أوراق و دراساتاقتصاديةسياسية

الأبعاد الإستراتيجية للشراكة الصينية – العربية في إطار مبادرة الحزام والطريق

د.ناصرالدين باقي ( الجزائر)

أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، جامعة الجزائر2 أبوالقاسم سعدالله.

الملخص:

 تحاول الدراسة تسليط الضوء على الشراكات الصينية مع الدول العربية، والتي تُعتبر أصيلة و متجذرة في التاريخ بحكم التبادل التجاري الكبير للحرير في المنطقة العربية مع الصين، هذه التجارة التي أرادت الصين إعادة إحياء طريقها من خلال بناء علاقات سياسية واقتصادية وتجارية مربحة طول طريق الحرير، الذي يمر بعدة دول عربية واسلامية بإقامة مشاريع وشراكات استثمارية تُعيد للصين مكانتها الاقتصادية في المنطقة و تعزز تموقعها وتتيح لها بذلك منافسة القوى الاقتصادية التقليدية على موارد هذه الدول التي طالما عانت من إستنزاف لخيراتها حتى بعد إستقلالها.

من هذا المنطلق تهدف هذه الدراسة إلى إبراز  الأبعاد الإستراتيجية التي تسعى الصين إلى تحقيقها بشراكتها مع الدول العربية من خلال مبادراة الحزام و الطريق التي أطلقتها الصين بداية من 2013، و التي تسعى حسب المنظور الصيني إلى مساعدة الدول النامية على تطوير اقتصادياتها بفتح أبواب الاستثمار للشركات الصينية التي تراعي مبدأ  “الفائدة للجميع“ عكس شركات الدول الكبرى التي إستنزفت خيرات هذه البلدان وأغرقتها في وحل التخلف والفقر لعقود من الزمن، كما أن الدول العربية بشراكتها مع الصين بكل ثقلها الاقتصادي والتجاري وبُعدها الحضاري في ذلك هي فرصة وخطوة مهمة لإعادة بناء وتنمية اقتصادياتها.

الكلمات المفتاحية: الشراكة، الصين، الدول العربية، الاستراتيجية، الحزام والطريق.

مقدمة:

لطالما شكلت الصين قوة اقتصادية وبشرية عالمية، وذلك من منطلق عدة معطيات أهمها المساحة الشاسعة للصين التي مكنتها من ثروات طبيعية مهمة، ورصيد بشري هو الأكبر في العالم، ناهيك عن الثقافة المستمدة من الإرث الحضاري العريق للصين في البشرية، وبالرغم  من الدخول الصيني المتأخر كقوة اقتصادية في العالم بسبب الإستعمار والحروب الأهلية التي قسمت البلاد و عطلت التنمية في عدة مناطق، إلا أن الخبراء طالما أطلقوا تسمية “العملاق النائم”على الصين لإدراكهم الإمكانيات التي تحضى بها، و فعلا في السنوات الأخيرة أدركت الصين أن إقتحام العالم كقوة صاعدة لا يتأتى إلا بالسيطرة الاقتصادية والتجارية وهو ما جعلها تنتهج سياسة اقتصادية فريدة من نوعها، لا يرتبط فيها الاقتصاد بالسياسة مطلقا”بإنفتاح إقتصادي مقابل إنغلاقسياسي”، وسلاسة ديبلوماسية مكنتها من إكساح الأسواق العالمية وإجاد مكانة بين الدول المصنعة الكبرى، بل أكثر من ذلك أصبحت منافس شرس لهذه الدول في عدة مناطق في العالم و منها العالم العربي والإسلامي.

تعتبر العلاقات الصينية مع الدول العربية علاقات متجذرة في التاريخ طغى عليها الطابع التجاري والاقتصادي، إلا أن الإستعمار التقليدي للبلاد العربية حد من هذه العلاقة التجارية وأخضع هذه الدول إليه بربط اقتصادياتها به من باب إستنزاف ثرواتها وخيراتها، وبعد الصحوة الاقتصادية الصينية عملت الصين على إيجاد مكانة لها في العالم العربي الذي يزخر بثروات معتبرة وأسواق مهمة، ولم يكن من الصعب دخول السوق العربية لعدة إعتبارات منها ما هو تاريخي، وحضاري و أخرى متعلقة بالتاريخ النظالي المشترك خاصة إبان حركات التحرر والأنظمة السياسية والاقتصادية المتقاربة فوجدت الصين نفسها مرحب بها في العالم العربي والإسلامي مع تبنيها لمبادراة الحزام والطريق التي أطلقتها بداية من 2013، حيث تؤسس لشركات وعلاقات اقتصادية تعم فيها الفائدة للجميع ولا خاسر فيها، وهو ما رحبت به الدول العربية و الإسلامية وأقرته الصين من خلال وثيقة سياسة الصين تجاه الدول العربية في يناير 2016.

من هذا المنطلق يمكن طرح الإشكالية الآتية: فما هي الأبعاد الإستراتيجية للشراكة الصينية  العربية من منظور مبادرة الحزام و الطريق؟

تتفرع  من  هذه الإشكالية مجموعة من الأسئلة الفرعية  الآتية :

  • ما هي الجذور التاريخية للعلاقات الصينية العربية ؟
  • فيما تمثلت مجالات ومبادرات الشراكة الصينية العربية ؟
  • ما هي أسس مبادرة الحزام والطريق ؟، وماهي انعكاساتها على الدول العربية و الصين؟
  • ما هي الأبعاد الإستراتيجية المختلفة للشراكة بين الصين والدول العربية ؟

     تكمن أهمية هذا البحث في تفسير غزو الصين للأسواق العربية وإصرارها على إقامة شركات تجارية واقتصادية وإستثمارية مع الدول العربية، رغم كل المعوقات التي تكتنف هذا التوجه في مقدمتها إرتباط إقتصاديات الدول العربية بالدول الغربية خاصة الإستعمارية، كما تبرز أهمية  هذه الدراسة بشكل أكبر في إعطاء الحلول الممكنة لجعل التوجه الصيني للعالم العربي إيجابيا، و الإستثمار فيه ومحاولة جعل العالم العربي من بؤرة تتنافس عليها القوى الاقتصادية الكبرى إلى مجال إستثماري بخلق توازنات تصب بشكل إيجابي في مصلحة الدول العربية.

كما تهدف الدراسة إلى إبراز الأبعاد الإستراتيجية الكبرى للشراكة الصينية العربية  على المديين القصير                    والطويل وهي الشراكة التي تسعى إلى إعادة بناء البنية التحتية للدول العربية في إطار الإستراتيجية التي تهدف إليها مبادرة الحزام والطريق التي تبنتها الصين لإحياء طريق الحرير والذى يمر على الدول العربية، كما تهدف الدراسة إلى توضيح الرؤية الاقتصادية الصينية تجاه الدول العربية من خلال مشاريعها الإستثمارية التي حسب المنظور الصيني تعود بالفائدة على الجميع.

يشكل البحث إضافة نوعية للدراسات العربية تجاه الصين من خلال تتبع تاريخ العلاقات العربية الصينية ومراحل تطور هذه العلاقة، وكذا علاقة التجاذب بين الصين والعالم العربي التي تجمعها عدة قواسم مشتركة حضارية وسياسية وثقافية، ولعل أبرز الدراسات السابقة التي إهتمت بالتقارب الصيني العربي في بعدها الاقتصادي هي:

-كتاب: “العرب ومستقبل الصين”، للدكتور سامر خير أحمد، حيث تركز الدراسة على معوقات النهضة العربية وضرورة الإتعاض بالنموذج الصيني الذي بنى نهضته إعتمادا على إرثه الحضاري والثقافي الضارب في جذور التاريخ الإنساني معتمدا على العامل الاقتصادي من خلال إدراك مقدراته وثرواته الطبيعية والبشرية

-كتاب: “الصين والعرب عبر التاريخ”، للدكتور محمد محمود زيتون، حيث يسلط هذا الكتاب الضوء على العلاقات الوثيقة بين الصين والعرب، هذه العلاقات الضاربة في جذور التاريخ والممتدة لأكثر من خمسة عشر قرنا من الزمان، كانت بدايتها تجارية محضة عبر تجارة الحرير والأقمشة والأعشاب الطبية.

–كتاب: “مصر والعرب ومبادرة الحزام والطريق: مستقبل النموذج الصيني” للدكتور أحمد السيد النجار، حيث يركز الكتاب على مبادرة الحزام والطريق التي أطلقتها الصين التي تحاول من خلالها الصيم الإنتقال من التكيف مع بيئة الاقتصاد الدولي إلى فاعل رئيسي مع تلك البيئة، كما يبرز الكتاب القيم الحقيقية لهذه المبادرة التي تجعل من التعايش السلمي أساسا لها، ويكون ذلك بمساعدة الدول النامية لا سيما جمهورية مصر العربية على إقامة بنى تحتية بالتعاون مع الصين، هذا التعاون الذي لا خاسر فيه. 

-مؤلف جماعي: “آفاق التعاون العربي الإفريقي الصيني في إطار مبادرة الحزام والطريق”، ناصرالدين باقي وآخرون هذا الكتاب الذي إنبثق عن مؤتمر دولي أقيم في العاصمة السودانية الخرطوم وجمع جمعية الصداقة العربية الصينية مع ممثلين عن الحكومة الصينية ومجموعة من الباحثين الصينين من معهد شنغهاي لدراسة الشرق الأوسط، وقد إهتم الكتاب بمبادرة الحزام والطريق وسبل ومعوقات تحقيقها في أرض الواقع والخروج بتوصيات قُدمت للجانبين العربي والصيني للإسراع في تنفيذ بنود الإتفاقيات المبرمة في هذا الخصوص.

تعتبر هذه الدراسات ركيزة أساسية يجب البناء عليها في هذه الدراسة حيث تنوعت في التطرق لموضوع العلاقات العربية الصينية وغاصت في جذورها التاريخية التي من خلالها أفرزت مبادرة الحزام والطريق والرؤية الصينية حول المنطقة العربية.

تعتبر هذه الدراسات ركيزة أساسية يجب البناء عليها في هذه الدراسة حيث تنوعت في التطرق لموضوع العلاقات العربية الصينية وغاصت في جذورها التاريخية التي من خلالها أفرزت مبادرة الحزام والطريق والرؤية الصينية حول المنطقة العربية.

كما ستضيف هذه الدراسة للدراسات السابقة خوضا وإثراءا لموضوع العلاقات الصينية العربية من المنظور الاقتصادي والتجاري، وكيف أدت هذه العلاقة إلى إعطاء مفهوم جديد للعلاقات العربية مع الدول الأجنبية عموما فمن بوابة الصين ودت الدول العربية ضالتها المتمثلة في التعاون و الشراكة الحقيقية المبنية على تبادل الثقة والفائدة الحقيقية التي تؤدي إلى التنمية الشاملة والنهظة الاقتصادية بإدراك الشريك الحقيقي الذي يستثمر في الثروة الطبيعية والبشرية لبناء البنية التحتية الهشة للدول العربية.

لذلك تحاول الدراسة إثبات مجموعة من الفرضيات أهمها:

  • إن البعد الحضاري للصين يلعب دورا رئيسيا في توجهها الاقتصادي تجاه الدول النامية.
  • يمثل الوطن العربي حقلا فسيحا للإستثمار الصيني لما يزخر به من ثروات مترامية وغير مستغلة.
  • إن تغيير القيادات السياسية في الوطن العربي وسعيها للنهوض الاقتصادي الراكد يحتم تنويع مداخيلها والإستعانة بالتجربة الصينية في ذلك.
  • إن فكرة مبادرة الحزام والطريق في مبدئها القائم على الفائدة للجميع تشكل إتفاقا استرتيجيا بين الدول العربية والصين.

من هدا المنطلق إستعنا بالمدخل الاقتصادي كأهم مدخل، حيث ترتكز العلاقات الصينية مع الدول العربية على الجانب الاقتصادي دون التدخل السياسي، على عكس العلاقات العربية مع القوى الاقتصادية الكبرى؛ كما استعنا أيضا بعدت مناهج نظرا لطبيعة الموضوع، كالمنهج التاريخي لرصد العلاقات التاريخية المتجذرة بين العالم العربي والصين، والمنهج المقارن لتحديد أسباب التوجه العربي نحو جعل الصين شريكا إستراتيجيا مقارنة بالقوى الاقتصادية الغربية الأخرى، بالاضافة إلى منهج تحليل المضمون لتحليل الإتفاقيات والمبادرات والوثائق المنظمة لهذه الشراكة.

للإجابة على الإشكالية المحورية والأسئلة الفرعية تضمنت الدراسة ثلاثة محاور رئيسية، يتناول المحور الأول الجذور التاريخية للعلاقات الصينية العربية، حيث نستعرض أهم المحطات التي بنت هذه العلاقات على عدة مستويات أهمها الاقتصادي التجاري، أما المحور الثاني فيركز على مجالات ومبادرات الشراكة الصينيةالعربية، ومن خلال هذا المحور نسلط الضوء على مبادرة الحزام والطريق التي طرحتها الصين لإعادة إحياء طريق الحرير ومن خلاله علاقاتها التجارية مع دول العالم ولا سيما الدول العربية التي تعتبرها الصين أهم شريك في هذه المبادرة، وذلك لعدة معطيات أهمها الثراوات الطبيعية والأسوق التجارية، أما المحور الثالث فيبحث في الأبعاد الإستراتيجية المختلفة للشراكة الصينية العربية، والتي من خلالها تحاول الصين كسب شركاء دائمين في المنطقة تفيدهم وتستفيد منهم.

  1. الجذور التاريخية للعلاقات الصينية العربية

نبدأ بالوقوف على الجذور التاريخية التي أسست لهذه الأرضية، فالصين كغيرها من دول العالم الثالث شهدت استعمارا تقليديا عانت من تبعاته، وهي النقطة المشتركة مع دول العالم الثالث، ولا سيما الدول العربية، ما زاد اللحمة والتضامن بين هذه الشعوب. ولعل أهم النقاط المشتركة تكمن في الثقافة المشتركة بين الصين والدول العربية من جانب الإرث الحضاري القديم، إلا أن الصين ظلت محافظة على طابعها الآسيوي([1])، بينما ارتبط العرب بالثقافة الغربية التي خلفها الاستعمار. يرجع الارتباط التاريخي بين العرب والصين إلى اكتشافها كسوق تجارية مهمة من طرف الرحالة العرب، خاصة سلعة الحرير. وفي العصر الحديث، وبعد تفكك العرب إلى دويلات وقيام ثورات التحرر فيها من الاستعمار، توطدت هذه العلاقة، بما أن النظام الصيني المبني على الاشتراكية الاقتصادية والشيوعية السياسية حتم عليها مؤازرة حركات التحرر التي قامت في العديد من الدول العربية ضد الاستعمار من أجل نيل الاستقلال. فقد ساندت الصين القضايا العربية في مناسبات عديدة، كالقضية الفلسطينية، بالدعوة إلى احترام الشرعية الدولية ونبذ العنف وتطبيق قرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها مبدأ الأرض مقابل السلام([2])، كما عملت الصين على تجنب الصدام مع الدول الكبرى في المنطقة وإنشغلت أكثر على الجانب الاقتصادي من خلال دفع عجلة التنمية ومحاولة التموقع اقتصاديا في المنطقة، ولعل أهم العوامل التي ساعدت الصين  في أخذ هذا الإتجاه هي([3]):

  • الخيار الإستراتيجي للصين المتمثل في القوة الناعمة المنعكس في سياساتها الخارجية بغض النظر عن نظامها السياسي.
  • نهاية الحرب الباردة وسياسة الأقطاب التي كانت تؤثر في العلاقات الدولية في شقيها السياسي والاقتصادي، وهو مامكن الصين من إيجاد مكانة دولية كقوة اقتصادية صاعدة.
  • توجه العلاقات الدولية إلى الأولوية الاقتصادية والتجارية على حساب الإعتبارات السياسية والإيديولوجية و العسكرية.
  • الصعود الصيني كقوة اقتصادية والبحث عن الموارد الأولية في كل القارات خاصة الطاقة وهذا ما يزخر به الوطن العربي.
  • الإنفتاح الاقتصادي للدول العربية و الحرص على توفير التنوع في الاستثمار والمبادلات التجارية مع القوى الاقتصادية الكبرى، وإعطاء مكانة مميزة للتواجد الصيني بحكم العلاقات المتينة والتاريخية.

حملت الصين على عاتقها لواء العالم الثالث، خاصة بعد فرض عضويتها الدائمة في مجلس الأمن من خلال المقترح الذي تقدمت به ألبانيا و18 دولة أخرى في 25 أكتوبر 1971، والذي يقضي باستعادة المقعد الشرعي لجمهورية الصين الشعبية في الأمم المتحدة وطرد ممثل كتلة حزب الكومينتانغ. وأظهرت نتائج التصويت موافقة 76 صوتًا ومعارضة 35، مقابل امتناع 17. وأجيز قرار الأمم المتحدة 2758 بأغلبية ساحقة من الأصوات، وجاء في القرار أن الأمم المتحدة “تعترف بأن ممثل حكومة جمهورية الصين الشعبية هو الممثل الشرعي والوحيد للصين في منظمة الأمم المتحدة، وأن جمهورية الصين الشعبية هي واحدة من الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن” ([4]).

انعكس هذا الوضع بالإيجاب على العلاقات العربية الصينية، خاصة وأن أغلب المصوتين لصالح القرار كانوا من الدول العربية، التي كان معظمها دولا مستقلة ذات سيادة سياسية، وتتبنى النهج الاشتراكي، وذلك في بداية تأسيس القومية العربية والدعوة إلى إقامة وحدة عربية تشمل المجالين السياسي والاقتصادي، وتعكس المقومات المشتركة لهذه الدول.

  • مجالات ومبادرات الشراكة الصينية العربية

   رغم أن العديد من الدول العربية نجحت في إستقطاب الصين كشريك إقتصادي وفتحت مجالات عديد للإستثمار والإستفادة من الخبرة الصينية في التجارة والتنمية الاقتصادية، ما دفع الصين إلى إصدار وثيقة خاصة تتضمن سياسها تجاه الدول العربية في 2016، إلا أن إعلان بيكين في 10 يوليو 2018 يعتبر قمة التعاون الحقيقي بين الدول العربية والصين بناء على ثمانية دورات للإجتماع الوزاري لمنتدى التعاون العربي الصيني منذ تأسيسه عام 2004([5])، والذي أقر ثلاثة وثائق مهمة هي :

  • إعلان بيكين،
  • الإعلان التنفيذي العربي الصيني الخاص ببناء مبادرة الحزام والطريق،
  • البرنامج التنفيذي لمنتدى التعاون العربي الصيني للأعوام (2018 – 2020).

وقد أكدت الصين على مبدأ تعزيز الصداقة مع الدول العربية على نحو شامل بإعتبارها سياسة ثابتة للحكومة الصينية إنطلاقا من إلزاميتها المستوحاة من المبادئ الأربعة التي طرحها الرئيس الصيني لإقامة شراكة صينية– عربية وهي :

  • تقوية العلاقات السياسية على أساس الإحترام النتبادل،
  • تكثيف التبادل الاقتصادي والتجاري،
  • توسيع وتعميق التواصل الثقافي،
  • تعزيز التعاون في الشؤون الدولية.

لكن يبدو أن كل هذه المبادئ هي مبنية بشكل أساسي على العامل الاقتصادي.

أ-مبادرة الحزام والطريق ومكانة الدول العربية فيها:

تعد مبادرة الحزام والطريق التي أطلقها الرئيس الصيني «شي جين بينغ» في أكتوبر 2013، خلال زيارتيه إلى كازاخستان وإندونيسيا، ثم رفع مستواها رئيس مجلس الدولة «لي كه تشيانغ» خلال زياراته الرسمية إلى آسيا وأوروبا. وكان التركيز الأول على الاستثمار في البنية التحتية والتعليم ومواد البناء، والسكك الحديدية والطرق السريعة، والسيارات والعقارات، وشبكة الطاقة والحديد والصلب.

تغطي هذه المبادرة أكثر من 68 دولة، تضم نحو 65% من سكان العالم، وتسهم بنحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في عام 2017، ولذلك يقدر أنها ستكون من أكبر مشاريع البنية التحتية والاستثمار في التاريخ.

وبالعودة إلى تاريخ مبادرة «الحزام والطريق»، التي تعبّر عن رؤية صينية لإعادة بعث طريق الحرير من جديد بإنشاء طرق تجارية وممرات اقتصادية تربط أكثر من 60 بلدا، يشير «الحزام» إلى ما يُعرف تاريخيًا بطريق الحرير القديم، وهو شبكة طرق تجارية تمر عبر آسيا الوسطى لتربط الصين بدول جنوب آسيا وشرقها والشرق الأوسط وصولًا إلى تركيا، فيما يشير «الطريق» إلى الطريق البحري المستلهم من الرحلات البحرية التي قام بها الأدميرال «تشنغ خه»، الذي أبحر بأسطول من السفن إلى أفريقيا في القرن الخامس عشر، ويُعد رمزًا لأصالة القوة البحرية الصينية ([6])، ولعل مكانة الدول العربية في هذه المبادرة جديرة بالاعتبار، لما ربط تاريخ العرب القديم تجاريا بالصين، كما تعد المبادرة فرصة للدول العربية النامية للاستفادة من الخبرة الصينية في الاستثمار، خاصة في مجال البنى التحتية. فالرؤية الصينية وضعت الدول العربية ضمن أولوياتها الاقتصادية المهمة، نظرا لعدة معطيات تزخر بها هذه الدول، في مقدمتها الموقع الاستراتيجي الهام الذي يتوسط العالم، والثروات الباطنية الهائلة غير المستغلة، وهشاشة البنى التحتية. وهذا ما يتقاطع مع المصالح الصينية على المستوى الجغرافي والسياسي والاقتصادي والطاقوي والأمني، حيث تسعى الصين إلى توسيع مصالحها ([7])، خاصة الدول العربية التي تحوز على طرق لوجيستية وحيوية تربط بين أسواق أوروبا و آسيا معاً([8]).

تمثل مبادرة الحزام والطريق والتي  تمر على ثلاثة قارات، والتي  تشمل 100 دولة ومنظمة إنضمت إلى هذه المبادرة، تضم حوالي %63 من سكان العالم،  يعيشون في الدول التي يعبرها الحزام، بالإضافة إلى تخصيص 50 مليار دولار كإستثمارات على طول الطريق بداية من إطلاقها سنة 2013، ويمثل 2,9 مليار دولار حجم إستثمارات الشركات الصينية غير المباشرة في 43 دولة يعبرها الحزام.

الجدول (01) : الامكانيات الاقتصادية العربية والتي تعتبر حافزا لتواجد الصين في المنطقة

احياطي النفط62% من الإحياطي العالمي
صادرات النفط47 % من الصادرات العالمية
عدد السكان305 مليون نسمة
القوة العاملة62 مليون
مساحة الوطن العربي10,5 من مساحة اليابس
الناتج المحلي الإجمالي607 مليار دولار

المصدر: من إعداد الباحث من عدة مصادر (بالتصرف)

يبين الجدول رقم (01) حجم الإمكانيات الاقتصادية للعالم العربي التي تتصدرها الثروات الطبيعية والقوة البشرية والمساحة الشاسة والموقع الإستراتيجي الهام الذي يتوسط العالم، هذه الإمكانيات التي طالما جذبت أنظار القوى الاقتصادية الكبرى لاسيما الصين حيث تراهن هذه الأخيرة على بناء علاقات مع الدول العربية لتعزيز تواجدها والإستفادة من هذه الإمكانيات الضخمة.

ب-مجالات الشراكة الصينية العربية

لطالما سعت الدول العربية إلى استكشاف طرق تنموية دون الارتباط بالقوى الكبرى التي تساومها في سيادتها وسياساتها الداخلية والخارجية، وقد وجدت في الصين، بوصفها أكبر بلد نام في العالم، ضالتها. فالفلسفة الصينية القائمة على الكسب المشترك والتعاون غير المشروط، النابعة من القيم الحضارية للمجتمع الصيني، شكّلت نقطة التقاء وتفاهم بين الطرح العربي والرؤية الصينية، خاصة بعد عام 2011 الذي شهد فيه العالم العربي موجة من التغيير الديمقراطي. كما مثلت فرصة لتعزيز البنى التحتية للدول العربية من خلال إدراك ثرواتها والعمل على تعزيز قدراتها الذاتية، بعيدا عن نمط تجارتها القائم على استيراد المواد الاستهلاكية وتصدير المواد الأولية الخام.

-الطاقة:

تعد الصين من أكبر البلدان المستوردة للنفط منذ عام 1993، وثالث أكبر مستهلك للطاقة في العالم بنسبة تقارب 10% من استهلاك الطاقة العالمي. فأكثر من 55% من احتياجاتها النفطية تأتي من دول الخليج العربي، وقد وصلت هذه النسبة إلى حدود 65% في عام 2015. كما أن معدلات النمو المتسارع للاقتصاد الصيني، الذي بلغ 9% سنويا، اضطرتها إلى زيادة استيرادها من الغاز إلى 35 مليار متر مكعب في عام 2015)[9](،وقد حتمت هذه الاحتياجات المتزايدة من الطاقة على الصين ليس فقط استيراد هذه الثروة من الدول العربية، بل الاستثمار فيها وإقامة شركات دائمة، حفاظا على مصالحها من هذه السلعة الثمينة التي تبني اقتصادها عليها.

منذ المؤتمر الوزاري السادس لمنتدى التعاون العربي الصيني في أكتوبر 2016، الذي اتخذ شعار “الطاقة حجر أساس للتعاون العربي الصيني”، أقيمت عدة شراكات واستثمارات في مجال الطاقة بين الصين والعديد من الدول العربية، وفي مقدمتها دول الخليج الرائدة في هذا المجال. فالاستراتيجية الجديدة للصين تتضمن البحث عن النفط في الخارج (The Go Out Strategy)، وهي تقوم على المزاوجة بين الاستثمار المالي وزيادة الترابط الاقتصادي مع الدول النفطية، على اعتبار أن من شأن ذلك التمهيد لتمتين الروابط الاقتصادية والعلاقات السياسية، بما يسمح بتدفق إمدادات النفط إليها([10]). كما تم الإتفاق على عدة إتفاقيات تعاون طاقوية على هامش الدورة السادسة لمؤتمر التعاون العربي الصيني في مجال الطاقة وأهمها :

  • التعاون في مجال النفط والغاز الطبيعي،
  • التعاون في مجال الطاقة الكهربائية والربط الكهربائي،
  • التعاون في مجال الطاقة المستدامة،
  • التعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية،
  •  التعاون في مجال الاستثمار.

    هذه الإتفاقيات هي عامة للدول العربية مجتمعة أو بمثابة الأرضية التي تُبنى عليها الإتفاقيات مع الدول العربية كل على حدى بعد ذلك.

الشكل رقم (01): أكبر الدول المصدرة للنفط نحو الصين

المصدر: موقع قاعدة بيانات تجارة السلع الأساسية التابع للأمم المتحدة، عبر الرابط التالي:

https://comtrade.un.org

يمثل هذا الشكل الدول المصدرة للنفط نحو الصين، والتي تمثل فيه الدول العربية الأكثرية بخمسة دول هي : السعودية – الإمارات – الكويت – سلطنة عُمان – العراق، مما يعني أهمية  الدول العربية في الاقتصاد الصيني، ومدى تأثير الأوضاع في العالم العربي على الصين مما يجعل هذه الأخيرة تراعي بإهتمام مصالحها وتسهر على إستقرار المنطقة وتعزيز التعاون مع الدول العربية.

-التجارة:

تشكل السلع الصينية نموذجا لنمو التجارة الصينية التي لم تكتف ذاتيا فحسب، بل أضحت أكبر مصدر لسلعها في العالم، وهي سلع لاقت رواجا في مختلف أنحاء العالم. وتشكل السوق العربية أهم الأسواق للمنتجات الصينية، خاصة أن مبادرة الحزام والطريق أعادت بعث الثقافة التجارية للصين، وأصبح حلم مرورها عبر دول العالم الثالث مطلبا مُلحا. ولذلك أخذت الدول تتسارع إلى إقامة شراكات واتفاقيات تجارية مع الصين لهذا الغرض، ولإظهار حسن النية فتحت دول العالم الثالث، وفي مقدمتها الدول العربية، أسواقها للمنتجات الصينية، وبمرور الوقت أصبحت من أكبر الدول المستهلكة للسلع الصينية.

الجدول (02): حجم التبادل التجاري بين الصين والدول العربية لسنة 2018

          سنة 2018244.3 مليار دولار أمريكيحجم التجارة بين الصين والدول العربية
1.2 مليار دولار أمريكيالاستثمار الصيني المباشر في كافة القطاعات للدول العربية
35.6 مليار دولار أمريكيقيمة العقود الجديدة التي أبرمتها الشركات الصينية في الدول العربية 
27.8 مليار دولار أمريكيقيمة التداول

المصدر : وكالة شينخوانت الصينية (بالتصرف)، عبر الرابط: https://cutt.us/7CHeM، تاريخ التصفح: (27/02/2026).

يشير الجدول إلى حجم التبادل التجاري بين الصين والدول العربية والتي هي في إرتفاع مستمر بفضل المكانة التي حُضيت بها الصين في المنطقة العربية عبر تعزيزها للعلاقات مع هذه الدول بفضل مبادرة الحزام والطريق التي تمر عبر كثير من الدول العربية، مما جعل الدول العربية الشريك الرئيسي في هذه المبادرة مع الصين.

-الإستثمار:

بلغ حجم الإستثمارات الصينية في الدول العربية حوالي30 مليار دولار،وهو مايعكس المقاربة الصينية في بناء علاقاتمع الدول العربية مبنية على الإستثمار والتجارة المربحة، فالتوجه الصيني نحو الدول العربية مبني على أربعة حقائق هي([11]):

  1. المنافسة الاقتصادية بين الصين والدول الكبرى على الإستثمار وإيجاد مكانة في المنطقة بحكم المقومات والإمكانيات والموقع الإستراتيجي للمنطقة كأكبر سوق إستهلاكية.
  2. الإستثمار في تدهور العلاقة بين الدول العربية والقوى الكبرى بحكم الإحتكار والإملاءات السياسية مقابل المساعدة الاقتصادية، يقابله ذلك الإستراتيجية الصينية في التوسع في المنطقة العربية وإفريقيا عبر مبادرتها المتمثلة في طريق الحرير البحري.
  3. التدهور الاقتصادي للدول العربية يحتم عليها إيجاد حلول وبدائل أقل تكلفة تضمن لهم التنمية الاقتصادية.
  4. الطموحات المشتركة بين الصين والدول العربية خاصة فيما تعلق في إعادة إعمار مادمرته آلة الحرب في بعض الدول العربية وإعادة بناء البنى التحتية، خاصة إذا علمنا تخوف القوى الكبرى من دخول هذا المجال نتيجة تردي الوضع الأمني في بعض المناطق.

الجدول (03): حجم الإستثمارات الصينية في بعض الدول العربية

الدولةحجم الإستثمارالقطارع
السودان15 مليار دولارالنفط والغاز
60 مليون دولارالزراعة
الإمارات9 مليار دولارموزعة على قطاعات مختلفة
مصر3 مليارات دولارموزعة على قطاعات مختلفة
الجزائر180 مليار دولارتكرير البيترول
قطر7,8 مليار دولارموزعة على قطاعات مختلفة
المغرب1,86 مليار دولارموزعة على قطاعات مختلفة

المصدر: من إعداد الباحث من مصادر مختلفة

تمثل بيانات هذا الجدول حجم الإستثمارات الصينية في بعض الدول العربية، التي تعتبر نموذج لإنطلاقة الصين نحو مبادرتها التي تشمل كل الدول العربية، وقد وقع الإختيار على هذه الدول العربية لما تمتلكه من إمكانيات هائلة فيما يخص الثروات الطبيعية والموقع الإستراتيجي والسلاسة في التعامل مع الشركات الصينية المستثمرة فيها، بالإضافة إلى قناعتها بالتجربة الصينية خاصة فيما يخص المشاريع وبناء البنية التحتية التي تحتاجها هذه الدول.

  • الأبعاد الإستراتيجية المختلفة للشراكة الصينية العربية : المعوقات والحلول

يرى العديد من الباحثين بأن الصين لم تصرح علنا بإمتلاكها إستراتيجية معينة تجاه الدول العربية، وذلك لتجنب الخلافات في المنطقة وتداعياتها([12])، لكنها لطالما بنت سياستها الخارجية في علاقاتها مع الدول على أساس البعد الاقتصادي وهو ما يحتم عليها تطبيق مبدأ عدم التدخل في الشؤون السياسية الداخلية للدول والدعوة للسلام والحوار المثمر، والتركيز على مفهوم “الأمن الطاقوي” لتأمين مصالحها المشتركة مع جميع الدول. فالصين التي تمكنت من فرض منطقها الذي يحمل مفارقة عجيبة والمتمثل في “الإنغلاق السياسي” و”الإنفتاح الاقتصادي”، عرفت كيف تُصيغ إستراتيجيتها دون الوقوع في المتاهات السياسية على عكس القوى الاقتصادية الأخرى، ومن هذا المنطلق سعت لإضفاء الودية على علاقاتها وشراكاتها مع الدول العربية على إختلاف توجهاتها وإيديولوجياتها ورغم ضغوط القوى الكبرى عليها وسعت لتعميق التعاون الإستراتيجي بينها وبين الدول العربية على عدة أسس وأهمها التعاون الشامل والتنمية المشتركة وهي نتيجة طبيعية لتطور علاقاتها مع الدول العربية لتصل إلى الشراكة الإستراتيجية؛ فمن خلال وثيقة السياسة الصينية تجاه الدول العربية تظهر جليا الأبعاد المختلفة للإستراتيجية الصينية وهي([13]):

  • الدفع بالعملية الصناعية وزيادة التوظيف وزيادة معيشة الشعب وتدعيم السلام والإستقرار في المنطقة.
  • الإلتزام بالصداقة التقليدية الصينية – العربية وتطويرها.
  • إلتزام الصين بتطوير علاقاتها مع الدول العربية وفق المبادئ الخمسة المتمثلة في الإحترام المتبادل للسيادة ووحدة الأراضي، عدم الإعتداء وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، المساواة والمنفعة المتبادلة والتعايش السلمي.
  • تأييد الجهود الحثيثة التي تبدلها الدول العربية خاصة ما تعلق بمكافحة التطرف والإرهاب.
  • التعاون العملي مع الدول العربية وفقا لمبدأ المنفعة المتبادلة والكسب المشترك.
  • الحرص على مشاركة الدول العربية كل المساعي لتكريس التنوع الحضاري في العالم، وتعزيز التواصل والإستفادة المتبادلة بين مختلف الحضارات.
  • الحرص على تعزيز التشاور والتنسيق مع الجانب العربي للعمل سويا على صيانة المقاصد والمبادى التي جاء بها ميثاق الأمم المتحدة مع تطبيق أجنداتها خاصة ما تعلق بالتنمية المستدامة 2030.

رغم التواجد الصيني المعتبر في العالم العربي المتمثل في مجموعة الشراكات والتعاون و فرص الإستثمار الممنوعة للعملاق الصيني التي وصلت مستوى الشراكة الإستراتيجية، إلا أن جملة من المعوقات تحذوها وتعيق عملها بالشكل المطلوب، وعليه لابد من إيجاد حلول مستعجلة تتجاوز بها الدول العربية كل العراقيل التي تحول دون الإستفادة من القوة والتجربة الصينية.

  • المعوقات :

ككل الشراكات التي تقع خارج إطار الشركات الكبرى المحتكرة للاستثمار في الدول العربية والعالم الثالث، والتابعة للقوى الكبرى المعروفة، تتعرض اتفاقيات التعاون العربي الصيني لمعوقات كثيرة، جلها لا يعتمد على معيار الكفاءة بقدر اعتماده على الدواعي السياسية والتبعية. فكما هو معروف، ما زالت الدول العربية تخضع لوصاية اقتصادية لم تتحرر منها بعد من قبل الدول الاستعمارية، التي ترى فيها حقلا مهما للثروات الخام وأسواقا استهلاكية مهمة تنعش اقتصادات هذه الدول. ولعل أهم هذه المعوقات ما تعلق ببيئة التعاون نفسها ومدخلاتها المختلفة، وكذلك المعوقات الناتجة عن سياسات الدول العربية، وأخرى مرتبطة بالتدخلات الأجنبية وعرقلة بعض الاتفاقيات وتكريس تبعية الدول العربية لها. وتتلخص هذه المعوقات فيما هو اقتصادي وسياسي وأمني.

– المعوقات الاقتصادية

واجهت الصين عدة عوائق إقتصادية في مبادرة الحزام والطريق والتي تمر عبر عدة دول العربية، ولعل أبرز هذه العوائق تمثل فيما يلي :

-طبيعة النظم الاقتصادية العربية التي لا تتيح فرص الإستثمار للأفضل، والمبنية على تبعات سياسية وإحتكارات من القوى الكبرى، وأبرز مثال على ذلك سيطرت الشركات المتعددة الجنسية خاصة الفرنسية والأمريكية على إنتاج النفط في الجزائر مثل شركة “توتال” الفرنسية التي تسعى للإستحواذ على 30% من النفط الجزائري، بمحاولتها الإستحواذ على أصول شركة “أنداركو” الأمريكية في 2019.

 كما أن العديد من الشركات الفرنسية مسيطرة بالكامل على الإستثمارات في مجال المحروقات في إفريقيا خاصة غرب القارة وإرتباطها بالأنظمة الدكتاتورية التي تتيح لها ذلك، مما يعيق تواجد الشركات الصينية في المنطقة ويدخل ذلك في إطار الصراع الثلاثي الفرنسي – الأمريكي- الصيني للتواجد في إفريقيا والعالم العربي.

– غياب بيئة الإستثمار المثلى، حيث تُعطى للصين المشاريع الصعبة وقليلة الفائدة الربحية وفي المناطق النائية، تبعا لمناقصات مشبوهة.

-غياب اليد العاملة، ما يضطر بالصين إلى جلب العمالة والتكفل بها، وهذا راجع للطبيعة الإجتماعية للدول الريعية حيث يعتمد مواطنوا هذه الدول على الإنفاق الحكومي .

– التعقيدات الإدارية والمساومة والمحسوبية الناتجة عن الفساد الإداري في الدول العربية، ويرتبط ذلك بطبيعة الأنظمة الفاسدة وتبعيتها للدول الإستعمارية.

– الشراكة الغير متوازنة، حيث تجاول الصين كسب الأربحاح بتوازن دون الخسارة وفي الجهة المقابلة تسعى الدول العربية إلى الكسب الوفير مقابل الدفع القليل.

– إرتباط الإقتصاديات العربية بنظيراتها الغربية، مما يؤسس لمجال التبعية ويعيق تحرير اقتصاديات هذه الدول.

– صعوبة ضخ المستحقات الناجمة عن الإستثمارات الصينية في البلاد العربية نتيجة إرتباط الأمور المالية في الدول العربية بالبنوك الأجنبية.

– المعوقات السياسية :

-طبيعة النظم السياسية العربية المرتبطة معظمها بالدول الغربية إيديولوجيا، ما يعيق الشركات الاقتصادية مع الصين بسبب كثرت التدخلات لإفشالها، ومثالا على ذلك الصراع الصيني الأمريكي على التواجد في الشرق الأوسط حيث تحاول الولايات المتحدة الأمريكية إسقاط الأنظمة الدكتاتورية في نظرها المعتمدة على الأنظمة الشيوعية لإيجاد موطأ قدم لها في هذه الدول بينما تسعى الصين إلى تعزيز هذه الأنظمة لما يخدم مصالحها وسياساتها[14] وخير مثال على ذلك ما يحدث في كل من “سوريا” و” ليبيا”.

-كثرة الأزمات السياسية في الدول العربية وتذبذب حالة الاقتصاد فيها، ما يدعو الصين إلى القلق على مستقبل تواجدها، خاصة بعد موجات التغيير في العالم العربي ومآلاته بداية من “تونس” وصولا إلى “اليمن”.

-كثرة الإملاءات السياسية وربطها بالاقتصاد، والذي كونته طبقة سياسية فاسدة تتحكم في الاقتصاد وفي منح إمتيازات الإستثمار، هذا الأمر يقزم حجم الإستثمارات الممنوحة للصين.

-كثرت الصفقات السياسية المشبوهة والإختلاسات والتي تؤدي إلى إنهيار اقتصاديات هذه الدول.

-تشرذم وإنقسام العالم العربي بين مشرق إنجلوسكسوني ومغرب فرونكوفوني وخضوعه لسلطة الدول المستعمرة سابقا خاصة البريطاني الأمريكي و الفرنسي، خاصة ما يخص توجيه الاقتصاد.

-عدم وجود تكتل موحد، ما يحتم على الصين التفاوض مع كل دولة على حدى ناهيك عن صعوبات ذلك.

-المعوقات الأمنية :

-كثرة الحروب والأزمات السياسية في المنطقة يعيق توفير بيئة أمنة للإستثمارات الصينية.

-توجس الصين من ظاهرة الإرهاب وإرتباطاته الفكرية والسياسية، والخوف من الإعتداء على الشركات الصينية وجعلها هدفا لها.

-عدم وجود ضمانات واضحة وكافية للشركات الصينية في المجال الأمني خاصة في الدول التي تشهد توترات وأزمات أمنية.

-تأزم العلاقات الدبلوماسية بين الدول العربية مع بعضها البعض ومع بعض دول المنطقة، مما يصنف المنطقة بمثابة برميل بارود قابل للإنفجار في أي لحظة.

-الصراع العربي الإسرائيلي الدائم وعدم الوصول إلى حل، يجعل من المنطقة بقعة توترات دائمة.

  • الحلول:

– بالرغم من وجود العديد من المعوقات والصعوبات التي تواجه الصين في تطيبق مبادرتها الحزام والطريق ، إلا أنه يمكن طرح  مجموعة من الحلول يمكنها أن تسهم في تجاوز هذه المعوقات،  حتى يتسنى تهيئة أرضية ملائمة لجذب إستثمارات صينية أكثر في إطار مبادرات الشراكة التي أطلقتها.

-الحلول الاقتصادية :

-الإنفتاح الاقتصادي وتحرير التجارة، ورفع التعقيدات الادارية والضريبية على حركة السلع والشركات.

-فتح سوق حرة مشتركة في المنطقة العربية، يكون فيها للصين دور كبير.

-منح إستثمارات خارج نظام الحصة للشركات الصينية في إطار مبادرة الحزام والطريق.

-إنشاء البنك العربي الصيني كخطوة مهمة في مجال التعاون المالي والتجاري.

-تحرير الاقتصاد العربي من التبعية للغرب عبر آليات الاندماج والتحرير وتبني اقتصاد السوق.

– الحلول السياسية:

-تكتل الدول العربية في مشروع سياسي يكون نواة إندماج اقتصادي مستقبلي يضمن للصين التعامل مع سياسة اقتصادية وادارية وسياسية واحدة دون المرور على التفاوض مع كل دولة على حدى.

-العمل على إستقرار الدول العربية سياسيا، عبر تبني النهج الديمقراطي الذي يضمن إنفتاحا على الحريات العامة ما يضمن توفير جزء مهم من بيئة الإستثمار في هذه الدول.

-تبني مقومات الحكم الراشد لبناء جسور في العلاقات مع الدول وكذلك كسب ثقة المواطن العربي.

-التحرر كليا من الإملاءات الأجنبية وتبني عقيدة سياسية واقتصادية متحررة من كل الضغوط الدولية.

– الحلول الأمنية :

-العمل على تسوية القضايا والأزمات التي أفرزتها الثورات الشعبية في بعض الدول العربية، وإعطاء الصين فرصة لما تملكه من ثقل في مجلس الأمن الدولي.

-الإسراع في الوصول إلى تسوية للقضية الفلسطينية، بإعتبارها القضية المحورية وسبب التشنجات والأزمات في الوطن العربي.

-توفير ضمانات للشركات الأجنبية بما فيها الصينية، بتسهيل دخول الشركات الأمنية الصينية المرافقة لشركاتها.

-العمل على القضاء على ظاهرة الإرهاب والعنف والتطرف بإقامة مؤتمرات ومنتديات لمحاربة هذه الظاهرة وإرساء قواعد السلم والأمن في الدول العربية.

  تسعى الصين إلى حماية مصالحها الهيكلية بالأساس من خلال حاجتها لمصادر الطاقة، وبالمقابل تحافظ على أهدافها الإستراتيجية في ظل المنافسة الأمريكية والفرنسية في المنطقة، مستغلة حالة النفور الرسمي والشعبي بسبب تغير سياسات هذه القوى في المنطقة في كل مرة خاصة في القضايا الحساسة التي تمس المنطقة([15])، وعلى هذا الأساس تعمل الصين بجد على توطيد علاقاتها مع الدول العربية بمبدأ بناء علاقات اقتصادية رابحة دون التدخل في الشأن السياسي لهذه الدول، ولحد الآن يلاقى هذا الطرح في الدول العربية بالترحيب خاصة وأن التجربة الصينية في مجال التنمية جد ناجح، هذا ماجعل مبادرة الحزام والطريق تطغى على حيز أكبر من إهتمامات الدول العربية مما أدى إلى تسابق معلن لجذب الإستثمارات الصينية في إطار هذه المبادرة، ولعل هذا ما سعت الصين إليه من خلال استراتيجيتها تجاه دول العالم الثالث عموما والدول العربية خصوصا.

الخاتمة :

عملت الصين على تأسيس اقتصاد منافس للقوى الاقتصادية الكبرى، ولعل ما يميز اقتصادها هو توظيف العامل الحضاري في رسم سياسة اقتصادية طويلة المدى أثمرت واحدا من أقوى اقتصاديات العالم، وعلى إثر ذلك سعت لإكتساع العالم بداية بدول العالم الثالث في شكل دول جنوب شرق أسيا والدول الإفريقية والدول العربية، ومن أجل توسيع أسواقها و الإستفادة من ثروات هذه الدول وإفادتهم أطلقت مبادرة الحزام والطريق التي شكلت منعرجا في تاريخ الإستثمار وحركة التجارة والسلع في العالم، ولم تخرج الدول العربية من محيط هذه المبادرة بل أضحت محورها لعدة أسباب منها الثروة والموقع الجغرافي الإستراتيجي، وقد اعتمدت الصين سياسة واسترتيجية خاصة للتعامل مع الدول العربية نظرا لخصوصية المنطقة.

وقد خلصت الدراسة لعدة إستنتاجات مهمة أبرزها :

  • ساهمت العلاقات الصينية العربية المتجذرة في التاريخ إلى بناء جسور من الثقة سهلت تموقع الصين كشريك اقتصادي في المنطقة.
  • ترحيب الدول العربية بالسياسة الاقتصادية الصينية بحيث تسعى إلى الربح المتبادل دون إستخدام الاقتصاد كوسيلة ضغط على القرارات السياسية للدول العربية.
  • رغم التشرذم العربي في المجالين السياسي والاقتصادي إلا أن الصين إستطاعة جمع هذه الدول في طاولة واحدة على شكل منتديات اقتصادية لشرح الرؤية الصينية تجاه هذه الدول.
  • تشكل مبادرة الحزام والطريق فرصة للدول العربية لإعادة بناء البنية التحتية خاصة للدول التي عانت من أزمات سياسية وأمنية أعاقة عجلة التنمية فيها.
  • تتأثر الصين بالعوائق المختلفة في الدول العربية على رأسها مسألة التبعية للدول الغربية، لكن تسعى إلى تجاوزها والمضي قدما في استراتيجيتها تجاه المنطقة.

   في الأخير توصلنا إلى إقتراح بعض التوصيات تشكل رؤيا براغماتية لحل جملة العوائق التي تواجه الصين في تنفيذ استراتيجيتها تجاه المنطقة العربية وهي :

  • إقامة أقطاب إمتياز اقتصادية صينية عربية تدعم تنمية اقتصاديات الدول العربية وتوفر مناصب شغل دائما للقضاء على مشاكل البطالة وما يترتب عنها من إتجاهات للعنف عند الشباب العربي العاطل عن العمل، وذلك بإقامة شركات مختلطة صينية عربية.
  • إستغلال الثروات العربية بالشكل الرشيد ودفعها لإقامة بنية تحتية تحمي الاقتصاديات العربية من أي أزمات عبر فتح وزيادت حجم الإستثمار الصيني في الدول العربية.
  • تكثيف التعاون العربي الصيني في مجالات البحث العلمي والشراكة الإستراتيجية لوضع خطط تنموية تناسب بيئة عمل الشركات الصينية وطبيعة المنطقة العربية ذات الخصوصية المميزة بإقامة مخابر بحث مختلطة صينية عربية تراعي الخصوصية الاجتماعية والثقافية والسياسية العربية.
  • الخفض التدريجي لإرتباط اقتصادات الدول العربية مع الدول الغربية المستغلة للحالة المتأزمة لبعض الدول العربية بتعزيز التواجد الصيني الذي يراعي الفائدة المتبادلة بما يخدم المصلحة العليا للدول العربية.
  • الإستقادة من التكنولوجية الصينية المتطورة بإنشاء مراكز ومعاهد بحث مشتركة تنتج كفاءات عربية في ظل إستحواذ الغرب على التكنولوجية ورفض تصديرها للدول العربية حتى تبقى تقبع تحت طائلة التخلف رغم إستفادتها الكبيرة من الأدمغة العربية.
  • ضرورة قبول التواجد الصيني المكثف في الدول العربية لخدمة الاقتصاد عبر الحوار الحضاري والتبادل الثقافي، ويكون ذلك من خلال تفعيل دور الجامعات من خلال إبرام عقود تعاون بين الجامعات العربية والصينية فيما يخص تكوين الطلبة والعمال.
  • إدراج الصين كطرف فاعل في حل القضايا الدولية المتعلقة بالمنطقة العربية، خاصة ما تعلق بمسائل حل النزاعات الإقليمية التي تثيرها القوى الكبرى، من خلال قبولها كطرف ووسيط لحل النزاعات المستعصية لما تملكه من حنكة دبلوماسية و ثقل دولي خاصة في الدول المنتهجة للنهج الشيوعي كالقضية السورية والليبية.

   في الأخير تبقى العلاقات العربية الصينية تستمد إستمراريتها من إرثها الحضاري والثقافي المتبادل والمتجذر في اعماق التاريخ، ما يدعو إلى الأمل في بناء علاقات اقتصاية وسياسية دائمة لا تتأثر بالمحيط الدولي ولا بالمعوقات التي من شأنها الإضرار بهذه العلاقات، والإستراتيجية الصينية تجاه الدول العربية هي دليل على الإهتمام الصيني بالمنطقة مع ضمانات كافية لأولوية التنمية الاقتصادية على حساب التدخل السياسي وإثارة النعارات في المنطقة.


([1]) -عاهد مسلم المشاقبة، “البعد السياسي للعلاقات العربية – الصينية وآفاقها المستقبلية”، مجلة دراسات العلوم الإنسانية والاجتماعية، المجلد 41، الملحق01،  2014، ص377.

([2])- أبو بكر فتحي الدسوقي، “الصين والقضية الفلسطينية : الدور والفرص والقيود”، مجلة السياسة الدولية، المجلد34، العدد134، القاهرة، 2000، ص 190-195.

([3])- عمار جفال، “العلاقات الصينية: توظيف القوة الناعمة لإعداد شركات دائمة”، ضمن كتاب: العلاقات العربية الدولية: الواقع والآفاق، إعداد : عبدالفتاح الرشدان، ط1، عمان، مركز دراسات الشرق الأوسط، 2017،  ص 281.

([4])- قونغ هاي ينغ، “الصين تطور علاقاتها مع الأمم المتحدة خلال سبعة عقود”، مجلة الصين المصورة، أنظر في الرابط: https://cutt.us/vtFK5     تاريخ الدخول: ( 24/02/2026).

([5])- عدنان خلف حميد البدراني، السياسات الخارجية للقوى الآسيوية الكبرى تجاه المنطقة العربية: دراسة مقارنة لكل من اليابان والصين والهند، ط1، عمان، الأكاديميون للنشر والتوزيع ، 2016، ص73 .

([6])-  Stephen Aris, One Belt, One Road: China’s Vision of “Connectivity”, CSS Analyses in Security Policy, Editor: Christian Nünlist, N0. 195, September 2016,  p1.

([7])-  Gao Zugui,  Development of China’s Relations with the Middle East in the Context of Profound Changes , Heping yu fazhan, No 4, 2014,   p45 .

([8] )ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ، سياسة الصين الخارجية، نشرت مسارات، مجلة الملك فيصل، عدد: (فبراير2014)، ص12.

([9]( -عبدالعزيز بن عثمان بن صقر، “دول الخليج العربي والتوجه شرقا نحو الصين“،  مجلة آراء، مركز الخليج للأبحاث، جدة، العدد80، مايو 2011، ص 05.

([10])- على حسين بكير، العلاقات الخليجية الصينية الإستراتيجية تحت المجهر، مجلة آراء، العدد80، مركز الخليج للأبحاث، جدة، مايو 2011 ، ص18.

([11])- فايز سارة، الصين تعزز توجهها نحو المنطقة العربية،مجلة الشرق الأوسط، العدد 14482، الكويت، يوليو2018.

([12])- أندرو سكوبير وعلي رضا نادر، الصين في الشرق الأوسط: التنين الحذر، كاليفورنيا، مؤسسة RAND سانتا مونيكا للنشر، 2016، ص5.

([13])- وثيقة سياسة الصين تجاه الدول العربية، ص 6 – 7، أنظر في الرابط:    https://cutt.us/UnZeW   تاريخ التصفح 🙁 02/03/2026 ).

([14])- أندرو سكوبير ، علي رضا نادر، الصين في الشرق الأوسط : التنين الحذر، مرجع مذكور، ص75.

[15] Brett McGurk, China’s Risky Middle East bet,theatlantic ,  APR 29, 2019, Site Link: https://www.theatlantic.com/ideas/archive/2019/04/chinas-risky-middle-east-bet/588166/

Admin

مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية: مؤسسة فكر وتخطيط استراتيجي تقوم على إعداد التقديرات وتقديم الاستشارات وإدارة المشروعات البحثية حول المتوسط وتفاعلاته الإقليمية والدولية. لا يتبنى المركز أية توجهات مؤسسية حول كل القضايا محل الاهتمام، والآراء المنشورة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى