أوراق و دراساتسياسية

تأثير الفلسفة الكونفوشيوسية على السياسة الخارجية الصينية تجاه الشرق الأوسط

أحمد مدحت عبد اللطيف (مصر)

الملخص:

تستهدف هذه الدراسة، توضيح تأثير الفلسفة الكونفوشيوسية، على السياسة الخارجية الصينية، مع التركيز على انعاكاساتها، في منطقة الشرق الأوسط، وذلك انطلاقًا من حقيقة، أن السياسة الخارجية للدول، وبالمثل للصين لا تتحدد فقط بعوامل استراتيجية أو اقتصادية، بل تتأثر أيضًا بالقيم الفلسفية والثقافية، وفي الحالة الصينية بمبادئ الفلسفة الكونفوشيوسية، المتعلقة بالانسجام الاجتماعي، التدرج الهرمي، والواجب الأخلاقي، وتجيب الدراسة على أسئلة، تدور حول كيفية انعكاس هذه القيم، على فهم الصين للسلطة السياسية والاستقرار، ومدى تأثيرها الهيكلي، على السياسة الخارجية الحديثة، مقارنة بالمصالح العملية، إضافة إلى انعكاسها في المبادئ الرسمية، مثل: عدم التدخل والتنمية السلمية.

وقد توصلت الدراسة، إلى أن الفلسفة الكونفوشيوسية، تشكل أساسًا فكريًا؛ لتوجيه سياسات الصين الداخلية والخارجية، حيث يبرز الانسجام الاجتماعي، والتعليم، والحكم الأخلاقي، كركائز للهوية السياسية، والدبلوماسية الصينية، كما يتضح أن الصين تعتمد أدوات اقتصادية ودبلوماسية، أكثر من الانخراط العسكري المباشر، في الشرق الأوسط، مع سعيها للحفاظ على التوازن، والتعامل ببراجماتية، مع الأزمات الإقليمية، مثل: القضايا الإيرانية، والإسرائيلية الفلسطينية، وبما ينسجم مع القيم الكونفوشيوسية في صنع القرار.

مقدمة:

يمكن القول بأن للفلسفة دورا عظيما، في توضيح الغاية من وجود الحياة، وكذا الأسس التي تقوم عليها، ومن ثم الحيلولة دون الإنحراف عن هذه الغاية، وهو ما ينطبق على جانبها السياسي، ببحثها في طبيعة الحكم والسلطة وأهدافهما، وتركيزها على كيفية استخدام السلطة العامة أو تقييدها، بما يضمن بقاء الإنسان، وتحسين جودة حياته، وهي فكر قيمي ومعياري، يهتم بما ينبغي أن يكون، أكثر من اهتمامه بوصف الواقع، وتتناول قضايا مثل: أهداف الدولة، وحقوق الأفراد، والسيادة، والحرية، والعدالة، وقد تبلورت أسسها الأولى بشكل منهجي؛ لدى فلاسفة اليونان، الذين قد وضعوا مفاهيم الفكر السياسي الغربي ([1]).

هناك أيضا من ترك أثرا فكريا بالغا في هذا الشأن، وهو الفيلسوف الصيني القديم كونفوشيوس، الذي خلفت فلسفته تأثيرا عميقا ومتواصلا في المجتمع الصيني على مدى أكثر من 2500 عام. فقد وضعت هذه الفلسفة قواعد أخلاقية واجتماعية وسياسية، تقوم على تراتبية العلاقات، وتوقير السلطة، وإجلال كبار السن، وجعل الأسرة محورا مركزيا استنادا إلى مبدأ بر الوالدين. كما رسخت قيم الانسجام والإنسانية والاستقامة، وساهمت في إرساء نظام تعليمي قائم على الكفاءة، تجسد عبر الامتحانات الإمبراطورية المعتمدة في اختيار المسؤولين.

وقد اعتمدتها الدولة، كإطار أخلاقي للحكم، يقوم على المسؤولية والولاء، ولا تزال قيمها حاضرة في الثقافة والإدارة الصينية الحديثة، بوصفها فلسفة أخلاقية، وأسلوب حياة أكثر من كونها ديانة، وبانتقال ذلك التأثر السياسي القيمي في المجتمع الصيني، وتتابع الترقي السياسي من القاع إلى القمة، كحال تبلور التيارات السياسية، وامتداد ذلك إلى ممارسات السياسة الخارجية للدولة؛ فهي تعكس منظومتها الفكرية والفلسفية والثقافية، المؤثرة على نظام الحكم القائم فيها، وإدراك قيادتها؛ لمصالح الدولة القومية، وموقعها في النظام الدولي ([2]).

وهو ما ينطبق على التحركات الخارجية للدولة الصينية، كنموذج مميز في العلاقات الدولية المعاصرة، بحيث تمتزج الفلسفة التقليدية الموروثة، وفي مقدمتها الفلسفة الكونفوشيوسية، مع متطلبات الدولة الحديثة، والواقعية السياسية، بما يحدد سلوكها الخارجي، وتحركاتها الإقليمية والدولية، ومع وصول الرئيس “شي جين بينغ”، إلى سدة الحكم، فقد شهدت السياسة الصينية تحولا كبيرا، من حيث الخطاب، والممارسة، والتوجه نحو سياسة أكثر حضورا، وتميزا على المسرح الدولي، وهي سياسة لا يمكن فهمها؛ بمعزل عن الجذور الفلسفية الكونفوشيوسية، التي تؤكد قيم الانسجام، والاستقرار، واحترام التسلسل الهرمي، وتغليب المصلحة الجماعية على الفردية.

ويعد النظام السياسي الصيني، الذي يقوده الحزب الشيوعي؛ أحد المحددات الرئيسية المؤثرة، في وضع السياسة الخارجية الصينية، مع تركيزه الواضح على استدامة التنمية الشاملة، والانضباط السياسي، ورفض التدخل الخارجي، في الشؤون الداخلية للبلاد، بما يمثل انعكاساً جلياً لتلك المبادئ، التي تشمل كذلك مبادئ احترام السيادة، وتحقيق المنفعة المتبادلة، وهي مستمدة من إرث الفلسفة الكونفوشيوسية، التي تعلي من شأن الاستقرار، وتوازن العلاقات بين الأطراف، وهو ما يبرز المحدد الفلسفي القيمي، كعامل مؤثر في تشكيل السياسة الخارجية الصينية، حيث تتحرك الصين في بيئتها الإقليمية والدولية، ليس فقط عبر المقومات الاقتصادية، والدبلوماسية، والعسكرية التقليدية، بل بعمق من التأثير الفلسفي الكونفوشيوسي.

وهو المنطلق الذي تتفاعل الصين من خلاله مع الأحداث في الشرق الأوسط، في ظل حالات السلم والحرب التي تشهدها المنطقة، الأمر الذي دفع الصين إلى انتهاج مقاربة دبلوماسية، تقوم على الوساطة والدعوة إلى الحلول السياسية، كما تجلى ذلك في دورها في تحقيق التقارب السعودي–الإيراني عام 2023م، وفي مواقفها الداعية إلى تهدئة النزاعات الإقليمية. ويمثل هذا النهج تجسيدا لرؤية فلسفية، مفادها أن الاستقرار شرط لازم للتنمية، وأن الحروب تعد عائقا يحول دون استدامة المصالح الاقتصادية، وهو تصور ينسجم مع الفكر الكونفوشيوسي الرافض للفوضى، والمعلي من شأن النظام والانسجام.

وعليه، فتهدف هذه الدراسة، إلى إلقاء الضوء على الفلسفة الكونفوشيوسية، وجانبها السياسي، من حيث نشأتها، وتطورها التاريخي، وتحليل كيفية تأثيرها في المجتمع الصيني، ومن ثم تتبع انعكاساتها، على رؤية القيادة الصينية المعاصرة، وعلى السياسة الخارجية للصين، وبالأخص تجاه منطقة الشرق الأوسط، في ظل تفاعلات السلم والحرب بها، والتحولات الجيوسياسية الراهنة، بما يقدم فهما أعمق؛ للدوافع الفكرية للسياسة الخارجية الصينية، وبما يسهم في تفسير صعود الصين كقوة عالمية، ذات نهج مختلف، في إدارة علاقاتها الدولية.

إشكالية الدراسة:

بناء على ما سبق، فإن السياسة الخارجية الصينية تسعى إلى تحقيق المصالح القومية لشعبها، انطلاقا من جملة من الأسس الفكرية والفلسفية المستمدة من الفلسفة الكونفوشيوسية، التي تشكل الإطار القيمي الناظم للمجتمع الصيني ولرؤى النظام السياسي في الصين. وهذا ما يدفع الدراسة إلى الاهتمام بالسياسة الصينية وسلوكها في بيئتها الخارجية، مع التركيز على أثر هذا البعد الفلسفي العميق في توجيه الممارسات السياسية الصينية المعاصرة، بما يتكامل مع الأبعاد الاقتصادية والاستراتيجية والمؤسسية، لا سيما في البيئات الإقليمية المعقدة كالشرق الأوسط. ومن هنا، هدفت الدراسة إلى تقديم تحليل واف لكيفية انعكاس مبادئ الفلسفة الكونفوشيوسية على توجهات الصين وتحركاتها الخارجية تجاه قضايا الشرق الأوسط، ليكون السؤال الرئيسي لهذه الدراسة على النحو الآتي:

ما تأثير الفلسفة الكونفوشيوسية على توجهات السياسة الخارجية الصينية، وكيف ينعكس ذلك على سياستها تجاه الشرق الأوسط؟

تتفرع عن هذه الإشكالية أهم التساؤلات الفرعية الآتية:

-ما مدى إسهام المبادئ الأساسية في فلسفة كونفوشيوس، من قبيل قيم الانسجام، والتدرج الهرمي، والالتزام الأخلاقي بالواجب في تشكيل التصور الصيني التقليدي للعلاقة بين السلطة والاستقرار السياسي؟

-ما مدى اعتبار القيم الكونفوشيوسية محددا بنيويا في صياغة توجهات السياسة الخارجية الصينية المعاصرة، مقارنةً بالمحددات الواقعية المرتبطة بالقوة والمصلحة الوطنية؟

-كيف تجسدت المرجعية الكونفوشيوسية في المبادئ الرسمية المعلنة للسياسة الخارجية الصينية، خاصة مبدأ عدم التدخل والتنمية السلمية؟

-كيف انعكس الإطار الفلسفي الكونفوشيوسي على طبيعة الحضور الصيني في الشرق الأوسط من حيث تفضيل الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية وتجنب الانخراط العسكري المباشر؟

-كيف يمكن تحديد مواقف الصين من الأزمات الإقليمية في الشرق الأوسط ، مثل الأزمة السورية، والملف النووي الإيراني، والنزاع الفلسطيني–الإسرائيلي، في ضوء المرجعية الكونفوشيوسية؟

أهداف الدراسة:

-توضيح إسهامات المبادئ المركزية في فلسفة كونفوشيوس، ولا سيما الانسجام، والتدرج الهرمي، والالتزام الأخلاقي بالواجب في تشكيل التصور الصيني التقليدي للعلاقة بين السلطة والاستقرار السياسي.

-تحليل اعتبار القيم الكونفوشيوسية محددا بنيويا في صياغة توجهات السياسة الخارجية الصينية المعاصرة، مقارنة بالمحددات الواقعية المرتبطة بالقوة والمصلحة الوطنية.

-توضيح دور المرجعية الكونفوشيوسية في بلورة المبادئ الرسمية المعلنة للسياسة الخارجية الصينية، خاصة مبدأ عدم التدخل والتنمية السلمية.

-بيان انعكاس الإطار الفلسفي الكونفوشيوسي على طبيعة الحضور الصيني في منطقة الشرق الأوسط، من حيث تفضيل الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية وتجنب الانخراط العسكري المباشر.

-تفسير مواقف الصين من الأزمات الإقليمية في الشرق الأوسط، مثل الأزمة السورية، والملف النووي الإيراني، والنزاع الفلسطيني–الإسرائيلي، في ضوء المرجعية الكونفوشيوسية.

أهمية الدراسة:

الأهمية العلمية:  تقدم هذه الدراسة محتوى علمي رصين، يزخر بمعلومات موثوقة، تدعمها دراسات محكمة، على نحو يمثل إضافة إلى المكتبة العلمية، ويثري المحتوى العلمي الأكاديمي، كما تمثل امتدادًا واستكمالًا؛ لجهد علمي هائل، يعطي زخما لمثل هذه الدراسات الهامة، التي تبرز دور وتأثير الجوانب الفلسفية والفكرية، داخل المجتمع والنظام السياسي المنبثق عنه، في وضع السياسة الخارجية للدول، من حيث المرتكزات، ودوائر تحركاتها الخارجية ومحدداتها، وأدواتها، وطبيعة المصالح التي تبتغي تحقيقها.

الأهمية العملية: تتناول الدراسة جانبا محوريا، من جوانب التأثير في السياسة الخارجية الصينية، والتي كغيرها من  السياسات الخارجية الدولية، تتأثر بعدد من العوامل المرتبطة، بيئتها الداخلية والخارجية، بما يساعد القيادة السياسية الصينية، على ألا تحيد عن مبادئها الفكرية والفلسفية، في خضم تفاعلاتها الدولية، وبما يساعد على تحديد المسار الفلسفي العميق، الذي يوجه سياسة بكين، تجاه البيئة الإقليمية والدولية، وعلى رأسها منطقة الشرق الأوسط وتفاعلاته.

الحدود الزمنية: اهتمت الدراسة بتناول مدى تأثير العامل الفلسفي، المنبثق من الفكر السياسي لكونفوشيوس،على السياسة الخارجية الصينية، منذ صعود الرئيس “شي شين بينج”؛ للحكم عام 2010م؛ لتبدأ فترة صعود جديدة، على غرار تلك الانطلاقة التاريخية، التي قد حققتها البلاد في أواخر السبعينيات، والتي قد قادتها إلى هذه المكانة العالمية الحالية، ولكن بمقومات ومرتكزات أكبر للقوة الصينية، قد انعكست على تحركاتها الخارجية، وموقعها داخل النظام الدولي، تحتم بطبيعة الحال؛ ضرورة إلقاء الضوء، على موقع ذلك الأرث الفلسفي السياسي، ضمن هذه السياسة الصينية، وأثر ذلك على التحولات المتواترة، في منطقة الشرق الأوسط.

الحدود المكانية: يتحدد نطاق الدراسة، في التعرف على ذلك الأثر، الذي قد أسهم، في تشكيل المنطلق الفكري والفلسفي، لتلك السياسة الخارجية الفعالة، التي تنتهجها جمهورية الصين الشعبية؛ لتحقيق عدد من الأهداف، على المستويات الإقليمية والدولية، ومنها بطبيعة الحال، اشتباكها مع مصالح القوى الكبرى الأخرى، في تلك المنطقة الحيوية من العالم، وما تشهده من تنافس إقليمي ودولي، بل وصراع ونزاعات مسلحة، وظواهر أمنية وسياسية واقتصادية، تحتم على الصين، أن تنتهج سياسة فعالة، تقودها المصالح والأهداف، ولكنها لا تنعزل عن محدداتها، ومنها تلك المتعلقة بالجوانب الفلسفية والفكرية، المتمثلة في فلسفة كونفوشيوس.

الإطار المفاهيمي للدراسة:

1-تعريف الفسفة ([3])::

لغة: تشير كلمة الفلسفة، إلى حب الحكمة، وهي مشتقة من الكلمة اليونانية فيلوسوفيا، التي تعني السعي إلى المعرفة والتأمل، في القضايا الأساسية؛ المتعلقة بالوجود والمعرفة والقيم.

إصطلاحاً: هي مجال معرفي، يهتم بدراسة القضايا الأساسية؛ المتعلقة بالوجود والمعرفة والقيم والعقل؛ من خلال التحليل العقلي، والتفكير النقدي المنظم، كما تسعى الفلسفة، إلى تفسير الظواهر المختلفة، وفهم المبادئ العامة، التي تحكم الكون، والإنسان، والمجتمع؛ من خلال طرح الأسئلة الكبرى، حول الحقيقة، والمعرفة، والأخلاق، والوجود، والبحث عن إجابات عقلانية لها.

التعريف الإجرائي: هي الإطار النظري، الذي يتم من خلاله، تحليل التفاعلات السياسية، وصنع القرار، داخل النظام السياسي، وتفسير السياسات والاستراتيجيات، التي تتبناها الدول أو المؤسسات الدولية؛ لتحقيق مصالحها الاستراتيجية، وذلك من خلال توظيف مفاهيم، مثل: السلطة، والمصالح، والصراع، والتعاون في العلاقات الدولية، وهي تعتبر أحد فروع الفلسفة، التي تهتم بدراسة الأسس الفكرية والنظرية؛ للدولة والسلطة، والعدالة، والحرية، والحقوق، وتحليل طبيعة العلاقة، بين الحاكم والمحكوم، والبحث في أفضل النظم السياسية، التي تحقق الاستقرار والتنظيم، داخل المجتمع، كما تهدف إلى تفسير المفاهيم الأساسية للحياة السياسية، مثل: الشرعية، والمساواة، والعدالة، من خلال إطار نظري، يساعد على فهم كيفية تنظيم المجتمع السياسي، وإدارة شؤونه .

2- السياسة الخارجية([4]):

لغة: اشتقت كلمة السياسة، في اللغة العربية، من الفعل ساسَ، يسوسُ، وتعني تدبير شؤون الناس، والقيام على أمرهم بما يصلحه، أي إدارة شؤون الدولة، وتنظيم مصالح المجتمع .

إصطلاحاً:هي عملية إدارة السلطة، وتوزيع الموارد، واتخاذ القرارات، التي تنظم حياة المجتمع، وتحقق المصلحة العامة، والاستقرار السياسي، وفي هذا الإطار، تعد السياسة الخارجية، أحد أهم مجالات السياسة العامة للدولة، حيث تشير إلى مجموعة المبادئ، والاستراتيجيات، والبرامج، التي تعتمدها الدولة في إدارة علاقاتها، مع الدول والمنظمات الدولية؛ بهدف حماية مصالحها الوطنية، وتعزيز أمنها، ونفوذها في النظام الدولي.

التعريف الإجرائي: هي مجموعة القرارات والأنشطة الرسمية، التي تقوم بها الدولة، عبر مؤسساتها المختلفة ؛ الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية؛ لإدارة علاقاتها مع الفواعل الدولية، وتحقيق أهدافها الاستراتيجية في البيئة الدولية.

3- الشرق الأوسط : هو منطقة جغرافية وسياسية، تقع في ملتقى قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا، وتضم مجموعة من الدول، في غرب آسيا وشمال أفريقيا، مثل: مصر، وتركيا، وإيران، ودول شبه الجزيرة العربية، والعراق، وسوريا، ولبنان، والأردن، وفلسطين، وتتميز هذه المنطقة بأهميتها الاستراتيجية، على المستوى الدولي؛ بسبب موقعها الجغرافي، الذي يربط بين القارات الثلاث، إضافة إلى امتلاكها نسبة كبيرة؛ من احتياطيات النفط والغاز العالمية، مما يجعلها محورا رئيسيا، في التفاعلات السياسية والاقتصادية والأمنية في النظام الدولي ([5]).

الدراسات السابقة:

تحلل دراسة David Shambaugh ، بعنوان China Goes Global: The Partial Power 2013 طبيعة صعود الصين، ودور العوامل الثقافية والفكرية، في توجيه سياستها الخارجية، معتمدة على المنهج التحليلي، في العلاقات الدولية، وتوصلت إلى أن السياسة الخارجية الصينية، تميل إلى التدرج، وبناء النفوذ، عبر الأدوات الاقتصادية، والدبلوماسية، وهو توجه يتقاطع مع القيم الكونفوشيوسية، التي تركز على الاستقرار، وتجنب الصدام المباشر.

في حين تركز دراسة Nadège Rolland ، بعنوان China’s Eurasian Century? 2017 ، على تفسير البعد الاستراتيجي؛ لمبادرة الحزام والطريق، وانعكاسها على دور الصين، في النظام الدولي، واعتمدت الدراسة على المنهج الجيوسياسي، والتحليل الاستراتيجي، وأظهرت نتائجها، أن الصين تسعى إلى توسيع نفوذها الدولي؛ من خلال أدوات اقتصادية، وتنموية طويلة المدى، بما يعكس نهجا، يقوم على التعاون التدريجي، وبناء الشراكات، بدلا من الهيمنة العسكرية المباشرة.

هدفت دراسة Zhao Tingyang ، بعنوان All Under Heaven: The Tianxia System for a Possible World Order 2021،  إلى تحليل مفهوم “تيانشيا”، في الفكر الصيني التقليدي، وإمكانية توظيفه، في تفسير النظام الدولي المعاصر، واعتمدت الدراسة على المنهج الفلسفي المقارن، توصلت الدراسة إلى  نتيجة هامة مفادها أن الرؤية الكونفوشيوسية، تسعى إلى بناء نظام دولي، قائم على الانسجام والتوازن بين الدول، وهو ما يفسر توجه الصين، نحو الدبلوماسية متعددة الأطراف، وتعزيز التعاون الدولي.

هدفت دراسة Kevin Rudd ، بعنوان The Avoidable War: The Dangers of a Catastrophic Conflict between the US and Xi Jinping’s China (2022) إلى تحليل الاستراتيجية الصينية، في إدارة علاقاتها الدولية، في ظل التنافس مع القوى الكبرى، واعتمدت الدراسة على المنهج التحليلي الاستراتيجي، وتوصلت إلى أن القيادة الصينية،تسعى إلى تحقيق مصالحها الدولية؛ عبر مزيج من القوة الاقتصادية والدبلوماسية، مع الحفاظ على خطاب سياسي، يؤكد على الاستقرار والتعاون، وهو ما يعكس استمرار، تأثير الخلفية الثقافية والفكرية الصينية، في توجيه سلوكها الخارجي.

من خلال استقراء الدراسات السابقة، يتضح وجود اتفاق عام، على أن الفلسفة الكونفوشيوسية، تمثل أحد العوامل الفكرية المؤثرة، في توجيه السياسة الخارجية الصينية، حيث تؤكد هذه الدراسات، أن القيم المرتبطة بالانسجام، والاستقرار، والتدرج في بناء النفوذ، تشكل إطارا ثقافيا، ينعكس على سلوك الصين في النظام الدولي، كما تشير النتائج، إلى أن الصين تميل إلى استخدام الأدوات الاقتصادية، والدبلوماسية، وبناء الشراكات طويلة المدى، بدلا من الاعتماد على الهيمنة العسكرية، أو المواجهة المباشرة، ولكن معظمها قد ركز على الأبعاد الفكرية أو الجيوسياسية العامة؛ للصعود الصيني، دون تقديم تحليل تطبيقي كاف؛ لانعكاسات هذه الفلسفة، على سياسات الصين، في مناطق محددة: مثل: الشرق الأوسط، الأمر الذي يبرز فجوة بحثية، تستدعي مزيدا من الدراسات، التي تربط بين البعد الفلسفي، والتطبيق العملي، للسياسة الخارجية الصينية، في هذه المنطقة.

الإطار النظري والمنهجي للدراسة:

تعتمد الدراسة على النظرية البنائية في العلاقات الدولية، وهي تركز على كيفية تأثير الأفكار، والقيم، والمعتقدات، على سلوك الدولة، في السياسة الخارجية، والفلسفة الكونفوشيوسية، تمثل نظاما من القيم والأفكار، التي تؤثر على أولويات الصين، وأساليب تعاملها، واستراتيجياتها الدبلوماسية تجاه الشرق الأوسط، مما يسمح بربط فلسفة الدولة، بسلوكها الفعلي على الساحة الدولية، بدل الاكتفاء بوصف المصالح الاقتصادية أو العسكرية فقط.

ويمكن استخدام هذه النظرية في البحث؛ لتفسير السلوك الصيني، مثل: سبب اختيار الصين؛ لأساليب دبلوماسية معينة كالتعاون، الاحترام المتبادل، والانصهار وفق القيم الكونفوشيوسية، بالإضافة إلى تحليل السياسات الخارجية تجاه الشرق الأوسط ؛ من خلال مقارنة السياسات الرسمية، بأفكار الكونفوشيوسية، وربطها بكيفية اتخاذ القرارات في المنطقة، وأخيرا لربط النتائج المستخلصة بالمبادئ الفلسفية، وتوضيح العلاقة بين القيم الفلسفية، والقرارات السياسية العملية.

كما تعتمد هذه الدراسة على المنهج الوصفي، من خلال  التركيز على العلاقة الموجودة بين الفلسفة الكونفوشيوسية والسياسة الخارجية الصينية، وانعكساتها تجاه منطقة الشرق الأوسط، وسيتم تناول المبادئ الأساسية للفكر الكونفوشيوسي، مثل: الانسجام والأخلاق، في الحكم والتسلسل الهرمي، وربطها بسلوك الصين السياسي والدبلوماسي.

كما ستعمل الدراسة،على تحليل البيانات والمعلومات، المرتبطة بالموضوع، باستخدام التحليل الوثائقي، لفحص النصوص، والخطابات الرسمية، والتحليل المقارن؛ لتسليط الضوء على أوجه التوافق، بين السياسات الصينية، والمبادئ الكونفوشيوسية التقليدية، إضافة إلى التحليل التاريخي؛ لتتبع تأثير الفكر الكونفوشيوسي، في السياسة الخارجية الصينية؛ وذلك من خلال جمع وتحليل البيانات، بما في ذلك الدراسات الأكاديمية، والمقالات العلمية الموثوقة.

هيكلة الدراسة:

تتوزع محتويات هذه الدراسة على أربعة مطالب رئيسية، يتناول المطلب الأول منها الفلسفة الكونفوشيوسية من حيث نشأتها ومبادئها وأثرها في المجتمع الصيني، فيما يتناول المطلب الثاني السياسة الخارجية الصينية، على أن يتناول المطلب الثالث البعد الفلسفي الكامن في هذه السياسة الخارجية، ليختتم المطلب الرابع بدراسة انعكاسات الفلسفة الكونفوشيوسية على سياسة الصين تجاه الشرق الأوسط. وتختتم الدراسة بعرض أهم النتائج التي تم التوصل إليها، ثم التوصيات المقترحة في ضوئها.

المطلب الأول:  تأثير الفلسفة الكونفوشيوسية على المجتمع الصيني

تلعب الفلسفة دورا محوريا، في تشكيل القيم والمبادئ،التي توجه الحياة السياسية والاجتماعية، فهي لا تبقى مجرد أفكار نظرية، بل تتجسد عمليا، عبر عملية انتقال القيم الفلسفية، إلى الفكر الإيديولوجي السياسي، ومن ثم تنعكس على الممارسة السياسية والاجتماعية، وخلال هذا المسار الفكري، يمر جزء من القيم الفلسفية بعدة تحولات؛ فبعضها يختفي لعدم توافقه مع البنية الاجتماعية، وأخرى يتم تخصيصها أو تحديد نطاق تطبيقها، وفقا للواقع السياسي والاجتماعي، لذا فتعمل الجماهير، والمفكريين، ومن ثم السياسين، على تسييس هذه القيم، ما يجعلها قابلة للتطبيق العملي، في الحياة السياسية وعملية صنع القرار ([6]).

وتتمثل أهمية هذه الفلسفة، في أنها تحدد معايير وقيم النظام الاجتماعي والسياسي، وترسي قواعد للتعاون وللتوفيق، ولتسوية الصراعات، بين القيم المتعارضة؛ لما لذلك من آثار عملية، في عملية صنع القرار السياسي، وبهذا فإن العلاقة، بين الفلسفة والسياسة علاقة تكاملية؛ إذ تؤثر الفلسفة على رؤى القيادة السياسية، وقراراتها الداخلية والخارجية، فيما تؤثر السياسة على الفلسفة، بأنها تحدد كيفية تطبيق هذا القيم، في الأطر الاجتماعية والسياسية، على نحو يستلزم إعادة تقييم القيم والمبادئ؛ لتتوافق ولتتكيف مع البيئة الواقعية )[7](.

وتوفر البنية القيمية في المجتمعات، إطارا مهما لفهم العلاقة بين الفلسفة والسياسة، إذ تسهم في تشكيل الهوية الاجتماعية والسياسية للدول، وهو ما ينعكس بدوره على توجيه السياسة الخارجية، وتعزيز التعاون بين الدول، وتحقيق الاستقرار الإقليمي والدولي، وبناءا عليه فإن الفلسفة تمثل أداة فاعلة، في توجيه عملية صنع القرار السياسي، حيث ينتقل تأثيرها من القيم الفلسفية، إلى الأيديولوجيا السياسية، ومن ثم إلى الممارسة العملية للسياسة، لتعود التجارب الواقعية، فتؤثر بدورها في تطوير الفكر الفلسفي، وتبرز هذه العلاقة المتبادلة، مدى تداخل الفلسفة والسياسة، في تشكيل هوية الدولة، وصياغة سياساتها وتحديد أولويات الأمن، والمصالح الوطنية ([8]).

فالفلسفة السياسية تلعب دورا أساسيا، في تشكيل السياسة الخارجية للدول؛ من خلال بناء الإطار الفكري، الذي يحدد كيفية رؤية الدولة؛ لمكانتها في النظام الدولي، وطبيعة تفاعلها مع الدول الأخرى، ويتجلى ذلك في تأثير النظريات الكبرى؛ للعلاقات الدولية، مثل: الواقعية التي تركز على القوة والمصلحة الوطنية، في ظل نظام دولي تنافسي، وكذلك في التيارات الفكرية الأخلاقية، التي تؤكد قيم العدالة والتعاون الدولي، كما تؤثر القيم والمعتقدات الفلسفية المتجذرة، في الفكر السياسي للدولة، في إدراك صانعي القرار للمصالح الوطنية، وتحديد أهداف السياسة الخارجية، إلى جانب العوامل المادية، مثل: القوة الاقتصادية والعسكرية، مما يجعل الفلسفة عنصرا مؤثرا، في تفسير البيئة الدولية، وصياغة الاستراتيجيات السياسية للدول ([9]).

1- الفلسفة الكونفوشيوسية: النشأة والمبادئ

يمكن القول بأن الفلسفة الكونفوشيوسية، هي مذهب فلسفي أخلاقي، اجتماعي، وسياسي ذو أبعاد دينية، نشأ في الصين، في القرن السادس قبل الميلاد، على يد الحكيم كونفوشيوس، وتحول عبر القرون، إلى الإطار الفكري والأخلاقي الرسمي، الذي قد صبغ الحضارة الصينية، لأكثر من ألفي عام، حيث دعا كونفوشيوس إلى إحياء الطقوس، والعادات، والتقاليد الموروثة عن الأسلاف، وأضاف إليها رؤيته الفلسفية في الأخلاق، والسلوك القويم، والمعاملات الإنسانية، مع الإيمان بـ”إله السماء”، وتعظيم أرواح الأجداد، وقد اشتق اسم الكونفوشيوسية من اللفظ الصيني   Kong Fu Zi أي “المعلم الحكيم”، الذي قد حرفه الغربيون إلى “كونفوشيوس”.

وقد ولد كونفوشيوس سنة 551 ق.م، في مقاطعة لو بإقليم شانتونغ، ونشأ يتيما في ظروف معيشية صعبة، وعمل في مهن بسيطة، مع اهتمامه بالقراءة، في التاريخ، والشعر، والموسيقى. وفي الثانية والعشرين من عمره، أنشأ مدرسة لتعليم الحكمة والأخلاق، وكان يعيش في مجتمع مضطرب، تسوده الفوضى الطبقية والحروب، فاعتبر أن فساد المجتمع، سببه تدهور الأخلاق، وأن إصلاح الأخلاق، مقدم على إصلاح القوانين، وقد تنقل بين الولايات الصينية، وتولى بعض المناصب، وإلتقى بـلاوتسه مؤسس الطاوية، وقضى خمسة عشر عاما متنقلاً، مع تلاميذه داعيا إلى الإصلاح الأخلاقي، ثم عاد إلى موطنه، وانصرف إلى التعليم، ونشر التراث الصيني القديم، وتوفي سنة 479 ق.م، وأصبح قبره لاحقا مزارا للمؤمنين بفكره ([10]).

وبعد وفاة كونفوشيوس، تولى تلاميذه نشر تعاليمه، ومن أبرزهم منسيوس، الذي قد مثل الاتجاه المحافظ الحرفي، مقابل الاتجاه التحليلي، الذي سعى إلى تفسير نصوصه، واستلهام روحها، ومع مرور الزمن، فقد أصبح لمدرسته؛ تأثير واسع في مؤسسات الدولة، حتى اتخذها أباطرة أسرة هان الدين الرسمي للدولة، في القرن الثاني قبل الميلاد، وظلت كذلك حتى أوائل القرن العشرين، حتى تعرضت الكونفوشيوسية؛ لاضطهاد في عهد الإمبراطور تشي إن شي هوانغ، الذي قد أحرق الكتب ودفن العلماء، لكنها عادت بقوة بعد ذلك، وإن كانت في العصر الحديث قد تراجعت رسميا، بعد قيام الشيوعية سنة 1949م، إلا أنها بقيت تمثل الأساس الأخلاقي والاجتماعي للمجتمعات، في الصين وشرق آسيا. ([11]).

وتعتمد الكونفوشيوسية على تراثين أساسيين؛ الكتب الخمسة القديمة وهي ، كتاب الأغاني، كتاب التاريخ، كتاب التغيرات، حوليات الربيع والخريف، كتاب الطقوس، والكتب الأربعة ؛ التعلم العظيم، الانسجام المركزي، المنتخبات، أقوال كونفوشيوس، كتاب منسيوس، وقد قام كونفوشيوس، بجمع هذه النصوص، وتنقيحها، وتدريسها لتلاميذه، فصارت المرجع الفكري للمدرسة الكونفوشيوسية، وقد ركز على الأخلاق ، باعتبارها أساس إصلاح الفرد والمجتمع، وأن التعليم هو الطريق لاكتساب الفضيلة ([12]).

وتقوم فلسفته على فكرة “الطريق” (التاو)، الذي يحقق الانسجام بين الإنسان والنظام الكوني، وعلى مبدأ “تعيين المعنى واللفظ”؛ لضبط اللغة والفكر والسلوك، وتهتم بالعقل والعلم، وترفض الخوض في الميتافيزيقيا، وتؤمن بإله السماء، وأرواح الأجداد، وفكرة العناصر الخمسة، التي يتكون منها الكون، وترى أن “الرجل الفاضل”، هو من يجمع بين الصفات الفطرية والمكتسبة، وأن السعادة غاية الفرد والمجتمع، ولا تتحقق إلا بحكومة صالحة، وتعليم عام، وأخلاق رفيعة ([13]).

2- أثر الكونفوشيوسية على المجتمع والنظام السياسي الصيني:

لقد أسهمت الكونفوشيوسية بشكل مباشر، في تشكيل بنية المجتمع الصيني، إذ أصبحت الأسرة نواة النظام الاجتماعي، وصار احترام الوالدين، وطاعة الكبار، والالتزام بالطقوس سلوكا يوميا، يعبر عن الانضباط الأخلاقي العام، كما عززت مكانة التعليم، إذ يعتبر وسيلة أساسية لاكتساب الفضيلة، وبناء الشخصية الصالحة، وقد أصبح التعلم طريقًا؛ للارتقاء الاجتماعي والسياسي، وقد استمر ذلك التأثير عبر العصور، رغم فترات الاضطهاد، ولا تزال القيم الأخلاقية والاجتماعية، جزءا من الثقافة الصينية، والهوية الوطنية المعاصرة.

على مستوى النظام السياسي، كان للكونفوشيوسية أثر بالغ في تشكيل الهيكل الإداري للدولة الصينية، ففي عهد أسرة هان، تم اعتمادها أساسا فكريا للحكم، وأنشئ نظام الامتحانات المدنية، الذي يعتمد على دراسة النصوص الكونفوشيوسية، ليصبح معيار اختيار المسؤولين، هو المعرفة الأخلاقية والثقافية، لا الانتماء الطبقي أو القوة العسكرية، كما رسخت الكونفوشيوسية مفهوم “شرعية الحكم”، المستمدة من السماء، حيث ينظر إلى الحاكم، بوصفه مفوضا أخلاقيا؛ لإقامة العدل والنظام، وإذا فقد فضيلته فقدت سلطته شرعيتها.

ومن هذا المنطلق، نجد اختلاف بين الفلسفات السياسية، بين الصين والغرب، خصوصا بين الديمقراطية الغربية، ونظام الجدارة السياسية، ففي الغرب، الحرية الفردية والمساواة تشكل الأساس السياسي، بينما في الصين يركز الفكر الكونفوشيوسي، على الانسجام الاجتماعي، واحترام التراتيب، وتعزيز الفضائل الفردية لتحقيق العدالة، وقد أدى انتقال الصين، نحو الاقتصاد الحديث، والسوق الحرة، والتكنولوجيا، إلى بعض التحولات في القيم، مع ميل متزايد نحو الفردية، والإنجاز الشخصي، لكن الانسجام والتراتيب الاجتماعية، لا تزال أساسية للاستقرار السياسي والاجتماعي، وهكذا فإن الكونفوشيوسية لم تكن مجرد فلسفة أخلاقية، بل شكلت عبر العصور إطارا قيميا، أثر في المجتمع والنظام السياسي، ووضعت الأسس لمفهوم الحكم الأخلاقي، حيث ربطت بين الفضيلة الشخصية والسلطة السياسية، وأكدت على دور التعليم، والقيم الاجتماعية، في بناء مجتمع متوازن ومستقر.

المطلب الثاني: أهداف ومحددات السياسة الخارجية الصينية

تتأثر السياسة الخارجية الصينية، بمجموعة من العوامل الداخلية والخارجية، التي قد ساهمت في تشكيل توجهاتها، وأولوياتها الاستراتيجية، فعلى الصعيد الداخلي، تلعب عناصر مثل: التاريخ والجغرافيا السياسية، وطبيعة النظام السياسي، والقيم التي يلتزم بها، ودور القيادة الحاكمة، والأيديولوجيا السياسية السائدة، إضافة إلى البنية الاقتصادية والاجتماعية، دورا محوريا في صياغة السلوك الخارجي للصين، أما على الصعيد الخارجي، فتتأثر السياسة الخارجية الصينية بطبيعة النظام الإقليمي والدولي، وتوازنات القوى العالمية، وما يفرضه ذلك من فرص وتحديات، أمام صعود الصين كقوة دولية مؤثرة، وفي هذا السياق، فقد تبنت الصين مبدأ “السلام والاستقلال”، في سياستها الخارجية، بحيث تقوم قراراتها الدولية، على خدمة مصالح الشعب الصيني، ومصالح الشعوب الأخرى في الوقت ذاته، مع الالتزام بمبادئ العدالة، وما ينص عليه القانون الدولي، وعدم الخضوع للضغوط الخارجية ([14]).

وقد شهدت السياسة الخارجية الصينية تحولات جوهرية، منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين، عندما أطلق الرئيس الصيني الأسبق “دنغ شياو بينغ”، سياسة الإصلاح والانفتاح، التي شكلت نقطة تحول، في توجهات الصين الدولية، فقد انتقلت الصين من حالة العزلة السياسية والاقتصادية، إلى الانخراط المتزايد في النظام الدولي، حيث وسعت من علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية والتجارية، وازدادت مشاركتها في المنظمات الدولية الحكومية، على غرار انضمامها؛ لمنظمة التجارة الدولية عام 2000م، الأمر الذي قد عزز مكانتها، في المجتمع الدولي، وساهم في إعادة توجيه دورها العالمي، وذلك بما يساعدها، على حماية استقلال الدولة، وسلامة أراضيها، وتهيئة بيئة دولية ملائمة، لعملية الإصلاح والتنمية الاقتصادية، زيادة التبادل التجاري، وجذب الاستثمارات، وتعزيز حضور الصين في الأسواق العالمية ([15]).

وكذا تعزيز عملية التحديث الشامل للدولة، إضافة إلى دعم السلام العالمي، والمساهمة في التنمية الدولية، وكذا تحديث قدراتها العسكرية والدفاعية، دون الانخراط في سياسات توسعية، ويستند هذا التوجه، إلى ما يعرف بـ”المبادئ الخمسة للتعايش السلمي”، والتي تشمل احترام السيادة ووحدة الأراضي، وعدم الاعتداء المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والمساواة والمنفعة المتبادلة، والتعايش السلمي، وقد أصبحت هذه المبادئ، أحد الأسس الموجهة للدبلوماسية الصينية، حيث تحرص بكين على تضمينها، في العديد من الاتفاقيات الدولية، التي تعقدها دول العالم، وعلى نحو يحقق المصالح المشتركة مع الدول الأخرى ([16]).

بالإضافة إلى  المحدد الجغرافي، إذ تعد الصين من أكبر دول العالم مساحة، حيث تبلغ مساحتها نحو 9.5 مليون كيلومتر مربع، كما تشترك في حدود برية، مع أربع عشرة دولة، وهو ما يمنحها عمقا استراتيجيا مهما، في محيطها الإقليمي، كما يسهم التنوع الجغرافي والمناخي، في توفير موارد طبيعية متعددة، تدعم النشاط الاقتصادي والصناعي، إلى جانب ذلك يمثل العامل السكاني، أحد أهم عناصر القوة الصينية، إذ تعد الصين من أكثر دول العالم سكانا، بما يتجاوز مليار وثلاثمائة مليون نسمة، ويشكل هذا الحجم السكاني الضخم قوة بشرية هائلة؛ تدعم عملية الإنتاج والتنمية الاقتصادية، كما يتميز المجتمع الصيني بتنوعه العرقي، الذي يضم ستة وخمسين قومية، مع قومية الهان التي تمثل الأغلبية، وهو ما يفرض على الدولة الصينية، إدارة التوازنات الداخلية، بما يضمن الاستقرار السياسي والاجتماعي.

تعتمد الصين في سياستها الخارجية، على مجموعة متنوعة من الأدوات الاقتصادية، التي تشكل محور استراتيجيتها؛ لتعزيز نفوذها الدولي، ومن أبرز هذه الأدوات الدبلوماسية الاقتصادية، التي تركز على توسيع العلاقات الاقتصادية، مع الدول النامية؛ من خلال الاستثمار، في مشاريع البنية التحتية، والطاقة والتكنولوجيا، بما يعزز التنمية المشتركة، ويزيد من حضور الصين الاقتصادي العالمي، كما تعد مبادرة الحزام والطريق، جزءا أساسيا من هذه الاستراتيجية، حيث تهدف إلى إنشاء شبكة واسعة، من الممرات التجارية والاقتصادية، التي تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا، وتعمل على تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري، مع الدول الشريكة.

وتركز الصين أيضا، على التوسع في التجارة والاستثمار، كأداة رئيسية لتعزيز مكانتها الاقتصادية، على المستوى الدولي، من خلال تعزيز التبادل التجاري، ونقل التكنولوجيا، وتقديم تسهيلات جمركية لبعض الدول، كما تسعى الصين إلى المشاركة الفاعلة، في المؤسسات الاقتصادية الدولية، بما في ذلك مجموعات مثل: بريكس، وذلك لاستخدام قوتها الاقتصادية؛ لجذب الاستثمارات الأجنبية، وتعزيز التجارة الدولية، فضلاًعن دعم سياساتها الاقتصادية الخارجية، وتعد القوة الاقتصادية العامة للصين، عنصرا أساسيا في سياستها الخارجية، إذ تحتل الصين المرتبة الثانية عالميا، من حيث حجم الاقتصاد، بعد الولايات المتحدة، وتعتبر أكبر مصدر للبضائع الصناعية، وتمتلك احتياطيات نقدية ضخمة، وقاعدة صناعية متطورة، في مجالات الحديد، والصلب، والتكنولوجيا الحديثة، ما يعزز قدرتها على التأثير، في النظام الاقتصادي العالمي ([17]).

أما على الصعيد العسكري والسياسي، فتمتلك الصين قدرات عسكرية متقدمة، خاصة في المجالات البحرية والفضائية والتكنولوجية، وتعتمد على استراتيجية الردع؛ لتجنب الدخول في نزاعات مباشرة مع القوى الكبرى، كما يضطلع النظام السياسي، بقيادة الحزب الشيوعي الصيني، بدور محوري في إدارة الدولة، وضمان الاستقرار السياسي، وتنفيذ سياسات الإصلاح، والانفتاح الاقتصادي؛ لتعزيز القوة الوطنية، وتسعى الصين إلى بناء شبكة، من الشراكات الاستراتيجية، مع الدول الكبرى، مثل: روسيا، لتجنب النزاعات، وتحقيق مصالحها الدولية، كما تستفيد الصين، من توظيف الجاليات الصينية في الخارج؛ لتعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي، في مختلف مناطق العالم، بما يوسع دائرة تأثيرها الدولي ([18]).

وتسهم أيضا بعض الأدوات المختلطة، بين الاقتصاد والدبلوماسية، في دعم نفوذ الصين الخارجي، مثل: الدبلوماسية التقليدية، التي تستخدم الأوراق البيضاء، والمنصات الإعلامية والرقمية، والزيارات الرسمية، بين القادة؛ لتعزيز العلاقات الثنائية، وبناء الثقة المتبادلة، بالإضافة إلى ذلك، يعتبر الابتكار والتكنولوجيا؛ عنصرا حيويا في السياسة الصينية، حيث تدعم تطوير الاقتصاد الوطني، وتعزيز القدرة التنافسية للصين، على المستوى الدولي؛ من خلال الاستثمار في البنية التحتية الحديثة، والمبادرات التكنولوجية المبتكرة.

المطلب الثالث: البعد الفلسفي في السياسة الخارجية الصينية

لا تقتصر السياسة الخارجية الصينية، على العوامل الاقتصادية والعسكرية فحسب، بل تتأثر أيضا بعوامل ثقافية وفكرية عميقة الجذور، في الحضارة الصينية، وتعد الفلسفة الكونفوشيوسية، من أهم المرتكزات الفكرية، التي قد أثرت في الخطاب السياسي، والدبلوماسي الصيني المعاصر، وتعمل الصين على إبراز هويتها الحضارية، كجزء من استراتيجيتها الدولية، إلى جانب هذه العوامل المادية، تلعب العوامل التاريخية والثقافية والفكرية؛ دورا مهما في تشكيل رؤية الصين للعالم، فقد شكلت الثورة الصينية عام 1949م، نقطة تحول في بناء الدولة الحديثة، حيث ركزت على مفاهيم القومية، والوحدة الوطنية، والتحول الاجتماعي والاقتصادي ([19]).

كما أن الإرث الحضاري العميق للصين، الممتد عبر آلاف السنين، قد ساهم في تشكيل منظومة قيمية، تؤكد أهمية الاستقرار، والتناغم الاجتماعي، واحترام السلطة المركزية؛ ولهذا فقد أعادت الصين، توظيف التراث الكونفوشيوسي، في صياغة خطابها الدبلوماسي المعاصر، حيث تقوم رؤيتها للعلاقات الدولية، على مفاهيم الانسجام، والتعايش السلمي، والتنمية المشتركة، ويبرز في هذا السياق مفهوم “الوئام الأعظم” (Datong) ، الذي يشير إلى تكوين مجتمع مثالي، يقوم على التعاون، والثقة، والحكم الأخلاقي، وقد أعيد توظيف هذا المفهوم؛ ليصبح إطارا مرجعيا؛ للعلاقات الدولية في ظل العولمة ([20]).

كما يظهر التأثير الفلسفي، في السياسة الصينية، من خلال مفهوم “وحدة السماء والإنسان”، الذي يؤكد الترابط بين الإنسان والطبيعة، وهو ما قد انعكس، في اهتمام الصين المتزايد بقضايا البيئة، والتنمية المستدامة، كذلك تبرز القيم الأخلاقية، في السياسة الخارجية الصينية؛ من خلال الجمع بين العدالة والمصلحة، وهو ما قد أكده الرئيس الصيني Xi Jinping ، في مفهوم “الرؤية الصحيحة للعدل والمصلحة”، الذي يهدف إلى تعزيز التعاون، مع الدول النامية، على أساس المنفعة المتبادلة، والتنمية المشتركة ([21]).

تسعى الصين إلى تجنب الانخراط في الأزمات الدولية، التي قد تفرض عليها أعباء سياسية، أو تدفعها إلى التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ولذلك تبنت مفهوم الصعود السلمي، باعتباره إطارا يعبر عن تطورها الاقتصادي والعسكري، بالتوازي مع النمو الاقتصادي، ومع ذلك، تنظر الصين إلى شرق آسيا، بوصفه جزءا أساسيا من أمنها القومي، وتسعى إلى تعزيز قوتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية، بما يدعم الاستقرار والتنمية في هذه المنطقة، وعلى المستوى الدولي، تحرص على المشاركة في النظام الدولي والتعاون مع القوى الكبرى، انطلاقًا من اعتقادها بأن استقرار النظامين الإقليمي والدولي يسهم في تحقيق الرفاه الاقتصادي وتعزيز الاستقرار الداخلي. ([22])

وفي هذا السياق، تركز الاستراتيجية الخارجية السلمية للصين، على دعم التنمية الاقتصادية، باعتبارها أساسا لتعزيز أمن الدولة والانخراط في النظام الدولي القائم، وقد انعكس ذلك في التحسن المستمر؛ لمؤشرات الأداء الاقتصادي؛ نتيجة سياسات الإصلاح والانفتاح، ما أدى إلى نمو اقتصادي مرتفع، وزيادة الناتج المحلي الإجمالي، وتعزيز اندماج الصين في الاقتصاد العالمي، كما أكدت “الورقة البيضاء” الصادرة عام 2017 ، حول التعاون الأمني في آسيا والمحيط الهادئ، رؤية الصين لنظام أمني قائم، على التعاون، والتنمية المستدامة، واحترام سيادة الدول، مع الدعوة إلى الحوار، وتعزيز الشراكات، بدلاً من التحالفات العسكرية ([23]).

ويرتبط هذا التوجه؛ بثقافة استراتيجية صينية مميزة، تؤثر في سلوكها الخارجي، إذ يرى العديد من الباحثين، أن هذه الثقافة تقوم على عدة مرتكزات، من أبرزها الاعتقاد التاريخي؛ بمكانة الصين الحضارية بوصفها “المملكة الوسطى”، والتأكيد على وحدة الدولة واستقرارها الداخلي، استنادا إلى مبدأ التفويض السماوي، كما تميل الاستراتيجية الصينية، إلى تجنب الحرب المباشرة، واعتبارها خيارا مكلفا، مع تفضيل تحقيق الأهداف؛ بأقل تكلفة ممكنة؛ وفقا لتعاليم صن تزو، ومع ذلك، فإن تبني الصين لفكرة الصعود السلمي، لا يعني إهمال القوة العسكرية، إذ عملت في الوقت نفسه، على تطوير قدراتها العسكرية والنووية والصاروخية؛ لتعزيز مكانتها كقوة دولية مؤثرة.

المطلب الرابع: انعكاسات الفلسفة الكونفوشيوسية على سياسة الصين تجاه الشرق الأوسط

شهدت منطقة الشرق الأوسط، خلال العقود الأخيرة، تحولات جيوسياسية عميقة، جعلتها إحدى أهم الساحات التي تسعى الصين، إلى تعزيز حضورها فيها، ويرتبط الاهتمام الصيني بالمنطقة، بعدة اعتبارات استراتيجية، في مقدمتها أهمية الشرق الأوسط، كمصدر رئيسي للطاقة، إضافة إلى موقعه الجغرافي، الذي يشكل حلقة وصل بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، مما يجعلها محورا أساسيا، في مبادرة الحزام والطريق، وتتأثر السياسة الخارجية الصينية بعدة عوامل داخلية مثل: طبيعة النظام السياسي، دور القيادة، الأيديولوجيا السائدة، والبنية الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب عوامل خارجية؛ تتمثل في طبيعة النظام الدولي، وتوازن القوى العالمية، وكذلك مستوى الانخراط العسكري الأمريكي في المنطقة، وأهمية المنطقة بالنسبة للاقتصاد الصيني ([24]).

وتعتمد السياسة الصينية في الشرق الأوسط، على نهج براغماتي، يركز على تحقيق المصالح الاقتصادية والتنموية، دون الانخراط في الصراعات الإقليمية المعقدة، إذ لا تسعى الصين، إلى فرض نموذج سياسي معين على الدول، كما أنها لا تربط علاقاتها الثنائية بشروط، تتعلق بالأنظمة السياسية أو حقوق الإنسان، الأمر الذي يمنحها قبولا نسبيا، لدى مختلف الأطراف الإقليمية، كما تستند الصين، إلى مجموعة من المبادئ الأساسية، أبرزها: احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ودعم الحلول السياسية للنزاعات الإقليمية، وتشجيع الحوار، والتسوية السلمية للصراعات، وهو ما يتجلى في مواقفها من أزمات، مثل: الأزمة والصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، والصراع الإيراني الإسرائيلي ([25]).

ولتعزيز حضورها في المنطقة، تستخدم الصين مجموعة من الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية والثقافية، مع تجنب الانخراط العسكري المباشر، فقد سعت إلى توسيع حجم التبادل التجاري والاستثمارات، خصوصا في مجالات الطاقة، والبنية التحتية، والتكنولوجيا، ضمن إطار مبادرة الحزام والطريق، كما لعبت المؤسسات المالية التي تشارك الصين في تأسيسها، مثل البنك الآسيوي؛ للاستثمار في البنية التحتية، دورا مهما في تمويل مشاريع التنمية، بما يعزز الروابط الاقتصادية، ويزيد نفوذ الصين في الاقتصاد الإقليمي ([26]).

 إلى جانب ذلك، تعتمد الصين على الدبلوماسية متعددة الأطراف والثنائية، عبر المشاركة في المنتديات الدولية والإقليمية، مثل: منتدى التعاون الصيني-العربي، وتعزيز علاقاتها الثنائية مع دول المنطقة، كما تستخدم الصين أدوات القوة الناعمة؛ لتعزيز حضورها الثقافي والتعليمي، من خلال برامج التبادل الثقافي، وزيادة أعداد الطلاب العرب، في الجامعات الصينية، وتعزيز التعاون في مجالات البحث العلمي والتكنولوجيا.

في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة في الشرق الأوسط، يعتبر الصراع الإيراني-الإسرائيلي، من أبرز التحديات التي تهدد استقرار المنطقة، وتوازناتها الاستراتيجية، إذ تتقاطع فيه الأبعاد الأمنية، والسياسية، والأيديولوجية، حيث تعتبر إيران إسرائيل خصما استراتيجيا، بينما ترى إسرائيل في البرنامج النووي الإيراني، ودعم طهران لبعض الحركات المسلحة تهديدا مباشرا لأمنها القومي، وفي هذا الإطار، تتبنى الصين موقفا يقوم على الحياد النسبي والسعي إلى التهدئة، محاولة الحفاظ على علاقات متوازنة مع الطرفين؛ فإيران تمثل شريكا مهما في مجال الطاقة والاستثمارات طويلة الأجل وتدخل في إطار مبادرة الحزام والطريق ([27]).

بينما تعد إسرائيل شريكا اقتصاديا وتكنولوجيا حيويا للصين، خصوصا في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والابتكار، وتسعى بكين لإدارة هذا التوازن عبر سياسة تقوم على الدعوة إلى الحوار والوساطة الدبلوماسية مع تجنب الانحياز لأي طرف، مستفيدة من أدواتها الاقتصادية والدبلوماسية لتعزيز الاستقرار، ومن أبرز هذه الأدوات الدبلوماسية الوقائية التي تشجع على ضبط النفس والحوار السياسي، إضافة إلى استخدام القنوات غير الرسمية والوساطة غير المباشرة لتقريب وجهات النظر، وتوظيف العلاقات الاقتصادية مع كل من إيران وإسرائيل كوسيلة لمنع التصعيد العسكري وحماية مصالحها الاستراتيجية ([28]).

كما عكس الموقف الصيني، مما جرى يوم السابع من أكتوبر 2023م، نهجا متوازنا وغير منحاز، يركز على ضبط النفس، ووقف التصعيد لحماية المدنيين، حيث استخدمت مصطلحي فلسطين وإسرائيل، دون الإشارة إلى أي فصيل محدد، مظهرة قلقها العميق، إزاء العنف المستمر، وداعية الطرفين إلى الهدوء، واستئناف محادثات السلام بأسرع وقت ممكن، ضمن حل الدولتين، فترى بكين أن استمرار جمود عملية السلام يفاقم الصراع، وتؤكد على ضرورة أن يتحرك المجتمع الدولي؛ لتقديم الضمانات اللازمة، لتحقيق سلام دائم، مع التزامها بالمشاركة الفعالة في هذا الإطار، هذا الموقف ينبع من اعتراف الصين بالدولة الفلسطينية منذ 1988 ، ودعمها لانضمامها كمراقب في الأمم المتحدة، وإيمانها بأن القضية الفلسطينية، هي قضية محورية في الشرق الأوسط تستحق اهتماما دوليا متوازنا.

كما يشمل التوجه الصيني الأبعاد الاقتصادية؛ عبر إعادة الإعمار والمساعدات التنموية للفلسطينيين، مع رفضها للأعمال التي توسع نطاق الصراع، وتقوض الاستقرار الإقليمي، بما في ذلك الاستيطان، والممارسات المخالفة للقانون الدولي، وهو ما يتسق مع مقترحات الصين السابقة لحل القضية الفلسطينية، والتي تتضمن إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967، احترام حق إسرائيل في الوجود مع مراعاة أمنها، استئناف المفاوضات، المصالحة الداخلية الفلسطينية، التزام قرارات الأمم المتحدة، ومبادرة السلام العربية، وتوفير الضمانات الدولية؛ لدعم عملية السلام، مما يعكس حرص بكين على دمج الحل السياسي، مع الأبعاد الاقتصادية والتنموية، ضمن إطار عادل ومستدام ([29]).

الخاتمة:

توصلت الدراسة إلى عدد من النتائج الرئيسية المرتبطة بطبيعة الفلسفة السياسية الصينية وتأثيرها في السياسة الخارجية، وكذلك في توجهات الصين، نحو منطقة الشرق الأوسط، ويمكن تلخيص أهم هذه النتائج فيما يلي:

-أن الفلسفة الكونفوشيوسية، شكلت إطارا فكريا عميقا، يوجه السياسة الخارجية الصينية، حيث لم تظل مجرد منظومة أخلاقية نظرية، بل تحولت إلى مرجعية عملية، تؤثر في سلوك الدولة الخارجي، وقد مرت هذه القيم؛ بعملية تكيف مع الواقع السياسي والدولي، ما قد أتاح للصين توظيفها؛ بصورة مرنة تخدم مصالحها الاستراتيجية، دون التخلي عن بعدها القيمي، وهو ما يعكس قدرة الفكر الكونفوشيوسي، على الاستمرار، والتجدد عبر الزمن.

-أن المبادئ الأساسية للفكر الكونفوشيوسي، مثل: الانسجام، والتوازن، ونبذ الصراع، انعكست بوضوح في توجهات السياسة الخارجية الصينية، خاصة في تبنيها؛ لمبادئ التعايش السلمي، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتعزيز التعاون الدولي، وقد ساهم ذلك، في ترسيخ صورة الصين؛ كقوة تسعى إلى الاستقرار والشراكة، لا الهيمنة، مما عزز من حضورها الدولي، خصوصًا في الدول النامية، التي تتقبل هذا النهج، القائم على الاحترام المتبادل، والمنفعة المشتركة.

-أسهمت الفلسفة الكونفوشيوسية، في إضفاء بعد أخلاقي، على السياسة الخارجية الصينية؛ من خلال الربط، بين المصلحة والعدالة، وهو ما يظهر في الخطاب السياسي والدبلوماسي المعاصر للصين، وقد انعكس ذلك، في اعتماد أدوات القوة الناعمة، مثل: الدبلوماسية الاقتصادية، والتعاون التنموي، والمبادرات الدولية، بدلًا من الاعتماد المفرط، على القوة العسكرية، بما يتسق مع الطابع السلمي للفكر الكونفوشيوسي.

-أن هذا التأثير الفلسفي، لم يتعارض مع الطابع البراغماتي للسياسة الصينية، بل دعمه ومنحه مشروعية فكرية، حيث نجحت الصين، في تحقيق توازن بين القيم والمصالح، ويتجلى ذلك في تعاملها مع القضايا الدولية، خاصة في مناطق مثل: الشرق الأوسط، من خلال اتباع سياسة متوازنة، تقوم على الحياد النسبي، وتجنب الصراعات، والتركيز على المصالح الاقتصادية، وهو ما يعكس نموذجًا مميزًا، يجمع بين الأخلاق السياسية، والواقعية الاستراتيجية.

في ضوء نتائج الدراسة، يمكن تقديم مجموعة من التوصيات، التي قد تسهم في فهم أفضل للسياسة الخارجية الصينية، وتعزيز الاستفادة من العلاقات مع الصين، ومن أبرزها ما يلي:

– ضرورة تعزيز الدراسات الأكاديمية العربية المتخصصة في الفكر السياسي والفلسفي الصيني، لما لذلك من أهمية في فهم الأسس القيمية التي تحكم السلوك الخارجي للصين، خاصة ما يتعلق بمفاهيم الانسجام، والتوازن، وعدم التدخل، وهو ما يساعد صناع القرار العرب على بناء سياسات أكثر واقعية وفعالية في التعامل مع الصين.

-أهمية تطوير التعاون الاقتصادي والاستثماري بين الدول العربية والصين، لا سيما في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا، في إطار المبادرات الصينية الكبرى، مثل: الحزام والطريق، مع الأخذ في الاعتبار، أن هذا التعاون لا يقوم فقط، على المصالح الاقتصادية، بل يرتكز أيضا على فلسفة المنفعة المتبادلة، والتنمية المشتركة، وهي من القيم المستمدة، من الفكر الكونفوشيوسي، وفي السياق ذاته، يُعد توسيع مجالات التعاون العلمي، والتعليمي، والثقافي، أمرا ضروريا لتعزيز التفاهم الحضاري، ونقل الخبرات، وبناء علاقات طويلة الأمد، قائمة على المعرفة والتبادل الثقافي.

-تبرز الحاجة إلى أن تعمل دول الشرق الأوسط، على تنويع شراكاتها الدولية، وعدم الاعتماد على قوة واحدة، من خلال الانفتاح المتوازن على الصين، إلى جانب القوى الكبرى الأخرى، بما يعزز استقلالية القرار السياسي، كما ينبغي تعزيز الحوار السياسي والدبلوماسي، مع الصين بشأن قضايا الأمن الإقليمي، بما يتماشى مع النهج الصيني، القائم على التهدئة والحلول السلمية، وهو ما يمكن أن يسهم، في دعم الاستقرار الإقليمي، وتقليل حدة الصراعات.

-ضرورة تشجيع الصين، على لعب دور دبلوماسي أكثر فاعلية، في تسوية النزاعات في الشرق الأوسط، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة، ونهجها غير التصادمي، إلى جانب الاستفادة من التجربة التنموية الصينية، في مجالات التصنيع والتكنولوجيا والبنية التحتية، ويعكس ذلك إمكانية توظيف النموذج الصيني، الذي يجمع بين البعد القيمي والبراغماتية، في دعم مسارات التنمية والاستقرار في دول المنطقة، بما يحقق مصالح مشتركة ومستدامة.


([1]) -Juan José Méndez, “Human Rights as a Framework for Justice and Democracy in the XXI Century,” Philosophy & Social Criticism 47, no. 4 (2021): 381–398.

([2]- (Stanley Rosen, “Filial Piety in Chinese Confucianism,” Philosophy East and West 71, no. 2 (2021): 385–410.

([3]) – “Philosophy.” Encyclopedia Britannica. Accessed March 2026. https://www.britannica.com/topic/philosophy

([4]) -Foreign Policy,” Encyclopaedia Britannica, accessed March 2026.. https://www.britannica.com/topic/foreign-policy

([5])- Ahmed Al-Jubouri, “Geopolitical Importance of the Middle East,” Journal of Contemporary Policy Studies 12, no. 2 (2021): 45–68.https://jcopolicy.uobaghdad.edu.iq/index.php/jcopolicy/article/view/544?

([6])- Erica Krouse, “Philosophy and Political Practice: Rethinking the Role of Normative Theory in Politics,” Journal of Political Philosophy 28, no. 4 (2020): 456–477.

([7])- Yutang Jin, “What Confucianism and for Whom? The Value and Dilemma of Invoking Confucianism in Confucian Political Theories,” The Journal of Value Inquiry 57 (2023): 737–757.

([8])- عبد الإله بلقزيز ، الفلسفة والسياسة: جدلية الاتصال والانفصال، دار الساقي، 2025، ص ص 15 -30.

([9])- Brian C. Rathbun et al., “Taking Foreign Policy Personally: Personal Values and Foreign Policy Attitudes,” International Studies Quarterly 60, no. 1 (2016): 124–137.

([10])- Michael Nylan, The Five “Confucian” Classics (New Haven: Yale University Press, 2016), 3–26.

([11] )- حسن إبراهيم حسن، التراث الفكري الصيني: من كونفوشيوس إلى العصر المعاصر (القاهرة: دار الفكر العربي، 2019), 60–95.

([12])- VH Van, “Overview of Confucianism and the Basic Content of the Four Books and Five Classics,” South Asian Research Journal of Humanities and Social Sciences 24 (2020): 285–292.

([13])- Hermansen, Marietta, and Michael Puett, Daoism and Chinese Philosophy (Cambridge: Cambridge University Press, 2025), 45–78.

([14])- Yifan Shi, “The Application of Confucianism in Contemporary Chinese Foreign Policy,” International Journal of Education and Humanities 6, no. 2 (2023): 47–49.

([15])- محمود زكي صقر، “تحولات السياسة الخارجية الصينية: من الدبلوماسية التقليدية إلى استراتيجيات الصعود السلمي,” مجلة الدراسات التجارية والإدارية المجلد 6، العدد 2 (يوليو 2025): 345–371.

([16] )- Zhenmin Liu, “Following the Five Principles of Peaceful Coexistence and Jointly Building a Community of Common Destiny,” Chinese Journal of International Law 13, no. 3 (2014): 477–480.

([17])- سعيد عبيد الكتبي, أثر القوة الاقتصادية الصينية الناشئة على العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول مجلس التعاون الخليجي: دراسة حالة مبادرة الحزام والطريق 2013–2023, حوليات آداب عين شمس 51, no. 8 (يوليو 2023):ص ص 346–368.

([18])- سلامة شيماء فاروق، نيبال عز الدين جميل، وأحمد جلال محمود، “أثر القوة الذكية الصينية على تطور النزاعات في بحر الصين الجنوبي منذ 2013 حتى 2023.” مجلة الدراسات السياسية والاقتصادية 5، العدد 1 (2025): ص ص646–678.

([19])- Quansheng Zhao, “The Influence of Confucianism on Chinese Politics and Foreign Policy,” Asian Education and Development Studies 7, no. 4 (September 2018): 321–328.

([20])- Louise Sundararajan, “A History of the Concepts of Harmony in Chinese Culture,” in Oxford Research Encyclopedia of Psychology, edited by (Oxford: Oxford University Press, 2020), 1–25.

([21])- Gavin Flood, “Earth under Heaven: The Chinese Traditions,” in Religion and the Philosophy of Life (Oxford: Oxford University Press, 2019), 175–217.

([22] )- غزلان محمود، الصعود الصيني والأثار المترتبة على نزاعات بحر الصين الجنوبي، مجلة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2020، 21 (4): ص ص179–214.

([23]) – مكتب الإعلام التابع لمجلس الدولة الصيني، الكتاب الأبيض حول التنمية السلمية في الصين (النص الكامل)، بكين، سبتمبر 2011، منشور على موقع وزارة الخارجية الصينية، https://www.fmprc.gov.cn/ara/zxxx/201109/t20110930_9597211.html

([24] ) -شريفة كلاع ، المنظور الصيني لمنطقة الشرق الأوسط في القرن الواحد والعشرين,” مجلة أبحاث،  8، 1، (2023): ص ص 397–414.

([25]) – Mordechai Chaziza, “China’s Economic Diplomacy Approach in the Middle East Conflicts,” China Report 55, no. 1 (2019): 24–39.

([26])  -Syed Shuja Uddin et al., “China’s Belt and Road Initiative in the Middle East: Energy Security, Strategic Realignment, and Geopolitical Implications,” Advances in Social Science, Education and Humanities Research 4, no. 1 (2025): 4604–4612.

([27]) – Shinji Yamaguchi, “China’s Role in Conflict Mediation in the Middle East: Normalization of Relations between Iran and Saudi Arabia and the 2023 Israel‑Hamas War,” Asia‑Pacific Review 30, no. 3 (2024): 99–114.

([28])  -Rabaia, Ibrahim S. I., and Hend Elmahly Mahmoud Sultan. 2021. “China and Israel: Strategic Economic Ties under American Pressure.” Contemporary Chinese Political Economy and Strategic Relations: An International Journal 7 (3): 1399–1428.

([29]) – شبكة طريق الحرير الصينيالصين والقضية الفلسطينية: دعم تاريخي ومبادرات عملية لتحقيق العدالة ، موقع طريق الحرير الصيني، (2025)، أنظر في:  https://alharir.info/116347-2/?

Admin

مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية: مؤسسة فكر وتخطيط استراتيجي تقوم على إعداد التقديرات وتقديم الاستشارات وإدارة المشروعات البحثية حول المتوسط وتفاعلاته الإقليمية والدولية. لا يتبنى المركز أية توجهات مؤسسية حول كل القضايا محل الاهتمام، والآراء المنشورة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى