أوراق و دراساتاقتصاديةسياسية

من طريق البخور إلى الحزام والطريق: مسارات وتحولات العلاقات اليمنية الصينية

فوزي الغويدي

باحث يمني، زميل زائر في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية (قطر)

ملخص البحث

تتناول هذه الدراسة العلاقات اليمنية الصينية بوصفها بنيةً تاريخيةً عميقة تمتد عبر ثلاثة آلاف سنة، لا مجرد شراكة دبلوماسية وليدة القرن الماضي. مستعينةً بمفهوم “الزمن الطويل” (Longue Durée)  الذي صاغه المؤرخ الفرنسي فرنان برودل.

تُحلّل الدراسةُ هذه العلاقةَ عبر مستويات متعاقبة: من الشبكات التجارية ما قبل الإسلام  التي أسّست اليمن مركزًا عالميًّا لتجارة اللبان والبخور، مرورًا بالشبكة التجارية الإسلامية الكبرى التي وصّلت التجار اليمنيين بموانئ تشوانتشو وقوانغتشو، ثم برحلات تشنغ خه الشهيرة التي مثّلت لقاءً مباشرًا بين قوّتين بحريتين ودولتين متحضرتين، وانتهاءً بالعلاقات الدبلوماسية الحديثة التي بدأت باعترافٍ مزدوج عام 1956م وأفضت إلى شراكة اقتصادية وإنمائية وثقافية واسعة الأبعاد.

تستند الدراسة إضافةً إلى المصادر الأكاديمية العربية والصينية والأجنبية إلى ملاحظات ميدانية مباشرة ومقابلات أجراها الباحث عند زيارته للصين في نوفمبر 2025م. كما تُسائل الدراسةُ ثنائيةَ التبادل الراهن غير المتكافئ، وتقترح أُطرًا للتعاون المستقبلي في ضوء الموقع الاستراتيجي لليمن على مضيق باب المندب.

الكلمات المفتاحية: العلاقات اليمنية الصينية، الزمن الطويل، تشنغ خه، الدولة الرسولية، طريق الحرير البحري، مبادرة الحزام والطريق، باب المندب، التجارة الإسلامية، الشراكة الاستراتيجية.

مقدمة

القراءة السائدة في الأدبيات الدبلوماسية اليمنية أو في غالب الكتابات العربية تؤرّخ للعلاقة اليمنية – الصينية بدءًا من 24 سبتمبر 1956م، وهو تاريخ الاعتراف المتبادل بين اليمن المتوكلي والصين الشعبية. وهذه القراءة، وإن كانت صحيحة من الناحية القانونية والدبلوماسية الصرفة، تحمل عيبًا منهجيًّا جوهريًّا: إذ إنها تُختزل علاقة معقدة ومتعددة الطبقات في حدثٍ سياسي واحد، وتُغفل أن هذا الحدث نفسه لم يكن قابلًا للتفسير إلا بالعودة إلى مخزون تاريخي جغرافي سابق عليه بقرون.

ومن هنا تنطلق الدراسة من إشكالية مركزية مفادها: إلى أي مدى يمكن تفسير العلاقات اليمنية الصينية بوصفها امتدادًا لبنية جغرافية تجارية متكررة عبر التاريخ، بدلًا من قراءتها كنتاج عرضي لحسابات دبلوماسية حديثة محكومة باللحظة السياسية؟

فالسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هو  لماذا كان اليمن بالذات من بين كل دول الجزيرة العربية أول من اعترف بالصين الشعبية؟ ولماذا استمرت الصين، رغم محدودية مصالحها الاقتصادية المباشرة في اليمن حتى أواخر القرن العشرين، في الحفاظ على هذا الخط الدبلوماسي عبر عقود من التقلبات السياسية (الإمامة، الجمهورية، الانقسام الشطري، الوحدة، الحرب الراهنة)؟ الإجابة، كما تفترض هذه الدراسة، لا تكمن في عام 1956م، بل تكمن في منطقٍ جغرافي تجاري متجذر يسبق الحدث الدبلوماسي، وهو ما يستدعي أداة تحليلية مغايرة للأداة الدبلوماسية التقليدية.

وتتبنى الدراسة مفهوم “الزمن الطويل” (Longue Durée) الذي صاغه المؤرخ الفرنسي “فرنان برودل” في عمله المرجعي عن البحر المتوسط، بوصفه الأداة التحليلية المركزية، ويقوم هذا المفهوم على تمييز “برودل” بين ثلاثة مستويات زمنية متداخلة في الكتابة التاريخية: زمنٌ جغرافي بطيء التحول تشكّله البنى المكانية شبه الثابتة (الجبال، المضائق، طرق التجارة الطبيعية)، وزمنٌ اجتماعي اقتصادي متوسط الحركة تحكمه الدورات والبنى الإنتاجية، وزمنٌ قصير سريع التقلب هو زمن الأحداث السياسية والقرارات الفردية وهو الزمن الذي عادةً ما يستحوذ على اهتمام المؤرخين السياسيين والدبلوماسيين على حساب المستويين الأعمق([1]).

والافتراض النظري الذي تبنيه هذه الدراسة هو أن خطأ القراءات السابقة للعلاقة اليمنية الصينية يكمن في حصرها في الزمن القصير (1956م فصاعدًا)، متجاهلةً أن هذا الزمن القصير لا يفسَّر إلا في ضوء الزمن الجغرافي الطويل، فموقع اليمن على مضيق باب المندب، عند ملتقى البحر الأحمر بالمحيط الهندي، يجعله جزءًا بنيويًّا من أي منظومة بحرية تربط الشرق بالغرب وهي البنية التي حكمت العلاقة بين الحضارتين منذ عصر تجارة اللبان قبل الإسلام، وعبر شبكة التجارة الإسلامية القروسطية، وفي رحلات تشنغ خه إلى عدن، وصولًا إلى لحظة 1956م، وما تلاها من محطات ثم مبادرة الحزام والطريق المعاصرة، فالزمن القصير الدبلوماسي ليس بداية، بل هو إحدى التجليات المتكررة لزمنٍ جغرافي أعمق لا يتغير.

كما ترتكر الدراسة في إطارها النظري إلى نظرية النظام العالمي (World-Systems Theory) التي طوّرها إيمانويل والرشتاين، والتي تُقسّم الاقتصاد العالمي تاريخيًّا إلى مراكز إنتاجية كبرى  (Core)، وهوامش تابعة (Periphery)، وفئة وسيطة بين الاثنين هي “الهامش الوسيط” (Semi-Periphery) ([2]).

وتفترض الدراسة أن اليمن يُمثّل تاريخيًّا حالةً نموذجية لهذا الموقع الوسيط، فهو لم يكن قط مركزًا إنتاجيًّا ضخمًا بالمعنى الصناعي أو الزراعي الكثيف، ولم يكن في الوقت ذاته هامشًا مُهمَلًا بلا قيمة استراتيجية، بل كان عقدة عبور (Transit Node) لا يمكن لأي نظام تجاري عالمي قديم أو حديث أن يتجاوزها بسهولة.

وهذا التموضع النظري هو ما يفسّر السؤال المحوري الثاني للدراسة: لماذا تبقى القيمة الجيوستراتيجية لليمن أعلى دومًا من حجمه الاقتصادي أو الديموغرافي الفعلي؟

فالجواب، وفق هذا الإطار، هو أن قيمة اليمن لا تُقاس بمنطق الإنتاج (كم يُصنّع أو يُصدّر)، بل بمنطق الموقع (من يعبر عبره، ومن يحتاج إلى تأمين ذلك العبور). وهذا بالضبط ما يجعل التعامل الصيني مع اليمن، في كل حقبة تاريخية، أقرب إلى التعامل مع “بوابة” منه إلى التعامل مع “دولة” بالمعنى الكلاسيكي للمصالح المتبادلة([3]).

الحدود النظرية والضوابط المنهجية

إن هذه الدراسة لا تطرح مفهوم الزمن الطويل بوصفه حتمية جغرافية تُغيّب الفاعلين السياسيين أو تُسطّح التمايزات التاريخية الدقيقة بين المراحل، لأن برودل نفسه لم يُسقط الزمن القصير من حساباته، بل وضعه في علاقة تفاعلية مع الزمن الطويل. وعلى هذا الأساس، تتعامل هذه الدراسة مع لحظات مثل 1956م (الاعتراف الدبلوماسي)، أو 1967–1969م (تمايز التعامل الصيني مع اليمن الشمالي والجنوبي)، أو 2015م (الحرب الراهنة)، بوصفها لحظات سياسية فاعلة ومتمايزة في ذاتها، يحكمها سياقها الخاص ومنطقها الداخلي، لكنها تظل في الوقت ذاته مفهومة بشكل أعمق حين تُقرأ على خلفية البنية الجغرافية التجارية الثابتة نسبيًّا التي تحتضنها.

كما تستدعي الدراسة، عند الحاجة، أدوات تحليل السياسة الخارجية المقارنة لتمييز التحولات بين حقبة الأيديولوجيا الثورية الصينية (عهد ماو) وحقبة البراغماتية الاقتصادية (ما بعد ماو) وهو تمييز ضروري لفهم أن “الثابت” في العلاقة هو الجغرافيا والموقع، أما “المتغير” فهو الأداة والخطاب الذي توظف به الصين هذا الثابت في كل حقبة، حيث تُميّز الدراسة بين مرحلتين متباينتين في السياسة الصينية تجاه اليمن: مرحلة “التدخل من أعلى ومن أسفل” (from above and below) في حقبة ماو، حين ربطت الصين نفسها بالأنظمة الرسمية والحركات الثورية معًا، ومرحلة “البراغماتية الاستراتيجية” في حقبة ما بعد ماو، حين أصبح الاقتصاد والجغرافيا محرّكَي التعامل الصيني مع العالم العربي ([4]).

وقد أتاحت زيارة الباحث للصين، وما تضمنته من لقاءات بمسؤولين وجولات في المتاحف والفضاءات السياسية الرسمية ببكين، مادةً وصفية تحليلية تكميلية لهذا الإطار النظري، لا بديل عنها، فحين وقف الباحث أمام لوحات متحف تاريخ الحزب الشيوعي الصيني التي تعرض مسيرة الصين منذ 1921م حتى الراهن، تأكد له بالملاحظة المباشرة أن الصين لا تقدّم تاريخها بمنطق الأرشفة المحايدة، بل بمنطق بناء الشرعية السياسية عبر سردية تراكمية موجَّهة نحو المستقبل وهي ملاحظة ميدانية تُسند الفرضية النظرية للدراسة بأن الصين تتعامل مع تاريخها (ومع تاريخ علاقاتها الخارجية، بما فيها اليمن) بوصفه أداة وظيفية في خدمة مشروع سياسي حاضر ومستقبلي، لا مجرد سجل توثيقي للماضي. وستعود الدراسة إلى تفصيل هذه الملاحظة الميدانية في موضعها اللاحق([5]).

وانطلاقًا من هذا الإطار الثلاثي (الزمن الطويل، والهامش الوسيط، والمراجعة الميدانية) تتوزع هذه الدراسة على محاورها الأساسية، متتبعةً العلاقة اليمنية الصينية من جذورها الأولى قبل الإسلام، عبر الشبكة التجارية الإسلامية، ورحلات تشنغ خه، ثم التمايز بين التعامل الصيني مع شطري اليمن في القرن العشرين، وصولًا إلى الحاضر الجيوسياسي الراهن في ظل الحرب ومبادرة الحزام والطريق.

المطلب الأول: اليمن في الزمن الأبعد: مركز الشبكة التجارية القديمة

كان اليمن يحتل موقعًا قبل الميلاد بألفين وخمسمئة سنة، لا تمنحه إياه الجغرافيا وحدها، بل تمنحه إياه ثروةٌ فريدة “اللبان والمُر والبخور”، لم تكن هذه مجرد سلع تجارية، بل كانت مواد حضارة بامتياز، ضرورية للطقوس الدينية من معابد المصريين إلى محاريب الإغريق ومذابح الرومان، وقد كانت بضاعة اليمن تُباع في موانئ الإمبراطورية الرومانية بأسعار تعادل أوزانها من الذهب.

من أودية حضرموت ووديان شبوة ومرتفعات ظفار حيث كانت تنتج أجود أنواع اللبان في العالم انطلقت قوافل “طريق البخور” البري الذي مضى شمالًا عبر العربية السعيدة إلى الشام ومصر والعراق، ومراكب “طريق الحرير البحري” التي انطلقت شرقًا عبر المحيط الهندي نحو الهند وجنوب آسيا وصولًا إلى جنوب الصين. وكان اليمن يجلس على ملتقى هذين الطريقين: البري الصاعد إلى الشمال، والبحري المنطلق نحو الشرق.

وتشير المصادر الصينية القديمة إلى معرفة غير مباشرة بـ”الجنوب الغربي الثري” منذ عهد أسرة هان (206 ق.م–220م). وكانت البضائع اليمنية تصل إلى الصين عبر وسطاء هنود وفارسيين، ضمن ما أسماه المؤرخ أرنولد توينبي “اقتصاد المسافات الطويلة”. وقد أسّس هذا التواصل غير المباشر صورةً ذهنيةً صينيةً عن “الغرب الثري” مرتبطة باليمن وبلاد العرب السعيد([6]).

وتستوقفنا في هذا السياق رواية تاريخية يمتزج فيها الواقع بالأسطورة، رحلة الملك الصيني “مو وانج” ملك مملكة شو (1001–946 ق.م) إلى “العربية السعيدة”، ويذكر المصدر الصيني أنه وصل إلى بلاط ملكة سبأ التي يطلق عليها المدوّنون الصينيون اسم “سي وانج مو” أي الملكة الأم ملكة الغرب ووصف مؤرخوه غنى اليمن بالذهب والأحجار الكريمة وأصناف الحيوانات النادرة. وعند عودته إلى الصين حمل معه قطعةً من العقيق اليمني. وإن كانت تفاصيل هذه الرواية تمتزج بالأسطورة كما يُنبّه المؤرخون فإنها تُجلّي حقيقةً مهمة وهي أن الخيال الشعبي الصيني القديم كوّن صورةً إيجابيةً عن “جنوب عربي غني ومزدهر” تقوده ملكة، وهذا بحد ذاته وثيقةٌ ثقافيةٌ نادرة في تاريخ العلاقات الحضارية([7]).

ومن باب التدقيق المنهجي فإن هذه الرواية ذات طابع أسطوري أدبي, ولا يمكن الاتكاء عليها كوثيقةً تاريخية قاطعة تُثبت اتصالًا فعليًّا بين اليمن والصين في تلك الحقبة السحيقة. غاية ما تُثبته هي أن الخيال الجغرافي الصيني القديم احتفظ بصورة “أرض ملكة الغرب الثرية والعجيبة”، صورة تتقاطع وصفيًّا مع ما كانت تمثّله الجزيرة العربية في الوعي الجغرافي القديم. والفارق الجوهري بين قراءة هذه الرواية بوصفها “دليلًا تاريخيًّا” وبين قراءتها باعتبارها “شاهدًا ثقافيًّا” هو ما يُحدد قيمتها الأكاديمية في هذا البحث، فهي تكشف عن الأفق الجغرافي للوعي الصيني القديم، لا عن رحلة موثّقة بالمعنى الأرشيفي الحديث.

أما التحقق التاريخي الموثّق لوصول البضائع اليمنية إلى الصين فيعود إلى مرحلة لاحقة: إذ يذكر كتاب تشاو جو خوا الصيني (Chu-fan-chi، أواخر القرن الثاني عشر) حضرموتَ والشحرَ وظفار ضمن أهم موانئ الجزيرة العربية المُصدِّرة للبخور، مُوثِّقًا العلاقة التجارية بلغة المصدر الأوّلي لا الأسطورة.

المطلب الثاني: الإسلام يُعيد تشكيل الشبكة: اليمنيون في موانئ الصين

حين انتشر الإسلام في القرن السابع الميلادي، لم يكن مجرد رسالة دينية، بل كان، وهذا ما كثيرًا ما يُغفله المؤرخون التقليديون، نظامًا تجاريًّا ومدنيًّا شاملًا، حيث أعاد الإسلام تشكيل شبكات المحيط الهندي التجارية وفق معايير جديدة وهي الثقة المشتركة القائمة على الدين، والشريعة التجارية الموحّدة (عقود الشراكة والمضاربة والسلم)، ومفهوم الضيافة وأمان التاجر المسلم في الأراضي غير المسلمة.

دخل اليمنيون في قلب هذا النظام الجديد، وكانوا تجارًا متمرسين بفضل إرثهم الممتد قبل الإسلام، وسرعان ما وصلوا إلى موانئ الصين في مدينة قوانغتشو (Canton) وتشوانتشو (Quanzhou) ويصف ابن النديم في الفهرست وجود جاليات عربية مقيمة في الصين، مُشيرًا إلى أنها “أسّست مدرسةً على الطريقة الصينية”وهو دليلٌ على رغبةٍ مبكرة في الاندماج الثقافي لا مجرد المقام التجاري([8]).

والأعمق من الأثر التجاري هو الأثر الثقافي، فقد وثّقت الكتابات العربية المنقوشة على اللوح الرخامي في مسجد هوايشنغ بقوانغتشو، أحد أقدم مساجد الصين، أن مسلمين من الجزيرة العربية كانوا من مؤسسيه، ويُعتقد أنه شُيّد في القرن السابع الميلادي([9])، وما زال ضريح ما يُعدّ صحابيًّا جاء من الجزيرة العربية قائمًا على مقربة من جسر ليوهوا في ضواحي قوانغتشو، ويزوره المسلمون في الأعياد حتى اليوم كما يُعدّ مسجد تشوانتشو شاهدًا على الحضور العربي اليمني المباشر، إذ أسهم فيه تجارٌ من اليمن([10]).

أما مسجد تشوانتشو فيُعدّ شاهدًا يمنيًّا بامتياز، إذ يُعرف نصبُه التذكاري بأنه أُسّس بأيدٍ عربية يمنية، ويذكر المصدر أن “عمر بن أحمد بن منصور بن عمر من أبين، اليمن” كان من بين الذين أسهموا في تشييده، مما يجعله وثيقةً ماديةً على الحضور اليمني المباشر في الصين القروسطية([11]).

وما يُحلَّل تاريخيًّا في هذه المرحلة أن العلاقة لم تكن ثنائيةً مباشرة بين دولتين، بل كانت جزءًا من منظومة أوسع: الشبكة التجارية الإسلامية التي ربطت حضارتَي العرب والصين عبر عشرات المحطات والوسطاء والطرق. وكان البخور اليمني والخزف الصيني والتوابل الهندية والحرير تتدفق معًا في هذا النظام البحري الذي جعل من المحيط الهندي بحيرةً إسلاميةً بامتياز.

ومن الشواهد الكتابية النادرة في هذا السياق ما أورده كتاب Chu-fan-chi (诸蕃志) الصيني للكاتب تشاو جو خوا (أواخر القرن الثاني عشر)، الذي يذكر حضرموت (Ma-Lo-Ma) والشحر (Shi-Ho) وظفار (Nu-Fa) ضمن أهم موانئ الجزيرة العربية، ويصف اللبان المستورَد من هذه المناطق بأنه يأتي “من أعماق الوديان الجبلية”. وهذا النص يثبت أن اسم اليمن ومناطقه بات حاضرًا في الوعي الجغرافي الصيني المدوَّن([12]).

وتبلغ هذه الصلة الدينية الثقافية ذروتها في قصة الفقيه الصيني المسلم ما مينغ شينغ(1719 – 1781) (马明心) ،الذي توقّف في اليمن في طريقه إلى مكة فتتلمذ على يد الشيخ الزياني، وكان إمام صوفي يمني كبير، ست عشرة سنة كاملة، ثم عاد إلى الصين فأسّس الطائفة الجهرية (哲赫忍耶) وهي واحدةً من أهم الطوائف الصوفية الأربع الكبرى في الإسلام الصيني، ومعنى ذلك أن اليمن أثّر في تكوين الإسلام الصيني الداخلي تأثيرًا روحيًّا وعلميًّا بارزاً ([13]).

المطلب الثالث: الدولة الرسولية وتشنغ خه  يمن الموانئ والدبلوماسية

في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) قامت في اليمن الدولة الرسولية (626–858ه / 1229–1454م) التي تُعدّ من أكثر الدول اليمنية الوسيطة ازدهارًا وانفتاحًا وتحضّرًا. كانت الدولة الرسولية تُحكم قبضتها على ميناء عدن بوصفه أهم موانئ المحيط الهندي آنذاك، وكانت تحصّل من عبور البضائع دخلًا هائلًا جعل خزائنها تمتلئ وبلاطها في تعز يزدهر بالعلم والأدب والفنون. وقد حافظ ملوك الرسوليين على علاقات دبلوماسية واسعة مع قوى العصر الكبرى: المماليك في مصر، وسلاطين الهند، وملوك فارس، وأخيرًا الإمبراطورية الصينية.

ومن أبكر وثائق العلاقة بين الرسوليين والصين ما أشار إليه الخزرجي في مصدره اليمني من أنه “في عهد الملك المظفر يوسف بن عمر، ثاني ملوك بني رسول، بلغه أن ملك الصين قد حرم على المسلمين في بلده الختان فتعبوا من ذلك وضاقوا، فكتب إليه السلطان كتابًا يشفع إليه في الإذن لهم وأرسل إليه بهدية سنية، فقبل شفاعته وأذن لهم في ذلك”.[14] وهذه الحادثة ليست مجرد تفصيلة تاريخية، بل هي كاشفةٌ عن أن العلاقة اليمنيةالصينية في ذلك العصر تجاوزت التجارة لتشمل أبعادًا إنسانية ودينية ودبلوماسية.

وفي عام 1419م، قاد تشنغ خه (郑和 / Zheng He) أسطولَه الصيني الضخم في رحلته الخامسة التي وصل فيها إلى ميناء عدن في عهد الملك الناصر أحمد بن إسماعيل الرسولي. وقد أرسل الملك الناصر إلى عدن من يستقبلهم، ثم استدعاهم إلى تعز العاصمة. ويصف المصدر اليمني ابن الديبع المشهد قائلًا: “قدم عليه قاصد صاحب الصين بثلاثة مراكب عظيمة، فيها من الهدايا النفيسة ما قيمته عشرون لكًا من الذهب… قدّم له أواني الصيني والثياب الكمخات المذهبة والمسك العال والعود الرطب… فأكرمه وأسكنه دار الضيافة([15]).

وجاءت الرحلة الثانية في نوفمبر 1421م، ووصل الأسطول المؤلف من 41 سفينة على متنها ما يزيد على 27,550 رجلًا من ضباط وبحارة ومترجمين وأطباء ومحاسبين وحرفيين إلى عدن في فبراير 1423م. وكان في صحبة هذا الأسطول المترجمُ والمؤرخ ماهوان (马欢) الذي سجّل مشاهداته في كتابه الثمين “يينغ يا شنغ لان”، وقد كتب واصفًا استقبال ملك عدن: “وعندما سمع الملك بوصوله، أمر الأعيان كبيرهم وصغيرهم للتوجه إلى الميناء، والترحيب بهم واستلام مرسوم الإمبراطور وقبول الإنعامات والهدايا، وأقيمت في القصر حفلات تكريمية عبّرت عن الاحترام والتبجيل والخضوع”([16]).

أما الرحلة الثالثة والأخيرة لتشنغ خه إلى عدن، وكانت الرحلة السابعة والأخيرة للبحار الصيني العظيم إلى المحيط الهندي. فقد تحركت في يناير 1431م، وضمّ أسطولها أكثر من مئة سفينة. ووصل موفد الإمبراطور الصيني بصحبة الوزير الرسولي شهاب الدين أحمد المحالبي إلى لحج، ثم توجّهوا إلى عدن حيث اشترى الصينيون وفق ما دوّنه أحد كبار بحارة الأسطول الجواهر الكبيرة الحجم والياقوت الأحمر واللؤلؤ بأحجام كبيرة والمرجان والكهرمان والزرافات والأسود والفهود والنعام والحمام الأبيض، وكلها نُقلت إلى الوطن الصيني. وقد كشفت السجلات الصينية أن رسامًا خاصًّا من بلاط أسرة مينغ رسم صورة عدن خلال هذه الزيارة([17]).

ويُجلّي تحليل هذه الرحلات بُعدًا استراتيجيًّا بالغ الأهمية، فالصين لم تأتِ إلى عدن لتستعمر أو لتفرض سيادة، بل جاءت تحمل خطابات الإمبراطور وهداياه، راسمةً شبكةً من العلاقات الرمزية والتجارية تُثبّت وجودها ومكانتها دون كلفة الاحتلال، وهذا ما أسماه الباحث في الجيوبوليتيك الأميركي بروس لورد بـ”الهيمنة الناعمة ما قبل الحداثة” وهو نموذجٌ تستعيده الصين اليوم في مبادرة الحزام والطريق، لكن بأدوات مختلفة، بدلًا من الهدايا والمراسيم الإمبراطورية، ثمة قروض تنموية واتفاقيات بنية تحتية.

كما يرصد تاريخ أسرة مينغ (Ming Shi) أن أربع بعثات يمنية رسولية زارت البلاط الصيني خلال حكم أسرة مينغ، وهو ما يكشف أن الاهتمام كان متبادلًا: الصين ترسل أساطيلها إلى عدن، واليمن يُرسل بعثاته الدبلوماسية إلى بكين/ وفي عام 1430م أيضًا قام تشنغ خه بزيارة ظفار في عُمان، وقرأ خطاب الإمبراطور أمام ملك ظفار الذي طلب على الفور من مواطنيه مبادلة منتجاتهم المحلية مع البعثة التجارية الصينية([18]).

المطلب الرابع: مرحلة الانقطاع والخيوط المستمرة

مع مطلع القرن السادس عشر الميلادي، كسر البرتغاليون بأسطولهم المحمل بالمدفعية منظومةَ المحيط الهندي التجارية التي كان اليمن يحتل قلبها، كما قاموا باحتلال مناطق عدة على السواحل العربية والهندية، وحاولوا فرض احتكارهم على التجارة عبر رأس الرجاء الصالح، وفي عام 1839م احتلت بريطانيا عدن، فتحوّل هذا الميناء العريق من مركزٍ حرٍّ لتجارة المحيط الهندي إلى محطة وقود وقاعدة تجارية في خدمة الإمبراطورية البريطانية.

وفي المقابل، أغلقت الصين بعد رحلات تشنغ خه نوافذها على البحر وذلك بقرار سياسي داخلي من الأسرة الحاكمة فدخلت في انكفاء داخلي طويل، ثم تعرّضت في القرن التاسع عشر لـ”قرن الإذلال” على يد القوى الغربية والإمبريالية اليابانية. وكلا البلدين اليمن والصين عانيا من موجة الاستعمار الأوروبي وإعادة رسم الخرائط التجارية العالمية.

غير أن الانقطاع السياسي والاستراتيجي لم يعنِ قطيعةً ثقافيةً كاملة. فقد استمرت خيوطٌ إنسانيةٌ خفيةٌ تجمع اليمن والصين. من أبرزها قصة الشيخ كمال الدين بن عثمان، العربي اليمني الذي قدم إلى الصين في القرن السادس عشر الميلادي وعمل بالدعوة الإسلامية في مدن ينتشوان ونينغشيا وغيرها لأكثر من ثلاثين عامًا، حتى توفي عام 1628م ودُفن في نينغشيا، وبُني له ضريحٌ لا يزال موضع تكريم المسلمين الصينيين حتى اليوم([19]).

المطلب الخامس: من الاعتراف الدبلوماسي إلى الشراكة الاستراتيجية

في 24 سبتمبر 1956م، أعلن اليمن الشمالي اعترافه بجمهورية الصين الشعبية، ليكون بذلك أول دولة في شبه الجزيرة العربية، والثالثة عربيًّا، في الاعتراف بالصين الشعبية في مواجهة الاعتراف السائد بـ”جمهورية الصين” في تايوان، وفي يناير 1958م، خلال زيارة الأمير البدر بن الإمام أحمد للصين، وُقِّعت أول اتفاقية صداقة رسمية بين البلدين. وفي العام ذاته فتحت الصين مفوّضيتها الدبلوماسية في تعز، وعيّنت الدبلوماسي تشن جياكانغ أول سفير لها([20]).

لم يكن هذا الاعتراف محض حسابٍ دبلوماسي بارد، بل كان يعكس تلاقيًا في الهوية والمصير، اليمن المحاصر بالاستعمار البريطاني في الجنوب والمُهمَّش في النظام الدولي، والصين الخارجة من “قرن الإذلال” والساعية إلى إثبات مكانتها كلاهما كان يرفع راية “الكرامة الوطنية” والتحرر من الهيمنة الغربية. وهذا الجامع الوجداني أعمق وأدوم من مجرد التوافق الأيديولوجي بين نظامين سياسيين.

وتشير البيانات المتاحة إلى أن المساعدات الصينية لليمن بدأت منذ عام 1958م وتطورت عبر أربع مراحل متمايزة تعكس تحولات الاستراتيجية الصينية الشاملة:

المرحلة الأولى (1958–1978م) الحقبة الأيديولوجية: هيمنت على هذه المرحلة الاعتبارات الأيديولوجية والأممية. دعمت الصين اليمن الشمالي بمشاريع أساسية، وفي الوقت ذاته دعمت اليمن الجنوبي الذي اختار المسار الاشتراكي بعد الاستقلال عام 1967م. وبحلول عام 1980م بلغت المساعدات الإنمائية الصينية لجنوب اليمن حوالي 84 مليون دولار أمريكي.  ومن أبرز مشاريع هذه الحقبة في اليمن طريق صنعاء الحديدة وعدن المكلا.  ولعلّ أبرز ما سجّلته هذه المرحلة أن الممثلين الصينيين نصحوا وفدًا يمنيًّا جنوبيًّا في أوج الثورة الثقافية بتجنّب الالتزامات الماركسية العلنية التي تخاطر بعزل اليمن الجنوبي عن الحركة القومية العربية وتدفعه نحو التبعية للاتحاد السوفيتي وهو موقف براغماتي لافت([21]).

المرحلة الثانية (1979–1989م) التحوّل نحو التنمية: بعد قرار الحزب الشيوعي الصيني في دورته الكاملة الثالثة للجنة المركزية الحادية عشرة (1978م) بنقل مركز ثقل الدولة إلى البناء الاقتصادي، تراجع الطابع الأيديولوجي في المساعدات الصينية الخارجية لتحلّ محله أولوية خدمة التنمية الاقتصادية. وقد طرح رئيس مجلس الدولة الصيني خلال زيارته أفريقيا في ديسمبر 1982م “المبادئ الأربعة للتعاون الاقتصادي والتقني”: المساواة والمنفعة المتبادلة، وتحقيق الفاعلية العملية، وتنوع الأشكال، والتنمية المشتركة.

وتستوقفنا في هذه الحقبة قصةٌ شعبيةٌ طريفة وعميقة الدلالة، حين أراد أهالي قرى على طريق عمران حجة إقناع المهندسين الصينيين بتمديد الطريق نحو مناطقهم، لجأوا بمشورة من المحافظ مجاهد أبو شواب إلى لغة “البرزة القبلية”، حيث جمعوا قطعانًا من الإبل والبقر والغنم وتوجّهوا إلى مقر الشركة الصينية، ومعهم “زامل” شعبي يقول: “سلام من حاشد إلى صُبّة بِكِين / ذي علمهم فاق العرب والمسلمين”، ولم تملك إدارة الشركة الصينية إلا أن تترجم الزامل وأرسله إلى سفارتهم، فأُعجب القيادة الصينية بهذا الشكر القبلي، وأقرّت تمديد الطريق ومنحت التمويل وكان ذلك نموذجًا في الدبلوماسية الشعبية.

المرحلة الثالثة (1990–2011م) الشراكة الاقتصادية وعهد التوحيد: بعد توحيد اليمن ونهاية الحرب الباردة، نظرت الصين إلى علاقاتها باليمن من زاوية اقتصادية وطاقوية متصاعدة، وكانت الشركات الصينية تعمل في قطاع النفط اليمني، وكانت أول صفقة خارجية كبرى لشركة هواوي للاتصالات عام 1999م في اليمن، وهو ما يكشف أن اليمن كان سوقًا رياديًّا لانطلاق الشركات الصينية الكبرى نحو الأسواق العربية. كما دشن جسر الصداقة على شارع الزبيري التحرير في صنعاء عام 2000م، وفي عام 2008م، خلال زيارة نائب الرئيس شي جين بينغ لليمن، تكفّلت الصين بمشروع بناء مكتبة وطنية في صنعاء على مساحة 40 ألف متر مربع بتكلفة 50 مليون دولار([22]).

المرحلة الرابعة (2012–2015م)  التموضع الاستراتيجي: في سياق الاضطرابات اليمنية ووصول شي جين بينغ إلى السلطة وانعقاد المؤتمر الوطني الثامن عشر للحزب الشيوعي، بدأت الصين تُعدّل حضورها في اليمن نحو منظور استراتيجي أشمل، مشدودةً بموقع اليمن على باب المندب ومتطلعةً إلى إدراجه في أفق مبادرة الحزام والطريق التي كانت تتشكّل آنذاك.

المطلب السادس: اليمنيون في الصين المعاصرة: إعادة إنتاج دور التاجر الوسيط

أولاً: الحضور اليمني في الصين

قد يُفاجئ كثيرً من الباحثين أن يعلموا أن اليمن يمتلك جاليةً تجاريةً لافتةً ونشطة في الصين المعاصرة، حيث تشير تقديرات متعددة إلى أن عدد اليمنيين العاملين في الصين يتجاوز 30,000 تاجر وعامل ورجل أعمال، ويتركزون في عدة مدن رئيسية: قوانغتشو (Canton) التي يوجد فيها أكثر من 261 يمنيًّا في حيٍّ واحد فقط، وييوو (Yiwu) مركز التجارة العالمية حيث يعمل مئات التجار اليمنيين، إضافةً إلى شنغهاي وشنزن وفوجيان (شيشي) حيث تتركز تجارة الملابس والنسيج([23]).

وفي مدينة ييوو وحدها التي تُعدّ أكبر سوق للبضائع الخفيفة في العالم وتحتضن 75,000 تاجر أجنبي من مئة وثمانية وثلاثين دولة تشير الأرقام إلى وجود ما يزيد على 3000 تاجر عربي وأجنبي يعملون في السوق، نصفهم تقريبًا من اليمن والإمارات ومصر، وأكثر من 200 شركة تجارية من الشرق الأوسط، و2000 متجر عربي. ويتوفر في المدينة أسواق عربية خاصة تبيع البضائع الصينية للعالم العربي بأسعار الجملة([24]).

وما يُحلَّل تاريخيًّا في هذا الواقع أن هؤلاء التجار اليمنيين يؤدّون اليوم الدور ذاتَه الذي أدّاه أجدادهم في شبكة التجارة الإسلامية القروسطية: وسطاءُ بين السوق الصينية والأسواق العربية والأفريقية، يجمعون بين معرفة اللغة والثقافة المحلية من جهة، والشبكات التجارية والعائلية العربية من جهة أخرى. وهذا هو نموذج “طبقة التجار الوسطاء” التي تعيد إنتاج دور اليمن في المحيط الهندي لكن بصيغة القرن الحادي والعشرين.

ولعلّ أبلغ ما يُعبّر عن هذا الدور التاريخي المتجدد هو اتفاقية التوأمة بين محافظة حضرموت اليمنية ومقاطعة أنغوي الصينية، التي صاحبتها منحة صينية بمبلغ 20 مليون يوان (نحو 2.5 مليون دولار) لبناء مقر وزارة الخارجية اليمنية، وعدد من المنح الدراسية ومنح العلاج. كما أبرمت اتفاقية مدن صديقة بين عدن ومقاطعة تشينغهاي عام 1996م. هذه الروابط تُجسّد استمرار الحضور اليمني في الوجدان الصيني([25]).

ثانيًا: باب المندب: المضيق الذي تريده الصين

يقع اليمن على مضيق باب المندب، أحد أضيق الممرات البحرية وأكثرها استراتيجيةً في العالم. يمر عبره ما يزيد على 21,000 سفينة سنويًّا تحمل قرابة 8% من حجم التجارة البحرية العالمية، وما يزيد على 4 ملايين برميل من النفط يوميًّا. وهو الممر الحيوي الذي يصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر ثم بقناة السويس في البحر المتوسط أي الذي يصل الصين بأوروبا وشرق أفريقيا عبر أقصر الطرق البحرية وأهمها اقتصاديًّا.

لهذا السبب، فإن اليمن بالنسبة للصين كما يرى بعض المحللين الاستراتيجيين ليس دولةً بعينها فحسب، بل هو موقعٌ جيوستراتيجي في معادلة أكبر. فضمن مبادرة الحزام والطريق (BRI) التي أطلقها الرئيس شي جين بينغ عام 2013م، يمثّل اليمن عقدةً حيويةً في “مسار الحرير البحري” الذي يمتد من الموانئ الصينية الجنوبية عبر المحيط الهندي وخليج عدن والبحر الأحمر إلى أوروبا. وقد جعل ذلك الوجودَ الصيني في جيبوتي المجاورة حيث تمتلك الصين قاعدتها الأولى العسكرية الدائمة خارج حدودها مقدمةً طبيعيةً لاهتمام صيني أعمق بمحيط باب المندب.

ثالثًا: الحرب والتردّد الصيني المحسوب (2015–2025)

منذ اندلاع الحرب اليمنية عام 2015م، انتهجت الصين سياسة الحياد المحسوب (Calculated Neutrality): تُبقي قنوات التواصل مفتوحةً مع أطراف الصراع المختلفة، وتمتنع عن الانحياز العلني أو التدخل العسكري المباشر. وعلى الصعيد الإنساني، أجرت الصين عملية إجلاء لافتة أخلت فيها 629 مواطنًا صينيًّا و279 مواطنًا من دول أخرى من اليمن عام 2015م وهي عملية الإجلاء النادرة التي كشفت عن عمق الحضور الصيني الميداني في اليمن.

ويُقرأ هذا التردّد الصيني في ضوء معادلة إقليمية أشمل: الصين لا تريد أن تُلزَم بموقف يُخلّ بعلاقاتها مع الرياض التي ترتبط معها بشراكة نفطية ضخمة، ولا مع طهران التي تربطها بها علاقات استراتيجية واسعة. وفي الوقت ذاته، تُقدّم الصين نفسها بوصفها قوةً بنّاءةً “لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول “وهو المبدأ الذي يُبرّر الغياب عن المواجهة العسكرية دون أن يُعدّ إهمالًا.

إن اليمن في الحزام والطريق هو وفق التوصيف الأدق “إمكانٌ جيوسياسي مؤجَّل” فثمة إدراكٌ صيني راسخ بأهميته الموقعية، وثمة رهانٌ استراتيجي على مرحلة ما بعد الحرب، لكن لا استثمار حقيقي ولا التزام إنمائي جوهري في ظل استمرار الصراع. وهذا يجعل الورقة اليمنية لمن يُحسن توظيفها في مفاوضات السلام القادمة أثمن مما تبدو عليه.

رابعًا: التجارة اليمنية الصينية: قراءةٌ نقدية في البنية والآفاق

تُشير البيانات الاقتصادية الراهنة إلى أن الصين باتت أكبر مصدر للواردات اليمنية، إذ تمثّل ما يقارب 22% من إجمالي الواردات. وتُهيمن الصادرات الصينية على السوق اليمنية من السلع الاستهلاكية اليومية إلى المعدات الصناعية والمواد الإنشائية، في حين تبقى الصادرات اليمنية إلى الصين هزيلةً لا تتجاوز العشرين مليون دولار سنويًّا في أحسن أحوالها.

هذا التفاوت الحاد يعيد إنتاج نمطًا تاريخيًّا في صورة معاصرة: الصين مركزٌ إنتاجيٌّ وصناعيٌّ، واليمن سوقٌ استهلاكيٌّ بالدرجة الأولى. وبلغة نظرية النظام العالمي: اليمن لا يزال في موقع “الهامش الاستهلاكي” مقابل “المركز الإنتاجي” الصيني. وهذه المفارقة مع المرحلة الوسيطة لافتة: إذ كان اليمن يُصدّر في تلك المرحلة بضائعَ ذات قيمة مضافة عالية (بخور، عطور، معادن نفيسة، حيوانات نادرة)، أما اليوم فهو يستورد.

وتبرز هنا ضرورة التفكير الاستراتيجي في إعادة صياغة الشراكة الاقتصادية على أسس مختلفة: لا يكفي أن تُستورَد البضائع الصينية وأن تُصدَّر المواد الخاماً بل يستوجب الأمر مساعيَ يمنيةً جادة نحو تنويع الصادرات وإعادة تفعيل الموقع الجغرافي بوصفه ورقةَ تفاوض لا مجرد حصيلة جغرافية. وفي هذا السياق، يُمثّل ميناء عدن الذي لا يزال يمتلك طاقةً استيعابيةً كبيرة مقارنةً بحجم استخدامه الفعلي رهانًا استراتيجيًّا إذا أُحسن توظيفه في مفاوضات إدراجه ضمن الحزام والطريق.

خامسًا: تأمّلات في الفضاء العام الصيني:

من أثمن ما أضافته زيارة الباحث الميدانية للصين (نوفمبر 2025) تلك التأملات الهادئة والعميقة التي مر بها الباحث وهو يجوب المتاحف والفضاءات الثقافية ببكين. فقد كانت كل لوحة، وكل نصٍّ، وكل قطعةٍ معروضة، تتساءل بصمت عن العلاقة الخفية بين التاريخ والسلطة وبناء الشرعية السياسية.

في متحف تاريخ الحزب الشيوعي الصيني ببكين، وقف الباحث طويلًا أمام لوحات كبيرة تؤرّخ للمسيرة منذ التأسيس عام 1921م حتى عهد شي جين بينغ، ما يلفت النظر أن هذا المتحف لا يعمل بمنطق المعرفة التاريخية المحايدة، بل يعمل بمنطق بناء الشرعية السياسية عبر الإنجاز القابل للقياس، فكل لوحة موظَّفة في سردية محددة، الحزب الشيوعي هو حامل رسالة التحديث والكرامة الوطنية منذ قرن كامل.

وقد ترجم الباحث خلال الزيارة عددًا من لوحات المتحف وما رافقها من نصوص، ومن أبرزها اقتباسٌ من “شي جين بينغ” في خطاب الذكرى الأربعين للإصلاح والانفتاح عام 2018م يقول: “الإصلاح والانفتاح أعظم ثورة في تاريخ حزبنا. هذه الثورة أطلقت طاقات هائلة وغير مسبوقة… لقد حققت التنمية الصينية معجزة تاريخية”. واللافت أن المتحف يُقدّم سياسات دنغ شياو بينغ (الإصلاح والانفتاح) وسياسات شي جين بينغ (الصعود العظيم) بوصفهما خطًّا واحدًا متصلًا، لا مرحلتين متمايزتين وهذا في حد ذاته درسٌ بليغٌ في الاستمرارية السردية التي تحرص عليها الدول الكبرى.

وقد توقف الباحث أمام عبارة دنغ شياو بينغ الشهيرة عام 1978م: “الواقع هو المعيار الوحيد لاختبار الحقيقة”وهي العبارة التي فجّرت نقاشًا وطنيًّا أدّى إلى قلب الأولويات من “النضال الطبقي” إلى “الإصلاح والتنمية”. وهي في ذلك لا تختلف كثيرًا عن منطق برودل الذي جعل الواقع المادي الجغرافيا والاقتصاد أساسًا لفهم التاريخ بدلًا من الأيديولوجيا.

وقد أدرك الباحث وهو يقرأ تلك اللوحات أن قيادة ما بعد ماو واجهت معضلةً واجهتها كل الثورات الكبرى: كيف تُصلح كوارث الماضي دون أن تهدم شرعية النظام نفسه؟

الجواب الصيني كان عبقريًّا في براغماتيته، حيث حُمّلت “عصابة الأربعة” أوزار الثورة الثقافية، وبقي ماو “70% صحيح، 30% خطأ” وفق صياغة اللجنة المركزية وهذه الصيغة تحفظ الشرعية الثورية من جهة، وتفتح باب الإصلاح من جهة أخرى، فبعض الرموز أكبر من أن تُدمَّر، لأن تدمير الرمز يعني تدمير السردية التأسيسية للدولة الحديثة. وهذا الدرس في “إدارة الذاكرة الجماعية السياسية” قابلٌ للتأمل في سياقات أخرى، بما فيها السياق اليمني.

خاتمة:

تكشف الدراسة أن العلاقات اليمنية الصينية ليست وليدة الدبلوماسية الحديثة في القرن الماضي، بل هي بنيةٌ تاريخيةٌ عميقة نسجتها الجغرافيا والتجارة والدين والثقافة عبر ثلاثة آلاف سنة على الأقل. وقد أثبتت هذه العلاقة قدرةً استثنائية على التجدد والاستمرار، حتى في حقب الانقطاع والأزمات.

من طريق البخور الذي حمل عطور اليمن إلى معابد الصين قبل الميلاد، إلى الرسائل الدبلوماسية التي تبادلها الملك الناصر الرسولي والإمبراطور الصيني في القرن الخامس عشر الميلادي، إلى قصة الشيخ اليمني الذي أسّس طائفةً صوفيةً كبرى في قلب الصين، إلى ثلاثين ألف تاجر يمني يعملون في أسواق قوانغتشو وييوو اليوم،يبدو خيطٌ واحدٌ جليٌّ يجمع كل هذه المشاهد: اليمن لم يكن يومًا هامشًا في هذه العلاقة، بل كان دائمًا عقدةً لا يمكن للتجارة تجاوزها.

وإذا كانت الحرب اليمنية الراهنة قد عطّلت مسارات التعاون وأجّلت الوعود الكبيرة، فإن الجغرافيا كما علّمنا برودل ليست قدرًا صامتًا، بل هي مصدرٌ دائمٌ للفرص لمن يُحسن قراءتها، واليمن الذي يجلس على بوابة العالم في باب المندب يمتلك من الموارد الجيوستراتيجية ما يجعله في مرحلة السلام القادمة شريكًا لا يستغني عنه في منظومة الحزام والطريق، شريطة أن  تُبنى الشراكات على أسس التعاون والتكامل والمصلحة المشتركة، لا على ثنائية المانح والمتلقّي.

وختامًا، تبقى العلاقة اليمنية الصينية نموذجًا فريدًا يستحق دراسةً أعمق وانخراطًا أوسع، نموذجٌ يُثبت أن العلاقات بين الحضارات لا تُبنى في يوم وليلة، وأن أعمق الشراكات هي تلك التي تمتد جذورها في التاريخ المشترك، وتُفيد من دروسه وإخفاقاته معًا.


[1] Fernand Braudel, The Mediterranean and the Mediterranean World in the Age of Philip II, trans. Siân Reynolds, vol. 1 (New York: Harper & Row, 1972), pp. 20–24. وانظر أيضًا الطبعة الفرنسية الأصلية: Fernand Braudel, La Méditerranée et le monde méditerranéen à l’époque de Philippe II (Paris: Armand Colin, 1949).

[2] Immanuel Wallerstein, The Modern World-System I: Capitalist Agriculture and the Origins of the European World-Economy in the Sixteenth Century (New York: Academic Press, 1974), pp. 347–357. وللتوسع في تطور المفهوم عبر الأجزاء اللاحقة: Immanuel Wallerstein, The Modern World-System, 4 vols. (New York: Academic Press / University of California Press, 1974–2011).

[3] Janet L. Abu-Lughod, Before European Hegemony: The World System A.D. 1250–1350 (New York: Oxford University Press, 1989), pp. 3–40.

هذا المصدر يُطبّق إطار النظام العالمي تحديدًا على حقبة ما قبل الحداثة التي تخص رحلات اليمن البحرية، وهو أوثق تطبيقًا لموضوع البحث من العمل التأسيسي لووالرشتاين الذي يُعنى أساسًا بالقرن السادس عشر الأوروبي.

[4] Shai Har-El, China and the Palestinian Organizations: 1964–1971 (Cham: Palgrave Macmillan, 2024)

لوكا رِنيتش، “العلاقات الصينية-اليمنية الجنوبية في حقبة ماو”، موقع  Sinoarabica تاريخ النشر فبراير 2026م،  (تاريخ الزيارة: مايو 2026، الرابط:  https://sinoarabica.com/china-south-yemen-relations

[5] Jonathan Fulton, China’s Relations with the Gulf Monarchies: Three Case Studies (PhD diss., University of Leicester, Department of Politics and International Relations, 2016).

[6] Janet L. Abu-Lughod, Before European Hegemony: The World System A.D. 1250–1350 (New York: Oxford University Press, 1989)؛ Fernand Braudel, The Mediterranean and the Mediterranean World in the Age of Philip II, tr. Siân Reynolds (New York: Harper & Row, 1972).

[7] ترجمت هذه الرحلة إلى اللغة الألمانية عبر فوركه والذي نقلها من كتاب  “بيان رحلة الابن السماوي مو” (穆天子传)، نصٌّ صيني قديم يُؤرَّخ تدوينُه حول القرن الرابع قبل الميلاد. للمزيد في قراءته النقدية: د. فون أ. فوركه، بحث منشور 1904م حول رحلة مو وانج ودلالاتها الأسطورية. وقد ترجم البحث إلى اللغة العربية أحمد الصايدي ونشر في كتابه انظر: أحمد قايد الصايدي، اليمن في عيون الرحالة الأجانب، ط. 1 (صنعاء: مركز الدراسات والبحوث اليمني، 2011م)، ص13، وننوه بأن  المنهج الحديث يُفرّق بين “الوثيقة التاريخية” و”الشاهد الثقافي”؛ وهذا النص ينتمي إلى الثانية.

[8] ابن النديم، محمد بن أبي يعقوب (ت. 385ه). الفهرست. تحقيق رضا تجدد (طهران: 1971م)، الباب المتعلق بأهل الصين.

[9]  ان جوو بين، “الدعوة الإسلامية في الصين وتحدياتها” (رسالة ماجستير، جامعة أم درمان الإسلامية، كلية الدعوة الإسلامية، 2015)، ص29

[10] أحمد، جرير، وآخرون. “إسهامات السيد الأجل شمس الدين عمر وأسرته في الحياة السياسية والإدارية الصينية أثناء حكم أسرة يُوَانْ المغولية (670-770هـ/ 1266-1368م)”. مجلة البحوث والدراسات 8، عدد 10 (2022): 370–386

[11] المرجع السابق.

[12] Friedrich Hirth and W. W. Rockhill, trans. and annot., Chau Ju-Kua: His Work on the Chinese and Arab Trade in the Twelfth and Thirteenth Centuries, entitled Chu-fan-chï (St. Petersburg: Printing Office of the Imperial Academy of Sciences, 1911), ch. “The Arabs (Ta-shï),” pp. 114–124.

[13] أحمد أمين عبد القابل الحكيمي، “العلاقات اليمنية الصينية في عهد الدولة الرسولية 626-858هـ / 1229-1454م”، إشراف د. سعيد ردمان بن كسر (رسالة ماجستير، جامعة تعز، كلية الآداب، 2023)، ص 181.

[14] أحمد أمين عبد القابل الحكيمي، العلاقات اليمنية الصينية في عهد الدولة الرسولية 626-858هـ / 1229-1454م، إشراف د. سعيد ردمان بن كسر (تعز: جامعة تعز، كلية الآداب، 2023)، ص 115–120.

[15] عبد الرحمن بن علي ابن الديبع، قرة العيون بأخبار اليمن الميمون، تحقيق محمد بن علي الأكوع (صنعاء: وزارة الإعلام والثقافة، 1977).

[16] محمد عبد العال أحمد، بنو رسول وبنو طاهر وعلاقات اليمن الخارجية في عهدهما 628-923هـ / 1231-1517م (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1989)، ص 45-50.

[17] أحمد أمين عبد القابل الحكيمي، العلاقات اليمنية الصينية في عهد الدولة الرسولية 626-858هـ / 1229-1454م، إشراف د. سعيد ردمان بن كسر (تعز: جامعة تعز، كلية الآداب، 2023)، ص 115–120.

[18] Louise Levathes, When China Ruled the Seas: The Treasure Fleet of the Dragon Throne, 1405–1433 (New York: Oxford University Press, 1994), p148-151

[19] هادي العلوي، المستطرف الصيني: من تراث الصين (دمشق: دار المدى للثقافة والنشر، 1994/2000)، ص 7-8.

[20] صحيفة 14 أكتوبر اليمنية، أرشيف العلاقات اليمنية الصينية منذ 1956م. متاح على: https://14october.com/News/7SWPUSII- WTR83C (تاريخ الزيارة: أبريل 2026م)؛ دور الدبلوماسية اليمنية في تطوير العلاقات اليمنية الصينية.

[21] Luka Renić, “Red Sun Rising in Arabia: An Introduction to China-South Yemen Relations in the Mao Era,” ed. Raphael Angieri, Research Project File.

[22] هيام حسن العبسي، “دور الدبلوماسية اليمنية في تطوير العلاقات اليمنية-الصينية 1990م-2015م”، إشراف مجاهد صالح الشعبي (رسالة ماجستير غير منشورة، الأكاديمية اليمنية للدراسات العليا، 2021)، ص21-23.

[23] مقابلة أجراها الباحث مع القنصل اليمني في الصين، نوفمبر، 2025م.

[24] طريق الحرير: الصين واليمن، ملف مشروع البحث؛ بيانات ييوو التجارية حول الجاليات العربية.

[25] هيام العبسي، مرجع سابق.

Admin

مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية: مؤسسة فكر وتخطيط استراتيجي تقوم على إعداد التقديرات وتقديم الاستشارات وإدارة المشروعات البحثية حول المتوسط وتفاعلاته الإقليمية والدولية. لا يتبنى المركز أية توجهات مؤسسية حول كل القضايا محل الاهتمام، والآراء المنشورة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى