المحددات الإقليمية للسياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط
عبد السلام الخطابي (المغرب)
خلال العقود الأربعة الأخيرة، شهد النظام الدولي تطورات متسارعة، تمثلت بالأساس في انهيار الاتحاد السوفياتي ومعه نظام الثنائية القطبية، لصالح أحادية قطبية تزعمتها الولايات المتحدة الأميركية؛ مع ما رافق ذلك من تغيرات سياسية واقتصادية وتكنلوجية مست كافة مناحي الحياة الدولية؛ وفي ظل هذه التطورات استطاعت الصين أن تفرض نفسها كقوة دولية، من خلال قوتها الاقتصادية والصناعية، إلى جانب سياسة خارجية اتسمت بالحكمة والذكاء الاستراتيجي، حتى صارت تنافس الولايات المتحدة الأميركية في معظم الجغرافيا الأرضية.
كما تمثل منطقة الشرق الأوسط أحد أهم الرقع الجغرافية، التي سعت الصين إلى بناء علاقات قوية ومتينة مع مكوناتها السياسية، نظرا للأهمية الجيوسياسية الكبرى التي تحظى بها المنطقة لدى جميع القوى الكبرى. إضافة إلى أهميتها الخاصة لدى الصين سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية أو التاريخية أو الجغرافية…
أيضا، بسبب تنامي المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية للصين في المنطقة، فقد شهدت السنين الأخيرة، تكثيفا غير مسبوق لنشاطاتها الدبلوماسية عبر آلياتها الناعمة. مثل اتفاقيات التعاون التجاري والصناعي الثنائية والمتعددة الأطرف، ومضاعفة حجم الاستثمارات المتبادلة خاصة في المشاريع الصناعية والطاقية والإنشائية، وصولا إلى التدخل السلمي، وقيادة المساعي الحميدة لحل عدد من أزمات المنطقة، مثل نجاح الصين في التوسط لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية برعايتها لاتفاق بكين التاريخي المبرم بين البلدين في 10 مارس 2023. [1]
كما ترتكز السياسة الصينية تجاه دول المنطقة على أسس ومحددات متنوعة، لعل أهمها ما ورد في «وثيقــة سياســة الصيــن تجــاه الـدول العربيـة»[2]. حيث لخصت الوثيقة استراتيجية الصين اتجاه المنطقة، ارتكازا على معادلـة التعـاون (1+2+3)، حيث يمثـل الرقـم 1 الطاقـة بوصفهـا محددًا أساســيًا، بينما يمثل الرقــم 2 البنيــة التحتيــة والتجــارة والاسـتثمار، في حين يمثـل الرقـم 3 التعـاون فـي مجـالات الطاقـة النوويـة، والأقمـار الصناعيـة، ومصـادر الطاقـة الأحفورية والطاقات المتجددة.
المطلب الأول: المحددات الاقتصادية للسياسة الصينية اتجاه الشرق الأوسط
منذ نهاية الحرب الباردة 1991 وحتى 2026 لعب العامل الاقتصادي دورًا محددًا في العلاقات الاقتصادية العربية – الصينية؛ فقد شهدت هذه المرحلة تحول الصين، على خطىً ثابتة إلى قوة اقتصادية أصبحت اليوم تحتل الترتيب الثانية عالميًا من حيث القيمة المالية، والأولى من حيث الإنتاج الصناعي؛ كما أصبحت تمثل نحو 28 بالمئة من الاقتصاد العالمي؛ كما تعد منطقة الشرق الأوسط فضاء اقتصاديا واعدا لهذه الأرقام الهائلة من المبادلات التجارية الصناعية والخام، والتدفقات الاستثمارية الضخمة.
وفي ظل هذه التطورات شهدت العلاقات الاقتصادية، بين الصين ودول منطقة الشرق الأوسط دينامية متسارعة، تميزت بتضاعف حجم المبادلات التجارية والاستثمارية. كما تجلت هذه الدينامية أيضًا من خلال توقيع عدد من الاتفاقيات التجارية، وتكثيف الزيارات المتبادلة على أعلى المستويات، مثل الجولة التي قام بها وزير الخارجية الصيني “وانغ يي” إلى الإمارات والسعودية والأردن تجلّت خلال الفترة من 12 إلى 16 دجنبر من العام 2025؛ حيث تركزت البيانات الرسمية والتغطية الإعلامية على التعاون التجاري والاستثماري، وروابط الطاقة، والمشاريع المرتبطة بمبادرة «الحزام والطريق»؛ كما شدد وانغ على ضرورة إسراع دول الخليج بإبرام اتفاقية التجارة الحرة بين الصين ومجلس التعاون الخليجي، التي يجري التفاوض بشأنها منذ وقت طويل[3].
في مقابل للولايات المتحدة الأميركية، ترتكز الصين في سياستها اتجاه منطقة الشرق الأوسط على آلياتها الناعمة وفق مقاربة اقتصادية براغماتية، بدلًا من التدخلات السياسية والعسكرية المباشرة، حيث تهدف من خلال هذه السياسة إلى تحقيق أهداف متعددة لعل أهمها تكثيف المبادلات التجارية، وتقوية الاستثمار، ثم ضمان أمنها الطاقي.
أولا: تكثيف المبادلات التجارية
يمثل قطاع التصنيع ركيزة أساسية للاقتصاد الصيني بقيمة تتجاوز 4.8 تريليون دولار، حيث تعتبر الصين القوة الصناعية الأولى عالميا، باستحواذها على أزيد من 28% من إجمالي الإنتاج الصناعي العالمي حسب بيانات العام 2025، مما منحها لقب “مصنع العالم”؛ ولتصريف هذا الفائض الهائل من المنتجات الصناعية المتنوعة، لا بد من وجود أسواق كبيرة وبقدرات شرائية متميزة[4].
في هذا السياق، يتمتع الشرق الأوسط من المنظور التجاري الصيني بميزتين رئيسيتين، تتمثل الأولى في قربه من الأسواق الصينية قياسا بالأسواق الأميركية أو الأوروبية أو الإفريقية؛ أما الميزة الثانية فتتجلى في ارتفاع القدرة الشرائية لدى دول وشعوب المنطقة، بسبب العوائد المالية الضخمة الناتجة عن الصادرات البترولية.
كما أظهر التقرير الصادر عن مركز البحوث البريطاني “آسيا هاوس”، تحت عنوان “الشرق الأوسط يتحول نحو آسيا: صعود الخليج كقوة شرق أوسطية عالمية”، أن حجم تجارة الصين مع دول الخليج الست باعتبارها مركز الشرق الأوسط، بلغ 257 مليار دولار أميركي في 2024، ليتجاوز بشكل طفيف حجم تجارة دول الخليج مع هذه الاقتصادات الغربية الكبرى مجتمعة.
إضافة إلى ذلك، توقع التقرير أن يقفز حجم التجارة بين دول الخليج والصين إلى 375 مليار دولار أميركي بحلول عام 2028. كما أوضح التقرير أن حجم التجارة بين دول الخليج والصين يمثل الآن 47 بالمئة من حجم التجارة بين جميع دول الخليج والاقتصادات الآسيوية الصاعدة. إلى جانب زيادة أوجه التعاون بين الجانبين في القطاعات غير النفطية، ومن بينها مصادر الطاقة المتجددة والبناء والتكنولوجيا[5].
نشير كذلك إلى أن هذه الوثيرة المتصاعدة لنمو حجم التبادل التجاري مع الصين لم يقتصر على دول الخليج فحسب، وإنما شملت كافة الدول العربية، فقد تجاوزت 407 مليارات دولار أميركي في عام 2024، بزيادة 2.3 في المائة على أساس سنوي، مع احتفاظ الصين بمكانتها كأكبر شريك تجاري للدول العربية منذ عدة سنوات. حيث تصدر الدول العربية إلى الصين النفط والغاز والمنتجات الزراعية والمعادن، بينما تستورد الدول العربية منها السلع المصنعة والمنتجات التكنولوجية بكافة أنواعها[6].
إضافة إلى ذلك، يتم تدبير العلاقات التجارية العربية – الصينية وتنسيقها ثنائيا من خلال الاتفاقيات الثنائية، وجماعيا من خلال العديد من الآليات الاتفاقية والمؤسساتية، لعل أهمها “منتدى التعاون العربي – الصيني” الذي تأسس سنة 2004 بين الصين والدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، ويعقد اجتماعه الدوري مرة كل عامين؛ فقد انعقدت الدورة العاشرة للمجلس الوزاري للمنتدى في بكين بتاريخ 30 ماي 2024؛ حيث جرى اعتماد “إعلان بكين” لتعزيز الشراكة الاستراتيجية، وتحديد أولويات التعاون السياسي والاقتصادي والتنموي بين الأطراف[7].
ثانيا: تقوية الاستثمارات المتبادلة
أولت الصين اهتماما ملحوظا بالاستثمار في منطقة الشرق الأوسط خاصة في عهد رئيسها الحالي “شي جي بينغ”، حيث أصبحت الاستثمارات الصينية تغطي مختلف المجالات الحيوية، وباتت تشكل وسيلة بالغة الأهمية لاقتصادات دول منطقة الشرق الأوسط، على اختلاف توجهاتها، وتباين هياكلها السياسية، ومستويات نموها، فبحسب معهد المشروع الأميركي لأبحاث السياسات العامة، قد بلغت قيمة الاستثمارات الصينية في الشرق الأوسط بين عامي 2005 و2023 نحو 317.6 مليار دولار، شكلت ما مجموعه 13.5% من مجمل الاستثمارات الصينية في العالم خلال نفس الفترة[8].
أيضا، تتعاون الصين مع الدول العربية في العديد من المجالات الاقتصادية، ومنها الطاقة، حيث تسعى الصين لتنويع مصادر إمداداتها من الطاقة؛ كما تتعاون في مجال البنية التحتية باستثمارها في مشاريع البنية التحتية في الدول العربية، مثل الطرق، والسكك الحديدية، والمواني، والمطارات. كما يوجد تعاون في مجال التصنيع، حيث قامت الصين بإنشاء مصانع كثيرة في الدول العربية لتصنيع منتجاتها؛ كما تتعاون مع الدول العربية في مجال التكنولوجيا والبحث والتطوير. أما في مجال السياحة فهناك نمو كبير في هذا القطاع، لا سيما من جانب الصين، حيث يزداد عدد السياح الصينين في الدول العربية؛ ومن المتوقع أن يستمر تطور العلاقات الاقتصادية الصينية العربية في السنوات المقبلة.
علاوة على ذلك، استحوذت المملكة العربية السعودية على الحصة الأكبر من الاستثمارات الصينية في المنطقة بنسبة 18.7%، بين عامي 2005 و2023. وتجاوز المبلغ 59 مليون دولار، تركز نصفه في مجال الطاقة، لا سيما الأحفورية، ثم النقل البحري وسكك الحديد بنسبة 12.6%، والقطاع العقاري بنسبة 10.9%، بالإضافة إلى الخدمات الأساسية بنسبة 9.9%. ؛ فخلال نفس الفترة حضيت الإمارات العربية المتحدة بالمرتبة الثانية في حصة الاستثمارات الصينية في المنطقة، بنسبة بلغت 13.3% أي نحو 42.4 مليار دولار أميركي؛ تركزت كذلك في مجال الطاقة بنسبة 51.7%، وفي التطوير العقاري بنسبة 24.7% .
أما العراق فقد بلغ نصيبه 10.8% بنحو 34.2 مليار دولار. تركزت 90% منها في قطاع الطاقة ولا سيما الوقود الأحفوري، ثم التطوير العقاري بنسبة 7%، في حين حظيت إيران بنحو 8% تركزت بنسبة 40.4% في الطاقة، و26.1% في النقل، و19% في قطاع استخراج المعادن؛ غير أن مستوى التعاون بين البلدين ازداد بشكل ملحوظ خلال عامي 2025 و2026، خاصة في المجالين العسكري والطاقي لمواجهة تداعيات العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران[9].
بدورها تستفيد الصين من التدفقات الاستثمارية المستمرة لصناديق الثروة السيادية الخليجية، حيث تجاوزت هذه التدفقات 2.3 مليار دولار خلال سنة 2023، محققة أعلى ارتفاع سنوي بلغت نسبته 22 ضعفا عن سنة 2022؛ الأمر الذي يمثل طفرة استثمارية كبرى ساهمت في تغذية النمو الصيني المتواصل؛ كما ساهمت في دمج المنطقة في سلاسل التصنيع العالمية، مع اتساع نطاق التعاملات بالعملات المحلية لتعزيز التعاون الاقتصادي بين الأطراف؛ فقد تركزت تلك الاستثمارات بشكل كبير في قطاعات الطاقة المتجددة، والسيارات الكهربائية، والذكاء الاصطناعي، والقطاع المالي. [10]
ثالثا: تأمين مصادر الطاقة
علــى أثــر النمــو الاقتصــادي الســريع فــي الصيــن، تضاعفت احتياجاتهــا وخاصــة بعــد انتقالهــا فــي عــام 1993 مــن دولــة مكتفيــة بقدراتهــا الإنتاجيــة مــن مصــادر الطاقــة إلــى دولــة مســتوردة لها. ففــي عــام 2017 أصبحــت رســميا أكبــر مســتورد عالمــي للنفـط الخـام، بعـد أن تجـاوز إجمالـي إيراداتهـا مـن النفـط إجمالـي إيــرادات الولايــات المتحــدة؛
على الرغم من أن الصين تحتل المرتبة السادسة عالميا في إنتاج النفط الخام بما يقارب 4.2 إلى 4.3 مليون برميل من النفط يوميا، إلا أن المعضلة تكمن في الفجوة الهائلة بين ما تنتجه وما تستهلكه لتغذيتها نموها المتزايد، ولكـون منطقـة الشـرق الأوسـط تتمتـع بوفـرة فـي مصـادر الطاقـة، فـإن أحـد أهـم المصالـح الصينيـة فـي المنطقـة يكمـن فـي اسـتمرار حصولهـا علـى تدفـق ثابـت مـن مواردهـا الطاقية؛ ما يفسر ضخ الصين لاستثمارات هائلة في مجالات الطاقة التقليدية والمتجددة بدول الشرق الأوسط.
لتحقيق اكتفائها الطاقي تستورد الصين أزيد من 70% من احتياجاتها من النفط والغاز من الخارج؛ لضمان استمرار التدفق السلس أثناء الاضطرابات الأمنية والسياسية، لجأت الصين إلى تنويع مصادرها لتشمل كلا من روسيا، ودول منطقة الشرق الأوسط، وإفريقيا والولايات المتحدة الأميركية؛ وحسب تقارير متخصصة تعتمد الصين على دول المنطقة، لتغطية أكثر من 50% من وارداتها من النفط والغاز، حيث تعتبر السعودية وإيران والعراق أهم المصدرين لها[11] .
من ناحية أخرى تعد الصين أكبر سوق للطاقة المتجددة في العالم، حيث استثمرت مئات أموالا ضخمة لتحقيق التحول نحو الطاقة النظيفة. حظيت دول الشرق الأوسط بحصة مهمة منها؛ كما تقود الشركات الصينية حاليا ثورة الطاقة النظيفة في الشرق الأوسط، من خلال استثمارات ضخمة تقدر بمليارات الدولارات، تشمل مشاريع عملاقة للطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، ومحطات الغاز منخفضة الانبعاثات، في كل من السعودية والإمارات ومصر، مما مكن هذه الدول من الاستفادة من القدرات المالية والتقنية الكبيرة للصين في تعزيز أمنها الطاقي بعيد المدى[12].
لقد أصبحت الصين أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر في مشاريع الطاقة الجديدة بالمملكة العربية السعودية، خاصة مشاريع بناء وتطوير مرافق تصنيع الطاقة الشمسية؛ أما في الإمارات فقد شاركت تحالفات صينية في بناء مشاريع كبرى للطاقة، من أبرزها تنفيذ عقد لتأسيس محطة “الطويلة” للغاز والدورة المركبة، بتكلفة تصل إلى 1.68 مليار دولار وقدرة إنتاجية تبلغ 2600 ميغاواط؛ ففي مصر كذلك تم ضخ استثمارات ضخمة بقيادة شركات مثل “جوشون” (Gotion) الصينية في مجال تصنيع البطاريات لدعم التحول للطاقة النظيفة وخفض البصمة الكربونية[13].
إلى جانب تفوقها التقني تشارك الصين بشكل فعال في توفير التمويل الأخضر لدول الإقليم. وفي المقابل تضخ الصناديق السيادية الخليجية استثمارات ضخمة في مشاريع الطاقة المتجددة داخل الصين، مثل مشاريع شركة “أكوا باور” السعودية؛ ما يعزز الشراكات الاستراتيجية ويزيد من الاعتماد المتبادل في قطاع الطاقة[14].
خلاصة القول، إن الأمن الطاقي يشكل محددا أساسيا للسياسية الخارجية الصينية اتجاه منطقة الشرق الأوسط، وإدراكا من حكوماتها المتعاقبة لهذه الحقيقة، فقد عملت الصين على توطيد علاقاتها وحضورها في المنطقة، عبر سياسة براغماتية تستند إلى آليات القوة الناعمة، وتبني مواقف محايدة على الأقل ظاهريا، من الخلافات بين كثير من دول المنطقة، مثل الخلاف في عدد من المواقف السياسية بين السعودية وإيران، وبين هذه الأخيرة والإمارات.
نفس الحياد تبنته الصين إزاء عدد من الأزمات التي عصفت بالمنطقة مثل الأزمة الحادة التي نشبت خلال شهر يونيو من سنة 2017، بين قطر من جهة والسعودية والإمارات وعدد من دول المنطقة من جهة ثانية. حيث وصلت الأزمة بين الطرفين إلى حد قطع العلاقات الدبلوماسية، وإغلاق الأجواء، وإطلاق التهديدات العسكرية…، إلى أن انتهت رسميا في يناير من العام 2021 إثر توقيع “بيان العلا” في المملكة العربية السعودية، والذي أعاد فتح الأجواء والحدود البرية والبحرية وعودة العلاقات الدبلوماسية[15].
المطلب الثاني: المحددات الجيوسياسية وصراع النفوذ
يمتد تاريخ العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين الصين ومنطقة الشرق الأوسط، إلى ما يزيد عن ألفي سنة ميلادية، فقد شكل طريق الحرير ممرا حيويا للوصول إلى أوروبا شمال المتوسط، وإلى إفريقيا والمغرب العربي جنوب المتوسط؛ بذلك تتمتع المنطقة بأهمية بالغة بالنسبة إلى الصين من الناحية الجيوسياسية.
على الرغم من الفتور النسبي الذي عرفته العلاقات الصينية – الشرق أوسطية خلا القرن الماضي، بسبب التأثيرات الاستعمارية، وما نجم عنها من أزمات سياسية واقتصادية عميقة لكلا الجهتين؛ فقد عادت هذه العلاقات لتنمو شيئا فشيئا منذ نهاية الحرب الباردة، وإلى حدود الساعة. خاصة مع تأسيس منتدى التعاون الصيني العربي عام 2004، كإطار للتعاون الجماعي في مجالات عديدة، ثم إطلاق الرئيس الصيني “شي جين بينغ” لمبادرة “الحزام والطريق خلال أكتوبر من العام 2013.
رغم واجهتها الاقتصادية والتجارية إلا أن المبادرة تحمل في طياتها أبعادا جيوسياسية واضحة (أولا)، يمكن إدراجها بشكل عام ضمن خانة التنافس الهيمني، والصراع على الزعامة خاصة مع الولايات المتحدة الأميركية (ثانيا).
أولا: الأبعاد الجيوسياسية لمبادرة الحزام والطريق.
بمناسبة زيارته إلى دول وسط وجنوب شرق آسيا خلال سبتمبر وأكتوبر من العام 2013، اقترح الرئيس الصيني “شي جين بينغ” مبادرة “الحزام الاقتصادي لطريق الحرير”، و”طريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين”، فيما أصبح يعرف اختصارا ب “مبادرة الحزام والطريق”. حيث يشير “الحزام (Belt) البري إلى طريق الحرير الذي كان ينطلق من المدن الصينية، عبر جنوب آسيا ووسطها ليصل إلى مدن وموانئ الشرق الأوسط وأوروبا المتوسطية؛ أما الطريق (Road) البحري فيشير إلى موانئ جنوب شرق آسيا والهند وشرق أفريقيا والبحر الأحمر والخليج العربي[16].
وتتضمن المبادرة المئات من المشاريع التي سيتمتنفيذها على نحوٍ تدريجي، والتي من شأنها ربط الاقتصادات الأوروبية والآسيوية، والأفريقية أيضا، التي يمر بها الطريق عبر شبكات مكثفة من الطرق البرية وسكك الحديد وخطوط الطيران، فضـلا عن قنوات وأنابيب النقل الحيوي، وهو ما يعد بتهيئة الظروف اللازمة لتنمية اقتصادية مشتركةٍ لجميع الدول المعنية[17].
كما تهدف المبادرة كذلك إلـى بناء ما يسمى حديثا «طريق الحرير الافتـراضية» عبـر إنجاز شبكات هائلة للاتصال والـمعلوماتية من أجل تسهيل الـمعاملات الـمالية والتجارية الإلكتـرونية العابرة للحدود، فضـلا عن «طريق الحرير الخضراء»، التي تهدف إلى تسهيل التعاون الدولـي، في مجال الطاقات الـمتجددة والاستجابة لتحدي التغيـر الـمناخي[18].
كما أوضحت الحكومة الصينية في الورقة البيضاء الصادرة عنها في مــارس 2015، بعنوان “الرؤية والإجراءات المشتركة بشأن إنشاء حزام طريق الحرير الاقتصادي، وطريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين”، أن المبادرة مفتوحة وشاملة للجميع، وأن الصين ترحب بجميع الدول والمنظمات الدولية والإقليمية للانضمام إليها[19].
في ذات السياق، شهد العاشر من يوليو 2018، توقيع الصين وجامعة الدول العربية “الإعلان التنفيذي الصيني العربي الخاص ببناء الحزام والطريق”[20]، أكد الطرفان من خلاله على الأهداف التنموية المشتركة لمبادرة الحزام والطريق؛ على ضرورة تكثيف التعاون والعمل المشترك لإنجاح المبادرة، من خلال الرفع من التبادل التجاري والاستثمارات المتبادلة، وتشبيك المصالح والبنوك، وتهييء البنى التحتية اللازمة مثل الطرق والموانئ والسكك الحديدية.
كما أكد الإعلان على ضرورة تنسيق السياسات في مختلف مجالات التعاون ومواصلة العمل على الدفع قدما بمعادلة “3+2+1” المتمثلة في: اتخاذ التعــاون في مجــال الطاقـة كمحور رئيسي؛ اتخاذ مجالي البنيـة التحتيــة وتسهيـل التجـارة والاستثمـارات كجناحيـن لتعزيــز التعــاون بيــن الجانبيـن؛ والارتقاء بمستوى التعاون العملي بين الجانبين في المجالات ذات التكنولوجيا المتقدمة، (الطاقة النووية، والفضاء والأقمار الصناعية، والطاقة الجديدة) للتعاون الصيني العربي؛ وخطط العمل الأربع المتمثلة في تعزيز الاستقرار، والتعاون في الإبداع، والتعاون في مجال الطاقة الإنتاجية.
كما توفر الصين ثلاث آليات أساسية للتمويل هي: البنك الآسيوي للتنمية، وبنك مجموعة بريكس (BRICS)، وصندوق طريق الحرير، إضافة إلى بنك الاستثمار الآسيوي في البنى التحتية الذي أسسته الصين في أكتوبر 2014 [21].
بناء على ما سبق، يمكن الجزم بأن مبادرة الحزام والطريق تنطوي على تطلعات صينية تتجاوز جانبها الاقتصادي والتجاري، إلى مجموعة من الأهداف الاستراتيجية من أهمها[22]:
(1) تكريس نظام التعددية القطبية: حيث ترى الصين أن النظام الدولي الذي تهمين عليها الولايات المتحدة الأميركية، غير عادل وغير متوازن، ولذلك يجب إقامة نظامين دوليين سياسي واقتصادي يتسمان بالعدل والعقلانية والمساواة، ولذلك فإن الصين لا تدخر جهدا من ترسيخ تعددية تكون أحد محاورها.
(2) كسر هيمنة الدولار وتعزيز مكانة العملة الصينية: تهدف الصين عبر مبادرة الحزام والطريق، إلى توسيع نطاق تداول عملتها الوطنية اليوان وجعلها عملة رئيسية في التبادل التجاري العالمي. حيث يمثل استخدام اليوان في تسوية التعاملات التجارية الصينية مع الدول الأعضاء في المبادرة، خطوة كبيرة تسعى إليها الصين لتداول عملتها الوطنية.
(3) تغيير النظام المالي العالمي: تهدف الصين إلى بناء عولمة مالية جديدة مركزها بكين، من خلال تعميق التعاون المالي وتوسيع نطاق وحجم المبادلة الثنائية للعملات؛ وهنا يأتي دور بنك الاستثمار الآسيوي للبنية التحتية، في دعم استراتيجية الحزام والطريق، إلى جانب بنك التنمية لدول البريكس، وصندوق طريق الحرير. كبديل لنظام “بريتون وودز” الذي أنشأته الولايات المتحدة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية.
(4) الهدف الأمني: تشمل مبادرة الحزام والطريق” في شقها البحري، على فصل فرعي مخصص لقضايا الأمن، باعتباره إحدى أولويات التعاون لدى الصين. ونظرا لاستثمارات الصين المتنامية، وتزايد أعداد المغتربين الصينيين في البلدان المعرضة للمخاطر، فقد أصبحت بكين مقتنعة بأن عليها أن تجعل السيطرة الأمنية على طول مسارات الحزام البحري في أيديها؛ ولذلك فقد فتحت سنة 2015 أول قاعدة عسكرية لها في الخارج في جيبوتي، باعتبارها مركز طريق الحرير البحري.
ويرى عدد من المحللين أن الصين تستهدف من خلال “طريق الحرير الاقتصادي” إنشاء ثلاثة طرق تربط بأوروبا من خلال آسيا الوسطى، والخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط من خلال غرب آسيا، والمحيط الهندي من خلال جنوب آسيا، مع الربط بني الممرات المائية على المستوى الإقليمي، من خلال “طريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين”. كما تستهدف أيضا ا ربط “الدائرة الاقتصادية الحيوية لشرق آسيا” وتعزيز انضمام الدول الإفريقية إلى “الدائرة الاقتصادية الأوروبية”، من خلال إشراك نحو 65 دولة في المناطق التي أظهرت اهتمامها بالطريق؛ وبناء عليه، سيضمن الطريق مشاركة دول تستحوذ على نحو 55 في المائة من الناتج الإجمالي العالمي، و75 في المائة من احتياطيات البترول، وتمثل 63 في المائة من سكان العامل[23].
وعن الأبعاد الثقافية لمبادرة الحزام والطريق، يرى الدكتور علي النويشي، على أن المبادرة تتجاوز بعدها التجاري المروري، إلى كونها معبرا للثقافات والتلاقح الحضاري؛ وهو امتداد تاريخي لطريق الحرير الذي كان يمثل الشريان الرئيسي، لنقل التبادلات الثقافية بين الشرق والغرب على فترات تاريخية طويلة، مما مكنه التأثير بعمق في سائر البلدان الواقعة على امتداده؛
كما كان تأثير كبير على الصين نفسها، من النواحي السياسية والاقتصادية والأدبية والفنية والدينية والفلسفية؛ فكان بمثابة شبكة تواصل اجتماعي ربطت بين بين الشرق والغرب؛ ولذلك فقد أشار الكثير من المؤرخين إلى أن طريق الحرير “هو الطريق السريع ذو القوة التحويلية الأكبر في تاريخ البشرية”، وأنه لم ينشر البضائع فقط، بل نشر الأفكار المعرفية والتقنيات، وكان ناقلا للدين والفنون واللغات إلى جانب العلوم[24].
ثانيا: التنافس مع الولايات المتحدة الأميركية
يمثل التنافس الهيمني مع القوى الكبرى بشكل عام، والولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص، أحد أهم المحددات الرئيسية للسياسة الخارجية الصينية، اتجاه العالم ومنطقة الشرق الأوسط على الخصوص؛ ويتمثل الصراع الصيني الأميركي في الشرق الأوسط، في تنافس جيوسياسي واقتصادي وتكنولوجي. حيث تسعى بكين لتوسيع نفوذها لتأمين مصالحها النفطية والتجارية والأمنية، بينما تحاول واشنطن الحفاظ على هيمنتها التاريخية كمظلة أمنية وشريك استراتيجي لدول المنطقة.
ففي عرضه لإستراتيجية بلاده اتجاه الصين بتاريخ 6 ماي 2022، وصف وزير الخارجية الأميركي السابق أنتوني بلينكن الصين، بانها “باتت اليوم قوة عالمية ذات نفوذ وتأثير، وهي الدولة الوحيدة التي تنوي إعادة تشكيل النظام الدولي القائم، واصفا إياها ب “أكبر اختبار جيوسياسي للولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين”؛ وفي نفس السياق أكد تقرير لقناة الجزيرة على أن تحليلات أميركية عديدة، تجمع على أن منطقة الشرق الأوسط ستكون محورا رئيسيا، في صراع المصالح بين الصين والولايات المتحدة، التي ارتبطت تاريخيا بعلاقات شراكة وتحالف مع العديد من دول المنطقة[25].
ففي الوقت الذي ترى فيه واشنطن أن منطقة الشرق الأوسط تمثل مساحة نفوذ أمني وعسكري واستراتيجي، تعتبرها بكين مصدرا مركزيا للطاقة والتجارة العالمية، وعقدة رئيسية في مشروع “الحزام والطريق”؛ ما يعني بأن أي تصعيد واسع في الخليج، أو في الممرات البحرية الاستراتيجية، لا يعتبر مجرد أزمة إقليمية فحسب، وإنما هو تهديد مباشر لمصالح الصين الاقتصادية، ولأمنها القومي المرتبط بتدفق الطاقة وسلاسل توريدها الدولية.
من هذا المنطلق يطرح التصعيد الحالي المتزايد في الشرق الأوسط، لا سيما في إيران ولبنان وغزة والبحر الأحمر، تساؤلات جدية حول حدود التدخل الصيني واحتمالات تحول بكين من مجرد قوة اقتصادية كبرى، إلى لاعب سياسي وأمني أكثر انخراطا في أزمات المنطقة؛ الأمر الذي لمسناه جليا في مواقف الصين وتحركاتها إزاء الصراعات المسلحة، التي تشهدها المنطقة خلال السنوات الثلاثة الأخيرة؛ لكن ذلك لا يعني بالضرورة انخراطا صينيا مباشرا في تلك الصراعات كما هو الشأن بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية.
إن السياسة الصينية وإلى حد قريب، اعتمدت نهجا يقوم على تجنب الانخراط العسكري المباشر خارج حدودها، مع استخدام نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي كأدوات لتحقيق رؤيتها. ولذلك فإن الحديث عن تدخل صيني في الشرق الأوسط، لا يعني بالضرورة إرسال قوات عسكرية إلى الميدان، أو الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، بل يعني غالبا استخدام أدوات تأثير غير مباشرة، تهدف إلى حماية التوازنات ومنع انهيارها.
في هذا الإطار ، يبدو أن السيناريو الأكثر واقعية هو توسيع أشكال الدعم غير المباشر للحلفاء أو الشركاء، سواء عبر التعاون الاقتصادي، أو نقل التكنولوجيا، أو تطوير القدرات الدفاعية، أو تعزيز الحضور البحري في الممرات الدولية الحساسة مثل مضيق هرمز؛ كما تستطيع الصين استخدام أدوات ضغط مالية وتجارية، لإجبار الولايات المتحدة الأميركية على احترام مصالحها[26].
في المقابل فإن استمرار الصين في نهجها التقليدي، وعدم اتخاذها لخطوات أكثر جرأة، قد يؤدي إلى استفراد الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها بالمنطقة، وبالتالي فإن حدوث انهيار استراتيجي لإيران والقوى المتحالفة معها مثلا، سيؤدي حتما إلى تعزيز النفوذ الأميركي في آسيا الغربية؛ السيناريو الذي لن تقبله الصين باعتباره تهديدا بعيد المدى لمشاريعها الخارجية المختلفة، ولمحاولاتها كسر الاحتكار الأميركي للنظام الدولي.
إن المتتبعين للشأن الصيني يكادون يجمعون على أن السياسة الخارجية الصينية، ظلت لعقود طويلة تسير في الظل بعيدا عن الواجهة، ولكن السنوات القليلة الماضية شهدت تطورات غير مألوفة، ظهرت فيها الصين بصورة أكثر حزما واستعدادا للعب دور ريادي في عدد من الملفات الدولية؛ وقد تعزز هذا التوجه بشكل واضح مع وصول الرئيس شي جين بينغ إلى السلطة في عام 2012؛ حيث شهدت البلاد في عهده نقلة نوعية في مختلف المجالات الاقتصادية والعسكرية والسياسية”[27].
ما يؤكد رغبة الصين الفعلية في لعب دور أكثر ريادة في قيادة عالم جديد متعدد الأقطاب، ما تضمنته الاستراتيجية الصينية الجديدة التي تم إعلانها سنة 2020؛ وهي رؤية اقتصادية وسياسية شاملة، أطلقها الرئيس “شي جين بينغ” للاعتماد الكامل على الذات، وتحويل الصين إلى قوة عظمى مهيمنة بحلول منتصف القرن الحالي، عن طريق مجموعة من الإجراءات والتدابير التي يمكن إجمالها في النقاط التالية[28]:
1- قيام الصين بدورها في تحقيق السلام والتنمية العالميين، وبناء مستقبل يقوم على العدالة والمساواة والتعايش السلمي والمنفعة المتبادلة.
2- توطيد علاقاتها مع العديد من الدول النامية منها والصاعدة، في مشاريع بنى تحتية والتنسيق لخطط عمل وتعاون متنوعة.
3- تشجيع المؤسسات الحديثة مثل “منظمة شنغهاي للتعاون”، و”بريكس”، ومبادرة “الحزام والطريق”…، كون الصين ترى فيها بديلا فعالا للمؤسسات الدولية والإقليمية، التي تدور في فلك السيادة الأميركية.
4- إصدار عدة قوانين خارجية جديدة، تؤكد التوجهات الجديدة للصين في سياساتها الخارجية. مثل “قانون العلاقات الخارجية (2-2)” الذي يؤكد على أن سيادة القانون الدولي، هي الأساس للنظام الدولي، ويؤكد حق الصين في حماية سيادتها ومصالحها. و”قانون الاستثمار الأجنبي” الذي يشجع على جذب المستثمرين الأجانب، والسماح لهم بالنفاذ بسهولة للأسواق الصينية.
كما تنص الاستراتيجية كذلك على وجوب أداء الصين، لأدوارها الإيجابية في منطقة العالم العربي، وهو الأمر الذي بدا واضحا في العديد من القضايا الإقليمية، مثل لعب الصين دور الوسيط في العلاقات السعودية-الإيرانية، ورعايتها لاتفاقية تاريخية بين البلدين في بكين خلال مارس 2023، لاستئناف العلاقات الدبلوماسية وفتح السفارات بعد سنوات من القطيعة.
إضافة إلى لعبها دورا بارزا في الصراع المسلح الدائر حاليا في منطقة الخليج، بعد العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران. إلى غير لك من الملفات الدولية الكبرى التي أصبحت الصين تلعب فيها أدوارا بارزة، لا تخفى على عامة الناس فضلا عن المختصين.
ولضمان نجاح استراتيجيتها الجديدة، تعمل الصين بشكل مضطرد، على تحديث قدراتها العسكرية؛ من خلال زيادة نفقاتها الدفاعية والاستثمار المكثف في التكنلوجيا العسكرية الحديثة. ويشمل ذلك تطوير قطاعات مثل القوات البحرية، وتقنيات الحرب السيبرانية، والقدرات الفضائية؛ كما تعمل الصين جاهدة لتصبح رائدة عالمية في التقنيات الناشئة، مثل الذكاء الاصطناعي، والجيل الخامس، والحوسبة وغيرها.
لقد استفادت الصين من الأخطاء الكارثية للولايات المتحدة الأميركية، التي تعتبر استقرار “إسرائيل” وأنظمة الحكم الموالية لها عقيدة ثابتة، في سياستها الخارجية اتجاه دول المنطقة وشعوبها؛ ما دفعها في معظم الأحيان إلى تبني خيارات متطرفة أدت إلى إغراق المنطقة في الأزمات وإشعال العديد من الحروب المدمرة؛ والأمثلة عديدة من حروب الخليج إلى الغزو الأميركي لأفغانستان والعراق، وتغذية الخلافات الإيرانية الخليجية، وتدخلاتها السلبية في شؤون عدد من الدول أثناء موجة الربيع العربي، وصولا إلى دعمها المطلق لحرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة ولبنان، ثم قيادتها للعدوان الحالي على إيران.
بسبب هذه السياسات شهدت العلاقات الأميركية مع بعض دول في الشرق الأوسط توترات متعددة؛ ما نجحت الصين في استثماره وفق أسلوب مغاير تماما، شعاره السعي إلى تحقيق السلم والازدهار والتطور المشترك لكافة الدول، من خلال التعاون المبني على الثقة المتبادلة، والمساواة والمنفعة المتبادلة؛ ما يؤدي حتما إلى تحقيق الأمن الاستقرار[29]؛ ذلك أنه في عصر العولمة، أصبح مصير العالم مشتركا بشكل لم يسبق له مثيل، وما يؤثر على بلد لا بد أن يترك أثرا في أماكن أخرى من العالم.
إن تحول الشرق الأوسط بشكل أكثر فأكثر، إلى كونه ساحة للنزاع والتنافس مع الولايات المتحدة الأميركية، سيمهد الطريق لدول المنطقة للاستفادة من التغيير الحاصل في ميزان القوى؛ بحسب المنظور الصيني فإن ذلك سيؤدي بدوره إلى إعطاء الصين فرصة، أكبر لتنزيل سياستها في حل الأزمات، وتنفيذ مشاريعها الاقتصادية في المنطقة، مما سيعزز فرص الاستقرار، ويؤسس لمستقبل جديد مبني على السلام الدائم والشامل، والتنمية الشاملة والمستدامة، لدول المنطقة وشعوبها[30].
في المقابل فإن عدم الاستقرار السياسي والأمني في منطقة الشرق الأوسط، يشكل تهديدا مباشرا، وتحديا كبيرا للصين في بناء علاقاتها وتعاونها مع دولها، وهنا تأتي نقطة ضعف الصين، التي تتمثل في كون قدرتها على التعامل مع التحديات الاقتصادية، أكبر بكثير من قدرتها على التعامل مع التحديات الأمنية والسياسية إلى حدود هذه اللحظة؛ ما قد يدفعها إلى تغيير استراتيجيتها نحو تفعيل بيئة أمنية شاملة وفاعلة، مع كل دول الشرق الأوسط، بما يمكنها من حماية مصالحها الاقتصادية المتنوعة بشكل فعال[31].
خاتمة
تتربع المصالح الاقتصادية على رأس الأولويات، باعتبارها أهم محدد في العلاقات الشرق أوسطية – الصينية، وفي هذا السياق يعتبر النفط والغاز السلعتان الأهم اللتان تحتاجهما الصين لتغذية نموها الاقتصادي وتشغيل آلتها الصناعية الضخمة؛ وتشير كافة التوقعات إلى أن حاجة الصين لتلك المصادر ستعرف ارتفاعا متواصلا، على الأقل إلى خلال النصف الأول من هذا القرن.
كما يلعب الموقع الجيوسياسي لمنطقة الشرق الأوسط دورا مهما في تزايد أهمية المنطقة لدى الصين، في ظل سيطرة الشرق الأوسط على أهم الممرات الملاحية والتجارية، باعتبارها محورا أساسيا في الاستراتيجية الصينية الحديثة، ونقطة ارتكاز مهمة في التنافس الهيمني مع الولايات المتحدة الأميركية والقوى العظمى؛ من أجل إعادة تشكيل النظام الاقتصادي الدولي بما يناسب موازين القوى الحديثة، وما يمكن أن يعقب ذلك من إعادة صياغة النظام الدولي ككل، ولذلك نجد أن الصين حريصة على إدراج دول المنطقة في مختلف التكتلات والاستراتيجيات التي تتبناها وتقودها، وفي مقدمتها مبادرة «الحزام والطريق» التي تعبر بشكل واضح عن رؤية الصين لطبيعة المستقبل السياسي والاقتصادي والعسكري للمنطقة.
الأمر الذي يتطلب ضرورة أخذ الدول العربية لزمام المبادرة التنموية والسياسية والأمنية، اعتمادًا على قدراتها الذاتية ومواردها الضخمة والمتنوعة، وانطلاقا من رؤيتها الحرة المبنية على خصوصياتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية المختلفة، وفق مقاربات تشاركية شاملة؛ عوضا عن الارتهان لموقف هذه القوة أو تلك، والتي لا يمكن في الأخير أن تخدم إلا مصالحها المادية الضيقة، مما سيؤدي إلى استمرار مسلسل التبعية مهما حدث من تغيرات في أسماء وآليات وأساليب القوى المسيطرة.
[1]– راجع في ذلك، “القراءة الأمريكية للوساطة الصينية في اتفاق السعودية وإيران”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات -وحدة الدراسات السياسية-، مارس 2021، PDF، على الرابط www.dohainstitute.org/ar/Lists/ACRPS-PDF
[2]– “وثيقة سياسة الصين تجاه الدول العربية”، هي وثيقة أصدرتها الحكومة الصينية بتاريخ 13 يناير 2016، وهي الأولى من نوعها التي تصدر حول سياسة الصين تجاه الدول العربية، استعرضت خلالها الروابط التاريخية التي تجمع الصين بالدول العربية، والسياسات ومجالات وآفاق التعاون المشترك، موقع وزارة الخارجية الصينية، الرابط www.fmprc.gov.cn/ara/zxxx.
[3]– “معالي الأمين العام لمجلس التعاون يستقبل معالي وزير خارجية جمهورية الصين الشعبية، ويبحثان سبل تعزيز العلاقات الخليجية – الصينية”، تقرير على الموقع الإلكتروني لدول مجلس التعاون الخليجي -الأمانة العامة-، الرابط www.gcc-sg.org/ar/MediaCenter، تاريخ الزيارة 12/01/2026.
[4]– اقتصاد الصين ينمو 5% في 2025، تقرير على الجزيرة نت، www.aljazeera.net/ebusiness/2026
[5]– تقرير الصادر عن مركز البحوث البريطاني “آسيا هاوس”، تحت عنوان “الشرق الأوسط يتحول نحو آسيا: صعود الخليج كقوة شرق أوسطية عالمية”، الرابط arabic.news.cn/20251114.
[6]– حجم التجارة الثنائية بين الصين والدول العربية يبلغ 407.4 مليار دولار أمريكي في عام 2024، تقرير على الشبكة الصينية الإخبارية، arabic.news.cn/20250730/734bcbb، 30 يوليوز 2025.
[7]– البرنامج التنفيذي لمنتدى التعاون الصيني العربي بين عامي 2024-2026، صفحة منتدى التعاون الصيني العربي، الرابط http://www.chinaarabcf.org/ara، تاريخ الزيارة 03/02/2026.
[8]– The American Enterprise Institute, “China Global Investment Tracker”, www.aei.org/china-global-investment-tracker
[9]– فيفيان عقيقي، “الاستثمارات الصينية في الشرق الأوسط: كم تبلغ؟ وما هي؟”، /alsifr.org/china-investment-mena
[10]– “ثروة الخليج تدعم طفرة الاستثمار في الصين لعام 2025: من التمويل إلى الطاقة”، تقرير على Made-in-china، الرابط insights.made-in-china.com/sa، تاريخ الزيارة 13/05/2026.
[11]– روسيا 20%، السعودية 14%، ايران 11%، العراق 10%، عمان: 7%، الامارات 6%، البرازيل 6%، انغولا 5%، الولايات المتحدة 2%، فنزويلا قبل اختطاف رئيسها 2%. راجع في ذلك: Where China Gets Its Oil , www.visualcapitalist.com; March, 2026 6
[12]– مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، “الاندفاع الأخضر:زخم جديد للتعاون بين الصين والخليج في مجال الطاقة المتجدّدة” mecouncil.org/ar.
[13]– نفسه
[14]– كيف تتحرك الصين لتفادي أزمة في إمدادات الطاقة؟ الجزيرة نت، www.aljazeera.net
[15]– سليم كاطع علي، “الأزمة الخليجية القطرية: الأبعاد والنتائج”، مجلة كلية القانون والعلوم السياسية، بغداد، العدد 11، يوليو 2021.
[16]– إلهام ناصر، “مبادرة الحزام والطريق”، الموسوعة السياسية، الرابط political-encyclopedia.org/dictionar.
[17]– ” شي جين بينغ ومبادرة الحزام والطريق”، بوابة الحزام والطريق، الرابط ara.yidaiyilu.gov.cn.
[18]– دينغ لونغ، «الصيـن والعالم العربي: نحو علاقات اقتصادية وتجارية أوثق،» الحياة، 14/5/2016، <http://www.alhayat.com/Opinion/Writers/15594395/>.
[19]– “الرؤية والتحرك للدفع بالتشارك في بناء الحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين”، اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح وزارة الخارجية وزارة التجارة الصينية، مارس 2015، وزارة الخارجية الصينية، الرابط www.mfa.gov.cn/ara/zxxx/201504
[20]– الإعلان التنفيذي الصيني العربي الخاص ببناء “الحزام والطريق”، وقعته الحكومة الصينية وجامعة الدول العربية بتاريخ 10/07/2018، PDF، على مركز الدراسات الصيني العربي للإصلاح والتنمية، carc.shisu.edu.cn/arabic
[21]– دينغ لونغ، مرجع سابق
[22]– أحمد حسين الخطيب، “الاستراتيجية الصينية في إطار مبادرة الحزام والطريق وتأثيرها على الاقتصاد الدولي”، مجلة جيل الدراسات السياسية والعلاقات الدولية العدد 24، PDF، على الرابط، /journals.jilrc.com/politic-studies
[23]– محمد مطاوع، ” طريق الحرير الجديد في الاستراتيجية الصينية: الأهداف الكبرى، والوزن الاستراتيجي، والتحديات”، مجلة سياسات عربية، العدد 46، شتنبر 2020، PDF، الرابط siyasatarabiya.dohainstitute.org/ar.
[24]– علي النويشي، “طريق الحرير.. القصة الكاملة لأروع فصل في تاريخ الثقافة العالمية”، الجزيرة نت، الرابط www.aljazeera.net/culture/2025
[25]– صراع المصالح في الشرق الأوسط.. ما المخطط السري للصين؟ ولماذا تخشى أميركا تغلغلها في المنطقة؟ الجزيرة نت، 13/06/2023 /www.aljazeera.net/programs/2023/6/13
[26]– رافع رشيد، “بين تباطؤ الاقتصاد والحرب.. الصين تبحث عن توسيع النفوذ دون صدام مع واشنطن”، www.aljazeera.net/ebusiness/2026
[27]– حشاني فطمة الزهراء، السياسة الخارجية الصينية في عهد شي جين بينغ: معالم التحول وخلفياته”، المجلة الجزائرية للأمن الجزائري، العدد 2، يونيو 2020، الرابط asjp.cerist.dz/en/article/11866
[28]– السياسة الخارجية الصينية في عام 2020.. بين الثابت والمتغير، منتدى التعاون الصيني العربي، الرابط http://www.chinaarabcf.org/ara/zjzg، تاريخ الزيارة 07/03/2026
[29]– بثينة محمد الزواهرة، دور الصين في تحقيق السلام في الشرق الأوسط، تحليلات سياسية، المعهد المصري للدراسات، نيسان 2022، ص 4.
[30]– نفسه، ص 7.
[31]– محمد بن صقر السلمي، التنافس الأمريكي-الصيني وانعكاساته على منطقة الشرق الأوسط، المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، نيسان 2020، ص 13- 14.



