أوراق و دراساتاقتصاديةسياسية

توجهات السياسة الترامبية تجاه سورية ما بعد الأسد: تحليل سياساتي

د. طلال عبد المعطي مصطفى

باحث ومدير وحدة التقارير البحثية في مركز دراسات سورية المعاصرة، ورئيس الجمعية السورية للعلوم الاجتماعية والإنسانية.

الملخص:

يتناول هذا البحث السياسة الأميركية تجاه سورية في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، مع التركيز على مقاربتي إدارة الرئيس دونالد ترامب الاقتصادية والعسكرية، بوصفهما ركنين أساسيين في الاستراتيجية الأميركية حيال الصراع السوري. تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن السياسة الأميركية في عهد ترامب لم تتّسم بالشمول أو الاتساق، بل غلبت عليها البراغماتية والانتقائية، حيث جرى توظيف الأدوات الاقتصادية والعسكرية بصورة مترابطة لتحقيق أهداف سياسية وأمنية محددة.

تعتمد الدراسة منهج تحليل السياسات (Policy Analysis) لبحث محددات هذه السياسة ومراحل تشكلها، وتحليل العوامل الداخلية والخارجية المؤثرة فيها، مع إجراء تحليل لمضامين الخطاب الرسمي الأميركي، ومراجعة للإجراءات الاقتصادية والعسكرية التي اتُّبعت على الأرض.

وتبين النتائج أن إدارة ترامب سعت إلى تقليص الانخراط العسكري المباشر في سورية مع الإبقاء على وجود عسكري محدود يضمن حماية المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، بالتوازي مع تعزيز أدوات الضغط الاقتصادي، ولا سيما العقوبات المفروضة بموجب “قانون قيصر”، باعتبارها أداة رئيسة لتحقيق النفوذ السياسي واحتواء الخصوم الإقليميين والدوليين. وتخلص الدراسة إلى أن السياسة الأميركية في عهد ترامب مثلت تحولًا نوعيًا من نهج التدخل العسكري إلى نهج الهيمنة الاقتصادية، بما يعكس إعادة تشكيل لمفهوم القوة الأميركية وأدواتها في الشرق الأوسط.

الكلمات المفتاحية: السياسة الترامبية، إعادة الإعمار، النفوذ الإقليمي، العقوبات، التحالفات الدولية.

مقدمة:

أدى سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 إلى فتح فصلٍ جديد في تاريخ الصراع السوري، شكل نقطة تحول حاسمة في مسار التوازنات الإقليمية والدولية في الشرق الأوسط. ومع انكشاف الفراغ السياسي والأمني الناتج عن انهيار النظام، وجدت الولايات المتحدة، في عهد إدارة الرئيس دونالد ترامب الثانية، نفسها أمام اختبارٍ استراتيجي يتمثل في إعادة صياغة سياستها تجاه الدولة السورية الجديدة، بما يضمن حماية مصالحها الحيوية ويحد من نفوذ خصومها، ولا سيّما روسيا وإيران، من دون الانخراط العسكري المباشر أو تحمّل أعباء إعادة بناء الدولة السورية على نحوٍ مكلف.

في هذا السياق، اعتمدت الإدارة الأميركية مقاربةً مزدوجة، اقتصادية–عسكرية، هدفت إلى إعادة تعريف النفوذ الأميركي في سورية ما بعد النظام. ومن خلال أدوات الضغط الاقتصادي والعقوبات الواسعة، إلى جانب الحضور العسكري المحدود في مناطق النفط والحدود، سعت واشنطن إلى إعادة هندسة التحالفات المحلية والتحكم بالموارد الحيوية، بما يضمن لها موقعًا مهيمنًا في عملية إعادة الإعمار المقبلة.

يأتي هذا البحث لتحليل تلك السياسة ضمن إطار تحليل السياسات العامة، بهدف الكشف عن منطق التفاعل بين المقاربتين الاقتصادية والعسكرية في تحقيق الأهداف الأميركية، واستشراف تداعياتها على توازن القوى الإقليمي والدولي. وتبرز أهمية هذه المرحلة من السياسة الأميركية تجاه سورية الجديدة في كونها تمثّل فرصة لإعادة توزيع التوازنات الإقليمية والدولية، من خلال التحكم بالموارد الحيوية، وإعادة هندسة التحالفات، وإعادة تعريف قواعد الصراع والتعاون في الشرق الأوسط. إذ يمكن للسياسة الأميركية بعد سقوط نظام الأسد أن تؤثر في مستقبل الأمن والطاقة، وفي مواقف القوى الكبرى والإقليمية تجاه سورية، بما ينعكس على استقرار المنطقة بأسرها. ومن ثمّ، فإن تحليل هذه المرحلة يُعدّ مدخلًا ضروريًا لفهم ديناميات النفوذ والتفاعلات الاستراتيجية بين القوى الدولية والإقليمية.

جاء اختيار موضوع البحث ليعكس هذه الأهمية النظرية والعملية، إذ يسعى إلى فهم كيفية توظيف الولايات المتحدة أدواتها الاقتصادية والعسكرية لإعادة تعريف نفوذها في سورية الجديدة، وتحليل مدى فاعلية هاتين المقاربتين في تحقيق أهدافها، وتقييم انعكاساتهما على توازن القوى الإقليمي والدولي. كما يتيح الموضوع رصد التجربة الأميركية في استخدام أدوات القوة غير التقليدية، ويقدم إطارا مفاهيميا لتفسير سياسات النفوذ في بيئات ما بعد النزاع.

تنطلق الإشكالية الرئيسة للبحث من السؤال الآتي:  كيف أعادت إدارة ترامب الثانية تعريف النفوذ الأميركي في سورية بعد سقوط نظام الأسد، من خلال توظيف المقاربتين الاقتصادية والعسكرية كأداتين سياسيتين متكاملتين.

أما فرضيات البحث فقد صيغت على النحو الآتي:

  • تبنت إدارة ترامب الثانية سياسة إعادة تموضع تقوم على التحكم الاقتصادي مقابل الانخراط العسكري المحدود.
  • هدفت المقاربة الاقتصادية إلى توجيه عملية إعادة الإعمار بما يخدم المصالح الأميركية ويقيّد النفوذين الروسي والإيراني.
  • لم تنجح المقاربة العسكرية في تحقيق استقرار مستدام، لكنها وفرت توازنا ردعيا في المشهد السوري.
  • مثلت السياسة الأميركية محاولة لإعادة هندسة النفوذ في الشرق الأوسط عبر سورية بوصفها نموذجا للهيمنة المرنة.

وانطلاقًا من هذه الإشكالية وفرضيات البحث ، تتحدد أهداف البحث فيما يأتي:

  • تحليل التحولات البنيوية في السياسة الأميركية تجاه سورية بعد سقوط النظام.
  • تفسير تفاعل المقاربتين الاقتصادية والعسكرية في صياغة النفوذ الأميركي الجديد.
  • تقييم نتائج السياسة الأميركية على مسار إعادة الإعمار وبناء النظام السياسي السوري الجديد.
  • استشراف الاتجاهات المستقبلية للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط انطلاقًا من التجربة السورية.
  • الإسهام نظريا في تطوير فهم أعمق لديناميات القوة المركبة (الاقتصادية–العسكرية) في مرحلة ما بعد الصراع.

يعتمد البحث على منهج تحليل السياسات العامة، الذي يُعنى بدراسة عناصر السياسة الأربعة: السياق، الفاعلون، الأدوات، والمخرجات، مع توظيف المنهج الوصفي–التحليلي وتحليل السيناريوهات المستقبلية لقراءة تداعيات السياسة الأميركية واتجاهاتها المحتملة في سورية ما بعد الأسد.

أولًا-  الإطار النظري والمفاهيمي

1- مفهوم المقاربة وتحليل السياسات العامة

تُعدّ المقاربة (Approach) في حقل العلوم السياسية والعلاقات الدولية مدخلًا نظريا ومنهجيا لتفسير الظواهر السياسية وتحليل سلوك الفاعلين، سواء كانوا دولًا أو مؤسسات أو نخبا. وتعبر المقاربة، في جوهرها، عن منظورٍ تحليلي يجمع بين عدد من الفرضيات والمفاهيم التي تُستخدم لفهم عملية صنع القرار السياسي وتوجيهه نحو تحقيق أهداف محددة. ويختلف مفهوم المقاربة عن النظرية في كونها أقل تجريدًا وأكثر ارتباطًا بالأدوات العملية التي يعتمدها صانع القرار في مواجهة المشكلات العامة. فهي تمثل طريقة التفكير والسلوك التي تحكم منطق الفعل السياسي في سياق محدد، وتُترجم إلى سياسات وإجراءات ملموسة [1].

وفي إطار تحليل السياسات العامة (Public Policy Analysis)، تُستخدم المقاربة كأداة لفهم وتفسير ديناميات صناعة القرار الحكومي، من مرحلة تحديد المشكلة إلى مرحلة تقييم النتائج. وتفترض الأدبيات الكلاسيكية في تحليل السياسات، كما عند توماس داي [2](Thomas Dye) وويليام دن [3](William Dunn)، أن السياسة العامة هي “كل ما تختاره الحكومة لتفعله أو لا تفعله”، وأن تحليلها يتضمن فهم السياق المؤسسي، والفاعلين، والخيارات، والنتائج .[4] ومن هذا المنظور، يصبح الحديث عن “المقاربة الأميركية” تجاه قضية معينة – مثل سورية – إشارة إلى المنظومة الكلية للأفكار والأدوات التي استخدمتها واشنطن لتوجيه أفعالها ضمن بيئة معقدة ومتغيرة.

يُعد تحليل السياسات العامة إطارا ملائما لدراسة السياسة الأميركية في سورية لعدة أسباب؛ فهو يسمح بفهم العلاقة بين الأهداف المعلنة والوسائل المستخدمة (الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية)، كما يكشف عن التفاعلات بين المستويات الداخلية (الإدارة، الكونغرس، الرأي العام) والمستويات الخارجية (التحالفات، النظام الدولي). وتبرز أهمية هذا المنهج في دراسة سياسات إدارة ترامب الثانية، التي اتسمت بدرجة عالية من البراغماتية النفعية، وبنزعة واضحة نحو تقليص الالتزامات الخارجية المباشرة مقابل توسيع استخدام أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي.

بذلك، فإن مفهوم “المقاربة” في هذا البحث لا يُحيل إلى رؤية نظرية مجردة فحسب، بل إلى نموذج عملي لتوظيف السياسة الأميركية عبر مسارين رئيسين: اقتصادي وعسكري، بما يخدم إعادة تشكيل النفوذ الأميركي في سورية ما بعد سقوط  نظام الأسد ، ويقوم تحليل هذه المقاربة على تتبع منطق التفاعل بين الأداتين، وكيف تُوظفان بصورة متكاملة – أو متناقضة أحيانًا – لتحقيق أهداف السياسة الخارجية.

2- المقاربتان الاقتصادية والعسكرية كأدوات نفوذ في العلاقات الدولية

تمثل القوة الاقتصادية والعسكرية ركيزتين أساسيتين في تحليل علاقات القوة في النظام الدولي. وقد طور منظرو العلاقات الدولية – من الواقعيين إلى الليبراليين – تصورات متعددة حول كيفية تفاعل هاتين الأداتين في بناء النفوذ. فبينما يرى الواقعيون أن القوة العسكرية هي الأداة الأساسية لضمان الأمن والمكانة، يؤكد الليبراليون على دور الاقتصاد والتجارة والمؤسسات في تعزيز النفوذ المستدام[5] .

في السياق الأميركي، اتجهت السياسات الخارجية منذ نهاية الحرب الباردة نحو دمج الأداتين الاقتصادية والعسكرية في إطار ما يسمى “القوة الذكية” (Smart Power)، وهو المفهوم الذي روجت له هيلاري كلينتون خلال إدارة أوباما، ويعني توظيف أدوات القوة الصلبة (العسكرية) والناعمة (الاقتصادية، الثقافية، الدبلوماسية) في مزيج متوازن يحقق الأهداف بأقل تكلفة ممكنة.[6] إلا أن إدارة ترامب، بخلاف الإدارات السابقة، أعادت تعريف هذا المزيج في إطار أكثر انكفاء قوميا ومصلحيا، فحولت الاقتصاد من أداة دعم للنظام الدولي الليبرالي إلى وسيلة ضغط وإكراه في خدمة الأجندة القومية الأميركية.

في المقاربة الاقتصادية، لجأت إدارة ترامب إلى العقوبات الاقتصادية والقيود التجارية والسياسات الحمائية كأدوات لإعادة توزيع القوة على المستوى الدولي. ففي الحالة السورية، مثل “قانون قيصر[7]، أحد أبرز تجليات هذه المقاربة، إذ استخدم الاقتصاد كسلاح سياسي لشل قدرة النظام السوري السابق  وحلفائه على تمويل إعادة الإعمار أو استعادة الشرعية الدولية،  ومع سقوط النظام في أواخر 2024، تحول الهدف من معاقبة السلطة إلى التحكم في مسار إعادة الإعمار وإعادة بناء الدولة، بما يضمن إقصاء النفوذ الروسي والإيراني، وفتح الباب أمام شركات أميركية وغربية محددة، ضمن ترتيبات جيوسياسية جديدة.

أما المقاربة العسكرية، فقد قامت على إبقاء حدٍّ أدنى من الحضور العسكري الأميركي في مناطق استراتيجية محددة شمال شرق سورية (منابع النفط والغاز، ومعابر الحدود)، مع الاعتماد على قوات محلية حليفة – مثل قوات سوريا الديمقراطية – لتأمين المصالح الأميركية من دون انخراط مباشر. هذا النمط من الوجود العسكري المحدود يعكس ما يسميه مايكل مازار[8] الهيمنة المرنة” (Flexible Hegemony)، أي الحفاظ على النفوذ عبر أدوات غير مكلفة ماديا أو سياسيا، تتيح لواشنطن إدارة التوازنات الإقليمية من موقع المراقب والموجّه.

تتكامل المقاربتان الاقتصادية والعسكرية ضمن تصور شامل للأمن القومي الأميركي، الذي  يرى أن النفوذ لا يُقاس فقط بالسيطرة الميدانية، بل بالقدرة على تحديد قواعد اللعبة الاقتصادية والسياسية في مرحلة ما بعد الصراع، فالعقوبات والوجود العسكري، وإن اختلفا في الطبيعة، يشتركان في كونهما أداتين لإدارة الفضاء السياسي السوري ومنع تشكل نظام جديد خارج الإرادة الأميركية، غير أن هذا التكامل ليس دائما سلسا؛ إذ تكشف التجربة السورية عن توترات بين منطق السوق ومنطق القوة: فبينما تدفع المصالح الاقتصادية نحو الانفتاح والتعامل، تميل الاعتبارات العسكرية إلى الإبقاء على الضغط والعقوبات كأداة ردع [9].

من هنا، يمكن النظر إلى السياسة الأميركية في سورية بعد سقوط نظام الأسد بوصفها نموذجا لمقاربة “قسرية مزدوجة”، تجمع بين أدوات الردع الاقتصادي والميداني في آن واحد،  هذه المقاربة، وإن منحت واشنطن مرونة في إدارة المشهد السوري، فإنها كشفت في الوقت ذاته عن محدودية القدرة الأميركية على فرض تسوية شاملة في ظل تشابك المصالح الإقليمية وتعدد الفاعلين.

3- السياسة “الترامبية” ومحددات صنع القرار في السياسة الخارجية الأميركية

تمثل الترامبية (Trumpism) ظاهرة سياسية تتجاوز شخص الرئيس دونالد ترامب، لتعبر عن تحول أعمق في بنية التفكير الاستراتيجي الأميركي منذ صعود النزعة الشعبوية القومية في الداخل وتراجع الثقة بالتحالفات الدولية التقليدية. وتتجلى هذه الظاهرة في مجموعة من السمات التي انعكست بوضوح على السياسة الخارجية خلال الولاية الأولى وتعمقت في الولاية الثانية (2025–2029)، خاصة في الملفات المعقدة مثل سورية. يمكن تلخيص أهم خصائص السياسة “الترامبية” في السياسة الخارجية الأميركية فيما يلي:

  1. تركز على مبدأ “أميركا أولًا” (America First) بوصفه معيارا لتقييم أي تحرك خارجي. فالمصلحة الاقتصادية الأميركية هي الغاية العليا، بينما تُعاد صياغة التحالفات والسياسات على أساس الكلفة والعائد[10]، وفي الحالة السورية، انعكس ذلك في رفض الانخراط في مشاريع إعادة إعمار لا تحقق عوائد مباشرة، مقابل استخدام العقوبات لفرض شروط سياسية واقتصادية تخدم الشركات الأميركية مستقبلاً.
  2. لم تسحب واشنطن قواتها من الشرق الأوسط كليا، لكنها أعادت توزيعها بحيث تخدم أهدافا محددة بأقل تكلفة ممكنة. فالمقاربة العسكرية في سورية بعد سقوط الأسد تجسد هذا الانكفاء الانتقائي الذي يوازن بين الانسحاب وعدم التخلي عن النفوذ[11] .
  3. لا تلتزم “الترامبية” بإطار أيديولوجي واضح، بل تميل إلى قرارات مفاجئة تستند إلى مبدأ “الصفقة”  أكثر من الاستراتيجية بعيدة المدى. وقد بدت السياسة الأميركية في سورية بعد 2024 انعكاسًا لهذا المنهج، إذ تعاملت إدارة ترامب مع الملف السوري كمجال لتبادل المصالح مع القوى الإقليمية (تركيا، إسرائيل، دول الخليج العربي )، بدلًا من كونه ساحة لمشروع ديمقراطي أو إنساني.
  4. شكلت “الترامبية” قطيعة مع إرث الليبرالية الدولية التي سادت منذ نهاية الحرب الباردة، عبر الانسحاب من الاتفاقيات والمؤسسات المتعددة الأطراف، والاستخفاف بدور الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي في إدارة النزاعات. وفي سورية، ظهر ذلك في تراجع الدعم لبرامج الأمم المتحدة الإنسانية، مقابل تعزيز النفوذ الثنائي عبر قنوات أمنية واقتصادية خاصة .[12]
  5. استخدم ترامب مفهوم الأمن القومي لتبرير سياسات اقتصادية حمائية أو عقابية، ما جعل الحدود بين الاقتصاد والأمن تتلاشى. هذا الدمج بين المجالين هو ما يفسر “الازدواجية القسرية” في السياسة السورية؛ فالعقوبات لم تكن مجرد أداة ضغط سياسي، بل جزءا من استراتيجية أمنية تهدف إلى منع أي تموضع لخصوم الولايات المتحدة في الإقليم.

هذه الخصائص تفسر إلى حد كبير كيف تم تصميم المقاربتين الاقتصادية والعسكرية تجاه سورية في فترة ما بعدنظام الأسد . فصنع القرار في إدارة ترامب الثانية لم يكن نتاج مؤسساتية بيروقراطية تقليدية بقدر ما كان يعكس رؤية شخصية لقائد يسعى إلى إعادة تعريف القوة الأميركية بوصفها قدرة على فرض الإرادة بأقل تكلفة وأعلى مردود. وهو ما جعل السياسة الأميركية تتسم بالمرونة والتقلب، لكنها في الوقت نفسه تفتقر إلى الاتساق الاستراتيجي طويل الأمد.

ويمكن القول أن المقاربة الأميركية في سورية بعد سقوط الأسد لا يمكن فهمها إلا من خلال الإطار النظري الذي يجمع بين تحليل السياسات العامة وخصائص الترامبية كاتجاه استراتيجي جديد في السياسة الخارجية الأميركية. فالمقاربة ليست مجرد خيار تكتيكي، بل تعبير عن تحول في طبيعة القوة الأميركية ذاتها؛ من الهيمنة التقليدية القائمة على الاحتلال المباشر إلى هيمنة مركبة توظف الاقتصاد والعسكر والإكراه السياسي في منظومة واحدة.
ويمثل هذا التحول نموذجا دالا على تطور الفكر الاستراتيجي الأميركي في حقبة ما بعد العولمة، حيث تتراجع القيم الليبرالية أمام منطق السوق والأمن القومي، وتتحول المقاربة إلى أداة لإدارة الفوضى لا لإنهائها، بما يتيح للولايات المتحدة الحفاظ على مركزها في نظام دولي متغير.

ثانيًا-  السياق العام للسياسة الأميركية بعد سقوط الأسد

1- البيئة السورية الجديدة (2024–2025)

أدى سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 إلى تحول جذري في المشهدين السياسي والمجتمعي في سورية، وفتح الباب أمام مرحلة انتقالية مركبة تتنازعها قوى داخلية وخارجية متعددة. فقد دخلت البلاد طورا جديدا من إعادة التشكل السياسي والأمني، حيث غابت السلطة المركزية التقليدية، وبرزت سلطة انتقالية مدعومة إلى حد ما من الدول العربية الخليجية وتركيا والدول الغربية، تواجه تحديات هائلة تتعلق بإعادة بناء مؤسسات الدولة، وضبط الأمن، وتحقيق العدالة الانتقالية، وإعادة الإعمار في دولة مدمرة ومنقسمة.

في هذه المرحلة، أصبحت الولايات المتحدة الأميركية أحد أبرز الفاعلين الدوليين المؤثرين في رسم ملامح “سورية الجديدة”، مستفيدة من الفراغ الاستراتيجي الذي خلفه انهيار نظام الأسد، ومن تراجع النفوذ الروسي نتيجة الضغوط الاقتصادية والعسكرية المتزايدة على موسكو. وقد تعاملت إدارة ترامب الثانية مع سورية بوصفها حقل اختبار لاستراتيجيتها الشرق أوسطية الجديدة القائمة على الدمج بين الردع الاقتصادي والانخراط المحدود عسكريا.

اقتصاديا، ركزت واشنطن على التحكم في الموارد الحيوية والبنية المالية لإعادة الإعمار من خلال استمرار العمل بقانون قيصر، وإنشاء آليات تمويل مشروطة عبر البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، لضمان أن أي تمويل دولي يمر عبر القنوات التي تحددها واشنطن. سياسيا، سعت الولايات المتحدة إلى دعم تشكيل سلطة انتقالية تكنوقراطية ذات توجهات ليبرالية واقتصادية منفتحة، بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي، وذلك لضمان بيئة ملائمة للاستثمارات الغربية مستقبلًا.

في الجانب الأمني، حافظت واشنطن على وجود عسكري رمزي في شمال شرق سورية، بالتعاون مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، لتأمين حقول النفط والغاز ومنع عودة الفوضى الأمنية. كما عززت حضورها الاستخباراتي في الجنوب والبادية، بالتعاون مع الأردن وإسرائيل، للحد من التسلل الإيراني ومنع تحول الأراضي السورية إلى ممر للأسلحة نحو حزب الله في لبنان. هذه المقاربة المتعددة الأبعاد جعلت من البيئة السورية الجديدة مجالًا لتقاطع النفوذ الأميركي مع مصالح القوى الإقليمية، وأداة لإعادة تشكيل التوازنات الاستراتيجية في المنطقة[13] .

2– التحولات الإقليمية والدولية

أعادت التطورات السورية بعد 2024 رسم خريطة التفاعلات الإقليمية، وولدت حالة من إعادة التموضع لدى مختلف الأطراف. فمن جهة، مثل سقوط نظام بشار الأسد  ضربة استراتيجية لإيران التي فقدت حليفها الأهم في محور المقاومة، وتراجع حضورها الميداني نتيجة الضربات الجوية الإسرائيلية والقيود التي فرضتها القوات الأميركية. وقد اضطرت طهران إلى التحول نحو استراتيجية “النفوذ الاقتصادي الهادئ” عبر محاولة الحفاظ على وجودها في قطاعات محدودة كالتجارة والطاقة، بدلًا من المواجهة العسكرية المباشرة[14].

أما روسيا، فقد وجدت نفسها في موقع دفاعي، حيث فقدت مكاسبها السياسية والعسكرية التي حققتها منذ تدخلها في 2015. ومع انشغالها بالحرب في أوكرانيا والأزمات الداخلية، تراجعت قدرتها على التأثير المباشر في المسار السوري، ما أتاح للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي فرصة أوسع لإعادة صياغة النظام الإقليمي المحيط بسورية. في المقابل، حاولت تركيا استثمار الانهيار السوري لتعزيز نفوذها في الشمال، من خلال دعم مجالس محلية موالية، والسعي إلى خلق نفوذ في  مناطق “درع الفرات” و”عفرين” ضمن إطار اقتصادي–أمني متكامل مع الداخل التركي[15] .

على المستوى العربي، برزت دول الخليج العربي، وخاصة السعودية والإمارات وقطر، كأطراف رئيسية في جهود إعادة الإعمار والوساطة السياسية. فبعد سقوط نظام الأسد، تحولت هذه الدول من سياسة “احتواء النظام” إلى سياسة التنافس على النفوذ الاقتصادي والسياسي في سورية الجديدة، بالتنسيق النسبي مع واشنطن. كما انفتحت القاهرة وعمان على لعب أدوار وسيطة في تأمين الحدود واستضافة الحوار السوري الداخلي، في محاولة لاحتواء تداعيات الفوضى.

أما على الصعيد الدولي، فقد تبلور نوع من التوازن الثلاثي الجديد بين الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي. فالولايات المتحدة سعت إلى ترسيخ نفوذها عبر أدوات القوة الاقتصادية والعسكرية الذكية، في حين دخلت الصين مرحلة انخراط حذر من خلال مبادرات اقتصادية محدودة في البنية التحتية، ضمن إطار “مبادرة الحزام والطريق”، سعيا إلى موطئ قدم في شرق المتوسط.أما الاتحاد الأوروبي، فركز على الملف الإنساني وقضايا إعادة الإعمار المشروطة بالتحول السياسي والديمقراطي، مستفيدًا من التنسيق الوثيق مع واشنطن في ظل التوافق العابر للأطلسي بعد تراجع الخلافات التي شهدتها فترة ترامب الأولى[16] .

تُظهر هذه التحولات أن سورية أصبحت عقدة تقاطع جيوسياسي في النظام الدولي الجديد؛ فهي ليست ساحة صراع داخلي فحسب، بل فضاء لإعادة ترتيب موازين القوى بين القوى الكبرى. وتكشف المقاربة الأميركية عن إدراك متزايد بأن استدامة النفوذ لا تتطلب السيطرة المباشرة، بل التحكم في ديناميات الفعل الإقليمي عبر أدوات مرنة، تجمع بين الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا والمعلومات.

3- التحديات الأميركية في بيئة متغيرة سياسيا وأمنيا

على الرغم من النجاحات الأولية التي حققتها السياسة الأميركية بعد سقوط نظام الأسد ، واجهت واشنطن جملة من التحديات البنيوية التي حدت من قدرتها على ترجمة مقاربتها الاقتصادية–العسكرية إلى نفوذ مستدام.

1-تميزت المرحلة الانتقالية في سورية بقدر عال من التشتت السياسي وغياب مركز قرار موحد. فالسلطة المؤقتة، رغم دعمها الدولي، واجهت تحديات تتعلق بشرعية التمثيل وضعف القدرات الإدارية والانقسام الجهوي. هذا الوضع جعل أي سياسة أميركية رهينة بمدى فاعلية الشركاء المحليين، ما حد من إمكانية تنفيذ المشاريع الاقتصادية وإعادة الإعمار[17] .

2- على الرغم من التنسيق الأميركي مع تركيا ودول الخليج العربي  والأردن، إلا أن التباينات حول ملفات اللاجئين والأكراد وإعادة الإعمار ظلت قائمة. فأنقرة رفضت منح “قسد” أي دور سياسي في سورية الجديدة، بينما أصرت واشنطن على إشراكها كقوة أمنية محلية، ما خلق توترا دائما في العلاقات الثنائية. كذلك تنافست السعودية وقطر على النفوذ السياسي والاقتصادي في مؤسسات الحكم الانتقالي، في حين ركزت الإمارات على ملفات إعادة الإعمار والاستثمار المبكر[18] .

3- رغم الانسحاب العسكري للقوات الإيرانية، فإن طهران أعادت تموضعها عبر شبكات اقتصادية وتجارية وميليشيات محلية صغيرة الحجم ومرنة على الحدود السورية العراقية، ما صعب على واشنطن القضاء التام على نفوذها. وقد اضطرت الإدارة الأميركية إلى الاعتماد على أدوات الاستخبارات والعقوبات أكثر من التدخل العسكري المباشر للحد من هذا النفوذ.

4- مثلت السياسة السورية تحديا داخليا لإدارة ترامب الثانية في ظل المعارضة من الكونغرس والرأي العام لأي انخراط خارجي طويل الأمد. ومع تصاعد العجز المالي الفيدرالي والضغوط الاقتصادية الداخلية، واجهت الإدارة صعوبات في تخصيص موارد كافية لدعم الاستقرار في سورية، ما دفعها إلى الاعتماد على الشراكات متعددة الأطراف والقطاع الخاص لتقاسم الأعباء[19].

رغم ضعف موسكو وتردد بكين، فإن استمرار حضورهما في المشهد السوري عبر المبادرات الاقتصادية والديبلوماسية شكل تحديا لواشنطن. فالصين، بخلاف روسيا، اعتمدت استراتيجية طويلة المدى تقوم على الاستثمار غير المشروط وتجنب التورط السياسي المباشر، ما جعلها منافسا “هادئا” للنفوذ الأميركي في مرحلة إعادة الإعمار [20].

هذه التحديات مجتمعة كشفت عن حدود المقاربة الأميركية التي تقوم على السيطرة غير المباشرة. فبينما منحت واشنطن نفسها موقعا متقدما في إدارة المرحلة الانتقالية، إلا أن واقع التعددية الفاعلة في الداخل السوري والتشابك الإقليمي والدولي جعل من الصعب تحويل التفوق الاقتصادي والعسكري إلى هيمنة سياسية مستقرة.

يمكن القول إن السياق العام للسياسة الأميركية بعد سقوط نظام الأسد اتسم بثلاث سمات رئيسة:

بيئة سورية مفتوحة على كافة الاحتمالات، حيث الفراغ السياسي يقابله حراك دولي كثيف لإعادة تشكيل النظام السياسي الجديد.

تحولات إقليمية ودولية متسارعة أعادت تعريف موازين القوى في الشرق الأوسط.

تحديات أميركية متعددة المستويات كشفت عن حدود النفوذ القائم على الاقتصاد والقوة المحدودة.

ثالثًا- المقاربة الاقتصادية الترامبية  تجاه سورية

شكلت المقاربة الاقتصادية أحد الركائز الأساسية في سياسة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الثانية (2025–2029) تجاه سورية بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024. فقد رأت واشنطن في انهيار نظام الأسد  لحظة مفصلية لإعادة هندسة النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، بالاعتماد على أدوات غير عسكرية، أبرزها  الحديث عن رفع العقوبات مقابل متطلبات سياسية وأمنية مطلوبة من الحكومة السورية الجديدة، والتحكم في الموارد الحيوية، والدبلوماسية الاقتصادية، وإعادة الإعمار المشروط. انطلقت هذه المقاربة من إدراك استراتيجي بأن التفوق الاقتصادي يمكن أن يحقق للولايات المتحدة نفوذا أكثر استدامة وأقل كلفة مقارنة بالانخراط العسكري المباشر، وأن مرحلة ما بعد الأسد تمثل فرصة لإعادة توجيه البنية الاقتصادية والسياسية السورية نحو نموذج أكثر انفتاحا وتوافقا مع مصالح واشنطن وحلفائها الغربيين.

1– مرتكزات المقاربة الاقتصادية:

العقوبات الاقتصادية كأداة ضغط سياسي (قانون قيصر وتوسيعاته): اعتمدت إدارة ترامب على العقوبات الاقتصادية بوصفها الأداة الأكثر فاعلية في ضبط سلوك الفاعلين السوريين والإقليميين بعد سقوط النظام الأسدي . وقد شكّل قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين لعام 2019 الإطار القانوني الأبرز الذي استخدمته واشنطن لمعاقبة الجهات التي تتعامل مع النظام السوري السابق  أو تستثمر في مشروعاته. لكن في ولايته الثانية، أعادت إدارة ترامب تفعيل هذا القانون بصيغة موسعة شملت فاعلين اقتصاديين جددًا في مرحلة ما بعد الأسد، لا سيما أولئك المرتبطين بالشبكات الاقتصادية الروسية والإيرانية التي حاولت الاستفادة من فراغ السلطة بعد سقوط النظام.

كما طُبقت العقوبات على رجال أعمال محليين وشركات ناشئة في مجالات الطاقة والبنى التحتية، في مسعى لتقويض أي نفوذ اقتصادي مواز للنفوذ الأميركي. ووفا لتقرير صادر عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) عام 2025، فقد شملت العقوبات أكثر من 120 كيانا اقتصاديا في سورية ولبنان وروسيا، بهدف «منع أي استغلال سياسي أو اقتصادي لمرحلة إعادة الإعمار بما لا يتوافق مع المصالح الأميركية»[21].

الدبلوماسية الاقتصادية وإعادة توجيه الاستثمارات: اعتمدت واشنطن على الدبلوماسية الاقتصادية كأداة لإعادة بناء النفوذ السياسي، من خلال تحفيز حلفائها الأوروبيين والخليجيين على ربط أي تمويل أو استثمار في سورية الجديدة بشروط سياسية واضحة تتعلق بالحوكمة، والمساءلة، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة.  من خلال التفكير والعمل على آليات تمويل توجه الدعم المدني والمحلي

لسوريا، ضمن شبكات صناديق متعددة المانحين وإعادة تفعيل تعاملات البنك الدولي والاتحاد الأوروبي مع ملف سوريا.
كما سعت واشنطن إلى منع الصين وروسيا من الاستحواذ على عقود إعادة الإعمار، مستفيدة من أدواتها في التمويل الدولي المشروط ومن تأثيرها داخل المؤسسات المالية العالمية كصندوق النقد والبنك الدولي[22].

– إعادة الإعمار المشروط: تبنت إدارة ترامب مبدأ “الإعمار مقابل التغيير السياسي” (Reconstruction for Reform)، وهو امتداد لمقاربة اعتمدتها الإدارات الأميركية السابقة لكنها اكتسبت بعدا أكثر وضوحا بعد سقوط الأسد. يقوم هذا المفهوم على أن مشاركة الولايات المتحدة وشركائها في تمويل إعادة الإعمار مشروطة بوجود انتقال سياسي فعلي يضمن إقصاء رموز النظام السابق وقيام مؤسسات ديمقراطية لامركزية[23].

بهذا المعنى، لم يكن الإعمار هدفًا إنسانيًا فحسب، بل أداة ضغطٍ لإعادة تشكيل بنية السلطة والمجتمع في سورية الجديدة، بما يضمن مصالح واشنطن واستراتيجيتها الإقليمية[24].

واعتبرت واشنطن أن السيطرة على الموارد الطبيعية في شرق الفرات شرط أساسي لضمان نفوذها الاستراتيجي. وقد أبقت القوات الأميركية، منذ عام 2024، على وجود رمزي في حقول النفط الكبرى مثل العمر وكونيكو والتنك، بهدف منع أي جهة أخرى –روسية أو إيرانية أو حتى محلية– من التحكم في هذه الموارد الحيوية[25].

من خلال هذا الوجود المحدود، استطاعت الولايات المتحدة أن تربط ملف الطاقة بإستراتيجيتها الأوسع في سورية، بحيث يصبح النفط أداة تفاوضية ووسيلة تمويل ذاتية للقوى المحلية الحليفة لها.

 من الملامح البارزة للمقاربة الاقتصادية الجديدة تشجيع إدارة ترامب على دخول شركات أميركية خاصة إلى مناطق شمال وشرق سورية ضمن عقود استثمار طويلة الأمد في قطاعات النفط والغاز والزراعة. وقد وُقّعت عدة مذكرات تفاهم مع شركات  في عام 2025، بهدف تطوير البنى التحتية النفطية وتحديث شبكات التوزيع[26]، بهذا المعنى، لم يكن الوجود الاقتصادي الأميركي مجرد نشاط تجاري، بل أداة نفوذ استراتيجي تمكّن واشنطن من ترسيخ حضورها في مرحلة ما بعد الصراع.

–  التأثيرات الاقتصادية والسياسية للمقاربة : أسهمت المقاربة الاقتصادية الأميركية في إعادة رسم خريطة الاقتصاد السوري بعد 2024، إذ أضعفت بنية الاقتصاد المركزي القديم ودفعت نحو نشوء اقتصاد لامركزي يعتمد على المبادرات المحلية والدعم الخارجي. غير أن هذا التحول جاء مصحوبا بتحديات اجتماعية حادة تمثلت في اتساع الفجوة الطبقية وتفاوت معدلات التنمية بين المناطق، نتيجة التوزيع غير المتكافئ للمساعدات والاستثمارات[27].

كما خلقت سياسة العقوبات بيئة اقتصادية مزدوجة، إذ استفادت منها شبكات تجارية محلية جديدة مرتبطة بالقوى المسيطرة، بينما تضررت الفئات الوسطى والفقيرة، ما أعاد إنتاج بعض أنماط الاقتصاد الريعي التي سادت في مرحلة ما قبل 2011.

قوبلت المقاربة الأميركية بمعارضة شديدة من روسيا والصين، اللتين اعتبرتا أن الهيمنة الاقتصادية الأميركية على ملف إعادة الإعمار تهدف إلى إقصائهما من السوق السورية الجديدة. ففي حين سعت موسكو إلى إدماج شركاتها ضمن مشاريع البنى التحتية والطاقة، منعتها واشنطن من ذلك عبر آلية العقوبات الثانوية[28].

أما الاتحاد الأوروبي، فرغم توافقه السياسي العام مع واشنطن، فقد أبدى تحفظا على ربط الإعمار بشروط سياسية صارمة، معتبرا أن الأولوية يجب أن تكون للاستقرار الإنساني والاجتماعي. ومع ذلك، ظل التمويل الأوروبي خاضعا للتنسيق الأميركي ضمن الأطر المشتركة بين الجانبين.

تكشف المقاربة الاقتصادية في سياسة إدارة ترامب الثانية تجاه سورية عن تحول نوعي في أدوات النفوذ الأميركي، من القوة الصلبة إلى القوة الاقتصادية المشروطة. فقد نجحت واشنطن في استخدام العقوبات، والتحكم في الموارد، وإعادة توجيه التمويل الدولي بوصفها أدواتٍ لإعادة صياغة التوازنات السياسية في مرحلة ما بعد الأسد، دون الحاجة إلى تدخل عسكري مباشر.

لكن هذه المقاربة، رغم فعاليتها النسبية، واجهت حدودًا موضوعية تتعلق بضعف البنية الاقتصادية السورية، وتعدد الفاعلين المحليين، وتنامي الدورين الروسي والصيني كقوتين مضادتين. ومع ذلك، تبقى هذه السياسة نموذجًا دالًا على كيفية توظيف الاقتصاد كوسيلة لإعادة تعريف النفوذ في عالمٍ تتراجع فيه جاذبية القوة العسكرية التقليدية.

رابعًا- المقاربة العسكرية والأمنية الترامبية تجاه سورية:

حافظت الولايات المتحدة بعد سقوط نظام الأسد  على شبكة محدودة من القواعد العسكرية في مناطق شرق الفرات والتنف، بهدف حماية حقول النفط وضمان مراقبة الممرات الحدودية بين سورية والعراق. أبرز هذه القواعد كانت قاعدة التنف في المثلث الحدودي (سورية–العراق–الأردن)، وقاعدة حقل العمر في دير الزور، إضافة إلى نقاط دعم لوجستي في الحسكة والشدادي[29].

ورغم تقليص الوجود العددي إلى نحو 1200 جندي ومستشار بحلول منتصف 2025، فإن البنية التكنولوجية والقدرات الجوية والاستخبارية تعززت بصورة كبيرة، ما سمح لواشنطن بالحفاظ على تفوقها النوعي  بعد هزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية»، تحول تركيز واشنطن (2019–2025) إلى بناء وتثبيت تشكيلات محلية مدعومة أميركياً- تطور تجسد عام 2025 في صياغة أطر تُعرف داخلياً باسم “القوات الشريكة”، تدمج عناصر عربية وكردية ضمن تشكيلات أمن محلي تُنسق مع القيادة الأميركية الميدانية. [30]

 رافق هذه الخطوة  تقليص مقاعد الوجود العسكري الأميركي في المنطقة وتحوير دور الوجود إلى دعم لوجستي وتدريبي ومراقبة، مع اعتماد واشنطن على الشركاء المحليين لضمان استقرار السجون والآبار والنقاط الحيوية.

الهدف السياسي كان تعزيز الشرعية المحلية للتشكيلات الأمنية عبر دمج مكونات قومية متنوعة،  وفي الوقت نفسه  تقليل ذرائع تركيا للتدخل عبر إظهار طابعٍ “سوري-محلي” لهذه القوات، والحفاظ على قدرات مواجهة بقايا تنظيم  “داعش” خلال وبعد انسحاب جزئي للقوات الأميركية. لكن التطبيق العملي واجه تحديات تنفيذية وسياسية وربما تفاوضية مع دمشق وأنقرة وفصائل محلية.

أما التحالفات، فقد أعادت واشنطن صياغتها لتقوم على نموذج “القوات الشريكة ، عبر دمج فصائل عربية وكردية ضمن تشكيلات أمنية محلية تعمل بإشراف أميركي مباشر، في محاولة لتفادي الانتقادات التركية وتعزيز الطابع السوري لهذه القوات[31].

رغم الضغوط التركية، واصلت إدارة ترامب دعمها لـ”قوات سورية الديمقراطية” (قسد)، لكنها سعت في ولايتها الثانية إلى إعادة هيكلتها لتشمل تمثيلا عربيا أوسع، خاصة في دير الزور والرقة. وقد أعلن البنتاغون في آذار/مارس 2025 عن تشكيل “قوات الاستقرار السوري”  بتمويل أميركي وخليجي مشترك، تهدف إلى ضبط الأمن في المناطق المحررة ومواجهة خلايا “داعش[32]”.

هذا التنسيق منح واشنطن قدرة على التأثير في الخارطة الأمنية دون الحاجة إلى الانتشار المباشر، مع الإبقاء على مرونة الانسحاب أو التصعيد تبعا لتطورات الميدان.

1-الأهداف الاستراتيجية للمقاربة العسكرية:

أحد الأهداف المركزية للمقاربة العسكرية كان منع روسيا وإيران من ملء الفراغ السياسي والعسكري بعد سقوط الأسد. فقد اعتبرت إدارة ترامب أن الوجود الأميركي، ولو الرمزي، يفرض قيودا على حرية الحركة الروسية والإيرانية في سورية.

اعتمدت واشنطن على سياسة “الردع بالتموضع”، عبر تمركزها في نقاط استراتيجية تحول دون تواصل النفوذ الإيراني من طهران إلى المتوسط، وتمنع روسيا من السيطرة على المجال الجوي شرق سورية[33].

كما نفذت القوات الأميركية عدة ضربات محدودة ضد ميليشيات مدعومة من إيران في البوكمال والميادين خلال عام 2025، رداً على محاولات استهداف القواعد الأميركية. هذه الضربات، وإن كانت محدودة، أرسلت رسائل ردع واضحة تؤكد استمرار الالتزام الأميركي بأمن المنطقة دون العودة إلى نمط “الحروب الطويلة”.

و قد ارتبط الوجود العسكري الأميركي ارتباطا مباشرا بالمصالح الاقتصادية، وخصوصا حماية حقول النفط والغاز التي تعد مصدرا رئيسيا لتمويل القوى الحليفة وضمان الاستقلال الاقتصادي للمناطق الخارجة عن سيطرة النظام السابق.

في هذا الإطار، لعبت الشركات الأميركية الخاصة العاملة في شرق الفرات دورا تكميليا للوجود العسكري، إذ اعتمدت على الحماية الجوية والأمنية الأميركية لتأمين عملياتها. وقد أشار تقرير وزارة الدفاع الأميركية في أيار/مايو 2025 إلى أن “الأمن الطاقي في سورية يشكل مصلحة استراتيجية للولايات المتحدة تتجاوز حدود الملف السوري ذاته”[34].

كما هدفت واشنطن إلى الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار الأمني يمنع عودة التنظيمات الجهادية ويضمن استمرار عملية إعادة الإعمار ضمن المناطق المتحالفة معها.

2- حدود المقاربة العسكرية:

رغم ما سبق، فإن المقاربة العسكرية الأميركية عانت من تناقض بنيوي بين الأهداف المعلنة والوسائل المستخدمة. فقد تجنبت إدارة ترامب أي انخراط مباشر في النزاعات الداخلية السورية، متمسكة بمبدأ “القيادة من الخلف” (Leading from Behind). هذا التردد أضعف قدرتها على فرض تسوية سياسية شاملة، وجعل وجودها يبدو في نظر كثير من المراقبين “تكتيكيا لا استراتيجيا”[35].

كما أدى التركيز على حماية المصالح النفطية إلى انتقادات داخلية ودولية، إذ بدت السياسة الأميركية وكأنها مؤطرة بالمصلحة الاقتصادية أكثر من التزامها بالاستقرار السياسي أو الإنساني.

و رغم استمرار ترامب في الترويج لشعار “أميركا أولًا” وسياسة الانسحاب من الحروب الخارجية، فإن الواقع الميداني أظهر استمرار التورط الأمني الأميركي عبر الوجود العسكري غير المعلن وتوسيع نشاط الاستخبارات والطائرات المسيرة.

هذا التناقض بين الانعزالية الخطابية والممارسة الواقعية مثّل سمة جوهرية لـ“الترامبية” في ولايتها الثانية، إذ جمعت بين الانسحاب السياسي والانخراط الأمني الانتقائي.[36] وبذلك حافظت واشنطن على أدوات النفوذ دون تحمل أعباء إعادة الإعمار أو إدارة الحكم المحلي.

3- ردود الفعل الإقليمية والدولية:

قوبل استمرار الوجود الأميركي شرق الفرات بتحفظ شديد من تركيا التي رأت فيه تهديدا مباشرا لأمنها القومي بسبب دعم واشنطن للقوى الكردية (قسد) . ومع ذلك، شهد عام 2025 تنسيقا أمنيا محدودا بين الجانبين، خاصة في ملف مكافحة “داعش”، في محاولة لتخفيف التوتر وضمان استمرار العلاقات داخل إطار حلف “الناتو”[37]، لكن أنقرة استمرت في تنفيذ عمليات محدودة ضد وحدات كردية ( قسد)  قرب الحدود، وسط صمت أميركي محسوب يعبّر عن رغبة واشنطن في إدارة التوازن لا الحسم.

أما روسا فقد اعتبرت موسكو أن بقاء القوات الأميركية في شرق سورية يمثل انتهاكا للسيادة السورية، وعملت على تعزيز وجودها في الغرب والجنوب كوسيلة ضغط مضاد. ورغم تجنب الطرفين المواجهة المباشرة، فإن خطوط التماس بينهما بقيت موضع احتكاك دائم، خصوصا في دير الزور[38].

في المقابل، استخدمت واشنطن وجودها العسكري كورقة تفاوضية في المباحثات مع روسيا بشأن ملفات أوسع، مثل أوكرانيا والعقوبات الأوروبية، وبالنسبة لإيران، فقد شكل الوجود الأميركي المستمر تحديا رئيسيا لمشروعها الإقليمي. فالقواعد الأميركية في التنف وشرق الفرات قطعت التواصل الجغرافي بين طهران وبيروت، وقلصت من قدرة الميليشيات التابعة لها على التحرك بحرية. وردا على ذلك، كثفت طهران دعمها لمجموعاتٍمحلية صغيرة نفذت هجمات ضد القواعد الأميركية، ما أدى إلى حرب استنزاف منخفضة الكثافة استمرت طوال عام 2025  [39].

بينما رحبت إسرائيل بالوجود الأميركي بوصفه “عامل توازن ضروريًا” في مواجهة إيران، معتبرة أن الوجود الأميركي في سورية الجنوبية والشرقية يحدّ من التمدد الإيراني ويؤمّن عمقها الاستراتيجي. وقد شهد التنسيق العسكري والاستخباري بين واشنطن وتل أبيب تصاعدًا، خصوصًا في مجال الاستطلاع الجوي المشترك واستهداف شحنات السلاح الإيرانية[40].

تُظهر المقاربة العسكرية والأمنية في سياسة إدارة ترامب الثانية أن واشنطن سعت إلى تحقيق نفوذ أقصى بأدنى تكلفة، عبر الجمع بين الوجود المحدود، والتحالفات المحلية، واستخدام الضربات الانتقائية. هذه المقاربة سمحت للولايات المتحدة بالحفاظ على موطئ قدم في سورية ما بعد الأسد، لكنها لم تنجح في فرض تسوية سياسية شاملة أو استقرار دائم.

لقد مثل الوجود العسكري الأميركي أداة ردع وتوازن أكثر منه أداة حسم أو بناء دولة، ما جعل السياسة الأميركية تبدو “إدارة للأزمة” لا “حلًا لها”. ومع ذلك، فقد ضمنت واشنطن من خلال هذا الوجود استمرار قدرتها على التأثير في معادلة القوى الإقليمية والدولية، وجعلت من الملف السوري ورقة مركزية في صراعها الأوسع مع روسيا وإيران والصين.

خامسا- التفاعل بين المقاربتين الاقتصادية والعسكرية تجاه سورية

تُعد المقاربة الاقتصادية والمقاربة العسكرية في سياسة إدارة ترامب الثانية تجاه سورية بعد سقوط نظام الأسد وجهين متكاملين لمعادلة النفوذ الأميركي. فقد أدركت واشنطن أن مرحلة ما بعد الأسد لا تحتمل الانخراط العسكري الواسع، لكنها في الوقت نفسه تتطلب حضورا فاعلًا يضمن المصالح الأميركية في الطاقة وإعادة الإعمار والأمن الإقليمي. لذلك، صاغت إدارة ترامب سياستها من خلال تفاعل مرن بين الاقتصاد كأداة ضغط استراتيجي والعسكر كوسيلة ضبط ميداني، ضمن ما يمكن تسميته بـ “الهيمنة المرنة” أو “النفوذ غير المباشر”.

1- التكامل الوظيفي بين المقاربتين: تقوم المقاربة الأميركية على مبدأ التكامل الوظيفي بين الاقتصاد والعسكر، حيث يُستخدم الاقتصاد كأداة لتشكيل السلوك السياسي والاقتصادي للمناطق السورية الجديدة، بينما يُستخدم الوجود العسكري لضمان استقرار البيئة التي تعمل فيها الأدوات الاقتصادية.

فالعقوبات الاقتصادية، مثل قانون قيصر وتوسيعاته، لم تكن مجرد أدوات مالية، بل أداة ردع سياسي مدعومة بتهديد عسكري ضمني حال انتهاكها. كما أن السيطرة العسكرية المحدودة على شرق الفرات وفّرت للولايات المتحدة مظلة أمنية لتفعيل نفوذها الاقتصادي، خصوصًا في مجال الطاقة وإعادة الإعمار.

هذا التكامل ظهر جليًا في التنسيق بين وزارة الدفاع الأميركية ووزارة الخزانة  ضمن إطار “الاستراتيجية المشتركة للاستقرار السوري” التي أُطلقت عام 2025، والتي نصت على أن «العمليات العسكرية المحدودة تُستخدم لحماية المصالح الاقتصادية الاستراتيجية وضمان بيئة آمنة للاستثمار وإعادة الإعمار».

بمعنى آخر، لم يكن الاقتصاد والعسكر مجالين منفصلين في سياسة ترامب، بل كانا عنصرين متداخلين في عملية هندسة النفوذ الأميركي في سورية الجديدة، وقد اعتمدت واشنطن على ما يمكن تسميته بـ “المعادلة الثلاثية”: العقوبات – الاستقرار – الإعمار”.

فالعقوبات ضغطت على الأطراف الإقليمية والدولية للالتزام بالشروط الأميركية، في حين وفر الوجود العسكري الحد الأدنى من الأمن اللازم لبدء مشاريع إعادة الإعمار في المناطق المتحالفة مع الولايات المتحدة.

بهذا الشكل، تحول الوجود العسكري المحدود إلى آلية تمكين اقتصادي، فيما أصبحت المساعدات الاقتصادية وسيلة لتكريس التوازنات الأمنية التي تخدم المصالح الأميركية[41].

2- نقاط التناقض أو التوتر بين المقاربتين: رغم هذا التكامل الظاهري، كشفت التجربة الميدانية عن حدود المقاربة العسكرية في حماية المصالح الاقتصادية. فعدد القوات الأميركية القليل وانتشارها المحدود جعل من الصعب ضمان أمن المنشآت النفطية وخطوط الإمداد، خاصة في مواجهة هجمات الميليشيات المدعومة من إيران[42].

كما أدى الاعتماد الكبير على الشركاء المحليين، مثل “قسد” وقوات العشائر، إلى تباينات في أولويات الأمن والاقتصاد، حيث ركزت القوى المحلية على السيطرة الميدانية والمكاسب الاقتصادية الآنية، بينما ركزت واشنطن على الاستقرار طويل المدى[43].

من جهة أخرى، واجهت الشركات الأميركية الخاصة تحديات أمنية كبيرة في تنفيذ مشاريعها، ما جعل المقاربة الاقتصادية تبدو رهينة للواقع الميداني أكثر من كونها قادرة على تشكيله. ظهر توتر واضح بين الرغبة الأميركية في تجنب الانخراط العسكري وبين الحاجة إلى حماية النفوذ الاقتصادي. فبينما روج ترامب لسياسة الانسحاب وتقليص النفقات الخارجية، فرضت الوقائع الميدانية استمرار الوجود العسكري لحماية الاستثمارات والموارد.

هذا التناقض بين الخطاب الانعزالي والواقع الميداني خلق نوعا من “الازدواجية الإستراتيجية”، حيث حاولت الإدارة الأميركية الجمع بين الانسحاب الرمزي والحضور الفعلي، ما جعل السياسة الأميركية عرضة لاتهامات

بالتردد وعدم الوضوح[44]، وقد أشار تقرير RAND Corporation لعام 2025 إلى أن “التكامل بين المقاربة الاقتصادية والعسكرية ظل تكاملا هشا تحكمه الضرورات أكثر من التخطيط المسبق”[45].

3- أثر هذا التفاعل على رسم السياسة الأميركية في سورية:

يمكن توصيف السياسة الأميركية في مرحلة ما بعد الأسد بمنطق “الهيمنة المرنة”، أي الهيمنة القائمة على أدوات غير مباشرة تجمع بين الاقتصاد، والتحالفات المحلية، والوجود العسكري الرمزي. فبدلا من السعي إلى السيطرة الكاملة، ركزت واشنطن على التحكم في مفاصل القرار والموارد الحيوية عبر أدوات اقتصادية مدعومة بردع عسكري عند الحاجة.

هذا المنطق ينسجم مع الاتجاه العام في السياسة الأميركية الحديثة، حيث تسعى واشنطن إلى تقليل الأكلاف المباشرة وتحقيق النفوذ عبر شبكات القوة المركّبة (Complex Power Networks) التي تجمع بين الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا[46]. في سورية، سمح هذا النهج للولايات المتحدة بأن تبقى الفاعل الأكثر تأثيرا رغم تقليص وجودها العسكري، ما عزز ما يسميه جوزيف ناي[47] بـ “القوة الذكية” (Smart Power)،  التي تمزج بين القوة الصلبة والناعمة[48].

4- صياغة السياسة من خلال “الردع المزدوج: اعتمدت واشنطن أيضا على استراتيجية “الردع المزدوج”: الاقتصادي ضد روسيا وإيران عبر العقوبات، والعسكري عبر التموضع الميداني، وقد مكن هذا التفاعل من تحقيق توازن نسبي يمنع خصومها من التمدد المفرط دون أن يورطها في مواجهة مباشرة. وبهذا المعنى، تحول الاقتصاد والعسكر إلى وسيلتين لتقييد الآخرين أكثر من كونهما وسيلتين لبناء مشروع أميركي شامل في سورية.

5- انعكاسات السياسة الأميركية على توازن القوى الإقليمي والدولي:

أ- إعادة توزيع الأدوار بين القوى الإقليمية، أدت السياسة الأميركية المزدوجة إلى إعادة رسم توازن القوى الإقليمي حول سورية،فقد حد الوجود الأميركي من التمدد الإيراني، وقيد النفوذ الروسي في الشرق السوري، وفي المقابل سمح لتركيا بالحفاظ على نفوذها شمال البلاد ضمن تفاهمات أمنية مع واشنطن، أما إسرائيل، فقد استفادت من استمرار الحضور الأميركي بوصفه مظلة ردع ضد إيران، فيما استفادت دول الخليج من إعادة تموضع واشنطن في سورية كوسيلة لحماية مصالحها الإقليمية وتعزيز نفوذها المالي في عملية الإعمار[49].وبذلك، ساهمت واشنطن في صياغة توازنٍ جديد قوامه التحكم الأميركي غير المباشر في مسار القوى الإقليمية من دون انخراطٍ مباشر.

ب- على المستوى الدولي، هدفت المقاربتان الاقتصادية والعسكرية إلى احتواء روسيا والصين عبر عرقلة مشاريعهما في سورية. ففي حين سعت موسكو إلى تعويض خسائرها عبر عقود الطاقة والبنى التحتية، حالت العقوبات الأميركية دون تنفيذ معظم تلك المشاريع. كما استخدمت واشنطن نفوذها المالي لثني المؤسسات الدولية عن التعاون مع الشركات الروسية والصينية في الملف السوري[50]. وبذلك، تحولت سورية إلى ساحة اختبار لسياسة “الاحتواء الاقتصادي–الأمني” التي جمعت بين الردع الميداني والسيطرة المالية، لتكون نموذجا لتطبيق الاستراتيجية الأميركية الأوسع في مواجهة القوى الصاعدة[51].

تكشف دراسة التفاعل بين المقاربتين الاقتصادية والعسكرية في سياسة إدارة ترامب الثانية تجاه سورية عن نمط جديد من إدارة النفوذ الأميركي يقوم على المرونة، والانتقائية، والتكامل بين أدوات الضغط الاقتصادي والضبط الميداني. فالاقتصاد وفر الغطاء السياسي للهيمنة الأميركية، فيما منح الوجود العسكري المحدود القدرة على حماية المصالح الحيوية وضمان بيئة أمنية مناسبة. إلا أن هذا التكامل لم يخل من التناقضات، إذ كشفت محدودية الأدوات العسكرية عن هشاشة القدرة الأميركية على فرض استقرار مستدام. ورغم ذلك، فإن الجمع بين القوتين الاقتصادية والعسكرية مكن واشنطن من الحفاظ على موقعها كفاعل رئيسي في سورية والمنطقة، في وقت تتغير فيه موازين القوة الدولية. لقد مثلت التجربة السورية نموذجا دالا على التحول الأميركي من الهيمنة الصلبة إلى النفوذ المرن، الذي يعتمد على إدارة الأزمات بدلا من حسمها.

سادسًا- تقييم السياسة الأميركية واستشراف المستقبل

تُمثل السياسة الأميركية تجاه سورية بعد سقوط نظام الأسد، خلال الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، نموذجا مركبا يعكس التفاعل بين الواقعية السياسية والبراغماتية الاقتصادية ضمن إطار من “الهيمنة المرنة”. وقد هدفت هذه السياسة إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: منع تمدد النفوذ الروسي والإيراني، وضمان الوصول إلى الموارد الحيوية، وتشكيل بيئة سياسية واقتصادية مواتية للمصالح الأميركية.

إلا أن تقييم فاعلية هذه السياسة يتطلب تحليل مدى نجاحها في تحقيق أهدافها المعلنة، واستكشاف التناقضات الداخلية التي وسمت مقاربتها، ثم استشراف مستقبل النفوذ الأميركي في سورية والمنطقة ضمن بيئة إقليمية ودولية شديدة التحول.

1–  تقييم الفاعلية والسياسات البديلة: أظهرت المؤشرات الميدانية والسياسية بين عامي( 2024 -2025 )أن واشنطن نجحت في إعادة تثبيت نفوذها النسبي في شرق سورية عبر الجمع بين السيطرة على الموارد النفطية ودعم القوى المحلية الصديقة. كما تمكنت من عرقلة المشاريع الروسية والصينية في مجال إعادة الإعمار، عبر توظيف العقوبات والضغوط الاقتصادية، ما حافظ على موقعها كفاعل أساسي في إدارة الملف السوري من الخارج[52].

إلى جانب ذلك، حافظت الولايات المتحدة على توازن أمني هش يمنع عودة الفوضى الميدانية، مع تجنب الانخراط في مواجهات مباشرة. غير أن هذا النجاح ظل تكتيكيا أكثر منه استراتيجيا، إذ لم يرافقه مشروع سياسي متكامل يضمن استدامة النفوذ الأميركي أو يقدم بديلًا فعلياً للنظام المنهار[53].

واجهت المقاربة الأميركية تناقضات جوهرية بين الخطاب الانعزالي الذي روج له ترامب، والذي دعا إلى تقليص الانخراط في الشرق الأوسط، والممارسات الواقعية التي استدعت حضورا عسكريا واقتصاديا مستمرا.
هذا التناقض أضعف مصداقية السياسة الأميركية أمام حلفائها الإقليميين، وفتح الباب أمام خصومها لملء بعض الفراغات التكتيكية[54] .كما أن غياب التنسيق المؤسسي بين وزارتي الخارجية والدفاع، وتباين مقاربات مراكز القرار داخل الإدارة، حدّ من قدرة واشنطن على تحقيق رؤية موحّدة، فبقيت السياسات الأميركية متذبذبة بين الردع والانسحاب، وبين السيطرة والاحتواء[55].

في المقابل، طرحت بدائل أكثر “تكاملًا” من بعض الدوائر الفكرية في واشنطن، تمثلت في اعتماد نهج “الاستقرار الذكي” الذي يجمع بين تقليص التدخل العسكري المباشر وتوسيع أدوات النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي من خلال التحالفات المتعددة الأطراف[56].

2- الانعكاسات على النظام الإقليمي في الشرق الأوسط:

نحو إعادة بناء نظام إقليمي جديد: أدت السياسة الأميركية في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد إلى إعادة ترتيب تدريجي في بنية النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، من خلال الدفع نحو تشكيل شبكة تحالفات متغيرة بين عدد من القوى الإقليمية، مثل دول الخليج العربي وتركيا وإسرائيل، تحت سقف المظلة الأمنية الأميركية، مع تركيز متزايد على احتواء النفوذ الإيراني وحماية أمن الطاقة، بدلًا من الصراع العربي–الإسرائيلي الذي كان يمثل محور توازنات الإقليم سابقًا، ومع ذلك، لم يؤد هذا التحول إلى بناء نظام إقليمي مستقر، بل أسفر عن نشوء نظام مائع يقوم على توازنات تكتيكية مرنة، تخضع لتحولات موازين القوة أكثر من خضوعها لقواعد مؤسسية راسخة[57]. بالمقابل، أدى تقليص الدور الأميركي النسبي إلى فتح هوامش لحضور روسي وصيني أوسع، عبر المبادرات الاقتصادية والأمنية التي طرحتها موسكو وبكين في سياق “مبادرة الحزام والطريق”.

ب-الفراغ الاستراتيجي وصراع البدائل: إن احتمال تراجع الولايات المتحدة عن دورها التقليدي يفتح سؤالًا حول هوية الفاعل الذي سيملأ الفراغ الاستراتيجي في سورية والمنطقة. إذ تسعى روسيا إلى تثبيت موطئ قدم جيوسياسي طويل الأمد عبر القواعد العسكرية واتفاقات الطاقة⁴، بينما تعمل إيران على تعزيز نفوذها الأمني والاجتماعي في مناطق النفوذ الشيعي من خلال شبكات تنظيمية ومليشيات محلية[58]. أما الصين، فتتقدّم بخطوات تدريجية محسوبة، معتمدة على الدبلوماسية الاقتصادية والاستثمار في مشاريع البنى التحتية، بعيدًا عن الانخراط العسكري⁶. هذا التنافس الثلاثي يكرّس ملامح نظام إقليمي متعدد الأقطاب، لكنه يظل هشًا وغير مستقر، بسبب غياب إطار مؤسسي يضبط تفاعلات القوى.

ج- الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة:

دبلوماسية إعادة الإعمار: يمثل ملف إعادة الإعمار إحدى أهم الأدوات الدبلوماسية الممكنة لاستعادة النفوذ الأميركي، إذ تستطيع واشنطن عبر تحكمها بمصادر التمويل والتكنولوجيا أن تربط المساعدات بشروط سياسية تتعلق بالإصلاح المؤسسي والحوكمة. وبذلك تتحول إعادة الإعمار من عملية تقنية إلى أداة لإعادة تشكيل السلطة المحلية.[59]. كما أن الربط بين الدعم الإنساني والإصلاح السياسي يمكن أن يشكل أداة ضغط ناعمة تحقق أهدافها بأقل تكلفة.

-تحالفات الطاقة: يمثل قطاع الطاقة أحد المحاور الجوهرية للنفوذ الأميركي في سورية الجديدة، خصوصا في منطقة شرق الفرات الغنية بالنفط والغاز. يمكن للولايات المتحدة عبر شركاتها الخاصة وتحالفاتها مع دول الخليج العربي أن تتحكم في جزء مهم من معادلة الطاقة الإقليمية، ما يمنحها ورقة قوة في مواجهة روسيا وإيران[60]. كما أن تعزيز التعاون مع إسرائيل ومصر والأردن في مشاريع نقل الغاز قد يسهم في ترسيخ الدور الأميركي كمحور طاقوي بديل عن موسكو وطهران.

الشراكات الأمنية المرنة: يتطلب الحفاظ على الاستقرار في سورية والمنطقة اعتماد شراكات أمنية غير تقليدية مع القوى المحلية والإقليمية، تقوم على التدريب والدعم الاستخباراتي أكثر من الانتشار العسكري المباشر، هذا النموذج، الذي تتبناه واشنطن حاليا في العراق والأردن، يمكن أن يُعمم في سورية لتقليل الكلفة الميدانية وتعزيز

النفوذ غير المباش[61]، كما أن تطوير آلية تنسيق أمنية ثلاثية (واشنطن–أنقرة–قسد) قد يشكل عنصر توازن يمنع عودة التوترات شمال سورية.

يمكن القول إن السياسة الأميركية بعد سقوط الأسد تميزت بقدرٍ من الفاعلية المرحلية في تحقيق أهدافها الأمنية والاقتصادية، لكنها افتقرت إلى رؤية استراتيجية طويلة المدى، فقد نجحت في منع تمدد خصومها وفي إعادة صياغة موازين القوى داخل سورية، إلا أن ترددها في الانخراط العميق، وتناقض خطابها بين الانعزال والهيمنة، جعلاها عاجزة عن تحويل إنجازاتها إلى نظامٍ إقليمي مستقر.

يبدو مستقبل النفوذ الأميركي في سورية والمنطقة مرهونًا بقدرتها على تطوير شراكات متعددة الأطراف تجمع بين أدوات الضغط الاقتصادي، والدبلوماسية الذكية، والتحالفات الأمنية المرنة، وإذا لم تُحدّث واشنطن مقاربتها لتتجاوز الطابع الأداتي نحو استراتيجيةٍ بنيوية، فإن القرن الحادي والعشرين قد يشهد انتقال مركز الثقل من الهيمنة الأميركية المنفردة إلى توازنٍ عالميٍ متعدد الأقطاب تُشكّل سورية أحد مختبراته الرئيسة.

3- سيناريوهات النفوذ الأميركي في سورية

السيناريو الأول: يقوم هذا السيناريو على استمرار سياسة الإدارة الأميركية في الحفاظ على وجودها العسكري المحدود شرق الفرات، مقرونًا بتشديد العقوبات الاقتصادية وربط أي تمويل للإعمار بتحقيق انتقال سياسي تدريجي.
يستند هذا السيناريو إلى إدراك واشنطن أن الانسحاب الكامل سيؤدي إلى فراغٍ تملؤه موسكو وطهران، ما قد يُفقدها ورقة ضغط استراتيجية في الشرق الأوسط[62]. غير أن هذا النهج يحمل مخاطر التآكل البطيء لنفوذ الولايات المتحدة، نتيجة محدودية الموارد وافتقارها إلى رؤية سياسية جامعة.

السيناريو الثاني: في هذا السيناريو، تُعيد الولايات المتحدة تركيز جهودها على المنافسة مع الصين في آسيا، وتُخفف حضورها في الشرق الأوسط تدريجيا، مكتفية بتأثير غير مباشر عبر حلفائها في المنطقة، ورغم أن هذا الانكفاء ينسجم مع العقيدة “الترامبية” في تقليص النفقات الخارجية، إلا أنه قد يؤدي إلى تعزيز نفوذ روسيا وإيران وتركيا في سورية، ويُضعف موقع واشنطن كضامنٍ للتوازن الإقليمي[63].

السيناريو الثالث: يُعد هذا السيناريو الأكثر توازنا واستدامة، إذ يعتمد على إعادة تدويل الملف السوري من خلال التعاون مع الاتحاد الأوروبي، وبعض القوى العربية، والمؤسسات المالية الدولية، لتقاسم أعباء إعادة الإعمار وضبط الأمن.

هذا السيناريو يعكس إدراكا متزايدا داخل الدوائر الأميركية بأن الهيمنة المنفردة باتت مكلفة وغير فعالة، وأن الحفاظ على النفوذ يتطلب “شراكة مرنة” تتقاطع فيها المصالح مع الحلفاء بدلا من فرضها أحاديا[64]، وقد أشار تقرير Brookings Institution  لعام 2025 إلى أن “الولايات المتحدة ستضطر إلى إعادة تعريف نفوذها في الشرق الأوسط بوصفه وظيفة تعاونية، لا هيمنة مطلقة”[65].

الاستنتاجات:

1- أظهرت الدراسة أن إدارة ترامب اعتمدت على مزيج من المقاربة الاقتصادية والعسكرية لإعادة صياغة النفوذ الأميركي في سورية بعد سقوط الأسد. فالعقوبات الاقتصادية، خاصة قانون قيصر وتوسيعاته، وفرت وسيلة لضغط سياسي واقتصادي على النظام السوري والمحيط الإقليمي، فيما ضمنت المقاربة العسكرية وجودا محدودا يمكن من حماية المصالح الحيوية، مثل الموارد النفطية والغازية، وتثبيت الاستقرار الجزئي في مناطق النفوذ.

2- كان للتحكم الأميركي في عملية إعادة الإعمار، وربطه بالشروط السياسية، أثر كبير في تشكيل البيئة الاقتصادية والسياسية الجديدة. فقد نجحت واشنطن في توجيه التمويل الدولي نحو القوى المحلية الصديقة، وتقييد المشاريع الروسية والصينية، ما مكنها من استخدام الاقتصاد كأداة استراتيجية للنفوذ.

3- كشفت الدراسة أن المقاربة العسكرية الأميركية كانت محدودة وموجهة أساسا لضبط التوازنات المحلية ومنع التمدد الإيراني والروسي. فالقواعد العسكرية، التحالفات مع قسد والقوى العربية المحلية، والضربات المحدودة، وفرت درجة من الاستقرار الأمني النسبي، لكنها لم تمكن واشنطن من فرض نفوذ شامل أو ضمان بيئة آمنة بالكامل للمصالح الاقتصادية.

4- أظهرت الدراسة أن العلاقة بين المقاربتين ليست دائما سلسة؛ فقد أسهم الاقتصاد في دعم الحضور العسكري، لكن محدودية الأدوات العسكرية أضعفت القدرة على حماية الاستثمارات والمصالح الحيوية. وبالمقابل، فرضت الحاجة إلى حماية هذه المصالح استمرار الوجود العسكري، ما أبرز ازدواجية الاستراتيجية الأميركية بين الانعزال والخوض المباشر.

5- أسهمت السياسة الأميركية في إعادة توزيع أدوار القوى الإقليمية، حيث تم الحد من النفوذ الإيراني والروسي في شرق سورية، وأتاح الحضور الأميركي الفرص لكل من تركيا وإسرائيل ودول الخليج لتعزيز مواقعها. على المستوى الدولي، أعاقت العقوبات المشاريع الروسية والصينية، وركزت على فرض شروط اقتصادية وسياسية تحافظ على مركزية الولايات المتحدة في الملف السوري.


[1]– أحمد مصطفى الحسين،  مدخل إلى تحليل السياسات العامة، المركز العلمي للدراسات السياسية،  جامعة اليرموك،  عمان، 2002 .

[2]– توماس آر. داي (Thomas R. Dye) (1935– ): عالم سياسة أميركي، وأستاذ فخري في جامعة ولاية فلوريدا، من أبرز منظّري السياسات العامة ونظرية النُخَب السياسية، عُرف بكتبه” Understanding Public Policy وThe Irony of Democracy”، حيث يرى أن صنع القرار السياسي تحدده النُخَب أكثر من الإرادة الشعبية. عرّف السياسة بأنها: «من يحصل على ماذا، ومتى، ولماذا، وكيف”

[3] – ويليام ن. دن (William N. Dunn) (1938–2022): عالم سياسة أميركي وأستاذ تحليل السياسات في جامعة بيتسبرغ، يُعد من أبرز المنظّرين في حقل تحليل السياسات العامة. اشتهر بكتابه المرجعي “Public Policy Analysis: An Integrated Approach”، الذي أسّس لمفهوم هيكلة المشكلات قبل اقتراح الحلول، محذّراً من “خطأ النوع الثالث” أي تعريف المشكلة بشكل خاطئ. دعا إلى استخدام منهجية متعددة تجمع بين التحليلين الكمي والنوعي.

[4] -William N. Dunn, Public Policy Analysis: An Integrated Approach, 6th ed. (New York: Routledge, 2018).

[5] – John J. Mearsheimer, The Tragedy of Great Power Politics, (New York: W. W. Norton & Company, 2001).

[6] – جوزيف ناي،  القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية. (ترجمة: محمد توفيق البجيرمي). العبيكان – نيويورك – الولايات المتحدة، 2007 .

[7] – قانون قيصر: قانون أميركي صدر عام 2020 ، لفرض عقوبات اقتصادية صارمة على النظام السوري وكل من يتعامل معه من أفراد أو كيانات، بهدف محاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان. يستند إلى صور “قيصر” التي كشفت تعذيب المعتقلين في سجون النظام، ويستهدف قطاعات حيوية مثل النفط والبناء والمصارف، في محاولة للضغط على النظام وحلفائه لإجبارهم على الدخول في عملية انتقال سياسي وفق القرار الأممي 2254.

[8] – مايكل ج. مازار (Michael J. Mazarr): باحث أول في مؤسسة RAND  وأستاذ سابق في الكلية الحربية الوطنية الأميركية، من أبرز المتخصصين في قضايا الأمن والدفاع والسياسة الخارجية الأميركية. تناول في كتبه Mastering the Gray Zone وLeap of Faith آليات الصراع غير التقليدي وأخطاء القرار الأميركي في غزو العراق. يركز في أبحاثه على صنع القرار تحت عدم اليقين، والردع النووي، والتحولات في النظام الدولي.

[9] – Joseph Daher, Syria after the Caesar Act: The Political Economy of Sanctions and Reconstruction (London: Chatham House, 2022).

[10] – اسلام عيادي ، السياسة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب2021-2017، كتاب جماعي محكم المركز  الديمقراطي العربي للدراسات االستر اتيجية والسياسية واالقتصادية ألمانيا /برلين 2021.

[11] John J. Mearsheimer, The Tragedy of Great Power Politics (New York: W. W. Norton & Company, 2001).

[12] – Richard N. Haass, The World: A Brief Introduction (New York: Penguin Press, 2021)

[13]– إسلام عبد الغني، مسارات التحول في العلاقات الأمريكية السورية، المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، 2025: أنظر في الرابط: https://bit.ly/48ML2ah ، تاريخ الاطلاع ( 12/10/2025 ).

[14] – Anoushiravan Ehteshami, “Iran’s Regional Strategy After Assad: From Resistance to Resilience,” Middle East Policy Journal, 32, no. 1 (2025): 22–41.

[15] – Aaron Stein, “Turkey’s Security Policy in Post-Assad Syria,” Atlantic Council Research Paper (2025).

[16] – Richard Youngs, The European Union and the New Middle East Order (Brussels: Carnegie Europe, 2024).

[17] – Jihad Yazigi, Rebuilding Syria: Local Dynamics and International Constraints (Berlin: Friedrich Ebert Stiftung, 2025).

[18] – Areej Al-Tamimi, Gulf States and Post-Conflict Syria: Competition and Cooperation in Reconstruction (Doha: Arab Center for Research, 2024).

[19] – ليث عاطف غيث السواعير، فيصل عوده الرفوع التوجهات الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية وروسيا تجاه سوريا بعد عام 2024» (دراسة وصفية تحليلية)، أنظر في:. https://bit.ly/4apXUV6  تاريخ الاطلاع ( 03/ 10/2025).

[20] – Chang Li, “China’s Belt and Road in Post-War Syria: Strategic Patience and Economic Expansion,” Journal of Contemporary China Studies, 18, no. 2 (2025): 55–74.

[21] – U.S. Department of the Treasury, OFAC Syria Sanctions Report 2025 (Washington, DC: U.S. Department of the Treasury, 2025).

[22] – International Crisis Group, Rebuilding Syria: The Role of Western Financial Institutions (Brussels: International Crisis Group, 2025).

[23] – Aron Lund, “Reconstruction for Reform: The Politics of Aid in Post-Assad Syria,” Middle East Institute Reports 22, no. 3 (2024): 14–27.

[24] – الأسباب التي ساقتها واشنطن وشركاؤها للدفع نحو آليات تمويل موازية للقنوات الحكومية تشمل: (1) مخاوف من تحويل موارد إلى شبكات مرتبطة بممارسات انتهاكات حقوق الإنسان؛ (2) رغبة في بناء شرعية محلية وإعادة بناء خدمات عبر مجالس محلية وإدارات منتخبة ومدنية؛ (3) ضمان محاسبة وشفافية أفضل بمراحل انتقالية هشة. هذه الحجج ظُهرت في بيانات السياسات وتحليلات المانحين والاجتماعات الدولية للمانحين.

[25] – Kenneth Katzman, U.S. Military and Economic Policies in Syria (Washington, DC: Congressional Research Service, 2024).

[26] – Reuters, “Delta Crescent Energy Signs Extended Deal for Syrian Oil Fields,” March 2, 2025.

[27] – Hinnebusch, “The Political Economy of Post-Conflict Syria,” 40–42.

[28] – European Council on Foreign Relations (ECFR), Sanctions and the Struggle for Syria’s Reconstruction, Policy Paper (2025)

[29] – U.S. Department of Defense, Operational Overview: U.S. Forces in Syria 2025 (Washington, DC: U.S. Department of Defense, 2025).

[30] – U.S. Department of Defense, Operational Overview: U.S. Forces in Syria 2025, 8–10.

[31] – International Crisis Group, Between the Kurds and Arabs: Local Security Governance in Eastern Syria (Brussels: International Crisis Group, 2025).

[32] – مايكل آيزنشتات، «إدارة ديناميات التصعيد مع إيران في سوريا وخارجها»، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى (الترجمة العربية)، تموز/يوليو 2017،أنظر في  الرابط:  https://bit.ly/4s3CrYk. تاريخ الاطلاع 🙁 02/10/2025).

[33] – مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، «منطقة شرق الفرات في سوريا: واقع الصراع وأدوار القوى المحلية والدولية»، عمران للدراسات، تقرير بحثي، 2024، أنظر في  الرابط:  https://bit.ly/3MH2xAl. تاريخ الاطلاع( 11/10/2025 ).

[34] -الوجود الأميركي شرق الفرات: الأبعاد الاستراتيجية وتفاصيل الانسحاب المتوقع»، الشرق نيوز، 18 نيسان/أبريل 2025، أنظر في الرابط: https://bit.ly/4j6bteF. تاريخ الاطلاع( 22/10/2025).

[35] – مركز الجزيرة للدراسات، «الانسحاب الأميركي من سوريا: الأسباب والسياقات والتداعيات»، الجزيرة للدراسات، 21 كانون الأول/ديسمبر 2018، أنظر في الرابط:  https://bit.ly/4s4dQCz، تاريخ الاطلاع( 12/ 15/2025).

[36] – Richard N. Haass, The Delusion of Withdrawal: Why America Still Can’t Leave the Middle East (New York: Council on Foreign Relations Press, 2024).

[37] – عمر كوش، “الوجود الأميركي في سوريا بين الانسحاب والبقاء”، العربي الجديد، 5 آذار/مارس 2023، أظر في الرابط: https://bit.ly/4s7i78t تاريخ الاطلاع (12/11/2025).

[38] – Carnegie Middle East Center, U.S.-Russia Deconfliction and Rivalry in Syria, Beirut, 2025.

[39] – The Washington Institute, Iran’s Proxy Strategy in Post-Assad Syria, June 2025.

[40] – The Jerusalem Post, “Israel Welcomes Continued U.S. Military Presence in Syria,” February 2025.

[41] -International Crisis Group, Economic Leverage and Security Governance in Post-Assad Syria, Brussels, 2025.

[42] – The Washington Institute, Iran-Backed Militias and the Limits of U.S. Protection in Syria, June 2025.

[43] -ضياء الدين اليوسف ، تحليل السياسة الأمريكية تجاه سوريا في عهد ترامب الجديد، وكالة أنباء أسيا،، 2025.02.03 ، أنظر في الرابط : https://bit.ly/4aIF7EL. تاريخ الاطلاع : (19/11/2025).

[44] – Christopher J. Bolan، Strategic Insights: Strategic Questions Loom Large for President Trump in the Middle East ، April 11, 2017    ، https://bit.ly/4oZHoyv. تاريخ الاطلاع : 19/11/2025.

[45] -RAND Corporation, Assessing the Integration of Economic and Military Tools in U.S. Policy Toward Syria, Santa Monica, CA, 2025.

[46] -Michael Mazar, Flexible Hegemony: U.S. Strategy in a Fragmented World Order (Santa Monica, CA: RAND Corporation, 2019).

[47] – جوزيف ناي (Joseph S. Nye, Jr.): عالم سياسة أميركي بارز، وُلد عام 1937، وأستاذ في جامعة هارفارد، معروف بتطوير مفهوم القوة الناعمة (Soft Power) الذي يوضح قدرة الدولة على التأثير من خلال الجذب والإقناع بدل الإكراه أو القوة العسكرية. ساهم أيضاً في دراسات السياسة الخارجية والعلاقات الدولية، وكتب العديد من المؤلفات حول ديناميات القوة في النظام الدولي.

[48] – Nye, J. S. (2011). The Future of Power. New York: PublicAffairs.

[49] -Al Monitor, “Regional Actors and the New U.S. Balance in Post-Assad Syria,” August 2025.

[50] – مركز كارتر، العقوبات الامريكية على سورية،أيلول / سبتمبر  2020 ، أنظر في الرابط : أhttps://bit.ly/4qeb3VJ تاريخ الاطلاع( 19/10/2025).

[51] – Kenneth Katzman, U.S. Strategic Presence in Syria and Iraq (Washington, DC: Congressional Research Service, 2024).

[52] – U.S. Congressional Research Service (CRS), U.S. Sanctions and Syria: Evaluating Policy Effectiveness, Washington, DC, 2025.

[53] – International Crisis Group, Post-Assad Syria: Stabilization Without Transition?, Brussels, 2025.

[54] – Richard N. Haass, The Delusion of Withdrawal: Why America Still Can’t Leave the Middle East (New York: Council on Foreign Relations Press, 2024).

[55] -The Washington Institute, Trump’s Policy Machinery and the Middle East Divide, April 2025.

[56] – Brookings Institution, Smart Stabilization: Rethinking U.S. Policy in Post-Conflict Environments, Washington, DC, 2025.

[57] – حورية قصعة، زكرياء حلوي،   القوى الصاعدة وتجاذبات المصالح في منطقة الشرق األوسط مساعي الهيمنة واستراتيجيات التموضع، المركز الديمقراطي العربي 2024 .

[58] – محمد عبداللطيف الشوكاني ، محمد أحمد الصيادي، مبادرة الحزام والطريق وتأثيرها على العلاقات العربية الصينية مجلة جامعة الملكة أروى،  مجلد 29 عدد 29 (2025): المجلة العلمية المحكمة العدد: 29.

[59] – Agency for International Development (USAID), Reconstruction and Reform: Conditional Aid Strategies in Syria, Washington, DC, 2025.

[60] – Energy Policy Institute, Hydrocarbon Geopolitics in Eastern Syria, Washington, DC, 2025.

[61] -Center for Strategic and International Studies (CSIS), Flexible Security Partnerships: A Model for Syria’s Future, Washington, DC, 2025.

[62] – RAND Corporation, Strategic Persistence: U.S. Military Posture in Eastern Syria, Santa Monica, CA, 2025.

[63] -Katzman, K. (2024). U.S. Strategic Presence in Syria and Iraq. Congressional Research Service, Washington, DC.

[64] – Chatham House, Collective Engagement in Syria: The Case for Multilateral Reconstruction, London, 2025.

[65] – Brookings Institution, The Future of U.S. Power in the Middle East, Washington, DC, 2025.

Admin

مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية: مؤسسة فكر وتخطيط استراتيجي تقوم على إعداد التقديرات وتقديم الاستشارات وإدارة المشروعات البحثية حول المتوسط وتفاعلاته الإقليمية والدولية. لا يتبنى المركز أية توجهات مؤسسية حول كل القضايا محل الاهتمام، والآراء المنشورة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى