية): كشفت الدراسة أن الموقف الصيني لا ينطلق من مثالية أيديولوجية، بل من “براغماتية نفعية صرفه” (شوامرة، 2025)؛ حيث توظف بكين الخطاب المؤيد للعرب لاستنزاف أمريكا سياسياً، بينما تحافظ في العمق على شبكة مصالحها مع إسرائيل عبر الاستثمارات في المستوطنات والبنى التحتية، مؤكدةً جذور “الصهيوصينية” كأداة توازن تحقق للصين مكاسب مادية من كافة الأطراف المتصارعة، وهذه هي “البراغماتية المكيافيلية” بصورتها الفجة.
توصيات الدراسة:
بناءً على النتائج والتحليلات السابقة، توصي الدراسة بالآتي:
1- في المرتكزات الحضارية والسيادية (بناء الذات): ضرورة العمل على بناء “دولة العلم والإيمان”؛ عبر الاستمساك بالشريعة والهوية الإسلامية، فالإيمان هو “المفجر الحقيقي” لطاقات الشعوب، والمحرك الأساسي للإبداع العلمي والمعرفي؛ مما يخلق جبهة داخلية صلبة قادرة على مواجهة الاختراقات الثقافية والتبعية الاستراتيجية، ويحول الأمة من “ميدان للصراع” إلى “قوة فاعلة” تمتلك إرادتها ومصيرها.
2- للباحثين والاستراتيجيين: ضرورة قراءة النزاعات الإقليمية كأدوات في “صراع القوى الكبرى، مع الحذر من الانخداع بالخطابات الدبلوماسية المعلنة، ودراسة الوجه الحقيقي للمصالح الاقتصادية المستترة خلف ستار “الردع الناعم”.
3- لصناع القرار في المنطقة العربية والإسلامية: عدم التعويل المطلق على الدور الصيني كبديل أخلاقي للغرب؛ بل يجب فهم السلوك الصيني كمناورة “براغماتية حادة” تضع الاستثمارات المادية فوق الالتزامات المبدئية. مما يتطلب استراتيجية وحدة عربية إسلامية شاملة، وتنويعاً حقيقياً لمصادر القوة والتسلح.
4- في السيادة الرقمية والمالية: التوجه نحو بناء أنظمة مالية مستقلة (البلوكشين والعملات البديلة) لكسر سلاح العقوبات الدولية، مع الاستفادة من “السيادة المعلوماتية البديلة” لتسويق الرواية العربية والإسلامية بعيداً عن مقص الرقيب الغربي.
5- في المجال الدفاعي والعسكري: التحول من التركيز على “التفوق التكنولوجي الباهظ” إلى “المرونة التكتيكية والسيولة”، وتبني استراتيجيات “اللاشكل” لإرباك الخصوم المتفوقين تقنياً عبر حلول مبتكرة منخفضة التكلفة وعالية التأثير.
6- في أولوية القضايا المصيرية (فلسطين كمعيار للسيادة): اعتبار فلسطين المحور المطلق للصراع العالمي والدافع الرئيس للنهوض الحضاري؛ فدعمها بكافة الوسائل واجب شرعي واستحقاق استراتيجي يحرر الأمة من التبعية للقوى العظمى. إن تحرير فلسطين هو المؤشر الحقيقي لعزة العرب والمسلمين، وبوصلة استقلال قرارهم السياسي والعسكري في مواجهة التجاذبات الدولية.
المصادر والمراجع
أولاً: المراجع العربية
ألترا صوت. (2024، 12 مايو). تطبيق تيك توك: حرب الخوارزمية على الوعي الجمعي العالمي. مجلة ألترا صوت. https://megazine.ultrasawt.com/مقدمات/تطبيق-تيك-توك-حرب-الخوارزمية-على-الوعي-الجمعي-العالمي
الشنقيطي، محمد المختار. (2024، 6 ديسمبر). بذور الفكر الاستراتيجي وجذوره في الحضارة الصينية العتيقة. بودكاست أسمار وأفكار، يوتيوب. https://www.youtube.com/watch?v=LvUL2gm0U3s
رزان شوامرة، (2025، 10 فبراير) ما لا يروى عن علاقة الصين بالصهيونية: الوجه الحقيقي لموقف الصين من فلسطين [حلقة بودكاست مرئية]. بودكاست عربي بوست. يوتيوب. https://www.youtube.com/watch?v=1DUoxIBJlI4
ثانياً: المراجع الأجنبية (English References)
Al Habtoor Research Centre. (2024, April 1). Is TikTok a Chinese weapon? https://www.habtoorresearch.com/programmes/tiktok-china-weapon/
Asia Times. (2026, March 12). China watching as US missile stocks drain over Iran. Asia Times. https://asiatimes.com/2026/03/china-watching-as-us-missile-stocks-drain-over-iran/
Bloomberg. (2026, March 3). China gas buyers say Beijing pushing Iran to keep Hormuz open. Bloomberg News. https://www.bloomberg.com/news/articles/2026-03-03/china-gas-buyers-say-beijing-pushing-iran-to-keep-hormuz-open
Canadian Security Intelligence Service (CSIS). (2024). Beijing Creates its Own Global Financial Architecture as a Tool for Strategic Rivalry. Government of Canada. https://www.canada.ca/en/security-intelligence-service/corporate/publications/china-and-the-age-of-strategic-rivalry/beijing-creates-its-own-global-financial-architecture-as-a-tool-for-strategic-rivalry.html
Hass, R. (2024, May 14). America”s narrative on Taiwan needs an update. Brookings. https://www.brookings.edu/articles/americas-narrative-on-taiwan-needs-an-update/
Kamran, M. A. (2024, October 21). Global North and South and China”s inevitability. The Express Tribune. https://tribune.com.pk/story/2579619/global-north-and-south-and-chinas-inevitability
Knighton, K. (2024, May 15). US missile stockpiles are shrinking. What happens if there”s a major war? Responsible Statecraft. https://responsiblestatecraft.org/us-stockpiles-missiles/
Mercogliano, S. R. (2025, September). Supply, morale, and self-sufficiency: Lessons from the Red Sea. Proceedings, 151(9). https://www.usni.org/magazines/proceedings/2025/september/supply-morale-and-self-sufficiency-lessons-red-sea
Middle East Eye. (2024, May 6). US TikTok ban linked to Israel-Palestine content, insiders reveal. https://www.middleeasteye.net/news/us-tiktok-ban-linked-israel-china-insiders-reveal
O”Hanlon, M. E., & Brookings Institution. (2024, May 30). Redrawing global boundaries: The United States, China, and the viability of spheres of influence in the 21st century. Brookings. https://www.brookings.edu/articles/redrawing-global-boundaries-the-united-states-china-and-the-viability-of-spheres-of-influence-in-the-21st-century/
Sun Tzu. (1910). The Art of War: The Oldest Military Treatise in the World (L. Giles, Trans.). Luzac & Co. (Original work published ca. 5th century BC).
The Diplomat. (2026, January 15). China”s Global Security Initiative in South Asia: A new paradigm. https://thediplomat.com/2026/01/chinas-global-security-initiative-in-south-asia/
Yu, J. (2023, October 30). China”s approach to the war in Gaza is not anti-Israel. It is designed to contain the US. Chatham House. https://www.chathamhouse.org/2023/10/chinas-approach-war-gaza-not-anti-israel-its-designed-contain-us
Zaheer, M. Y., et al. (2025). Weaponizing Algorithms: China”s Strategic AI Ecosystem and the Erosion of U.S. Informational Hegemony. ResearchGate. https://doi.org/10.13140/RG.2.2.14658.18885
[1] “All warfare is based on deception, Hence, when we are able to attack, we must seem unable; when using our forces, we must appear inactive; when we are near, we must make the enemy believe we are far away; when far away, we must make him believe we are near” (Sun Tzu, 1910).
[2] “Military tactics are like unto water; for water in its natural course runs away from high places and hastens downwards … So, in war, the way is to avoid what is strong and to strike at what is weak” (Sun Tzu, 1910).
[3] “Ground on which we can only be saved from destruction by fighting without delay, is dead ground … Throw your soldiers into positions whence there is no escape, and they will prefer death to flight” (Sun Tzu, 1910).
[4] “Hence to fight and conquer in all your battles is not supreme excellence; supreme excellence consists in breaking the enemy”s resistance without fighting” (Sun Tzu, 1910).
[5] “O divine art of subtlety and secrecy! Through you we learn to be invisible, through you inaudible; and hence we can hold the enemy”s fate in our hands” (Sun Tzu, 1910).
[6] “In the practical art of war, the best thing of all is to take the enemy”s country whole and intact; to shatter and destroy it is not so good … Thus, the highest form of generalship is to balk the enemy”s plans” (Sun Tzu, 1910).
[7] “You can be sure of succeeding in your attacks if you only attack places which are undefended, you can ensure the safety of your defense if you only hold positions that cannot be attacked” (Sun Tzu, 1910).
[8] “Bring war material with you from home, but forage on the enemy, Thus the army will have food enough for its needs” (Sun Tzu, 1910).



