اللغة والدبلوماسية الثقافية للصين

الحفيرة يوسف
باحث دكتوراه في العلوم القانونية والسياسية، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي الرباط.
الملخص:
تواجه الصين صعوبات تخص الهوية الثقافية: فأغلبية الناس لا يملكون دراية تذكر بالثقافة الصينية التقليدية، التي تضاء لتأثيرها. أما روائع النثر والتاريخ والفكر، التي تمثل أدواتها الأساسية وتجسيداتها، فلا يطالعها سوى نفر قليل من أهل الاختصاص، ولا يجد صدى يُذكر لدى عامة الجمهور.
تضمحل المبادئ الكونفوشيوسية العريقة، كالرحمة والإنصاف واللياقة والحكمة والجدارة بالثقة والإخلاص وطاعة الوالدين، لصالح المبادئ الغربية كالفردية والتسامح والنزعة الاستهلاكية. ويواجه المجتمع الصيني تحديات كضياع الأمانة وتفكك العائلات والانحطاط الأخلاقي.
وهكذا يصبح معهد كونفوشيوس بمثابة فضاء للتقارب بين الثقافات، حيث لا تعتبر اللغة الصينية مجرد آلية للنفوذ من خلال القوة الناعمة والدبلوماسية الثقافية، بل مادة نابضة للتنمية، مرتبطة بالمشاهدات الملموسة، والتواصل المجتمعي، والآمال الفردية والجماعية، تساند إدراك أعمق للتطبيقات المجتمعية للغة في التجمعات الحديثة، عبر إظهار المستويات المتعددة المتعلقة بالهوية التي تختبئ وراء الخيارات اللغوية للديبلوماسيات الثقافية.
الكلمات مفتاحية: اللغة، الهوية، الدبلوماسية، الثقافة، كونفوشيوس، القوة الناعمة، الصين.
مقدمة:
ما الذي يخول لأي مجموعة بشرية أن تقر بكيانها بوصفها مجتمعا؟ تتمثل الإجابات المتعارف عليها عن هذا التساؤل في اشتراك أفراد المجموعة في مجموعة من السمات والأعراف والاهتمامات المشتركة، والإقامة في رقعة جغرافية واحدة، والقدرة على التفاهم بين أعضاء المجموعة، وارتباط الأفراد بهذا الكيان، وما إلى ذلك. بيد أن الثقافة ليست مجرد حزمة من القناعات والممارسات المشتركة بين أفراد مجموعة بشرية؛ بل إنها تؤلف نسقا فعليا من الدلالات يتيح للأشخاص فهم العالم الذي يحيط بهم وتحديد ذواتهم فيه.
من جهة أخرى، طالما برزت مسألة الهوية بوصفها التساؤل الأبرز في ختام هذه الألفية، فقد جرى تناولها من مختلف الزوايا والمجالات على يد خبراء وباحثين اجتماعيين وعلماء أنثروبولوجيا ومؤرخين. أما الهوية الثقافية، في المقام الأول، وكما تطرق إليها “ماركوس أنسيلوفيتشي” و”فرانسيس دوبوي-ديري” في كتابهما L’archipel identitaire، فهي تشكيل رمزي يجد أصوله، جزئيا، في الكيفية التي تروى لنا بها الأحداث التي لم نختبرها مباشرة. فمن خلال التاريخ والفن ووسائل الإعلام، نصل إلى ذاكرة تتيح لنا الربط بين الماضي والحاضر، في حين تحتل اللغة، بوصفها مكوّنًا أساسيًا، منزلة بارزة في تشييد الهوية الثقافية وإدراكها.
وهكذا، تتدخل الثقافة في مجال جوهري من مجالات الحياة البشرية، يتمثل في مجال وحدات المعنى أو الدلالات التي تؤسس الوساطة الضرورية لوصولنا إلى الحقيقة؛ إذ لا يوجد منبه يؤثر فينا بصورة مباشرة، وإنما يصل تأثيره إلينا عبر وسيط المعنى الذي يكتنفه حتمًا، سواء أكان ذلك عن وعي أم عن غير دراية.
من جهة أخرى، يبدو أساس اللغة الموحدة راسخا في العمل الدبلوماسي، ومع ذلك، وبصرف النظر عن كيفية توظيفه، تظل الدبلوماسية، على الصعيد العالمي، متعددة اللغات في جوهرها، كما بينت الدراسات التي أجريت على مدى العقدين الماضيين؛ ويستند وجود الدبلوماسية على التخاطب بكل أساليبه وأنواعه، بين مختلف الكيانات التي لكل منها أساليبها وتقاليدها اللغوية الخاصة.
في ورقتنا هذه، وكإشارة وجيزة، إن الشؤون الخارجية الصينية معقدة، إن أردنا تقييمها بوضوح وصرامة في كل جوانبها، وهو ما يجعلنا نثير تساؤلا أساسيا: ما الدور الذي ترغب الصين لعبه في العالم؟، الإجابة لن تكون ممكنة دون النظر في الهوية الحضارية والعرق، واللغة. وبذلك نطرح الإشكالية التالية: كيف يمكن أن تلعب اللغة دورا مهما بل أساسيا في بناء الهوية الثقافية للصين؟ وكيف يمكن أن تشكل أداة للديبلوماسية الثقافية؟.
للإجابة عن هذه الإشكالية اعتمدنا على المنهج البنيوي التحليلي لمجموعة من المفاهيم والتجارب لإبراز الدور الذي تلعبه اللغة في الديبلوماسية الثقافية الصينية.
سنناقش هذا الموضوع من خلال محورين أساسيين، سنتطرق في المحور الأول للغة كعنصر للهوية الثقافية، في حين سيتناول المحور الثاني دور اللغة في الديبلوماسية الثقافية.
المحور الأول: اللغة كعنصر للهوية الثقافية
لا يمكن حصر مفهوم الهوية الجماعية في مجرد لائحة موجزة من السمات المشتركة، بل ينبغي اعتباره نسقاً تراتبياً حيث يحدد دور السمات وقيمتها داخل كل جماعة. لذا، ينتقي أفراد الجماعة قيماً محددة من بين مجموعة الخصائص الحضارية الخاصة بتلك الجماعة، ثم ينظمونها حسب الأهمية لتكوين ماهيتهم الموحدة. ومن ضمن تلك الخصائص الثقافية، يؤدي بعضها دوراً أساسياً، بل وحاسماً، كالعرق والدين واللغة([1]).
تتمتع هذه العناصر الثلاثة الرئيسية بقوة تفتقر إليها العوامل الأخرى المكونة للهوية القومية. فاللغة، بوصفها مكونا من مكونات الحضارة، تتفوق على المكونات الأخرى بقدر ما تتيح تسميتها والتعبير عنها ونقلها؛ أما المعتقد، فعلى الرغم من كونه جزءا من نظام حضاري محدد، فإنه يتجاوزه من خلال ما يتضمنه من منظور كوني ومنظومة متكاملة من القيم؛ في حين أن العرق، بغض النظر عن مدى صعوبة تحديده، يشير رمزيا إلى أصل مشترك، ومن ثم يجمع، على مستوى التصور، الطاقات الغامضة للغرائز والنوع والنسب [2].
بإمكاننا عموما استشعار وجود كيان قومي عندما ينادي أفراد مجموعة بشرية بعضهم بعضا بلقب يشير إلى انتمائهم إلى تلك المجموعة، ولا تستعمل هذه القدرة على التسمية دون داع إطلاقا، بل هي لازمة ما دامت الحاجة إليها قائمة، ولأن المفهوم موجود فإنه يقتضي هذا التعيين. ومن المسلَم به أن كل شخص يشارك في عدة تجمعات متداخلة. قد تظهر معضلة الهوية بتجليات متباينة، لكن الشبه باستراتيجيات الذات الفردية ظاهر، ولذا لا بد من تفحص كل جماعة على حدة لتعيين المسببات التي تؤثر في الإدراك العام.
لتحليل الهوية الإثنية لمجموعة ما، لا يقتصر الأمر على تعداد الخصائص الإثنية والثقافية التي تفصلها عن سائر الأمة؛ بل من الأساسي استيعاب حجم مساهمة تلك السمات الفارقة في تشكيل الإدراك الجمعي وتثبيت كيان خاص، ولا يمكن إدراك هذا التثبيت، والعقيدة التي تعبر عنها من خلاله، إلا بامتلاك معرفة بسجل انضمام هذه المجموعة إلى الأمة، والأحوال الاجتماعية لانضمامها، والأحوال الذهنية لانضمامها إلى الأمة([3]). وبهذا، فإن اللقب الذي يختاره الفرد لنفسه يظهر عمق الإحساس بالارتباط بجماعة ما، وضمن التجمعات المتنوعة التي ينضم إليها الفرد، يبقى الإطار القبلي أحد أبرز النماذج، لكونه يرتكز على الخصائص الجوهرية للثقافة.
لا تظهر معضلة الهوية عموما إلا عند بروز التباين، يكفينا أن نثبت ذواتنا في مواجهة الغير، وهذا الإثبات للهوية هو في حقيقته نوع من الذود عن النفس، لأن التباين يبدو دائماً للوهلة الأولى خطراً، وإذا لم يتشكل الوعي الذاتي الإثني في التجمعات البدائية المنعزلة، فذلك لكون الإحساس بالأمان الذي يوفره الاتفاق الثقافي للجماعة لا يتعرض للخطر أو حتى للتشويش([4]).
نادراً ما تعيش التجمعات البشرية في عزلة كاملة، ولذلك لا يمكن ضمان ثبات الكيان الجمعي إلا إذا لم تمارس التجمعات المجاورة ضغوطا تعد تهديدات؛ وفضلا عن ذلك، تؤدي الأوضاع الجغرافية والسياسية والمعيشية التي يعيش فيها التجمع دورا محوريا في ثقافته، وبالتالي في هيكل كيانه. فبين لحظة انطلاق الضغط من الآخرين، أو ضغط التحولات الاجتماعية والمعيشية، ولحظة تغير الثقافة وفقا لأساليبها الذاتية للتأقلم مع هذه التحولات، قد يمر التجمع بمرحلة من الاضطراب، أو أزمة كيان، تتفاوت فترتها، كنتيجة لهذه الضغوطات([5]).
في صميم المعيشة الجماعية والثقافة، تظهر اللغة كأشد العوامل في تنسيق الفكر والاندماج الاجتماعي، فمن خلال إمداد المرء بمجموعة من الخصائص التصورية التي تصاغ منها الدلالات المعجمية، تمنح اللغة الفرد الذي يتعلمها إطارا يرتب الكون الذي يحيط به ويعين تصوره له ([6]).
في صميم المعيشة الجماعية والثقافة، تظهر اللغة كأشد العوامل في تنسيق الفكر والاندماج الاجتماعي، فمن خلال إمداد المرء بمجموعة من الخصائص التصورية التي تصاغ منها الدلالات المعجمية، تمنح اللغة للفرد الذي يتعلمها إطارا يرتب الكون الذي يحيط به ويعين تصوره له.
كيف تتشكل الهويات الجماعية الآن؟، للإجابة على هذا التساؤل، يلزمنا فحص التاريخ، وإعادة بناء المفهوم الذي كونه الأفراد عن أنفسهم، والتغييرات التي مست هذا المفهوم. ما هو دور اللغة في هذا التاريخ؟، هل كان هذا الدور بارزا دوما كما هو عليه في الوقت الحاضر؟، ما هو وجهة نظر الأفراد في لغتهم؟، ما كانت وجهة نظرهم قبل عقود، وكيف أثر هذا المنظور على هويتهم الجماعية؟، للإجابة عن كل هذه الاستفهامات وتقديم بعض الحلول، من الواجب دراسة المجتمع بأقصى درجة من الإحاطة: فكل الأبعاد ضرورية، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو تنظيمية أو تاريخية أو نفسية؛ كما أن الروابط مع التجمعات الأخرى مهمة كذلك، وبما أن القضية اللغوية تأخذ حيزا في هذا النقاش، فمن الضروري، فحص تصور السلالات المتعاقبة لها، والنظر في منشأ اللغات وتحولاتها الموضوعية خلال مدة زمنية، على الأقل فيما نعلمه عنها اليوم.
تعتبر اللغة وتفرعاتها وسيلة للتعبير عن الهويات المتعددة للأشخاص وإقرارها، والهويات الاجتماعية هي مظاهر للانتساب إلى فئة اجتماعية وهي تختلف عن الهوية الفردية. وعليه، فمن المستطاع للمرء أن يصف ذاته في نفس الوقت بأنه أوروبي أو أمريكي وأيضا أنه أستاذ أو مدرب، وغير ذلك بحسب عدد المجموعات التي ينضم إليها، ويميل إلى تكييف حديثه مع الهوية الأبرز في ظرف معين ومحدد([7]).
تسهم اللغات المكتسبة طبيعيا، والتي تم تلقنها بصورة نظامية في استيعاب وتشييد الروابط بين اللغات والهويات؛ ويشكل الارتباط بين “اللغة الوطنية” و”الهوية القومية” رابطة لغوية/هوياتية ذات أهمية قصوى، يمكن تثبيتها أو دعمها أو إضعافها عبر التلقين الرسمي، وبخاصة في “اللغات كحقل دراسي”. ولهذا، فمن الضروري معالجة هذا الشأن ضمن إطار عملي استراتيجي للغات التعليم([8]). تعتبر اللغة عنصراً جوهرياً في الالتحام الاجتماعي، وبوصفها الأداة الأهم للتفاهم التي تشرع سائر أساليب الاتصال، فإن اللغة تسهل تبادل البيانات اللازمة للحياة في المجتمع، وهي وسيلة إيصال الأحاسيس والعلوم، وتمكن التعاون المشترك، ولهذا فهي قوام كافة الهيئات.
تستعمل اللغة التي تتعلم كمادة أكاديمية، والتي يكتسب الطلاب عبرها المهارات القرائية والكتابية، غالبا لتعليم مواد أخرى، الأمر الذي يرسخ باستمرار الربط بين اللغة والشخصية القومية([9]). أحيانا، تقدم مواد ثانوية بلهجتين متباينتين وهذا مألوف في المؤسسات التعليمية التي تخدم الأقليات أو المجموعات السكانية الأصلية؛ ما يقوي وظيفة اللغتين في صياغة ذاتية الناشئة، تعتبر اللغات كذلك وسيلة أساسية لفهم الآخرين؛ لذا، فإن إتقانها يسهم في تقوية الإحساس بالانتماء إلى الأوطان، بغناها وتنوعها الحضاري، وفي دعم التفاهم بين المواطنين.
يثير اكتساب اللغات الأجنبية، لاسيما الإنجليزية، مخاوف حول زوال الهوية القومية، بيد أن الأبحاث التي تسند هذه الهواجس، أو التي تتيح لنا نقضها بالكامل، نادرة جدا إن كانت موجودة بالأساس؛ على أي حال، يصعب الاستنتاج بشكل عام، إذ يجب أخذ عناصر معينة بعين الاعتبار، كالمحيط الاجتماعي والنفسي، ومع ذلك، ينبغي لندرة البراهين العلمية ألا تدفع صانعي القرار إلى إهمال التخوفات المحتملة التي تعبر عنها بلدان كالدنمارك وهولندا، أو دول شرق آسيا كتايوان التي تشهد ازدهارا حقيقيا في إتقان الإنجليزية، أو حتى كوريا والصين([10])، إن التحول المجتمعي مقيد ومعلق بتطور الإمكانات المتوفرة للمجتمع: فالتغيرات الاقتصادية تدفع وتتطلب الإبداع؛ ومع ذلك، يتم صياغة هذا الإبداع وتحديده تحت سلطة الأعراف الثقافية التي تميز كل مجتمع.
لذا، فإن السعي لإيجاد صيغة مشتركة لا يقتصر على الحياد اللغوي أو ثنائية اللغات فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى المقدرة على بث رسالة سياسية عبر اللغة وضمنها؛ وفي إطار مباحثات حادة كالمؤتمرات السلمية، يؤدي اختيار لغة أو لغات محددة، سواء للمداولات أو للعهود، إلى نزاعات واقعية على النفوذ، في بعض الظروف، سواء نتجت هذه الظروف عن قصد من قبل الفاعلين الدبلوماسيين أم لتضارب المصالح السياسية، أو انعدام وعي سياسي موحد، أو تباين أساليب الاتصال الاجتماعي، وما إلى ذلك، لا تظهر لغة موحدة يتقنها الطرفان، ما يجعل الاستعانة بالترجمة إجراء حتميا، وهو ما قد ييسر أو يعرقل أو يبعد أو يشوه هذا التواصل، الذي هو مع ذلك أساسي للممارسة الدبلوماسية فنحن ندرك احتمال سوء الفهم السياسي الناجم عن نقل عبارة معينة.
علاوة على ذلك، يؤثر تركيب اللغة وهيكلها الصرفي على الفكر، إذ تقدم للإنسان، منذ حداثته، أساليب لترتيب المفاهيم التي تولد المعنى، وهي أساليب يستحيل معها التواصل أو يكون مبعثراً وغير متوقع، هذه التراكيب المميزة لكل لغة الدلالية والصرفية والنحوية هي التي تجعل النقل الكامل من لغة إلى أخرى صعباً أحياناً. ومثلما أن اللغة متشبعة بالتاريخ الاجتماعي لمتكلميها، يمكن القول أن الثقافة، على الأرجح، تتحدد جزءا باللغة التي ترتكز عليها، هذا لا يلغي غنى التبادلات الثقافية واللغوية التي جرت دائما بين الجماعات البشرية، بل يوضح ببساطة الأثر الجوهري للغة الأُولى على الإدراك؛ بالتالي، يمكن تفسير الحادث ذاته بطرق متباينة من قبل متحدثي لغات مختلفة، وبذلك من ثقافات مغايرة([11]).
في حين تضطلع الثقافة بدور رابط داخل المجتمع، فإنها تؤدي أيضاً وظيفة فاصلة نحو المجتمعات الأخرى، فهي تسمح للأفراد بتحديد ذواتهم كأعضاء في مجموعة بعينها دون سواها، طبعا، يمكن تجزئة الثقافة إلى عدد من الثقافات الجزئية، تماشيا مع التباينات الجوهرية في المحيط أو ظروف العيش كالثقافات الجزئية، غير أن هذه الثقافات الجزئية تتشارك في أغلب مقومات الدلالة التي تكون الثقافة الشاملة([12]).
تسمح الثقافة بتنوع طفيف في السلوكيات. لذا، قد يتباين اثنان من أفراد الثقافة ذاتها تباينا كاملا في السلوكيات المتوجب اتخاذها ردا على واقعة ما، ومع ذلك، سيتفقان على تأويل تلك الواقعة؛ والمثال الأوضح الذي يمكننا تقديمه، مجددا، هو اللغة. يتفق كافة متحدثي اللغة على إعطاء المغزى ذاته للألفاظ، والتراكيب القواعدية، وما شابه، هذه هي الشفرة الموحدة بينهم جميعا، ومع ذلك، يوظف كل متحدث هذه الشفرة بأسلوبه الخاص، وتنقسم كل لغة إلى عدد هائل من العاميات، واللغات الاجتماعية، وعدد لانهائي من اللهجات الشخصية([13]).
باستعمال تشبيه اللغة، كلما ترسخ تعقيد المجتمع، كلما تفرقت لغته إلى تنويعات محلية ومجتمعية عديدة، وعلى النحو ذاته، كلما تنوع المجتمع، ازداد عدد الثقافات الفرعية؛ وعليه، في مجتمع عريق، غير مختلف نسبيا، حيث يكون تقسيم المهام محدودا وتتطابق ظروف العيش لأغلب أفراده، نلحظ ثقافة موحدة متينة بين الجميع.
عندما يواجه أي مجتمع تحولا في ظروف عيشه، سيجد نفسه، لمدة زمنية، عرضة لقوى متعارضة: ضد التحول الحضاري، إذ يقدر المجتمع نقل الميراث الثقافي الذي يحدده، والتأقلم الحتمي مع الظرف المستجد، ومع انقضاء الوقت، سيتغير النظام الثقافي لمسايرة التغيير، لكن في منحى يتماشى مع التأويل الذي يتيحه([14]).
الثقافة، بشبكتها من الدلالات التي تنظم الحقيقة وتيسر فهمها، هي أيضاً كرمز يمكن الأشخاص من تحديد ذواتهم في الكون، إنها تمنحهم تصنيفات ذهنية يحددون عبرها موضعهم في صلتهم بالغير، ويشيدون عبرها مفهومهم الذاتي؛ لهذا، تتشابك الحضارة والهوية ارتباطاً قوياً، ومن ضمن الأطر التي ترسمها الحضارة، ينتقي الأفراد مكونات يتآلفون معها بدرجات متباينة: كاللون، والمعتقد، واللغة، والجنسية، والنوع، والفئة الاجتماعية أو مجموعة معينة، والقبيلة، والأهل، وما إلى ذلك. وضمن هذا التشكيل من معطيات الذات، تكون بعضها جوهرية، والبعض الآخر فرعي، وتشكل سويا بنية متدرجة([15]).
إن شخصية الفرد، التي تنمو تدريجياً وتبنى من التصنيفات التي تمنحها الثقافة، هي إذن نتاج محيطه ومحيطات غيره. إن أي تحول كبير في الظروف، لا يتمكن الشخص من التأقلم معه دون المساس بهويته الشخصية، سيسبب أزمة في الذات([16]).
يتواصل الأشخاص باستخدام اللغة المألوفة لمجتمعهم. هذه الدائرة قد تقتصر ببساطة على شخصين ويتقاسمان لغة تتألف من تعابير خاصة بهم، ومن الممكن أيضا تجمعات تستوعب كافة الأفراد الإشارات الموجودة في اللغة التي يتبادلونها، تحس أي فئة بتشكيل وجود منفصل عندما يتشارك أعضاؤها خصال مشتركة معينة، يضيف كل منهم أهمية إليها في تبيان ذاته. وقد تتفاوت طبيعة تلك الخصال بشكل كبير من طائفة لأخرى، وكذلك الترتيب القيمي المعطى لها؛ وعليه، فإن الإقامة في نفس البقعة المكانية قد يساعد في هوية أي جماعة، لكن هذه الصفة البنيوية ليست شرطاً ضرورياً([17] ).
تبين مقارنة الصور التي تبثها اللغة الأم وتلك المتعلقة باللغات الأجنبية أن الأخيرة مازالت تعد في وظيفتها العملية كلغة للعالم المحيط، أما اللغة الأم، من جهة أخرى، فتمثل شارة للارتباط، وفي الكلام، كثيراً ما نصادف هذا التعارض حيث تحظى اللغة الأم بأهمية رمزية واضحة؛ إنها إرث الأصول، فهي تبقى في الذات، ويطمح المرء في نقلها للعصور اللاحقة، ويتجلى شكل اللغة كرمز للأصول بشكل متكرر في حديث الناشئة، لذا تعتبر اللغة الأصلية أقل من كونها وسيلة للتفاهم وأكثر من كونها جزءاً جوهرياً من الموروث ودليلاً على الذاتية، ويمكن إيجاز هذا، على نحو متناقض، عبر كون اللغة الأولى بصمة راسخة في هوية الشخص، حتى لو كانت اللغة الغريبة هي التي تبدو ظاهريا([18]).
تمت مناقشة موضوع اللغة والهوية على نطاق واسع من قبل الدارسين في ميدان التفاعل اللغوي، مما وفر لنا حصيلة كبيرة من المؤشرات والافتراضات التي تجب دراستها في إدراكنا للمسائل المرتبطة، بالإضافة إلى ذلك، حفزتنا إسهامات وأفكار الكاتب ثنائي اللغة أمين معلوف لمزيد من الاستقصاء في هذا المضمار. فكتاباته الإبداعية، وكذلك رؤاه كمدير لهيئة الباحثين حول دور التعدد اللغوي في التبادل بين الثقافات، تدعونا إلى التأمل في الإنسان الذي يتخطى الحواجز التي غالباً ما تقيد الأفراد في تجمعات عقائدية أو لسانية.
اللغة ركن أساسي للهوية ومكون جوهري في كل تواصل حضاري ولغوي، بيد أنه يمكننا أن نتساءل كيف، أي عبر أي وسائل لغوية، تتم مفاوضة الهويات في الأجواء متعددة الثقافات؟، في الدول التي تستقبل الوافدين، يظهر موضوع التعددية الثقافية، وتحديداً تجسيدها ضمن المجتمع. إن مناقشة هذا الموضوع ستقودنا إلى نتيجة مفادها أن تضافر توجهات فكرية متباينة، والأسلوب الأدبي، وشواهد المهاجرين ذاتهم هو ما يمكننا من تحديد قضايا الهوية واللغة وإيجاد سبل لرفع مستوى الإدراك المتعدد الثقافات لدى كل شخص بل لدى المؤسسات والدول وهو ما يقودنا إلى التطرق لدور اللغة كأداة للديبلوماسية الثقافية في المحور الثاني.
المحور الثاني: دور اللغة في الدبلوماسية الثقافية
يعتبر المكون اللغوي جوهرياً في مسار تشكيل الأمة لعديد من الدول عقب الثورة الفرنسية. وقد بان ذلك في حركات الاستقلال خصوصاً في أمريكا اللاتينية، حيث تثبتت الإسبانية كرمز للترابط والهوية القومية، دون أن يقتضي ذلك التنازل عن السمات اللغوية المتميزة التي حازت عليها الإسبانية في أنحاء شتى، لم يكن الهدف نقل هوية شبه الجزيرة الإيبيرية إلى العالم الجديد، التي لم تكن لها علاقة تذكر بالواقع الأمريكي، باستثناء أن الإسبانية كانت تشهد تغيراً في إطار التعبير عن عادات لغوية مستجدة، ورغم أن الاستعمار أتى بإلزام اللغة الإسبانية، فإن الأنماط الأمريكية حافظت على سماتها الخاصة([19]).
في هذا السياق، من الجدير التنويه بأنه كما يستطيع المرء الإحساس بالانتماء إلى تجمعات سكانية متباينة، وأن يعرف نفسه ويشاهد باعتباره إسبانيا أو أوروبياً، فإن اللغة تمكنه أن يرتبط أيضا بتعريفات هوياتية شديدة التباين، وتمثل اللغة الإنجليزية نموذجاً بارزاً لذلك، فقد تجاوزت اللغة الإنجليزية، وهي اللغة العالمية بامتياز، ترتبط بالثقافة الأنجلو سكسونية الأمريكية، لتمهد لظهور أعراف خطابية مستجدة في أقطار كأستراليا والهند وسنغافورة وماليزيا، حيث كانت تستخدم في البدء كلغة ثانية([20]).
وهؤلاء أنفسهم الذين نادوا بإقرار هذه التنويعات الإنجليزية وإضفاء الصبغة الرسمية عليها في كافة الأنحاء، والتي يعدونها تنويعاتهم الخاصة، ويستعملونها كلغات موطن لأهداف تواصلية مغايرة تماماً، وفي أحوال أخرى، يكون الارتباط بالهوية اللغوية بالإنجليزية أقل شيوعاً، مثلما هو الحال في أغلب أرجاء القارة الأوروبية، حيث تستغل الإنجليزية لأغراض علمية بحتة كلغة مشتركة للعلوم والأعمال والتخاطب والتواصل على المستوى العالمي.
في المقابل، لم تعط اللغات الأصيلة اهتماماً يذكر في تشكيل الهوية اللغوية في الأمم الحديثة، إذ جرى غض الطرف عنها وحجب صوتها بشكل كبير حتى وقت متأخر، ولهذا، أثمرت مطالبات السكان الأصليين بالاعتراف باللغات الرسمية زيادة الالتفات إلى التشريعات اللغوية التي تدعم حقوق الأقليات، ضمن إطار تنفيذ إجراءات فاعلة لدعم اللغة ونشرها؛ على الرغم من ذلك، ما يزال المشوار طويلا، بشكل خاص بخصوص ترسيخ تعليم يجمع بين اللغات والثقافات في بعض الدول كالولايات المتحدة([21]).
وقد حفزت حقبة ما بعد الحداثة، التي تتسم بالتفاعل الواسع بين اللغات والثقافات، الناس للبحث عن توجيه جديد في الزمن الحاضر، ومتابعة استقصاء المنظومات المرجعية الرمزية، لم يعد من الممكن تخيل الهوية، اليوم أكثر من أي وقت مضى، كبعد مستقر ومتماثل، بل ككيان متحرك، مختلط، ومتعدد الجوانب، يعاد تشكيله ويتأقلم باستمرار بناء على كيفية تعريف المرء لذاته([22]). وبالمثل، ينبغي إعادة فهم مفهوم الطائفة اللغوية ليضم المجتمعات البشرية التي تشكلت عبر مسافات وفي أطر متباينة، والتي يوضح العلماء تنوعها اللغوي عند تلاقي التحولات الثقافية العالمية والمحلية.
اللغة ليست شيئاً مجرداً، اللغة أداة للهوية الحضارية قبل أن تكون وسيلة للتفاهم والتواصل بالمعنى السوسيري للمصطلح، يقودنا، بشكل أوسع، إلى التشكيك في مفاهيم الثقافة والمجتمع. ولكي نثبت هذا الموقف، أي أن اللغة دليل على الهوية الاجتماعية والحضارية وبالتالي دليل على التباين، يتوجب علينا أولاً أن ندرس الأطر التي توظف فيها. يتجلى هنا التباين: كيف يمكن للغة أن تجمع الأفراد، وخاصة المجموعات، عبر دورها التواصلي، أن تتباعد وتصير رمزا للفرقة بين التجمعات؟ وفضلا عن ذلك، كيف يمكن للجماعات أن تتشارك ذات الممارسات الحضارية وتعتمد أساليب كلامية مختلفة، بينما توجد تجمعات، رغم تقارب لغاتها، تتبنى سلوكيات ثقافية متباينة؟([23]).
قبل 1000 سنة قبل الميلاد، شرع الحكام في تكثيف الغزوات العسكرية بغرض توحيد الصين تحت سيطرتهم، وفي القرن الثاني قبل الميلاد، أحرزوا أهداف أكبر، ووسعوا حدود فتوحاتهم جنوباً، وبعد عقود من الاضطراب والانكسارات الحربية خصوصاً مع عهد المغول، استردت الصين في القرن الرابع عشر، واعتنقت توجهات توسعية كبيرة، كفلت موقع اللغة الصينية في محيط بكين، حيث ثبت الأباطرة قبضتهم بصورة قطعية، في الحقيقة، باشرت جميع الأسر الحاكمة في الصين ممارسات دمج صارمة بهدف إقحام الشعوب المقيمة في أطراف الدولة([24]).
لقد كان هذا الأمر راسخاً طوال تاريخ الصين، واستمرت هده التدابير أيضاً بعد إعلان جمهورية الصين الشعبية في عام 1949. وحتى الآن، على الرغم من بعض التخفيف في هذه الإجراءات اتجاه الأعراق، فإن العديد من الأقليات تشتكي من القمع الذي يمارس ضدها. بيد أن اللغة الصينية الرسمية هي لغة اصطناعية مشتركة تخضع لقرارات سياسية متعددة. في عام 1956، أقر القادة الصينيون لغة البوتونجوا كلغة رسمية في الصين، مع اعتماد نطق العاصمة (بكين) كمعيار صوتي لها، بما يتوافق مع الاستخدام اللغوي في شمال البلاد، والمعيار النحوي للغة العامية والواقعية المعروفة باسم بايهوا([25]).
وخلافاً للاعتقاد السائد، لا تقتصر اللغة الصينية على الصين فقط، ولا يتحدث جميع من يطلق عليهم صينيون اللغة الصينية الرسمية، حيث تصنف اللغة الصينية إلى ثلاث فئات: الصينيون الهان، الذين يتحدثون لغة الماندرين ويقطنون شمال شرق البلاد، الصينيون الهان، الذين يتحدثون إحدى اللغات الصينية الأربع والعشرين الأخرى غير الماندرين ويقطنون جنوب شرق البلاد؛ الصينيون غير الهان، الذين يتحدثون لغات أخرى غير الصينية ويقطنون غرب الصين بأكمله، ويمثلون 60% من مساحة البلاد، تشكل هاتان المجموعتان من الهان معا 94% من السكان ([26]).
بعبارة أخرى، يتحدث 67% من السكان لغة الماندرين الصينية كلغة أساسية؛ وهي سائدة في الجزء الشمالي الشرقي من البلاد. هذه رقعة متجانسة لغوياً، تحتوي فقط على لهجات صينية متشابهة ومفهومة، وجميعها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بلغة الماندرين. يقدر عدد الناطقين بهذه اللغات الصينية، لكونها لغات غير الماندرين، بنحو 380 مليون شخص، وهو ما يمثل 27% من سكان العالم. وبالمقابل، يعادل هذا العدد تجمع سكان الولايات المتحدة وكندا وفرنسا والمملكة المتحدة يتحدثون بهذه اللغات الصينية غير المعترف بها.
لا تعتبر اللغة الصينية مجرد أداة للتواصل، بل هي أيضا ركيزة لبلورة وتدعيم الهوية القومية للصين، فبواسطة رموزها وأنماط نطقها المتشابكة، تبدي اللغة الصينية النسيج التراثي الثري والتعددية الحضارية للأمة؛ والرموز الصينية، هي علامات مكتوبة ابتكرت لتدوين لغة الماندرين، وهي تتجاوز كونها مجرد حروف، حيث تمثل قسما أساسيا من الثقافية الصينية، وتعبر عن عقود من التحولات التاريخية والمعتقدات.
تعتبر الحروف الصينية رموز تصويرية تستعمل في تدوين اللغة الصينية، هذه الرموز ليست عشوائية، إذ تحمل مغاز تاريخية وثقافية وفلسفية. لكل رمز صيني تاريخ ومعنى خاص به مرتبط بالأدب والفلسفة والفنون الصينية، على سبيل المثال، يرمز الرمز الصيني 春 (chūn)، الذي يشير إلى “الربيع”، إلى التجدد والانطلاقات الجديدة. وهو موضوع متكرر في الشعر والرسومات، يعكس الدورة الحياتية والأمل في التطور والازدهار. وعادة ما يلاحظ الرمز الذي يعني “السلام”، 和 (hé)، خلال رأس السنة الصينية والمناسبات الأخرى، لأنه يمثل التناغم والاتحاد([27]).
لا تظهر اللهجات الصينية المختلفة المدى اللغوي في الصين وحسب، بل توضح كذلك المستويات المتعددة للقومية الصينية. فعلى سبيل المثال، قد يشير استعمال لهجة معينة إلى انتماء جهوي، بل وحتى إلى وضع اجتماعي. ويتجسد هذا الارتباط بين اللهجة والهوية في التبادلات بين التجمعات وداخلها، وكذلك في وسائل الإعلام، حيث يقرن تنويع معين غالبا بصفات أو صور متخيلة محددة([28]).
شهد القرن العشرون أحد أبرز التحولات، تمثل في اعتماد اللغة الصينية الماندرينية كلغة رسمية، وقد قام هذا التغيير دوراً أساسياً في توحيد اللهجات واللغات العرقية المتنوعة في البلاد، وساعد في تكوين الوعي القومي، كما أفضى إلى بذل مساع حثيثة في صون التراث الثقافي من خلال استراتيجيات لغوية شملت مختلف المجالات والديبلوماسية منها، إذ بدأت الحكومة في توحيد اللغة الماندرينية، مما انعكس على جميع جوانب العيش الصيني، من التعليم حتى الإعلام. يبرز عيد الربيع، أو رأس السنة الصينية، مناسبة يضطلع فيها اللغة بدور أساسي في الاحتفاء والاتحاد، ورغم تعدد اللهجات الموظفة، فإن استعمال لغة الماندرين في المناسبات الرسمية والنشر الإعلامي يساعد في ترسيخ الهوية الصينية المشتركة([29]).
لا تقتصر اللغة على صياغة الهوية فحسب، بل تظهر أيضاً التحولات الاجتماعية والسياسية المستمرة، ومع استمرار الصين في البروز على المستوى الدولي، يتعدى نفوذ اللغة الصينية حدودها، لتغدو وسيلة للقوة الناعمة، ويساعد هذا الجانب العالمي للغة الصينية فيدعم الهوية الصينية الدولية، مما يقوي الاعتزاز والترابط داخل الجالية الصينية في الخارج ([30]).
ومن الجانب الثقافي ففي الأدب الصيني، تعتبر الكلمات أداة جوهرية لتصوير أوجه الهوية المتباينة، فمن خلال التوظيف المتقن للتعبيرات المحلية أو الدلالة الرمزية لبعض الجمل، حاك المؤلفون بخبرة عناصر لفظية في قصصهم لتبيان تشابكات الهويات الفردية والجماعية، وتبحث قضايا التضارب بين الأعراف والحداثة، والانتماء الجغرافي، والصراع لنيل الحرية الشخصية بصورة دائمة عبر التباينات اللغوية في المتون الأدبية، وتسمح هذه الاستقصاءات الموضوعية للسامعين نفاذا أعمق للمسارات والآراء المختلفة في نطاق المجتمع الصيني.
عادة ما تكون الموضوعات المتداولة في الكتابات الصينية مرتبطة بشدة بالهوية القومية الصينية، مستمدة من وقائع تاريخية، وفلكلور، وذكريات مشتركة للأمة الصينية؛ وعبر هذه الحكايات، يشارك الكتاب في تشكيل سرد للهوية الوطنية وترسيم الديبلوماسية الثقافية بتطرقهم لمسائل الوحدة والتعددية، والمفهوم المتغير للارتباط بالصين. فمثلا، لا يقتصر دمج الوقائع التاريخية في السرد الأدبي على كونه مرآة للماضي وحسب، بل هو أيضا أداة لتوضيح الصعوبات والطموحات الحالية. وبهذا، يتحول الأدب إلى ساحة للتباحث حول مدلولات الهوية القومية في زمن متبدل ومتسارع تحكمه العولمة([31])، ومن جهة أخرى إن اكتساب اللغة الصينية يفوق مجرد كسب مهارات التخاطب والتواصل؛ إنه يؤدي دورا جوهريا في صياغة وإدراك ذاتية المواطن الصيني ضمن العالم المتنوع ثقافياً الذي يحيط بنا، حين يبدأ الدارسون هذا المشوار اللغوي، غالباً ما يكتشفون أن مسار تعلم اللغة الصينية يغني معرفتهم بالثقافة وتطورهم الذاتي.
يسمح اكتساب اللغة الصينية للدارسين بالوصول إلى رؤية ثقافية فريدة، مما يحفزهم على النظر إلى موقعهم في الكون بمنظار أرحب، هذا الانخراط في ثقافة مغايرة عبر إتقان اللغة قد يؤثر بصورة ملحوظة على ذاتية المرء ويقوي إدراكه للتنوع الثقافي، سواء كان الأمر يتعلق باستيعاب التقاليد الثقافية الضمنية، أو إجلال الخلفية التاريخية للغة، أو مجرد استحسان سحر الرموز الصينية، فإن كل مرحلة في تعلم اللغة تمثل تقدماً نحو احتضان هوية جامعة للثقافات.
من جهة أخرى فإن إدراك مغزى الكونفوشيوسية في الوسط الصيني يوضح كيف يتصل اكتساب اللغة بالمحتوى الحضاري؛ فتأكيد الكونفوشيوسية على الإجلال والتقيد والأمانة السلوكية لا يظهر في المفردات فقط، بل في التعاملات اليومية والأعراف الاجتماعية كذلك، وعبر دراسة اللغة الصينية، لا يحصل المتعلمون على قدرات التفاهم فحسب، بل يتعرفون أيضاً على كيفية التعامل مع نسيج ثقافي غني ومثمن، ما يوسع مداركهم([32]).
في سياق العولمة الراهنة، غدت الثقافة ركيزة استراتيجية أساسية في العلاقات الدولي، ويتجسد هذا الأمر بشكل خاص في الاستخدام المتنامي للدبلوماسية الثقافية كأداة للقوة اللينة، والتي تسعى من خلالها نشر اللغات والصور الثقافية والمبادئ الوطنية لتدعيم تأثير الدول ومصالحها الجيوسياسية([33]). تعتبر الصين اليوم من أكثر القوى فاعلية في هذا الميدان، ولا سيما عبر انتشار معاهد كونفوشيوس، التي تمثل شعاراً لدبلوماسيتها الثقافية.
تقدم هذه المؤسسات تدريس اللغة الصينية (الماندرين) ، وتنشر الحضارة الصينية ضمن إطار لغوي وتعليمي ورمزي، وبذلك، يدخل تعليم الصينية في مزاحمة مع اللغات المحلية والأجنبية في بيئة لغوية اجتماعية مكتظة أساساً، وفي هذا المضمار، لا يمكن تفسير اكتساب الدارسين للغة الصينية على أنه مجرد قبول للعروض الثقافية الصينية، بل هي عملية أكثر تعقيدا، تتشابك مع الخطط الفردية والآمال المهنية والتأثير المجتمعي وإعادة بناء الذات، وهكذا، فبينما تتبنى الصين استراتيجية ناجعة لنشر الثقافة، ينمي الدارسون أيضا مقدرتهم على التأثير، ويعيدون صياغة اللغة والثقافة الصينيتين محليا وفقا لمنطق اجتماعي داخلي([34]).
وتشير هذه الوضعية النشطة، التي غالباً ما تحركها دوافع نفعية أو رمزية، إلى وجود شكل ضمني من الدبلوماسية الثقافية؛ ومن هذه الزاوية، لم تعد الدبلوماسية الثقافية مقتصرة على الدولة، بل صارت أيضاً متجسدة في المسارات الفردية، والجماعات المهاجرة، والروابط العابرة للحدود، وذلك يتضمن تضافر دوافع التعلم واستراتيجيات الهوية وأشكال التقدير الاجتماعي في الدبلوماسية الثقافية الصينية وتلقيها، في تضارب مثمر بين النفوذ العالمي والتكيف المحلي([35]).
في محيط اقتصادي وسياسي متغير تبدي خيارات التعلم هذه آليات استباقية ثقافية ومهنية تعتبر فيه اللغة الصينية (الماندرين) ميزة استراتيجية، بالإضافة إلى ذلك، توضح المعطيات المجمعة من خلال البحث والملاحظة والنقاش تمثلات رمزية وتشكيلات جديدة للهوية، ويتم استيعاب اللغة الصينية ضمن حيز من التهجين الثقافي، دون تماه شامل، بل عبر توظيفات مختارة وتفكرية واستراتيجية للغة الصينية.
وهكذا يصبح معهد كونفوشيوس بمثابة فضاء للتقارب بين الثقافات، حيث لا تعتبر اللغة الصينية مجرد آلية للنفوذ من خلال القوة الناعمة والدبلوماسية الثقافية، بل مادة نابضة للتنمية، مرتبطة بالمشاهدات الملموسة، والتواصل المجتمعي، والآمال الفردية والجماعية([36]). وتبعاً لذلك، فإن المدى الاجتماعي العملي، يطرح تساؤل للأساليب اللغوية الحديثة في سياق مختلف، مبينا الموقع المتزايد للغات في إعادة صياغة مسارات العمل والمرونة الاجتماعية. ثم، يحث على مراجعة المناهج الدراسية لمعاهد كونفوشيوس بحيث تضمن ليس فقط الغايات المهنية للدارسين، بل أيضا الجوانب المرتبطة بالذات والتفاعل العابر للثقافات في الاكتساب، ثم، تستكشف كيف تغير اللغات غير المحلية إلى وسائل للتفوق في أوضاع تتميز بشح الموارد التعليمية والتنافس الاجتماعي. في هذا المضمار، لا يتم تعلم اللغة الصينية (الماندرين) حسب، بل تسرد وتؤدى وتشفر كمصدر شحيح وقيم، عند تلاقي مبادئ الحراك الاجتماعي والقبول والانتشار عابر الدول. وبهذا، تساند هذه الدراسة في إدراك أعمق للتطبيقات المجتمعية للغة في التجمعات ما بعد الاستعمارية والعالمية، عبر إظهار المستويات المتعددة المتعلقة بالهوية التي تختبئ وراء الخيارات اللغوية للديبلوماسيات الثقافية.
الخاتمة:
تعكس الاستراتيجية اللغوية في الصين طموح الدولة لتنظيم وتدبير استعمال التشكيلات اللغوية القومية المتنوعة في وطن يسوده التعدد العرقي واللغوي. لذا، كان لزاما على الاستراتيجية اللغوية الصينية أن تتطور بموازاة التقدم الاقتصادي والسياسي للبلاد.
تعد اللغة أحد سبل التعبير عن الحضارة، وتتميز الصين، ذات التاريخ المتعدد الأعراق، بتنوع لغوي كبير بوجود 56 فئة عرقية، أغلبها تمتلك لغتها الخاصة، وبعضها يملك لغتين. ويتحدث في الصين زهاء 80 لغة، مستخدمين حوالي 30 نمط حروف مغاير. وقد استلزم التعقيد المتأصل في هذا الوضع اللغوي الخاص تطبيق استراتيجية لغوية والتي تشير إلى جميع التوجهات، الخفية منها والواضحة، التي تتبناها السلطة الحاكمة، والتي هدفها أو نتيجتها ضبط استعمال اللغة ضمن رقعة اجتماعية محددة.
وقد أتاحت دوي لاقتصادها وانضمامها إلى منظمة التجارة العالمية للصين تدريجيا موقعا رئيسا على المستوى الدولي. نفذت مجموعة من المشاريع والحملات لإنفاذ قانون اللغة القومية، مما أدى إلى تنقيح اللغة الصينية. وعلى مدى العقود الخمسة الماضية، شهدنا دعم اللغة الصينية (الماندرين) وترسيخها بنيويا. ويقدر حاليا أن نسبة الصينيين الذين يتحدثونها تبلغ 70%، مقارنة بـ 54% في سنوات سابقة.
وقد أسهم الازدهار الاقتصادي للصين وانفتاحها على العالم في تشكيل فكر صيني معين، حيث يعد دعم اللغة قوة ناعمة تهدف إلى رفع شأن صورة الثقافة القومية ومكانتها. ولذا، تعتبر اللغة والكتابة، لكونهما وسيلتين أساسيتين للاتصال وموردا حضاريا للمجتمع الإنساني، مسألة محورية للدولة. وأهميتهما تجعل تطبيق استراتيجية لغوية وترسيخ ديبلوماسية ثقافية أمرا ضروريا.
([1] (- James Dingley and Pippa Catterall, “Language, Religion and Ethno-National Identity: The Role of Knowledge, Culture and Communication,” Ethnic and Racial Studies 43, no. 2 (2020): 410–429, https://doi.org/10.1080/01419870.2019.1587309.
([2])- Claude Lévi-Strauss, Race et histoire ; Race et culture Paris: Albin Michel, 2002.
([3]) -كلود لفي ستراوس، الأنثروبولوجيا البنيوية، ترجمة مصطفى صالح، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، 1977، ص 62.
([4]) -Lévi-Strauss, Race et histoire ; Race et culture, 35.
([5]) -Claude Dubar, La crise des identités. L’interprétation d’une mutation, 2e éd. Paris: Presses Universitaires de France, coll. «Le lien social», 2004.
([6]) -Patrick Charaudeau, “L’identité culturelle entre langue et discours,” Revue de l’AQEFLS 24, no. 1 ,2002.
-([7]) عبد الغني عماد، سوسيولوجية الهوية، جدليات الوعي والتفكك وإعادة البناء، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت – لبنان، 2017.
-([8]) حمداوي عمر، الهوية الجماعية لأفراد الأسرة وعلاقتها بالتحولات الاجتماعية الحديثة. مجلة الباحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية، العدد 07، رقم 19، 2015، ص 95-108.
-([9])ابراهيم نجيب اسكندر، ومحمد عماد الدين اسماعيل ورشدي منصور، قيمنا الاجتماعية وأثرها في تكوين الشخصية، الطبعة الأولى، الناشر مكتبة النهضة المصرية، 1962.
([10] )-Loubier, C. L’aménagement linguistique : fondements de l’aménagement linguistique, Montréal : Office québécois de la langue française.2002.
-([11] )عبد الغني عماد، سوسيولوجية الهوية، جدليات الوعي والتفكك وإعادة البناء، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت – لبنان. 2017.
([15]) -Claude Lévi-Strauss, dir., L’identité: Séminaire interdisciplinaire dirigé par Claude Lévi-Strauss, professeur au Collège de France, 1974–1975 ,Paris: Presses Universitaires de France, 1977.
([16]) -Erik H. Erikson, Adolescence et crise: La quête de l’identité ,Paris: Flammarion, 1972.
([17]) -Jacques Aïn, Transmissions: Liens et filiations, secrets et répétitions ,Ramonville Saint-Agne: Érès, 2003.
([18]) -Claude Dubar, La crise des identités: L’interprétation d’une mutation, 2e éd. Paris: Presses Universitaires de France, coll. «Le lien social», 2004.
([19]) -Claire Kramsch, The Multilingual Subject (Oxford: Oxford University Press, 2009.
([21]) -Robert C. Gardner, Motivation and Second Language Acquisition, vol. 1 (Honolulu: University of Hawai‘i, Second Language Teaching and Curriculum Center, 2001.
([22]) -صامويل هنتنغتون، صراع الحضارات، إعادة صنع النظام العالمي، سطور، الطبعة الثانية، ترجمة طلعت الشايب، 1999
([24]) -http://www.axl.cefan.ulaval.ca/
([26]) -http://www.axl.cefan.ulaval.ca/
([27]) -GIL Jeffrey, Soft Power and the Worldwide Promotion of Chinese Language Learning : The Confucius Institute Project, Critical Inquiry in Language Studies, vol. 14, n° 1, 2017
([28]) -doi : https://doi.org/10.3406/mesav.1893.1070
([29]) -https://culture-chinoise.com/litterature-chinoise/
([30]) -GIL Jeffrey, Soft Power and the Worldwide Promotion of Chinese Language Learning : The Confucius Institute Project, Critical Inquiry in Language Studies, vol. 14, n° 1, 017
([31]) -Jing Tsu and David Der-wei Wang, “Introduction: Global Chinese Literature,” in Global Chinese Literature: Critical Essays, ed. Jing Tsu and David Der-wei Wang ,Leiden and Boston: Brill, 2010.
([32])- GIL Jeffrey, Soft Power and the Worldwide Promotion of Chinese Language Learning : The Confucius Institute Project, Critical Inquiry in Language Studies, vol. 14, n° 1, 2017.
[33] -(محمد عمارة: مخاطر العولمة على الهوية الثقافية، دار نهضة مصر للطباعة والنشر، 1999.
([34]) -Jeffrey Gil, Soft Power and the Worldwide Promotion of Chinese Language Learning: The Confucius Institute Project ,Bristol: Multilingual Matters, 2017.
([35]) -Carmel Camilleri, Stratégies identitaires ,Paris: Presses Universitaires de France, 1999.
([36]) -Falk Hartig, Chinese Public Diplomacy: The Rise of the Confucius Institute ,London: Routledge, 2016.




