أوراق و دراساتاقتصادية

العقوبات المالية والدبلوماسية الاقتصادية كأدوات لإدارة المخاطر الأمنية

الروابط التمويلية بين إيران وحزب الله والاقتصاد الموازي والسيادة المالية في لبنان

ريتا بولس شهون، صحفية استقصائية، وباحثة متخصصة في الاقتصاد السياسي (لبنان)

ملخص
تبحث هذه الدراسة عن دور العقوبات المالية والدبلوماسية الاقتصادية الأميركية في إعادة تشكيل الروابط التمويلية بين إيران وحزب الله عبر النظام المالي اللبناني والدولي. وتركز على نموذجين مقارنين: شبكة أيمن جمعة، التي تمثل تداخل الجريمة المنظمة وغسل الأموال وشركات الصرافة والتجارة العابرة للحدود، وشبكات التمويل المرتبطة بإيران والحرس الثوري–فيلق القدس وحزب الله، التي تعتمد على النفط والسلع والشحن والشركات الواجهة والوسطاء الماليين. تنطلق الدراسة من فرضية أن العقوبات لا تعمل فقط على تجميد الأصول، بل تعيد توزيع المخاطر داخل النظام المالي العالمي لفصله عن شبكات “محور المقاومة”.

تبيّن الدراسة أن العقوبات نجحت في تعطيل بعض العقد المالية، وفي عزل المصرف اللبناني الكندي وشركات صرافة وكيانات تجارية عن النظام المالي الدولي، كما نجحت في رفع كلفة تحويل الموارد الإيرانية إلى شبكات مرتبطة بحزب الله، لكنها أوجدت في المقابل توتراً في طياته ثلاثة أهداف: حماية النظام المالي العالمي من نظام ولاية الفقيه، الحفاظ على السيادة المالية اللبنانية، ومنع انتقال التدفقات إلى قنوات موازية أقل شفافية. وتخلص الدراسة إلى أن نجاح العقوبات كان جزئياً: فقد عطلت الروابط الرسمية وأعادت تشكيل الشبكات، لكنها لم تثبت إنهاء العلاقة التمويلية بصورة كاملة.

الكلمات المفتاحية: العقوبات المالية؛ الدبلوماسية الاقتصادية؛ إدارة المخاطر؛ تفكيك الـ Nexus؛ أيمن جمعة؛ المصرف اللبناني الكندي.

مقدمة

أصبحت العقوبات المالية أداة مركزية، دبلوماسية، في السياسة الخارجية الأميركية، حيث تطورت إلى منظومة تستهدف المصارف وشركات الشحن والوسطاء الذين يربطون الاقتصاد الرسمي بالشبكات غير الرسمية. قوة هذه الأداة تكمن في أنها تجعل الوصول إلى الدولار وسيلة ضغط سياسي وأمني، حيث يكفي أن تصبح المعاملة عالية المخاطر لتنسحب المؤسسات المالية منها.

وتنتقل الاستراتيجية الأميركية اليوم نحو  تفكيك الـ Nexus؛ أي تفكيك شبكة الارتباط المعقدة التي تسمح لإيران وحزب الله بالاستفادة من الموارد المالية المشروعة وغير المشروعة بشكل تبادلي، فما تسعى إليه واشنطن ليس مجرد عزل كيان بعينه، بل تعطيل “نظام التنسيق” الذي يربط بين الاقتصاد اللبناني الرسمي والاقتصاد الموازي. وفي هذا السياق، يجادل باحثون بأن العقوبات الأميركية تُفرض “خارج نطاق اختصاص المجتمع الدولي والأمم المتحدة، مما له تأثير مباشر على سيادة الدولة المعاقبة”  [1]

ويُعد تقويض البنى المالية للتنظيمات الوكيلة ركيزة جوهرية في تفسير انهيار نماذج “الأمن الهجين” في منطقة الشرق الأوسط. فبناءً على المعطيات التحليلية في ورقة الخطيب (2026)[2]، ساهمت العقوبات الدولية—مقترنةً بمعايير الامتثال المالي العالمي—في تفعيل حالة من “الانفكاك الهيكلي” بين شبكات المليشيات وأنظمة التمويل العابرة للحدود. لم يقتصر أثر هذا الضغط على استنزاف القدرات العسكرية، بل امتد ليتسبب في “انهيار الدبلوماسية الشعبية” لهذه التنظيمات؛ إذ أدى عجزها عن تقديم الخدمات العامة أو تمويل برامج الدعم الاجتماعي إلى تجريدها من أدوات التأثير الناعم.

وقد أحدث هذا الفشل الاقتصادي اختلالاً بنيوياً في “عقد الولاء” بين المليشيات وقواعدها الشعبية، مما دفعها إلى فقدان قدرتها على حشد التأييد الشعبي. ومن منظور نظرية الوكالة (Principal-Agent Theory)، تسببت هذه الضغوط في تعميق فجوة المصالح بين “الأصيل” (إيران) و”الوكلاء” (المليشيات)، إذ دفع شح الموارد الفصائل إلى تبني استراتيجيات “البقاء الذاتي” (Self-preservation) وتفضيل التكيف مع موازين القوى المحلية على حساب الأجندات الإقليمية. وبذلك، يمثل تراجع النفوذ المالي للوكلاء “فرصة استراتيجية” للدول الوطنية لإعادة فرض سيادتها واحتكار أدوات العنف.

إن السياسة القائمة على العقوبات الأحادية تعيد صياغة العلاقات الدولية؛ إذ أن العقوبات التي لا تصدر عن سلطة تشريعية دولية “تشكل انتهاكاً لمبادئ القانون الدولي، وتهمش المنظمات الدولية، مما يدفع الدول لتصبح خاضعة لمنطق القوة بدلاً من منطق القانون”  [3]. وتؤدي هذه العقوبات إلى “إعادة تشكيل العالم عبر تحويل الدول إلى قوى تدور في فلك السياسة الأميركية، مما يؤدي إلى انهيار الثقة في النظام الدولي”  [4]

المطلب الأول: الإطار العام للدراسة

أولاً: أهمية الدراسة

أ. الأهمية العلمية

تساهم الدراسة في أدبيات العقوبات من خلال الربط بين أربعة محاور غالباً ما تُدرس منفصلة: العقوبات المالية، الدبلوماسية الاقتصادية القسرية، إدارة المخاطر الأمنية، والاقتصاد الموازي والنقدي في لبنان. ولا تكتفي الدراسة بالسؤال عن مدى نجاح العقوبات أو فشلها، بل تبحث في آلية تأثيرها: كيف تعطل العقد الرسمية؟ كيف تغيّر سلوك المصارف؟ وكيف تعيد الشبكات تنظيم مساراتها (تفكيك الـ Nexus)؟ كما تساهم في تطوير دراسة “الدول الوسيطة”، وتستعين بـ “نظرية الوكالة” (Principal-Agent Theory) لتحليل فجوة المصالح بين “الأصيل” و”الوكيل” تحت ضغط العقوبات، إضافة إلى تحليل تأثير الانفكاك المالي على شرعية “نماذج الأمن الهجين” وقدرتها على حشد التأييد الشعبي.

ب. الأهمية العملية

تفيد الدراسة في فهم كيفية حماية النظام المصرفي اللبناني من غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مع التمييز بين استهداف الشبكات غير المشروعة والتأثير غير المقصود في التجارة المشروعة. كما تساعد في تحليل مخاطر “خفض العلاقات المصرفية” (De-risking)، إذ قد يؤدي انسحاب المصارف الدولية من العملاء المرتفعي المخاطر إلى دفع النشاط المالي نحو قنوات أقل شفافية، وهو ما يضعف قدرة الدولة على الرقابة. أخيراً، تضيء الدراسة على الفرص الاستراتيجية المتاحة للدولة الوطنية لاستعادة دورها السيادي مع تآكل قدرة المليشيات على احتكار أدوات التأثير الناعم.

ثانيًا: أهداف الدراسة

تهدف الدراسة إلى:

– كشف آليات عمل العقوبات المالية والدبلوماسية الاقتصادية ضد شبكات التمويل المرتبطة بإيران وحزب الله.

– تحليل استهداف شبكة أيمن جمعة وشركات الصرافة والمصرف اللبناني الكندي.

– دراسة العقوبات التي طالت شبكات السلع والنفط والشحن والشركات الواجهة.

– قياس مدى تعطيل العقوبات للقنوات المالية الرسمية، ولا سيما حسابات المراسلة والتحويلات بالدولار.

– تتبع انتقال النشاط المالي نحو النقد والصرافة والحوالة والواجهات التجارية والدول الثالثة.

– تقييم دور العقوبات في الدبلوماسية الاقتصادية وإدارة المخاطر الأمنية.

– تحليل أثر العقوبات في السيادة المالية والعلاقات الاقتصادية اللبنانية–الإيرانية.

– تحليل تأثير “الانفكاك الهيكلي” المالي على قدرة المليشيات في ممارسة “الدبلوماسية الشعبية” وتصدير سردياتها.

ثالثاً: المشكلة البحثية

تكمن إشكالية البحث في أن العقوبات المالية تعمل في اتجاهين متناقضين. فهي من جهة تعطل القنوات الرسمية، وتجمّد الأصول، وتضغط على المصارف، وترفع كلفة النظام الدولاري. ومن جهة أخرى، تزيد حوافز الانتقال إلى النقد والحوالة والواجهات التجارية. إن هذا الضغط المالي يؤدي إلى “انفكاك هيكلي” يتسبب في انهيار نماذج “الأمن الهجين”؛ إذ يؤدي عجز التنظيمات عن تمويل برامج الدعم الاجتماعي إلى تجريدها من أدوات التأثير الناعم واختلال “عقد الولاء” مع قواعدها، مما يدفعها نحو استراتيجيات “البقاء الذاتي”. وبذلك، تنجح العقوبات في إضعاف القدرة على استخدام النظام المالي الرسمي، لكنها تجعل جزءاً من التمويل أقل شفافية، وتطرح تساؤلاً حول قدرة الدولة الوطنية على ملء الفراغ الأمني الذي يخلقه انهيار النظام المالي المليشياوي.

السؤال الرئيس

إلى أي مدى أدت العقوبات المالية والدبلوماسية الاقتصادية الأميركية إلى تفكيك (Nexus) الروابط المالية الرسمية بين إيران وحزب الله، وما أثر ذلك في توسع القنوات الموازية، وفي انهيار نماذج الأمن الهجين، وفي تعزيز سيادة مؤسسات الدولة اللبنانية؟

تساؤلات الدراسة

1- كيف نقلت العقوبات الصراع الأميركي–الإيراني إلى المجال المالي اللبناني؟

2- هل تحولت العقوبات إلى أداة للدبلوماسية الاقتصادية وإدارة المخاطر الأمنية؟

3- هل أدت العقوبات إلى تعطيل التمويل، أم إلى إعادة تنظيمه في قنوات نقدية وتجارية أقل شفافية؟

4- ما أثر العقوبات في السيادة المالية اللبنانية وفي قدرة الدولة على الرقابة؟

5- كيف أثر “الانفكاك الهيكلي” للتمويل على انهيار أدوات التأثير الناعم للمليشيات؟

6- كيف أثرت ضغوط الموارد على التزام “الوكلاء” بالأجندة الإقليمية للأصيل (إيران)؟

فرضيات الدراسة

كلما زادت شدة العقوبات، تراجع استخدام القنوات الرسمية، مما يؤدي إلى “انفكاك هيكلي” في شبكة (Nexus) التمويل، ويدفع الوكلاء نحو استراتيجيات “البقاء الذاتي” بدلاً من الانصياع لأجندة الأصيل، مما يؤدي إلى تآكل شرعيتهم الشعبية وفقدان قدرتهم على حشد التأييد.

الفرضيات الفرعية

– تؤدي العقوبات التي تستهدف المصارف وحسابات المراسلة إلى تعطيل أكبر من العقوبات التي تستهدف أفراداً منفردين.

– يؤدي استهداف شركات الواجهة ومصادر الإيرادات إلى رفع كلفة التمويل قبل وصوله إلى المستفيد النهائي.

– يؤدي خفض المخاطر المصرفية إلى تقليص الشفافية إذا انتقلت المعاملات إلى النقد والصرافة.

– يكون أثر العقوبات في الاقتصاد اللبناني أوسع من نطاق الأشخاص المدرجين، بسبب تراجع استعداد المصارف الأجنبية للتعامل مع لبنان.

– يؤدي تقويض البنى المالية إلى إضعاف قدرة الوكلاء على تقديم الخدمات العامة، مما يؤدي إلى تفكك “عقد الولاء” الشعبي.

الفجوة البحثية

تقل الدراسات التي تربط بصورة منهجية بين العقوبات المالية والدبلوماسية الاقتصادية والدبلوماسية الشعبية وإدارة المخاطر والاقتصاد الموازي في دولة وسيطة مثل لبنان. كما أن المقارنة بين شبكة جمعة وشبكات التمويل الإيراني تتيح تحليل الفرق بين: تمويل يعتمد على الجريمة المنظمة وغسل الأموال، تمويل يعتمد على الموارد التجارية والسلعية لدولة راعية.

وتتمثل مساهمة الدراسة في بناء نموذج يربط العقوبات بتراجع القنوات الرسمية وباحتمال توسع القنوات الموازية، مع وضع ضوابط تمنع الاستنتاج بأن كل اقتصاد نقدي يمثل تمويلاً إيرانياً أو تمويلاً لحزب الله.

رابعًا: حدود الدراسة

1- الحدود الموضوعية: العقوبات المالية (الأفراد، الكيانات، المصارف، شركات الصرافة)، حسابات المراسلة، العقوبات الثانوية، النفط والسلع، أثر الإجراءات على قنوات التمويل، السيادة المالية، والعلاقات الاقتصادية اللبنانية–الإيرانية.

2- الحدود الزمنية: من 2011 (قضية المصرف اللبناني الكندي) إلى 2024.

3- الحدود المكانية: لبنان، مع تحليل الامتدادات الإقليمية والدولية (إيران، سوريا، تركيا، غرب أفريقيا، أميركا اللاتينية، الكويت ودول الخليج).

خامسًا: منهج الدراسة وأدواتها

تعتمد الدراسة منهجاً نوعياً مقارناً، يجمع بين دراسة الحالة والتحليل الوثائقي وتحليل الشبكات والتحليل الزمني، مع توظيف “نظرية الوكالة” و”تحليل الأمن الهجين”.

1- دراسة الحالة المقارنة: بين شبكة أيمن جمعة (تداخل الجريمة والتمويل) وشبكات التمويل الإيراني (نفط، سلع، شركات واجهة).

2- التحليل الوثائقي: لبيانات الخزانة وOFAC ووثائق FinCEN والتقارير الدولية (IMF, FATF).

3- تحليل الشبكات: لرسم العلاقة بين مصادر التمويل والوسطاء والمستفيدين قبل وبعد العقوبات.

4- التحليل الزمني: لمسار العقوبات من 2011 إلى 2024.

سادسًا: الإطار النظري

وتتمثل أدوات القوة في الدولار، والمصارف المراسلة، وأنظمة المدفوعات، والتأمين، والشحن، والأسواق المالية، وقواعد الامتثال، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وتستمد هذه الأدوات أهميتها من أن جزءاً كبيراً من حركة الأموال والسلع والمعلومات يمر عبر شبكات ومراكز مالية تخضع لاختصاصات قانونية وتنظيمية محددة.  [5]

وفق هذا المنظور، تعمل العقوبات من خلال حرمان الشبكات المستهدفة من الوصول إلى البنية التحتية المالية، أو جعل استخدامها عالي الكلفة والخطر. ويحدث ذلك عبر تأثيرين رئيسيين، تأثير المراقبة، أي قدرة العقد المركزية على رؤية التدفقات والروابط وجمع المعلومات المتعلقة بحركة الأموال والسلع والأطراف المتصلة بها، وتأثير الاختناق، أي قدرة العقد المركزية على منع الوصول إلى الشبكة أو تقييد التدفقات المالية والتجارية عبر قطع العلاقات أو فرض شروط مكلفة على استخدامها.

كما ظهرت دراسات ما وراء نظرية، أو ميتانظرية، وتحليلية سعت إلى رسم خرائط دقيقة للعلاقات بين الجريمة المنظمة والإرهاب، وكان لها دور مهم في توجيه استجابات السياسات الدولية والمحلية لهذه الظاهرة. ولم تعد هذه الدراسات تنظر إلى الجريمة المنظمة والإرهاب بوصفهما مجالين منفصلين تماماً، بل ركزت على مناطق التداخل بينهما، وعلى الطريقة التي يمكن أن تتبادل بها الجماعات والأفراد الخدمات والموارد والمهارات، حتى مع استمرار اختلاف دوافعهم الأصلية.

ويأتي في مقدمة هذه الأدبيات نموذج تامارا ماكارينكو حول متصل الجريمة–الإرهاب. ويفسر هذا النموذج العلاقة باعتبارها طيفاً متدرجاً يبدأ باعتماد الأساليب ذاتها، ثم ينتقل إلى شراء الخدمات وتبادلها، فالتحالفات المؤقتة أو الاستراتيجية، ثم التقارب التنظيمي، وصولاً، في بعض الحالات، إلى ظهور كيانات هجينة تجمع بين الوظيفة الإجرامية والهدف السياسي أو الإرهابي. 

وتؤكد ماكارينكو أن وجود صلة بين الجريمة المنظمة والإرهاب لا يعني بالضرورة اندماج جماعتين في تنظيم واحد. فقد تكون العلاقة صفقة محددة، أو تعاوناً لوجستياً، أو تبادلاً للموارد، أو استخداماً مشتركاً لشبكة مالية أو تجارية. ويصبح مفهوم الـ Nexus مفيداً عندما يساعد في تحديد نقاط الالتقاء العملية، لا عندما يُستخدم لإطلاق أحكام عامة غير مدعومة بالأدلة. [6]

وقد طورت ماكارينكو هذا النموذج في دراستها حول «الرابطة بين الجريمة والإرهاب في أوروبا»، التي أعدتها لمصلحة البرلمان الأوروبي عام 2012. وتتعامل الدراسة مع الرابطة على مستويات عملياتية وتنظيمية وتطورية. فعلى المستوى العملياتي، قد تستخدم الجماعات أساليب الطرف الآخر أو تشتري خدماته. وعلى المستوى التنظيمي، قد تنشأ تحالفات أو ترتيبات تعاون بين كيانات مختلفة. أما على المستوى التطوري، فقد تتحول جماعة إجرامية إلى كيان ذي أهداف سياسية، أو قد تعتمد جماعة إرهابية بصورة متزايدة على الجريمة المنظمة لتمويل نشاطها أو تأمين احتياجاتها اللوجستية

كما قدمت لويز شلي وجون بيكاريلي وزملاؤهما في دراسة Methods and Motives: Exploring Links between Transnational Organized Crime and International Terrorism تمييزاً مهماً بين «الأساليب» و«الدوافع». فقد تكون دوافع الجماعات الإجرامية قائمة على الربح، بينما تكون دوافع الجماعات الإرهابية سياسية أو أيديولوجية، إلا أن اختلاف الدوافع لا يمنع استخدام الأدوات ذاتها أو شراء الخدمات نفسها. وقد تستعين الجماعات الإرهابية بالشبكات الإجرامية للحصول على الوثائق والأسلحة وطرق السفر السرية والخدمات المالية، في حين قد تستفيد الجماعات الإجرامية من الحماية والنفوذ والقدرة اللوجستية التي توفرها الجماعات المسلحة

أما سانتياغو بالينا، فقد أعاد في مقاله «متصل الجريمة–الإرهاب» النظر في النموذج، واقترح استخدامه لتحليل التنظيمات الإجرامية الهجينة. وتكمن أهمية إسهامه في تجاوز الثنائية الجامدة بين «المجرم الربحي» و«الإرهابي السياسي»، والتركيز بدلاً من ذلك على التغيرات التي قد تطرأ على أهداف الجماعة، وهيكلها، ووسائلها، ودرجة اعتمادها على العنف أو التجارة أو التمويل غير المشروع. وقد تصبح الجماعة هجينة عندما تتعايش داخلها الوظائف الإجرامية والسياسية، أو عندما تستخدم العنف السياسي لحماية نشاطها الربحي، أو تستخدم الجريمة لتمويل أهدافها السياسية.

سابعًا: الإطار المفاهيمي

1. العقوبات المالية:

هي إجراءات قانونية واقتصادية تستهدف الأصول والحسابات والمعاملات والمؤسسات المالية المرتبطة بأشخاص أو كيانات محددة. وتشمل التجميد، وحظر المعاملات، ومنع تقديم الخدمات المالية، وفرض المخاطر على المؤسسات الأجنبية التي تسهل معاملات مهمة. [7]

ووفق معايير مجموعة العمل المالي، تشمل العقوبات المالية المستهدفة تجميد الأصول ومنع إتاحة الأموال أو الأصول بصورة مباشرة أو غير مباشرة للأشخاص والكيانات المدرجة.[8]، وفي نظام الأمم المتحدة، تستند تدابير مجلس الأمن غير العسكرية إلى المادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة، وتشمل عادة حظر الأسلحة وتجميد الأصول وحظر السفر، وقد تُفرض على أفراد وكيانات محددة عبر لجان عقوبات وآليات رصد. [9]

وتدير OFAC العقوبات الاقتصادية الأميركية وتنفذها ضد جهات أو أفراد أو كيانات مرتبطة بتهديدات للأمن القومي أو السياسة الخارجية أو الاقتصاد الأميركي. وتتمثل الأدوات الأساسية في منع الأشخاص المستهدفين من استخدام النظام المالي الأميركي ومنع الأشخاص الأميركيين من إجراء معاملات معهم. وتسمح بعض البرامج بالعقوبات الثانوية ضد أشخاص أو مصارف غير أميركية، بما في ذلك قطع حسابات المراسلة الأميركية.  

وتختلف العقوبات الأميركية الأحادية عن عقوبات مجلس الأمن من حيث الأساس القانوني والنطاق. فعقوبات مجلس الأمن، عندما تصدر بموجب الفصل السابع، تلزم الدول الأعضاء بتنفيذها. أما العقوبات الأميركية فتنشأ من القانون الأميركي وتكون ملزمة مباشرة للأشخاص الأميركيين، وقد تفرض آثاراً خارج الإقليم بصورة غير مباشرة بسبب مركز الدولار والمصارف المراسلة. [10]

2- الدبلوماسية الاقتصادية

الدبلوماسية الاقتصادية هي استخدام الأدوات الاقتصادية والمالية لتحقيق أهداف سياسية وأمنية، سواء من خلال التعاون أو تقديم الحوافز أو ممارسة الضغط. وتتناول الدراسة صورتها القسرية، حيث يصبح الوصول إلى الدولار والمصارف والأسواق وشبكات التجارة أداةً للتأثير في سلوك الدول والفاعلين غير الحكوميين. وتُعرَّف الدبلوماسية الاقتصادية القسرية عموماً بأنها التهديد بفرض تكاليف اقتصادية أو فرضها فعلياً بهدف دفع الطرف المستهدف إلى تقديم تنازل سياسي أو تعديل سلوكه.[11]

3- إدارة المخاطر الأمنية

سياسة تهدف إلى منع تحول الموارد المالية إلى قدرة تشغيلية، عبر تحديد مصادر الأموال والوسطاء ونقاط الاتصال وتعطيلها قبل وصولها إلى المستفيد النهائي، وتتحول العقوبات إلى أداة لإدارة المخاطر عندما تستهدف الاحتمال لا الفعل النهائي فقط؛ أي احتمال استخدام الأموال للتجنيد أو التسليح أو النقل أو تمويل عمليات خارجية.[12]

4- خفض المخاطر المصرفية

خفض المخاطر المصرفية هو انسحاب المصرف أو المؤسسة المالية من العملاء أو العلاقات التي تصنفها مرتفعة المخاطر بدلاً من إدارتها تفصيلياً من خلال إجراءات العناية الواجبة والمراقبة المستمرة. وقد يحمي ذلك المؤسسة من العقوبة أو الغرامات أو الأضرار السمعة، لكنه قد ينقل النشاط إلى قنوات أقل شفافية، مثل التعامل النقدي أو الوسطاء غير الرسميين أو المؤسسات المالية الأقل خضوعاً للرقاب.[13]

5- الاقتصاد الموازي

ولا يعني الاقتصاد الموازي بالضرورة أن كل نشاط يجري داخله غير مشروع؛ فقد تلجأ إليه فئات أو مؤسسات بسبب صعوبة الوصول إلى النظام المصرفي الرسمي. غير أن انخفاض مستوى الشفافية فيه يزيد مخاطر غسل الأموال والتهرب من العقوبات وتمويل الأنشطة غير المشروعة.[14]

6. حسابات المراسلة

العلاقات التي تسمح لمصرف محلي بإجراء مدفوعات وتسويات عبر مصرف أجنبي، ولا سيما بالدولار. ويؤدي فقدان هذه العلاقات إلى زيادة صعوبة التحويل وتمويل التجارة والوصول إلى النظام المالي العالمي.[15]

6- مفهوم الـ Nexus

يقصد بـ Nexus  في هذه الدراسة الترابط البنيوي بين مجالات أو شبكات كانت تُحلل تقليدياً بصورة منفصلة. ويشمل هنا: ترابط الجريمة المنظمة والإرهاب، ترابط التمويل والتجارة والسياسة والأمن، ترابط الدولة والفاعل المسلح غير الحكومي، ترابط الاقتصاد الرسمي والاقتصاد الموازي، ترابط لبنان وإيران وأفريقيا والدول الوسيطة، ترابط العقوبات والدبلوماسية الاقتصادية والدبلوماسية الشعبية.

ولا يعني مفهوم Nexus  أن كل العناصر متطابقة، بل يعني وجود نقاط اتصال وتبادل تجعل تعطيل أحد المجالات مؤثراً في المجالات الأخرى. ويُستخدم المفهوم لتفسير كيفية انتقال الموارد أو الخدمات أو النفوذ بين قطاعات مختلفة، بحيث لا يمكن فهم النشاط المالي بمعزل عن التجارة أو السياسة أو الأمن.

ففي نموذج أيمن جمعة، يظهر الـ Nexus  في العلاقة بين المخدرات وغسل الأموال والصرافة والتجارة والتمويل السياسي. وفي النموذج الإيراني، يظهر في العلاقة بين النفط والسلع والشحن والشركات الواجهة وفيلق القدس وحزب الله. ويحتاج كل ادعاء متعلق بهذين النموذجين إلى إسناد مباشر إلى وثيقة العقوبات أو التحقيق أو الحكم القضائي أو التقرير الذي يثبت طبيعة الروابط المحددة، بدلاً من الاكتفاء بالإحالة النظرية العامة إلى مفهوم الـ Nexus.

المطلب الثاني: نموذج شبكة أيمن جمعة والمصرف اللبناني الكندي

تُعدّ قضية شبكة أيمن جمعة والمصرف اللبناني الكندي (Lebanese Canadian Bank–LCB) من أبرز النماذج التي توضح استخدام الولايات المتحدة للعقوبات المالية بوصفها أداة للدبلوماسية الاقتصادية وإدارة المخاطر الأمنية، لا بوصفها مجرد وسيلة لتجميد أصول أفراد أو شركات. فقد كشفت القضية، وفق البيانات والإجراءات الرسمية الأميركية، عن عقدة مالية ربطت بين عائدات الاتجار بالمخدرات، وشركات الصرافة، والتجارة العابرة للحدود، والمصارف اللبنانية، وشركات الشحن، وعمليات شراء السيارات المستعملة، فضلاً عن ادعاءات رسمية أميركية بشأن استفادة حزب الله من بعض هذه الأنشطة [16]

وتكتسب هذه الحالة أهمية خاصة لأنها تختبر فرضية رئيسية مفادها أن العقوبات المالية لا تُنهي بالضرورة الموارد أو النشاط الاقتصادي غير المشروع، لكنها تعيد توزيع المخاطر، وتزيد كلفة التحويل، وتدفع الشبكات إلى الانفصال عن القنوات المصرفية الرسمية والبحث عن وسائل بديلة، مثل النقد، والصرافة، والحوالة، والواجهات التجارية، والدول الثالثة. ومن ثم، تطرح الحالة مفارقة بين حماية النظام المالي العالمي من المخاطر، وبين احتمال توسع الاقتصاد الموازي في الدولة الوسيطة، ولا سيما لبنان[17]

ولا ينبغي التعامل مع شبكة أيمن جمعة بوصفها ملفاً جنائياً صرفاً يتعلق بتهريب المخدرات أو غسل الأموال، بل باعتبارها نموذجاً لتحول العقوبات من الاستهداف الفردي إلى الاستهداف الشبكي. فالمستهدف الفعلي لم يكن شخص أيمن جمعة وحده، بل البنية التي أتاحت له، وفق الاتهامات الأميركية، تحويل العائدات غير المشروعة إلى موارد قابلة للاستخدام داخل الاقتصاد المالي الرسمي، ثم إعادة توزيعها عبر قنوات تجارية ومالية عابرة للحدود. [18]

أولاً: شبكة جمعة والعقدة المالية المركزية

أعلنت وزارة الخزانة الأميركية في كانون الثاني/ يناير 2011 تصنيف أيمن جمعة وعدد من الأفراد والكيانات المرتبطة به بموجب قانون ملك المخدرات. ووصفته السلطات الأميركية بأنه لبناني–كولومبي يقود شبكة دولية للاتجار بالمخدرات وغسل الأموال. ووفق إدارة مكافحة المخدرات الأميركية، نسقت الشبكة نقل وتوزيع وبيع شحنات كبيرة من الكوكايين من أميركا الجنوبية، وامتدت عملياتها إلى أميركا الوسطى والمكسيك وغرب أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط [19]

وفي 10 شباط/ فبراير 2011، انتقلت الإجراءات الأميركية من استهداف الأفراد إلى استهداف مؤسسة مالية مركزية، عندما حددت وزارة الخزانة المصرف اللبناني الكندي بوصفه مؤسسة مالية أجنبية تمثل «مصدر قلق أساسي بشأن غسل الأموال» بموجب المادة 311 من قانون باتريوت الأميركي. وذكرت الوزارة أن المصرف استُخدم في غسل عائدات المخدرات المرتبطة بشبكة جمعة، وأن الأموال مرت عبر حسابات مصرفية وشركات صرافة وتحويلات تجارية دولية. [20]

وتكمن أهمية المصرف في موقعه داخل الشبكة. فلم يكن مجرد مؤسسة تستقبل الودائع، بل كان، وفق الرواية الأميركية، حلقة وصل بين الأموال النقدية وشركات الصرافة والتجارة الدولية والمصارف المراسلة. ومن خلال هذه الوظيفة، أمكن إدخال الأموال غير المشروعة إلى النظام المالي الرسمي، ثم تحويلها إلى دول وشركات وأسواق مختلفة.

ثانياً: الدوائر الأربع للشبكة

تقوم البنية الشبكية في قضية جمعة على أربع دوائر مترابطة:

1- دائرة العائدات غير المشروعة: تتمثل هذه الدائرة في الاتجار الدولي بالكوكايين. فقد أشارت السلطات الأميركية إلى نقل المخدرات من أميركا الجنوبية عبر طرق تمر بأميركا الوسطى وغرب أفريقيا، ثم تصل إلى أسواق في أوروبا والشرق الأوسط. وتوفر هذه التجارة السيولة الأولية التي تغذي بقية أجزاء الشبكة. ولا يكمن التحدي في إنتاج الأرباح فقط، بل في إدخالها إلى الدورة الاقتصادية من دون الكشف عن مصدرها. فالأموال الناتجة عن المخدرات غالباً ما تكون نقدية، ومجزأة، وموزعة على دول وأشخاص متعددين، الأمر الذي يفرض الحاجة إلى بنية مالية وتجارية لإعادة تدويرها.

2- دائرة التبييض التجاري: تمثلت هذه الدائرة في تجارة السيارات المستعملة والشحن إلى غرب أفريقيا. ووفق الدعوى المدنية الأميركية، جرى تحويل ما لا يقل عن 329 مليون دولار من مؤسسات مالية لبنانية إلى الولايات المتحدة لشراء سيارات مستعملة، ثم شُحنت السيارات إلى غرب أفريقيا وبِيعت هناك. وبعد ذلك، أعيدت الأموال النقدية إلى لبنان عبر قنوات وصفتها السلطات الأميركية بأنها مرتبطة بحزب الله

وتُعرف هذه الآلية باسم غسل الأموال القائم على التجارة. فبدلاً من إرسال الأموال مباشرة إلى المستفيد، تُستخدم السلع لنقل القيمة عبر الحدود. وتتيح تجارة السيارات فصل مصدر المال عن وجهته النهائية، كما تجعل التدفقات المالية تبدو وكأنها عائدات بيع تجارية مشروعة.[21]

3- دائرة التحويل المالي: تشمل هذه الدائرة المصرف اللبناني الكندي، وشركات الصرافة، والحسابات المصرفية، والتحويلات الدولية. وذكرت وزارة الخزانة الأميركية أن المصرف تعامل مع إيداعات نقدية وتحويلات مرتبطة بشركات صرافة وعملاء مرتفعي المخاطر، كما استهدفت وزارة الخزانة الأميركية عام 2013 شركتي رميتي للصرافة وحلاوي للصرافة، واتهمتهما بتسهيل عمليات غسل أموال مرتبطة بشبكة جمعة وحزب الله. وذكرت الوزارة أن شركات الصرافة أرسلت تحويلات إلى الولايات المتحدة لشراء السيارات، التي شُحنت لاحقاً إلى غرب أفريقيا [22]

4- دائرة الاستفادة السياسية–الأمنية: تتمثل هذه الدائرة في الادعاء الأميركي بأن حزب الله استفاد مالياً من بعض الأنشطة المرتبطة بشبكة جمعة. فقد ذكرت وزارة الخزانة الأميركية أن عائدات الشبكة الإجرامية قدمت دعماً مالياً لحزب الله، كما ربطت وزارة العدل الأميركية بين عمليات غسل الأموال والمؤسسات التي قالت إنها مرتبطة بالحزب.

ويجب التعامل مع هذا الربط بحذر منهجي. فهو يستند إلى بيانات رسمية أميركية ودعاوى وإجراءات مالية، ولا يعني أن كل أفراد الشبكة كانوا أعضاء في حزب الله أو أن كل الأموال الناتجة عن المخدرات كانت موجهة إلى الحزب. والأدق هو القول إن المصادر الأميركية تحدثت عن استفادة مالية مزعومة، وعن تداخل بين بعض الأفراد والمؤسسات والقنوات المرتبطة بالشبكة والحزب.

ثالثاً: دينامية الشبكة

لا تبدو شبكة جمعة كمنظمة هرمية تقليدية، بل كبنية مرنة متعددة المراكز. ويمكن فهم ديناميتها من خلال العناصر التالية:

1- المركزية المرنة: كان أيمن جمعة، وفق الاتهامات الأميركية، نقطة تنسيق مهمة، لكن الشبكة لم تعتمد على شخص واحد فقط. فقد توزعت وظائفها بين أفراد وشركات وصرافين وتجار وناقلين ووسطاء. وتسمح هذه البنية باستبدال العناصر المستهدفة من دون انهيار الشبكة بالكامل.

2- التجزئة الوظيفية: لم يكن من الضروري أن يعرف كل مشارك المصدر الكامل للأموال أو الاستخدام النهائي لها. فقد يتولى طرف شراء السيارات، ويتولى آخر التحويل المالي، ويتولى ثالث الشحن، بينما يتولى رابع استقبال النقد. وتقلل هذه التجزئة من خطر انكشاف الشبكة، كما تعقّد إثبات العلم والقصد الجنائي لدى كل مشارك.

3- المزج بين الرسمي وغير الرسمي: استخدمت الشبكة، وفق الادعاءات الأميركية، المصارف الرسمية وشركات الصرافة والتجارة النقدية في الوقت نفسه. وهذا المزج منحها قدرة على الانتقال بين النظام المالي الرسمي والاقتصاد الموازي. فالحساب المصرفي يوفّر الشرعية الشكلية، بينما يوفر النقد أو الحوالة القدرة على تجاوز الرقابة عند ارتفاع المخاطر.

4- التوزيع الجغرافي: وزعت الشبكة مراحل نشاطها بين عدة أقاليم. فكانت أميركا الجنوبية مرتبطة بمصدر المخدرات، وغرب أفريقيا بممرات النقل وبيع السيارات وإعادة تدوير النقد، ولبنان بإدارة الصرافة والحسابات والتحويلات، فيما وفرت الولايات المتحدة سوق السيارات ومجالاً للتحويلات والمصادرة القضائية. وقد أدى هذا التوزيع إلى فصل مكان الجريمة الأصلية عن مكان غسل الأموال ومكان إعادة الاستثمار. كما جعل ملاحقة الشبكة تتطلب تعاوناً بين سلطات عدة دول، وتبادل المعلومات المصرفية والجمركية والقضائية.

رابعاً: شبكة جمعة بوصفها Nexus

يمكن قراءة شبكة جمعة عبر ثلاثة أبعاد مترابطة:

1- البعد العملياتي: يتمثل في استخدام شركات الصرافة، والحسابات المصرفية، وتجارة السيارات، وشركات الشحن، والوسطاء النقديين لنقل الأموال وإخفاء مصدرها. وهذه أدوات تنتمي عادة إلى مجال الجريمة المنظمة، لكنها تصبح ذات أهمية أمنية أوسع عندما ترتبط بتمويل جهة سياسية أو عسكرية.

2- البعد التنظيمي: يتجسد في وجود شبكة من الأفراد والكيانات التجارية والمالية المرتبطة ببعضها، دون افتراض أنها كانت جميعاً خاضعة لقيادة تنظيمية واحدة. فالـ Nexus قد ينشأ من خلال التعاون بين وحدات مستقلة، وليس فقط من خلال الاندماج في بنية مركزية.

3- البعد السياسي–الأمني: يتعلق بالادعاء بأن جزءاً من الموارد الناتجة عن النشاط الإجرامي وصل إلى جهات مرتبطة بحزب الله أو استفاد منها. وفي هذه الحالة، تتحول الأرباح الإجرامية إلى موارد قابلة للتوظيف السياسي أو العسكري، بما يربط الجريمة المنظمة بمسألة تمويل الإرهاب أو تمويل الجماعات المسلحة.

وعليه، يمكن وصف شبكة جمعة، وفق المعطيات المتاحة، بأنها تمثل حالة محتملة من التعاون المالي والتشغيلي أو التحالف الوظيفي بين شبكة إجرامية عابرة للحدود وأفراد أو مؤسسات مرتبطة بحزب الله. غير أن هذا التوصيف لا يثبت أن الشبكة بكاملها كانت جهازاً تابعاً للحزب، ولا أن جميع المشاركين كانوا على علم بالهدف النهائي للأموال.

خامساً: علاقة الشبكة بحزب الله

تظهر الصلة بحزب الله في ثلاثة مستويات رئيسية:

1- الرابط المالي: ذكرت وزارة الخزانة الأميركية أن حزب الله استفاد مالياً من شبكة جمعة. كما ذكرت وزارة العدل الأميركية أن الأموال الناتجة عن بيع السيارات في غرب أفريقيا، إلى جانب عائدات المخدرات، أعيدت إلى لبنان عبر قنوات قالت السلطات إنها مرتبطة بالحزب.

ويعني ذلك، إذا ثبتت الوقائع وفق معيار قضائي مناسب، أن عائدات الجريمة المنظمة تحولت إلى مورد لجهة سياسية–عسكرية. وهنا تتجاوز القضية مفهوم غسل الأموال بالمعنى الضيق، لتدخل في نطاق تمويل الإرهاب أو تمويل أنشطة مسلحة وفق التصنيفات الأميركية.

2- الرابط المصرفي: أشارت وزارة الخزانة الأميركية إلى صلات مزعومة بين بعض مسؤولي المصرف اللبناني الكندي وأفراد مرتبطين بحزب الله، كما ربطت بين المصرف وشركات صرافة لبنانية وشبكة جمعة. وكان المصرف، بحسب البيان الأميركي، مرتبطاً بمصرف في غامبيا، ما وفر امتداداً مصرفياً إلى غرب أفريقيا.

وتكمن أهمية هذه العلاقة في أن المصرف لم يكن قناة محلية فقط، بل كان جزءاً من شبكة تسمح بتحويل الأموال بين لبنان وأفريقيا والولايات المتحدة. ومن منظور تحليل الشبكات، فإن وجود عقدة مصرفية في منطقة مختلفة يوسع القدرة على فصل مكان الإيداع عن مكان الإنفاق، ومكان التجارة عن مكان إعادة الأموال.

3- الرابط اللوجستي: شملت البنية المشتركة شركات الشحن، وتجارة السيارات، والأسواق في غرب أفريقيا، وشبكات الجاليات والوسطاء. وتصبح هذه البنية ذات قيمة سياسية وأمنية عندما توفر إمكانية نقل الأموال والسلع والأشخاص بعيداً عن الرقابة المباشرة.

ولا يشترط هذا الرابط أن تكون كل الشركات تابعة لحزب الله. فقد يكفي أن تقدم بعض المؤسسات خدماتها لوسطاء مرتبطين بالحزب أو بالشبكة الإجرامية، أو أن تُستخدم البنية التجارية نفسها من أطراف مختلفة.

سابعاً: تفكيك العقد المالية بالعقوبات

لم تستهدف العقوبات الأميركية شخص أيمن جمعة فقط، بل اتبعت مساراً متدرجاً لضرب العقد الأساسية للشبكة.

1- استهداف القيادة: بدأت الإجراءات بتصنيف جمعة وأفراد وكيانات مرتبطة به بموجب قانون ملك المخدرات. وقد أدى ذلك إلى تجميد الأصول الواقعة ضمن الولاية الأميركية، ومنع الأشخاص الأميركيين من التعامل مع المدرجين على قوائم العقوبات

2- استهداف شركات الصرافة: استهدفت وزارة الخزانة شركات صرافة لبنانية اتهمتها بتجميع وتحويل عائدات شبكة جمعة. وأدى ذلك إلى إضعاف قدرة الشبكة على نقل الأموال من النقد إلى الحسابات المصرفية أو إرسالها إلى شركات السيارات في الولايات المتحدة.

3- استهداف المصرف اللبناني الكندي: كان الإجراء الأكثر تأثيراً هو تصنيف المصرف اللبناني الكندي بموجب المادة 311 من قانون باتريوت. وتسمح المادة لوزارة الخزانة، عند وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن مؤسسة أجنبية تمثل مصدراً أساسياً للقلق بشأن غسل الأموال، بفرض تدابير خاصة، من بينها منع المؤسسات المالية الأميركية من فتح أو الاحتفاظ بحسابات مراسلة أو حسابات دفع للمؤسسة المستهدفة 

وتوفر حسابات المراسلة منفذاً عملياً إلى الدولار ونظام التسوية الدولية. ولذلك، فإن منعها أو تقييدها قد يحول مؤسسة محلية إلى مؤسسة معزولة عن المدفوعات العالمية، حتى إذا بقيت قادرة نظرياً على العمل داخل السوق الوطنية.

4- المصادرة والتسوية المدنية: لم يتوقف التفكيك عند العزل التنظيمي. ففي عام 2013، أعلنت وزارة العدل الأميركية تسوية بقيمة 102 مليون دولار في دعوى مصادرة مدنية وغسل أموال ضد المصرف اللبناني الكندي. وتناولت الدعوى تحويلات مالية استخدمت في شراء السيارات وشحنها إلى غرب أفريقيا، ثم إعادة الأموال إلى لبنان عبر قنوات قالت السلطات إنها مرتبطة بحزب الله.

وتكشف هذه التسوية أن العقوبات عملت عبر ثلاثة مسارات مترابطة: إقصاء المصرف من النظام المالي العالمي، مصادرة الأموال المرتبطة بالمعاملات محل النزاع، تحميل المؤسسة تكلفة مالية وسمعية تمنعها من إعادة بناء دورها السابق.

ثامناً: كيف عزلت العقوبات الشبكة عن النظام المالي العالمي؟

أدت العقوبات إلى عزل الشبكة من خلال استهداف العلاقة بين المصرف اللبناني والنظام المالي الدولي. ولم يكن المقصود فقط منع المصرف من استخدام حساب أميركي محدد، بل قطع صلته بشبكة المراسلة التي تتيح له إجراء التسويات بالدولار والوصول إلى الأسواق العالمية.

ويمكن وصف آلية العزل على النحو الآتي: أعيد تصنيف المصرف باعتباره مؤسسة عالية المخاطر، أصبحت المصارف الأجنبية معرضة لمخاطر قانونية وسمعية إذا استمرت في التعامل معه، اتجهت المصارف المراسلة إلى التشدد أو الانسحاب من العلاقة، فقد المصرف قدرته على تسوية المدفوعات الدولية بصورة طبيعية، اضطرت الشبكة إلى البحث عن وسطاء ومسارات بديلة، ارتفعت كلفة التحويل وزادت احتمالات المصادرة والانكشاف. وهكذا انتقلت العقوبة من مستوى المؤسسة إلى مستوى الشبكة. فعندما تُعزل العقدة المصرفية، لا تفقد الشبكة حساباً واحداً فقط، بل تفقد بوابة كاملة إلى النظام المالي العالمي.

تاسعاً: التفكيك الدبلوماسي والمؤسسي

لم يكن أثر العقوبات مالياً فحسب، بل كان أيضاً دبلوماسياً ومؤسسياً. فعندما ربطت الولايات المتحدة المصرف اللبناني الكندي بشبكة مخدرات وغسل أموال وبحزب الله، أعادت تعريف المؤسسة أمام المصارف والحكومات والجهات التجارية الأجنبية باعتبارها مصدراً للمخاطر، وتعمل هذه العملية عبر ثلاث مراحل:

1- إعادة تصنيف المؤسسة: لم تعد المؤسسة تُعامل باعتبارها مصرفاً لبنانياً عادياً، بل باعتبارها نقطة مرتبطة بالمخدرات وغسل الأموال وحزب الله وفق التصنيف الأميركي. وقد أدى ذلك إلى تغيير طريقة تعامل الجهات الخارجية معها.

2- نقل المخاطر إلى القطاع المالي اللبناني: دفعت القضية المصارف اللبنانية إلى تشديد إجراءات معرفة العميل، والتحقق من المستفيد الحقيقي، ومراجعة التحويلات النقدية والتجارية، وتجنب العملاء والقطاعات التي قد ترفع مخاطر العقوبات. وبذلك انتقلت آثار العقوبة من المصرف المستهدف إلى البيئة المصرفية الأوسع.

3- الضغط على الدولة اللبنانية: وضعت العقوبات السلطات اللبنانية أمام ضرورة إثبات قدرة النظام الوطني على مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والتعاون مع الجهات الدولية، وحماية المصارف من استخدام الشبكات الإجرامية والسياسية. وقد أدى ذلك إلى تعزيز أهمية هيئة التحقيق الخاصة، وقواعد الإبلاغ عن العمليات المشبوهة، والامتثال للمعايير الدولية.

ولا يعني ذلك أن لبنان عُزل رسمياً كدولة، لكن استهداف مؤسسة لبنانية ذات علاقات دولية أظهر أن سمعة النظام المصرفي الوطني يمكن أن تتأثر بقرار يستهدف مصرفاً واحداً. كما كشف أن الوصول إلى النظام المالي العالمي يرتبط بمدى ثقة المصارف الأجنبية بفعالية الرقابة المحلية.

عاشراً: العزلة المالية لحزب الله

إذا صحت الادعاءات الأميركية، فقد أدت العقوبات إلى تقليص قدرة حزب الله على استخدام بعض القنوات التجارية والمصرفية المرتبطة بشبكة جمعة. فالضربة لم تكن موجهة إلى حساب حزبي معلن فقط، بل إلى المحيط المالي الذي يمكن أن يوفر خدمات الإيداع والتحويل وشراء السلع وإعادة تدوير النقد.

وقد دفعت هذه الاستراتيجية الجهات المرتبطة بالشبكة إلى البحث عن ترتيبات بديلة، من بينها: فصل قنوات التمويل عن المؤسسات المستهدفة، استخدام وسطاء جدد، زيادة الاعتماد على النقد، تجزئة التحويلات، الاستفادة من شركات تجارية جديدة، نقل الأنشطة إلى دول ثالثة، استخدام الصرافة والحوالة بدلاً من المصرف، ولا يعني ذلك اختفاء الموارد، بل زيادة كلفة الحصول عليها ونقلها، وارتفاع مخاطر انكشافها ومصادرتها. ومن ثم، فإن العزل المالي يضعف القدرة على الحركة لكنه لا يضمن إنهاء الشبكة.

حادي عشر: المفارقة التنظيمية والاقتصاد الموازي

تكشف قضية جمعة مفارقة أساسية في العقوبات المالية. فالعقوبات قد تنجح في حماية المصرف العالمي من مؤسسة مرتفعة المخاطر، لكنها قد تدفع النشاط المالي غير المشروع إلى قنوات أقل شفافية. وقد أشارت دراسات صندوق النقد الدولي إلى أن انسحاب المصارف من علاقات المراسلة يمكن أن يؤثر في المدفوعات والتجارة والتحويلات، وأن بعض المعاملات قد تنتقل إلى قنوات بديلة يصعب رصدها [23]

وفي لبنان، يمكن أن تظهر هذه المفارقة في الآتي: كلما ارتفعت كلفة الامتثال، زاد رفض المعاملات المرتفعة المخاطر، كلما انخفضت قدرة المصارف على تنفيذ التحويلات، زادت الحاجة إلى الصرافة والنقد، وكلما أصبحت القنوات الرسمية أكثر تعقيداً، زادت جاذبية الحوالة والوسيط غير الرسمي، وكلما اتسع تعريف المخاطر، زاد احتمال تأثر قطاعات مشروعة لا تنتمي إلى الشبكة.

لذلك، لا يكفي قياس نجاح العقوبات بعدد الحسابات المجمدة أو المؤسسات المغلقة، بل يجب قياس ما إذا كانت التدفقات قد توقفت فعلاً، أم انتقلت إلى قنوات أكثر غموضاً.

ثاني عشر: دور الأمم المتحدة وUNICRI

ساهمت الأدبيات الميتانظرية حول الرابطة بين الجريمة المنظمة والإرهاب في صياغة استجابات دولية أكثر تكاملاً. فقد طوّر معهد الأمم المتحدة الأقاليمي لبحوث الجريمة والعدالة (UNICRI)، ضمن مبادرة المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب، ممارسات لاهاي الجيدة بشأن الرابطة بين الجريمة المنظمة العابرة للحدود والإرهاب.

وتتعامل هذه المبادرة مع الرابطة باعتبارها ظاهرة متعددة الأبعاد تختلف باختلاف السياق الإقليمي. ولذلك، لا تركز فقط على تمويل الإرهاب، بل تشمل التهريب، والفساد، وغسل الأموال، والوثائق المزورة، والاتصالات، والنقل، وتبادل المعلومات. كما أُعدت مجموعة أدوات للسياسات لمساعدة الدول على تحويل هذه المبادئ إلى برامج تدريب واستراتيجيات وطنية ومحلية [24]

وتدعو هذه الممارسات إلى تحديد «نقاط الرصد» التي تتقاطع عندها الجريمة المنظمة مع الإرهاب، ومنها: النشاط داخل الاقتصاد المشروع، العقد المالية وشركات الصرافة، غسل الأموال القائم على التجارة، استخدام الشركات الواجهة،الفساد وحماية شبكات التهريب، الوثائق المزورة وطرق النقل، شبكات الجاليات والوسطاء، استخدام التكنولوجيا والاتصالات، انتقال الأفراد والأموال بين دول متعددة.

وتفيد هذه المقاربة في الحالة اللبنانية لأنها تمنع اختزال القضية في سؤال واحد، مثل: هل موّلت شبكة المخدرات حزب الله؟ بل تطرح أسئلة أوسع: كيف ارتبطت تجارة المخدرات بالتجارة المشروعة؟ كيف انتقلت الأموال بين النقد والمصرف؟ ما دور شركات الصرافة؟ كيف استُخدمت غرب أفريقيا؟ وما المؤسسات التي أدت وظيفة الوسيط بين الشبكة الإجرامية والجهة السياسية؟

ثالث عشر: تصنيف حالة جمعة ضمن نموذج Nexus

يمكن وضع شبكة جمعة ضمن مراحل متصل الجريمة–الإرهاب على النحو الآتي:

مستوى العلاقةمظاهره في الحالة
اعتماد الأساليبالسرية، التجزئة، الشركات الواجهة، النقل غير المباشر
تبادل الخدماتالصرافة، نقل النقد، شراء السيارات، توفير القنوات المالية
التحالف الوظيفيتعاون مزعوم بين شبكة المخدرات وأفراد أو مؤسسات مرتبطة بحزب الله
التقارب الماليتحويل عائدات إجرامية إلى موارد سياسية–أمنية
الاندماج التنظيميلا تكفي الأدلة المنشورة وحدها لإثباته

وبناء على ذلك، فإن الصياغة العلمية الأكثر تحفظاً هي أن القضية تمثل رابطة مالية وتشغيلية محتملة بين الجريمة المنظمة وشبكات مرتبطة بحزب الله، لا دليلاً قاطعاً على أن شبكة جمعة وحزب الله كانا كياناً تنظيمياً واحداً.

رابع عشر: سلم الأدلة والاحتراز القانوني

تتطلب دراسة الحالة التمييز بين مستويات مختلفة من الأدلة:

1- التصنيف الإداري: مثل تصنيف المصرف بموجب المادة 311.

2- البيانات الحكومية: مثل بيانات وزارة الخزانة وإدارة مكافحة المخدرات.

3- لائحة الاتهام: وهي تتضمن ادعاءات تحتاج إلى إثبات أمام القضاء.

4- الدعوى المدنية: مثل دعوى المصادرة ضد المصرف.

5- التسوية المالية: مثل تسوية 102 مليون دولار.

6- الحكم القضائي النهائي: وهو أعلى من حيث القيمة الإثباتية.

7- التحليل الصحافي أو الأكاديمي: وهو مفيد للتفسير، لكنه لا يحل محل الحكم القضائي.

وعليه، ينبغي عند تناول علاقة الشبكة بحزب الله استخدام عبارات مثل: «بحسب وزارة الخزانة الأميركية»، و«وفقاً للدعوى المدنية الأميركية»، و«وفق الادعاءات الرسمية الأميركية». كما ينبغي تجنب القول إن حزب الله أو جميع أعضاء الشبكة أُدينوا قضائياً بصورة نهائية في الوقائع كلها، ما لم يتوافر حكم قضائي صريح بذلك.

وتقدم قضية شبكة أيمن جمعة والمصرف اللبناني الكندي نموذجاً متقدماً لدراسة الرابطة بين الجريمة المنظمة والإرهاب، لأنها جمعت، وفق البيانات الرسمية الأميركية، بين تجارة الكوكايين، وغسل الأموال القائم على التجارة، وشركات الصرافة، والمصارف، وتجارة السيارات، وشركات الشحن، والوسطاء في غرب أفريقيا ولبنان، وبين ادعاءات استفادة حزب الله من بعض العائدات.

وتظهر علاقة الشبكة بحزب الله في صورة استفادة مالية مزعومة، وتداخل بين بعض مسؤولي المصرف وأفراد مرتبطين بالحزب، واستخدام قنوات مالية وتجارية قالت السلطات الأميركية إنها خدمت الشبكة والحزب. لكن الأدق علمياً وصف الحالة بأنها تقارب مالي وتشغيلي أو تحالف وظيفي محتمل ضمن متصل الجريمة–الإرهاب، لا باعتبارها دليلاً تلقائياً على اندماج تنظيمي كامل.

وقد عملت العقوبات الأميركية على تفكيك الشبكة من خلال استهداف طبقاتها المتتابعة: القيادة، وشركات الصرافة، والمصرف اللبناني الكندي، وحسابات المراسلة، وشركات السيارات والشحن، ثم عبر المصادرة والتسوية المدنية. وأدى ذلك إلى عزل المصرف عن النظام المالي العالمي، وقطع نقطة وصول الشبكة إلى الدولار والمراسلة المصرفية، ورفع كلفة تحويل الأموال، وتقليص قدرة الجهات المرتبطة بها على استخدام القنوات الرسمية.

كما أدت العقوبات وظيفة دبلوماسية غير مباشرة. فقد أعادت تعريف المصرف أمام المجتمع المالي الدولي باعتباره مصدراً للمخاطر، وضغطت على المصارف اللبنانية والسلطات الوطنية لتعزيز الامتثال، وضيقت الحيز المالي المتاح لحزب الله أو للجهات المرتبطة به. لكن هذه العملية لم تضمن إنهاء الشبكة، بل دفعتها إلى البحث عن قنوات نقدية وصرافية وتجارية ودولية بديلة.

ومن ثم، فإن قيمة الحالة لا تكمن فقط في إثبات وجود علاقة بين المخدرات وحزب الله، بل في إظهار الكيفية التي تتشكل بها منطقة وسيطة تتداخل فيها الجريمة المنظمة، والتجارة العالمية، والمصارف، وشركات الصرافة، والجاليات، والجهات السياسية–الأمنية. وتؤكد الحالة أن العقوبات قد تفكك البنية الرسمية للشبكة وتفرض عليها عزلة مالية ودبلوماسية، لكنها قد تدفع النشاط في الوقت نفسه إلى اقتصاد موازٍ أكثر تعقيداً وأقل شفافية.

المطلب الثالث: تمويل فيلق القدس وحزب الله عبر النفط والسلع والشركات الواجهة

يمثل نموذج تمويل فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني وحزب الله عبر النفط والسلع والشركات الواجهة انتقالاً من التحويلات المالية المباشرة إلى شبكة تجارية–مالية وبحرية معقدة. ولا تقوم هذه الشبكة على إرسال الأموال من حساب إلى آخر بصورة مباشرة، بل على تحويل الموارد إلى نفط وبتروكيماويات ومعادن وسلع، ثم نقلها عبر سفن وشركات وحسابات ووسطاء موزعين على دول متعددة.

ويختلف هذا النموذج عن شبكة أيمن جمعة في مصدر الموارد وطبيعة البنية، لا في استخدام الشركات الواجهة. فكلا النموذجين استخدم، وفق البيانات الأميركية، شركات تجارية وحسابات ووسطاء لإخفاء حركة الأموال؛ غير أن الشركة الواجهة في شبكة جمعة استُخدمت أساساً لتدوير عائدات المخدرات عبر تجارة السيارات والصرافة والشحن، بينما تُستخدم في نموذج فيلق القدس وحزب الله لإخفاء منشأ النفط، وملكية السفن، وهوية البائع والمشتري، والمستفيد النهائي، ولإدارة عمليات بيع وشحن وتسوية مالية مرتبطة بجهات خاضعة للعقوبات.

وبعبارة أخرى، يكمن التشابه في الأداة، أي الشركة الواجهة، بينما يكمن الاختلاف في وظيفتها داخل الشبكة. ففي شبكة جمعة تساعد الشركة على تحويل مال غير مشروع إلى تجارة تبدو مشروعة، أما في النموذج النفطي فتساعد على جعل سلعة أو صفقة أو سفينة مرتبطة بجهة خاضعة للعقوبات تبدو كأنها جزء من تجارة دولية عادية.

وقد استهدفت وزارة الخزانة الأميركية شبكات عدة قالت إنها سهّلت بيع النفط الإيراني وتحقيق عائدات لمصلحة فيلق القدس وحزب الله. ففي أيلول/سبتمبر 2019، استهدفت وزارة الخزانة شبكة شحن نفطية وصفتها بأنها تدعم فيلق القدس ووكلاء إيران، وقالت إن شبكة من السفن والوسطاء نقلت نفطاً بقيمة مئات ملايين الدولارات. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2022، استهدفت الوزارة شبكة دولية قالت إنها سهّلت تجارة النفط وولّدت إيرادات لمصلحة فيلق القدس وحزب الله، مستخدمة شركات واجهة وسفناً وعمليات مزج للنفط ووثائق مزورة لإخفاء المصدر الإيراني. [25]

أولاً: الفرق بين التحويل المباشر والشبكة التجارية

يقوم التحويل المباشر على إرسال الأموال من جهة إلى أخرى عبر حساب مصرفي أو مؤسسة مالية يمكن تحديدها. وتكون هذه العملية أكثر سهولة من حيث التتبع، ولا سيما عندما تستخدم الدولار أو تمر عبر مصرف مراسل خاضع للرقابة الأميركية، أما الشبكة التجارية، فتخفي التحويل المالي داخل عملية اقتصادية أوسع.

فقد لا تنتقل الأموال مباشرة إلى الجهة المستفيدة، بل تمر عبر مراحل مختلفة: الحصول على النفط أو السلع، تسجيل الملكية باسم شركة وسيطة، شحن البضاعة عبر سفينة مملوكة لشركة أخرى، تغيير الوثائق أو مسار الشحنة، بيع النفط أو السلع إلى طرف ثالث، إيداع العائدات في حسابات خارجية، تحويل الأموال عبر شركات أو وسطاء آخرين، توجيه جزء من الإيرادات إلى الجهة المستفيدة، وفق الادعاءات الأميركية.

وتؤدي هذه الطبقات إلى فصل المورد عن البائع، والبائع عن المشتري، والمشتري عن المستفيد النهائي. ولذلك، فإن العقوبات لا تواجه حساباً واحداً أو شركة واحدة، بل شبكة من العلاقات المتداخلة.

ثانياً: الشركات الواجهة في النموذجين

في شبكة أيمن جمعة، استُخدمت الشركات الواجهة لتغطية إدخال عائدات المخدرات في الدورة التجارية والمالية. فقد أشارت وزارة العدل الأميركية إلى تحويل أموال من مؤسسات مالية لبنانية إلى الولايات المتحدة لشراء سيارات مستعملة، ثم شحنها إلى غرب أفريقيا وبيعها هناك، قبل إعادة الأموال النقدية إلى لبنان عبر قنوات قالت السلطات إنها مرتبطة بحزب الله. [26]

كانت الشركة الواجهة في هذا النموذج تؤدي وظائف أساسية: استقبال أموال مصدرها غير مشروع، تحويل النقد إلى سلعة أو نشاط تجاري، إخفاء العلاقة بين المال والمخدرات، فصل المرسل عن المستفيد النهائي، تقديم غطاء تجاري للتحويلات المصرفية. بعبارة أخرى، تبدأ شبكة جمعة من مال غير مشروع، ثم تبحث عن شركة أو تجارة تمنحه مظهراً مشروعاً.

أما في النموذج النفطي، فتبدأ العملية من سلعة ذات قيمة تجارية حقيقية، مثل النفط أو البتروكيماويات أو المعادن. والمشكلة ليست في وجود السلعة وحده، بل في مصدرها وملكيتها والجهة التي تستفيد من عائداتها.

لذلك، تؤدي شركة الواجهة وظائف إضافية: إخفاء المنشأ الإيراني للنفط، إخفاء ملكية السفينة أو الشحنة، توقيع العقود بدلاً من الجهة الخاضعة للعقوبات، فتح الحسابات واستقبال الإيرادات، إعادة تصدير السلع عبر دول ثالثة، التعامل مع شركات التأمين والشحن والموانئ، نقل الملكية أو الإدارة عند قرب التعرض للعقوبات.

وقد ذكرت وزارة الخزانة الأميركية أن شبكات النفط استخدمت شركات واجهة في الإمارات ودول أخرى لإخفاء دور المؤسسات الإيرانية في ملكية السفن وشحن النفط. كما أشارت إلى إنشاء شركات صورية جديدة أو نقل ملكية السفن إلى كيانات أخرى بهدف تجاوز العقوبات [27]

إذن، شركة الواجهة في شبكة جمعة تعمل أساساً على تبييض الأموال، بينما تعمل في الشبكة النفطية على إخفاء مسار السلعة والملكية والصفقة. وفي بعض الحالات، تؤدي الشركة الوظيفتين معاً.

ثالثاً: طبيعة الموارد

في شبكة جمعة تبدأ العملية من عائدات المخدرات. وهذه الأموال غير قانونية منذ نشأتها، لذلك تحتاج الشبكة إلى: جمعها، نقلها، إدخالها في المصارف، تحويلها إلى سلع، إعادة توزيعها عبر التجارة أو الصرافة، ويكون التحدي المركزي هو إخفاء المصدر الإجرامي للمال.

في النموذج النفطي، يبدأ النشاط من النفط أو البتروكيماويات أو السلع الصناعية. وهذه المنتجات قد تكون مشروعة في ذاتها، لكن تداولها يصبح خاضعاً للعقوبات بسبب: منشأ السلعة، ملكية الشركة، هوية المستفيد، ارتباط البائع بفيلق القدس، استفادة حزب الله من الإيرادات، استخدام العملية للتحايل على العقوبات. وعليه، يمكن القول إن شبكة جمعة تستخدم التجارة لجعل المال غير المشروع يبدو مشروعاً، بينما تستخدم الشبكة النفطية التجارة لجعل مورد خاضع للعقوبات يبدو مستقلاً عن الجهة السياسية أو الأمنية التي تقف وراءه.

رابعاً: مكونات النموذج النفطي

1- طبقة المورد: ترتبط هذه الطبقة بمؤسسات الطاقة الإيرانية، ومنها وزارة النفط، والشركة الوطنية الإيرانية للنفط، والشركة الوطنية الإيرانية لناقلات النفط. وقد صنفت وزارة الخزانة الأميركية بعض هذه المؤسسات بسبب صلاتها بتمويل فيلق القدس أو بتوفير الموارد للنظام الإيراني [28]

2- طبقة التوجيه والوساطة: تضم مسؤولين وأفراداً يتولون التفاوض على العقود، وتحديد المشترين، وترتيب الشحن، وتحديد السفن، وتسوية المدفوعات. وذكرت وزارة الخزانة أن مسؤولين في فيلق القدس أشرفوا على شبكات لبيع النفط الإيراني وتوجيه عائداته إلى جهات حليفة [29]

3- طبقة الشركات الواجهة: تشمل شركات مسجلة في الإمارات وتركيا والهند ولبنان وسنغافورة وجزر مارشال وغيرها. وتظهر هذه الشركات بوصفها ملاكاً للسفن، أو مديري شحن، أو تجار نفط، أو مستوردين، أو شركات خدمات مالية.

4- طبقة السفن: تشمل الناقلات وشركات إدارة السفن ومالكيها الظاهريين ووكلاء الشحن والتأمين. وقد اتهمت وزارة الخزانة شبكات مرتبطة بإيران باستخدام عدد كبير من السفن لنقل النفط الخام والمنتجات النفطية إلى سوريا وآسيا وغيرها [30]

5- طبقة التسوية المالية: تضم المصارف، وشركات الصرافة، والحسابات الخارجية، والسلع البديلة، والمقايضة، والعملات غير الدولارية. وتعمل هذه الطبقة على تحويل عائدات النفط إلى موارد مالية يمكن استخدامها من قبل فيلق القدس وحزب الله.

خامساً: العلاقة بين فيلق القدس وحزب الله

تظهر العلاقة بين فيلق القدس وحزب الله في النموذج النفطي على مستوى التوجيه والتمويل والوساطة والاستفادة.

1- فيلق القدس كمركز للتوجيه والموارد

وفق بيانات وزارة الخزانة الأميركية، يؤدي فيلق القدس دوراً مركزياً في توجيه شبكات بيع النفط ونقله، وتوفير الموارد للجهات الحليفة. ولا يعني ذلك أن عناصر فيلق القدس تدير كل سفينة أو شركة مباشرة، بل إن دورها قد يتمثل في تأمين النفط، وتحديد الوسطاء، وتوفير الاتصالات، والإشراف على توزيع الإيرادات، وقد ذكرت وزارة الخزانة عام 2019 أن مسؤولاً بارزاً في فيلق القدس، هو رستم قاسمي، أشرف على شبكة واسعة تضم أفراداً وشركات نفط وشركات شحن وسفناً. كما قالت إن علي قصير، وهو لبناني مرتبط بفيلق القدس، أدى دوراً محورياً في التفاوض على أسعار السلع وتسوية مدفوعات السفن وتحديد الناقلات المستخدمة في العمليات[31]

2- حزب الله كمستفيد ووسيط

تقول وزارة الخزانة الأميركية إن حزب الله استفاد من عائدات شبكات النفط، وإن أفراداً مرتبطين بالحزب شاركوا في إدارة شركات وعمليات شحن ووساطة. وذكرت الوزارة أن شركتي Hokoul وTalaqi Group  كانتا من الشركات الواجهة المرتبطة بمحمد قاسم البزال، الذي وصفته بأنه مسؤول في حزب الله، ووفق البيان الأميركي، كانت Hokoul تؤمن النفط الخام الإيراني إلى شركة سورية، بينما كان أفراد مرتبطون بحزب الله يسيطرون على الالتزامات التعاقدية والمالية للشركة. كما تولى علي قصير التفاوض على توريد النفط، فيما تولت Talaqi Group تمويل شحنات النفط لمصلحة فيلق القدس.

وفي عام 2022، أشارت وزارة الخزانة إلى شبكة أخرى ضمت أفراداً وشركات وسفناً، وقالت إن الأرباح كانت تُوجه إلى شركات وحسابات مرتبطة بحزب الله وفيلق القدس. كما ذكرت أن محمد الزين، الذي وصفته بأنه عضو في حزب الله، استخدم فواتير مزورة لخدمات استشارية وشحن من خلال شركات صورية لإخفاء مصدر المعاملات المالية.

وتظهر العلاقة هنا في صورة تكامل وظيفي: فيلق القدس يوفر النفط أو التوجيه السياسي والأمني، مسؤولو حزب الله يديرون أو ينسقون بعض الشركات والصفقات، شركات الواجهة تخفي الملكية والمستفيد النهائي، السفن تنقل النفط والسلع، التجار يبيعونها في الأسواق الخارجية، الوسطاء الماليون يسوّون المدفوعات، تعود الإيرادات إلى الجهات المستفيدة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

سادساً: آليات إخفاء المصدر والملكية

1- تغيير اسم السفينة أو مالكها: قد تُنقل ملكية السفينة إلى شركة جديدة، أو تسجل تحت علم مختلف، أو تدار من دولة ثالثة. وتؤدي هذه العملية إلى فصل السفينة عن الجهة التي تملك النفط أو توجه العملية.

2- تغيير وثائق المنشأ: قد تقدم الشحنة على أنها قادمة من دولة مختلفة عن بلد المنشأ الحقيقي. وقد أشارت وزارة الخزانة إلى محاولات تقديم النفط الإيراني على أنه عراقي المنشأ أو تغيير الوثائق التجارية والبحرية الخاصة بالشحنة.

3- مزج النفط: قد يُمزج النفط الإيراني بمنتجات أخرى بهدف إخفاء خصائصه أو أصله. ففي عام 2022، قالت وزارة الخزانة إن شبكة خليجية استخدمت مرافق تخزين في ميناء الشارقة، ومزجت منتجات هندية بالنفط الإيراني، ثم عدلت أو زورت شهادات المنشأ والجودة قبل بيع الشحنة في الخارج.

4- النقل من سفينة إلى أخرى: يسمح النقل من سفينة إلى أخرى بتغيير مسار الشحنة وإخفاء نقطة الانطلاق أو السفينة الأصلية. كما يمكن أن يؤدي إلى قطع الصلة بين الحمولة والوثائق الأولى.

5- تعطيل أنظمة التتبع: ذكرت وزارة الخزانة في إحدى القضايا أن أفراداً مرتبطين بشبكة نفطية عبثوا بأنظمة التعريف الآلي للسفن، وزوروا وثائق الشحن، ودفعوا رشى لتجاوز القيود المفروضة على النفط الإيراني. ويؤدي تعطيل نظام التتبع إلى صعوبة تحديد مسار السفينة ومكان تحميلها وتفريغها [32]

6- إنشاء شركات متعاقبة: عندما تُدرج شركة على قائمة العقوبات، يمكن نقل عملياتها إلى شركة جديدة أو تغيير المديرين والمالكين الرسميين. وتُظهر هذه الممارسة أن الشبكة لا تعتمد على شركة ثابتة، بل على هوية تجارية قابلة للاستبدال.

7 – استخدام الدول الثالثة: تعمل الشركات في دول لا تكون جزءاً مباشراً من النزاع السياسي، لكنها توفر بيئة مالية وتجارية مناسبة لتسجيل الشركات أو السفن أو فتح الحسابات. وتسمح هذه الدول بفصل الجهة المستفيدة عن نقطة البيع أو الشحن.

سابعاً: كيف فككت الولايات المتحدة النموذج النفطي؟

اتبعت الولايات المتحدة استراتيجية مختلفة عن تلك التي استخدمتها ضد شبكة جمعة. ففي قضية جمعة، كان التركيز على المصرف وشركات الصرافة والحسابات والتجارة المرتبطة بالسيارات. أما في النموذج النفطي، فاستهدف التفكيك سلسلة كاملة تضم المورد والسفينة والشركة والميناء والمشتري والمصرف.

1- استهداف الجهة السياسية–الأمنية: بدأت الولايات المتحدة باستهداف فيلق القدس والحرس الثوري الإيراني والجهات التي تقدم له الدعم. ويؤدي هذا إلى وضع كل من يتعامل معه أمام خطر العقوبات، حتى إذا كان الطرف التجاري لا ينتمي إليه تنظيمياً.

2- استهداف المؤسسات النفطية: تستهدف العقوبات المؤسسات التي تنتج النفط أو تملكه أو تنقله، مثل وزارة النفط والشركة الوطنية الإيرانية للنفط والشركة الوطنية الإيرانية لناقلات النفط. ويؤدي ذلك إلى رفع المخاطر القانونية على كل مشترٍ أو وسيط يتعامل مع المورد الإيراني.[unicri

3- استهداف الشركات الواجهة: تُدرج الشركات التي تبيع النفط أو تشتريه أو تدير السفن أو تسوي المدفوعات. وبمجرد إدراجها، تصبح أصولها الواقعة ضمن الولاية الأميركية مجمدة، ويُمنع الأشخاص الأميركيون من التعامل معها.

4- استهداف السفن: يؤدي إدراج السفن إلى تعطيل قدرتها على الحصول على التأمين والتمويل والخدمات المينائية. كما تصبح شركات الشحن والموانئ أكثر حذراً، لأن التعامل مع السفينة قد يعرضها بدوره للعقوبات.

5- استهداف الوسطاء: تشمل الإجراءات الوسطاء التجاريين ومديري السفن ووكلاء الشحن وشركات التأمين والمشترين. ويهدف ذلك إلى ضرب الخدمات التي تحتاجها الشبكة حتى لو بقي النفط نفسه موجوداً.

6- التحذير من القطاع البحري: أصدرت وزارة الخزانة الأميركية تحذيرات إلى قطاع الشحن البحري بشأن أساليب إخفاء منشأ النفط وتغيير أسماء السفن واستخدام النقل من سفينة إلى أخرى وتعطيل أنظمة التتبع. وتؤدي هذه التحذيرات إلى تحويل شركات الشحن والتأمين والموانئ إلى أطراف رقابية إضافية.

7- الضغط على المصارف والمراسلين: تمنع العقوبات المصارف الدولية من تمويل الشحنات أو تسوية المدفوعات أو فتح حسابات للشركات المدرجة. كما تجعل المصارف أكثر تشدداً في التحقق من مالك السفينة ومصدر النفط والمستفيد الحقيقي.

ثامناً: تفكيك دينامية الشبكة

لم تكن الغاية الأميركية مجرد تجميد أصول شركة واحدة، بل تعطيل دينامية الشبكة نفسها، أي قدرتها على تكرار العملية وتوسيعها. ويمكن تحديد آليات التفكيك في الآتي:

1- تعطيل حلقة المورد: استهداف المؤسسات الإيرانية أو الجهات التي تملك النفط يجعل الحصول على المورد نفسه أكثر صعوبة، أو يرفع مخاطر التعاقد معه.

2- تعطيل حلقة الملكية: إدراج الشركات المالكة للسفن أو المديرة لها يمنع الشبكة من استخدام الهياكل القانونية لتغيير هوية المالك أو المدير.

3- تعطيل حلقة النقل: استهداف السفن وشركات الشحن يرفع كلفة النقل، ويصعّب الحصول على التأمين والموانئ والتمويل.

4- تعطيل حلقة البيع: يؤدي إدراج المشترين أو الوسطاء إلى تخويف الأسواق التجارية من شراء النفط أو البتروكيماويات المرتبطة بإيران أو فيلق القدس.

5- تعطيل حلقة التسوية: عندما ترفض المصارف وشركات الصرافة التعامل مع الشبكة، تصبح عملية تحصيل الإيرادات وإعادة توزيعها أصعب.

6- تعطيل حلقة المستفيد: تستهدف العقوبات الأفراد والشركات التي يُعتقد أنها تنقل العائدات إلى حزب الله أو فيلق القدس، ما يرفع كلفة التمويل ويزيد خطر المصادرة، وبذلك، تعمل العقوبات على تفكيك الشبكة أفقياً وعمودياً: أفقياً عبر استهداف عدة دول وشركات وسفن في الوقت نفسه، وعمودياً عبر استهداف المراحل المتتابعة من المورد إلى المستفيد النهائي.

تاسعاً: كيف عطلت العقوبات قدرة الشبكة على إعادة إنتاج نفسها؟

تكمن أهمية العقوبات الأميركية في النموذج النفطي في أنها تستهدف قدرة الشبكة على تكرار العملية، لا الأموال الموجودة فقط. فالتجميد التقليدي يوقف مبلغاً محدداً في حساب، أما الاستهداف الشبكي فيحاول تعطيل العملية قبل أن تبدأ أو أثناء تنفيذها.

وتتحقق هذه العملية عبر منع الوصول إلى المورد، جعل النقل البحري مكلفاً وخطراً، حرمان السفن من التأمين، إخافة المشترين الدوليين، إغلاق الحسابات المرتبطة بالشركات، مراقبة الوسطاء التجاريين، كشف المستفيد الحقيقي، تبادل المعلومات بين المصارف والموانئ والسلطات الجمركية، استخدام العقوبات الثانوية ضد المتعاونين.

ويؤدي ذلك إلى خلق «احتكاك مالي وتجاري» داخل الشبكة. فكل مرحلة تصبح أبطأ وأكثر تكلفة، وكل وسيط يطلب عمولة أعلى بسبب المخاطر، وكل عملية تحتاج إلى مزيد من الوثائق والواجهات، ما يقلل صافي الإيرادات التي تصل إلى فيلق القدس أو حزب الله.

كما أن استهداف الأسماء والملكية لا يكفي وحده؛ لذلك تتابع الولايات المتحدة صلات الملكية والسيطرة غير المباشرة. ووفق قواعد OFAC، قد تخضع الكيانات التي تملكها جهات مدرجة بنسبة 50 في المئة أو أكثر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، للحظر حتى لو لم يظهر اسمها منفرداً على القائمة. ويجعل ذلك تغيير الاسم أو نقل الملكية أقل فاعلية إذا بقيت السيطرة الفعلية لدى الأشخاص المدرجين

عاشراً: تفكيك البنية الدبلوماسية

تحول العقوبات هذه الشبكات إلى موضوع دبلوماسي، لا إلى ملف تجاري فقط. فعندما تعلن الولايات المتحدة أن شبكة نفطية تمول فيلق القدس وحزب الله، فإنها تضغط على الدول التي تستضيف الشركات أو السفن أو الحسابات.

ويحدث التفكيك الدبلوماسي عبر: تحذير الموانئ وشركات الشحن من التعامل مع السفن المدرجة، مطالبة الدول بتشديد الرقابة على الشركات الواجهة، تبادل المعلومات بين وحدات الاستخبارات المالية، الضغط على المصارف المراسلة لرفض المعاملات المرتفعة المخاطر، تهديد المؤسسات الأجنبية بالعقوبات الثانوية، إعادة تعريف التجارة مع إيران أو الجهات المرتبطة بحزب الله باعتبارها مخاطرة أمنية.

وقد أشارت وزارة الخزانة الأميركية إلى أن العقوبات البحرية لا تستهدف الشركات فقط، بل تسعى إلى توعية القطاع التجاري بأكمله بأساليب التحايل، بما في ذلك إخفاء هوية السفن وتزوير الوثائق وإجراء عمليات النقل من سفينة إلى أخرى، وبذلك، يصبح القطاع الخاص جزءاً من منظومة تنفيذ العقوبات. فشركات التأمين والموانئ والمصارف والمشترون لا تنتظر دائماً حكماً قضائياً، بل قد ينسحبون من العلاقة بمجرد ارتفاع المخاطر القانونية والسمعية.

حادي عشر: الفرق بين تفكيك شبكة جمعة وتفكيك النموذج النفطي

تضرب الولايات المتحدة شبكة جمعة والنموذج النفطي بوسائل مختلفة، رغم وجود عناصر مشتركة بينهما، الجدول التالي:

العنصرشبكة أيمن جمعةالنموذج النفطي
نقطة البدايةتجارة المخدراتالنفط والبتروكيماويات والسلع
شكل الموردأموال نقدية غير مشروعةسلعة تجارية مرتبطة بجهة خاضعة للعقوبات
وظيفة الشركة الواجهةتبييض المال وإخفاء مصدرهإخفاء منشأ السلعة والملكية والمستفيد
العقدة المركزيةالمصرف وشركات الصرافةسلسلة النفط والشحن والشركات والمصارف
الجهة المستفيدةاستفادة مزعومة لحزب اللهفيلق القدس وحزب الله وفق البيانات الأميركية
الأداة التجاريةالسيارات المستعملة والشحنالنفط والسفن والبتروكيماويات والمعادن
أسلوب التفكيكالمادة 311، عزل المصرف، مصادرة الأموالإدراج السفن والشركات والمشترين والوسطاء
نوع العزلعزل مؤسسة مالية عن المراسلةعزل شبكة تجارية–بحرية عن الأسواق
القدرة على الاستبدالاستبدال الصراف أو الشركةاستبدال السفينة والعلم والمالك والميناء والشركة
مستوى الارتباط بالدولةشبكة إجرامية تستخدم بنية رسميةشبكة مرتبطة، وفق الادعاءات، بموارد دولة وأجهزة أمنية

وتوضح المقارنة أن الولايات المتحدة ضربت شبكة جمعة من خلال العقدة المالية. ففي حالة المصرف اللبناني الكندي، كان عزل المؤسسة وشركات الصرافة كفيلاً بإضعاف مسار رئيسي لغسل الأموال، أما في النموذج النفطي، فقد ضربت الولايات المتحدة السلسلة التجارية والبحرية بأكملها. فلا يكفي عزل شركة واحدة، لأن الشبكة تستطيع تغيير السفينة أو الشركة أو الميناء أو الوسيط. ولذلك، تتطلب المواجهة استهدافاً متكرراً ومتعدد الطبقات.

ثاني عشر: الفرق في طبيعة الصلة بحزب الله

في شبكة جمعة، تبدأ العملية من نشاط إجرامي ربحي، ثم تنتقل عائدات هذا النشاط، وفق الادعاءات الأميركية، إلى قنوات أو أفراد مرتبطين بحزب الله. ولذلك، تمثل الحالة نموذجاً لـ«الجريمة المُمكِّنة للتمويل السياسي أو العسكري، أما في النموذج النفطي، فتظهر العلاقة بصورة أكثر مؤسسية وفق البيانات الأميركية. ففيلق القدس يمثل مركزاً لتوفير المورد أو التوجيه، بينما يظهر حزب الله كمستفيد أو وسيط أو مشرف على بعض الشركات والصفقات. ولذلك، تمثل الحالة نموذجاً لشبكة سياسية–أمنية تستخدم التجارة الدولية والطاقة والشحن لتوليد الموارد وإخفائها، ومن هنا، تختلف آلية التفكيك (جدول):

شبكة جمعةالنموذج النفطي
تلاحق الولايات المتحدة مصدر المال ومسار غسلهتلاحق مصدر السلعة ومسارها وملكيتها وعائداتها
تكون شركة الواجهة أداة لإدخال الأموال في النظام التجاريتكون شركة الواجهة أداة لإخفاء العلاقة بين النفط والجهة السياسية–الأمنية
كانت الضربة المركزية موجهة إلى مصرف وشركات صرافةتتوزع الضربة على السفن والشركات والموانئ والمصارف والمشترين

ثالث عشر: حدود التفكيك الأميركي

رغم هذه الإجراءات، لا يعني تفكيك الشبكة إنهاءها نهائياً. فالشبكة النفطية تتمتع بقدرة كبيرة على التكيف من خلال: استخدام ناقلات قديمة أو ما يسمى بالأسطول الظلّي، تغيير أعلام السفن وملكيتها، إنشاء شركات جديدة، استخدام حسابات في دول ثالثة، بيع النفط بخصومات مرتفعة، استخدام العملات المحلية أو المقايضة، مزج النفط وتغيير وثائق المنشأ، الاستفادة من وسطاء مستقلين، نقل المدفوعات عبر سلع بديلة.

كما أن اتساع الشبكة يجعل من الصعب ضمان التزام كل دولة أو شركة بالعقوبات. فقد تنسحب مؤسسات كبرى من التعامل، لكن تظهر مؤسسات أصغر مستعدة لتحمل المخاطر مقابل أرباح أعلى.

وعليه، تؤدي العقوبات إلى تقليص الإيرادات وزيادة كلفة العمليات، لكنها لا تزيل بالضرورة البنية الاجتماعية والتجارية التي تسمح بإعادة بناء الشبكة.

رابع عشر: موقع النموذج في نظرية الـ Nexus

يمثل النموذج النفطي شكلاً متقدماً من الرابطة بين الجريمة المنظمة والإرهاب أو التمويل السياسي–الأمني. ففي شبكة جمعة، تبدأ العملية من الجريمة المنظمة، ثم تنتقل العائدات إلى جهات سياسية أو عسكرية وفق الادعاءات الأميركية. أما في نموذج النفط، فتبدأ العملية من مورد مرتبط بدولة أو بجهاز أمني، ثم تستخدم الشركات والتجارة الدولية لتوليد العائدات أو إخفائها وتمويل حلفاء مسلحين.

ويمكن التمييز بين نموذجين، الأول الجريمة المُمكِّنة للإرهاب، وهو نموذج شبكة جمعة، حيث توفر المخدرات والتجارة غير المشروعة الأموال التي يمكن أن تستفيد منها جهة سياسية أو عسكرية، والثاني الشبكة السياسية–الأمنية المُمكِّنة للتجارة غير المشروعة، وهو النموذج النفطي، حيث تُستخدم الموارد النفطية والشركات والسفن والوسطاء لتوليد الإيرادات أو إخفائها، ثم تُوجه إلى فيلق القدس وحزب الله أو جهات حليفة وفق الرواية الأميركية.

وفي كلا النموذجين، تمثل الشركة الواجهة منطقة وسطى بين الاقتصاد المشروع والتدفقات غير المشروعة. لكنها تؤدي وظيفة مختلفة: ففي الحالة الأولى تخفي مصدر المال، وفي الثانية تخفي مصدر السلعة والملكية والهدف السياسي.

خاتمة الدراسة

تكشف دراسة النموذجين (شبكة جمعة والنموذج النفطي) عن تحول هيكلي في نموذج “الأمن الهجين”، فقد أجبرت العقوبات “الوكلاء” على الانتقال من “التمويل المالي المركز” (عبر المصارف) الذي كان يضمن استدامة المؤسسات الخدمية، إلى “التمويل التكتيكي الموزع” (عبر النقد، والشركات الواجهة، وعمليات المقايضة).

هذا التحول، رغم كونه أداة دفاعية للبقاء، إلا أنه أحدث “انفكاكاً وظيفياً”؛ حيث فقدت المليشيات قدرتها على إدارة الاقتصاد الكلي  أي سياسات الدولة القطاعية أو تقديم الخدمات العامة كأداة للشرعية، لتصبح “مشغولة بالبقاء المالي” بدلاً من “مشغولة بإدارة السلطة” او السيطرة على القطاع المصرفي او التغلغل به والتوظيف به حتى مما حرر الدولة اللبنانية من قبضة ايمن جمعة المحسوب على نبيه بري. هذا الاستنزاف هو جوهر ما يمكن تسميته “ضريبة الامتثال القسري”، حيث تستهلك عمليات التحايل جزءاً كبيراً من الموارد التي كانت مخصصة للنشاط العسكري أو السياسي.

من ناحية ثانية، تطرح النتائج إشكالية حادة حول مفهوم “السيادة المالية” في لبنان. فالعقوبات وضعت الدولة الوطنية أمام مأزق وجودي: إما الامتثال الكامل للنظام المالي الدولي (مما يعني خسارة القرار السيادي والتبعية المطلقة للمنظومة الدولارية)، أو التغاضي عن “الاقتصاد الموازي” (مما يعني فقدان الرقابة وانهيار المؤسسات الرسمية).

وتشير الدراسة إلى أن العقوبات لم تكن محايدة؛ بل “عرت الدولة” من أدواتها الرقابية، إذ أدى “خفض المخاطر المصرفية” (De-risking) إلى دفع السيولة النقدية خارج النظام البنكي، مما منح الاقتصاد الموازي (الذي تسيطر عليه قوى غير رسمية) حيزاً أكبر من الحركة، مما يجعل لبنان في حالة “سيادة منقوصة” تتأرجح بين ضغوط المانحين الدوليين ونفوذ قوى الأمر الواقع.

من ناحية ثالثة، تبين أن وظيفة الشركة الواجهة قد تطورت. في حالة “أيمن جمعة”، كانت الشركة أداة “لغسل الأموال” الناتجة عن الجريمة المنظمة. أما في “النموذج النفطي”، فقد تحولت الشركة إلى “بنية تحتية استراتيجية” لإخفاء المنشأ والملكية. هذا التطور يشير إلى أن الشبكة لم تعد تتعامل مع التجارة كغاية للربح، بل كأداة لتأمين استمرارية الشرايين المالية. ومع ذلك، فإن هذه الشركات تفتقر إلى الكفاءة الاقتصادية؛ فهي تعاني من تضخم التكاليف بسبب مخاطر العقوبات، والرشاوى، وعمولات الوسطاء، مما يقلل من صافي الإيرادات التي تصل إلى “الأصيل” (إيران). إنها “مؤسسات متعثرة” تعيش على هامش النظام الدولي، ولا يمكنها بناء نموذج تنموي مستدام.

من ناحية رابعة، من منظور “نظرية الوكالة” (Principal-Agent Theory)، أدت الضغوط المالية إلى تعميق الفجوة بين طموحات “الأصيل” (الأجندات الإقليمية الإيرانية) وحاجات “الوكيل” (حزب الله). عندما تتقلص الموارد المتاحة، يميل الوكيل إلى استراتيجية “البقاء الذاتي”. هنا تكمن الفرصة الاستراتيجية للدولة الوطنية؛ حيث أن انهيار قدرة المليشيات على تقديم الخدمات الاجتماعية (التي كانت تمثل عقد الولاء مع القواعد الشعبية) يخلق فراغاً يمكن أن يُعاد استغلاله من قبل مؤسسات الدولة، بشرط توفر الإرادة السياسية. العقوبات هنا ليست مجرد إجراء تقني، بل هي أداة “تفكيك اجتماعي” لعلاقة المليشيا ببيئتها الحاضنة عبر تقليص قدرتها على التمويل الخدمي.

بناءً على ما تقدم، يمكن القول إن العقوبات نجحت في إحداث “انفكاك هيكلي” منع تحول الروابط المالية إلى كيانات مؤسساتية مستقرة. لكن، في الوقت نفسه، أدت إلى نشوء نظام موازي شديد التعقيد (يستخدم العملات الرقمية، الأسطول الظلي، والمقايضة). إن نجاح العقوبات لا يقاس بإنهاء الشبكة تماماً، بل بقدرتها على إجبارها على “الإنفاق غير المنتج” على عمليات التحايل. إن تحول المليشيات إلى “مديرة مخاطر” بدلاً من “مشروع سياسي” هو التحول الأكثر عمقاً الذي أحدثته الدبلوماسية الاقتصادية، حيث تحولت هذه القوى إلى “مؤسسات استنزاف ذاتي” تنشغل بتأمين السيولة عن التوسع الاستراتيجي، وهو ما يمثل ذروة النجاح في “إدارة المخاطر الأمنية” للنظام المالي الدولي.

وأثبتت الدراسة أن العقوبات المالية الأميركية قد نجحت في إحداث “انفكاك هيكلي” (Structural Decoupling) للروابط المالية بين إيران وحزب الله، عبر استهداف سلاسل الـ (Nexus) التي تربط الموارد الإيرانية بالعمليات العسكرية:

(أ) تمثل أفريقيا في هذه الدراسة “العمق الاستراتيجي” الذي تعتمد عليه شبكات التمويل الإيرانية وحزب الله لتجاوز العقوبات. فبينما يتم استهداف المراكز في لبنان، تعمل أفريقيا كمسرح لغسل الأموال عبر التجارة (Trade-Based Money Laundering)، وتحديداً في قطاعات السيارات المستعملة، الذهب، والسلع الاستهلاكية. إن الـ Nexus في أفريقيا يعمل كـ “مُحول” (Converter)؛ حيث يتم تحويل النقد غير المشروع (المخدرات أو عائدات النفط الخاضع للعقوبات) إلى بضائع تجارية مشروعة، مما يمنح الشبكة قدرة على البقاء في بيئات رقابية هشة.

(ب) نجحت العقوبات في تفكيك هذا الـ Nexus عبر استهداف “السلسلة التجارية–البحرية” بأكملها. في النموذج النفطي، لم يعد التمويل يعتمد على التحويل المباشر، بل على “شبكة لوجستية” (ناقلات، شركات واجهة، تأمين). وقد فككت الولايات المتحدة هذا النظام عبر حرمان السفن من التأمين الدولي وملاحقة الوسطاء التجاريين، مما حول الموارد النفطية من “أصل مالي” إلى “عبء لوجستي” مكلف، وأجبر التنظيمات على اللجوء لـ “أسطول الظل” (Shadow Fleet) الذي يفتقر للكفاءة ويرفع تكلفة التمويل.

(ج) أدى استنزاف الموارد إلى انهيار “الدبلوماسية الشعبية”؛ حيث عجزت التنظيمات عن تمويل برامج الدعم الاجتماعي التي كانت تشكل “عقد الولاء”. ونتيجة لذلك، يعيش لبنان اليوم حالة “سيادة مالية منقوصة”، إذ دفع “خفض المخاطر المصرفية” (De-risking) السيولة نحو اقتصاد الظل، مما جعل الدولة رهينةً لاقتصاد الكاش، وفاقداً للقدرة على الرقابة.

 التوصيات

(أ) على المستوى الوطني (الدولة اللبنانية):

– السيادة المالية الاستباقية: إطلاق نظام مالي رقمي شفاف لسحب البساط من تحت “اقتصاد الكاش” وشركات الصرافة غير المنظمة التي تستغلها الشبكات العابرة للحدود.

– استعادة الدور الخدماتي: قيام الدولة بدورها في تقديم الخدمات الاجتماعية لتفكيك “عقد الولاء” بين المليشيا وبيئتها الحاضنة، لسحب أدوات التأثير الناعم من القوى غير الرسمية.

– الامتثال الاستراتيجي: تبني معايير الشفافية الدولية كخيار سيادي لحماية النظام المصرفي وإعادة ربط لبنان بالمنظومة الدولية.

(ب) على المستوى الدولي: تفكيك الـ Nexus العابر للحدود:

– الاستهداف الشبكي: التركيز على مراكز الثقل في أفريقيا وتركيا والدول الوسيطة التي توفر “غطاءً تجارياً” للشبكات، مع تكثيف المراقبة على “موانئ التحويل” التي يجري فيها مزج النفط أو تغيير وثائق المنشأ.

– التعاون الاستخباراتي-المالي: تفعيل تبادل المعلومات بين وحدات الاستخبارات المالية (FIUs) في الدول الأفريقية ولبنان والجهات الدولية لتطويق “سلاسل التوريد المالي” قبل اكتمال الصفقة.

(ج) على المستوى الأكاديمي:

ضرورة إجراء دراسات ميدانية حول “اقتصاد الأزمات” في أفريقيا ولبنان، لتحليل كيف تتحول السلع التجارية إلى أدوات تمويل إرهابي، ووضع أطر قانونية دولية لمعالجة “الأنظمة المالية الهجينة”.

تنويه: الآراء الواردة تُعبر عن آراء كاتبها (كاتبتها) ولا تُعبر بالضرورة عن مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية.


[1] Khwaileh, Khaled Mohammad, Nedaa K. Almawla, and Naheda Moh’d Makhadmeh. 2022. “The Impact of the United States Sanctions on International Relations.” Irbid National University / Yarmouk University, 72–91.

[2] Khatib, L. (2026). The Degradation of Iran’s Proxy Model. Belfer Center for Science and International Affairs, Harvard Kennedy School.

[3] Khwaileh, Khaled Mohammad, Nedaa K. Almawla, and Naheda Moh’d Makhadmeh. 2022. “The Impact of the United States Sanctions on International Relations.” Irbid National University / Yarmouk University, 72–91.

[4] Khwaileh, Khaled Mohammad, Nedaa K. Almawla, and Naheda Moh’d Makhadmeh. 2022. “The Impact of the United States Sanctions on International Relations.” Irbid National University / Yarmouk University, 72–91.

[5] https://www.securitycouncilreport.org/atf/cf/%7B65BFCF9B-6D27-4E9C-8CD3-CF6E4FF96FF9%7D/the-un-security-council-handbook-by-scr-1.pdf

[6] https://www.bdl.gov.lb/laws.php?page=3

[7] https://financialcrime.lu/col_slider/2025-11-14-FATF-Recommendation-7/

[8] https://legal.un.org/repertory/art41/english/rep_supp7_9_vol3_art41.pdf

[9] https://academic.oup.com/oxford-law-pro/book/59752/chapter-abstract/508029882?login=false&redirectedFrom=fulltext

[10] https://home.treasury.gov/system/files/246/SR-III-062009.pdf

[11] https://academic.oup.com/oxford-law-pro/book/56247/chapter-abstract/472946299?login=false&redirectedFrom=fulltext

[12] https://legal.un.org/repertory/art41/english/rep_supp7_9_vol3_art41.pdf

[13] https://legal.un.org/ilc/documentation/english/a_cn4_391.pdf

[14] https://legal.un.org/ilc/documentation/english/a_cn4_391.pdf

[15] https://legal.un.org/ilc/documentation/english/a_cn4_391.pdf

[16] U.S. Department of the Treasury. (2011, February 10). Treasury identifies Lebanese Canadian Bank SAL as a “primary money laundering concern”.[dea] https://home.treasury.gov/news/press-releases/tg1057

U.S. Department of Justice, U.S. Attorney’s Office for the Southern District of New York. (2013, June 25). Manhattan U.S. Attorney announces $102 million settlement of civil forfeiture and money laundering claims against Lebanese Canadian Bank.[unicri

[17]Special Investigation Commission–Lebanon. (2022). Annual report.[home.treasury]https://www.sic.gov.lb/sites/default/files/publications/SIC%20English%202022.pdf

Financial Action Task Force. (2023). Lebanon’s measures to combat money laundering and terrorist financing: Mutual evaluation report.[unicri] https://www.fatf-gafi.org/en/publications/Mutualevaluations/Lebanon-MER-2023.html

[18] Drug Enforcement Administration. (2011, January 26). DEA investigation leads to OFAC designation of Lebanese-based drug trafficking and money laundering network.[dea]https://www.dea.gov/press-releases/2011/01/26/dea-investigation-leads-ofac-designation-lebanese-based-drug-trafficking

[19] https://www.dea.gov/press-releases/2013/04/23/dea-investigations-lead-treasury-311-patriot-act-designation-against

[20] https://www.dea.gov/press-releases/2011/02/10/drug-investigations-lead-treasury-311-patriot-act-designation-against

[21] https://unicri.org/news/article/hague_good_practices_nexus_crime_terrorism

[22] https://www.un.org/securitycouncil/ctc/sites/www.un.org.securitycouncil.ctc/files/11.-leif-villadsen-unicri-presentation-new-york-260418.pdf

[23] https://www.fatf-gafi.org/en/publications/Mutualevaluations/Lebanon-MER-2023.html

[24] https://jamesjtennant.com/entries/ayman-joumaa-network/

[25] U.S. Department of the Treasury. (2019, September 4). Treasury designates vast Iranian petroleum shipping network that supports IRGC-QF and terror proxies.[dea] https://home.treasury.gov/news/press-releases/sm767

U.S. Department of the Treasury. (2022, November 3). Treasury sanctions oil shipping network supporting IRGC-QF and Hizballah.[unicri] https://home.treasury.gov/news/press-releases/jy1076

[26] U.S. Department of Justice, U.S. Attorney’s Office for the Southern District of New York. (2013, June 25). Manhattan U.S. Attorney announces $102 million settlement of civil forfeiture and money laundering claims against Lebanese Canadian Bank.[home.treasury]https://www.justice.gov/usao-sdny/pr/manhattan-us-attorney-announces-102-million-settlement-civil-forfeiture-and-money

[27] U.S. Department of the Treasury. (2020, October 26). Treasury sanctions key actors in Iran’s oil sector for supporting Islamic Revolutionary Guard Corps-Qods Force.[unicri] https://home.treasury.gov/news/press-releases/sm1165

U.S. Department of the Treasury. (2021, August 13). Treasury targets oil broker network supporting Qods Force.[dea] https://home.treasury.gov/news/press-releases/jy0320

[28] U.S. Department of the Treasury. (2024, January 31). Treasury sanctions Iranian IRGC-QF and Hizballah financial network.[unicri] https://home.treasury.gov/news/press-releases/jy2065

[29] https://www.dea.gov/press-releases/2011/02/10/drug-investigations-lead-treasury-311-patriot-act-designation-against

 [30] https://unicri.org/news/article/hague_good_practices_nexus_crime_terrorism

[31] https://www.dea.gov/press-releases/2011/02/10/drug-investigations-lead-treasury-311-patriot-act-designation-against

[32] https://digitallibrary.un.org/record/543728?ln=en

Admin

مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية: مؤسسة فكر وتخطيط استراتيجي تقوم على إعداد التقديرات وتقديم الاستشارات وإدارة المشروعات البحثية حول المتوسط وتفاعلاته الإقليمية والدولية. لا يتبنى المركز أية توجهات مؤسسية حول كل القضايا محل الاهتمام، والآراء المنشورة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى